الجمعة، 12 أكتوبر 2018

تهافت الفكر التكفيرى وسقوط التشدد السلفى



الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه الكرام ومن والاه ، وبعد. فانطلاقاً من قول النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : " الدين النصيحة . قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " .
وحيث إن الله تعالى يقول فى سورة العصر : " وَالْعَصْرِ (1) إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) " .
فقد عزمت بعد الاستخارة أن أتوجه إليكم بهذه النصيحة الى أدعياء السلفية المدخلية ....   التى أرجو أن تكون مقبولة سائلاً المولى تعالى أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا إتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وإلا يجعله علينا متشابهاً فنتبع الهوى ، والله الهادى للصواب . فأقول وبالله التوفيق :

1- لا يجوز اتهام المسلمين الموحدين الذين يصلون معكم ويصومون ويزكون ويحجون البيت ملبين مرددين : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " .

لا يجوز شرعا اتهامهم بالشرك كما تطفح كتبكم ومنشوراتكم ، وكما يجأر خطيبكم يوم الحج الأكبر من مسجد الخيف بمنى صباح عيد الحجاج وكافة المسلمين ، وكذلك يروع نظيره في المسجد الحرام يوم عيد الفطر بهذه التهجمات والافتراءات أهل مكة والمعتمرين ، فانتهوا هداكم الله تعالى ، وترويع المسلم حرام ، لا سيما اهالي الحرمين الشريفين ، وفي هذا المعنى نصوص شريفة صحيحة .

2- لقد كفرتم الصوفية ثم الاشاعرة وانكرتم واستنكرتم تقليد وإتباع الأئمة الأربعة ( أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ) في حين أن مقلدي هؤلاء كانوا ولازالوا يمثلون السواد الأعظم من المسلمين ، كما ان المنهج الرسمي لدولتكم والذي وضعه الملك عبد العزيز رحمه الله ينص على اعتماد واعتبار المذاهب الأربعة فانتهوا هداكم الله تعالى .

ومن كان كافرا بعد إسلامه فهو في حكم المرتد الذي يباح دمه فتذكروا حديث نبيكم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ( 1 ) .



3 - بعد ان فرغتم ممن سبق ، سلطتم من المرتزقة الذين تحتضونهم من رمى بالضلال والغواية الجماعات والهيئات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة والناشطة لإعلاء كلمة الله تعالى والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر كالتبليغ ، والإخوان المسلمين ، والجماعة (الديوبندية) التي تمثل أبرز علماء الهند وباكستان وبنغلاديش، والجماعة ( البريلوية ) التي تمثل السواد الأعظم من عامة المسلمين في تلك البلاد ، مستخدمين في ذلك الكتب والأشرطة ونحوها ، وقمتم بترجمة هذه الكتب الى مختلف اللغات وتوزيعها بوسائلكم الكثيرة مجانا، كما نشرتم كتابا فيه تكفير أهل ابو ظبي ودبي والاباضية الذين معكم في مجلس التعاون .

أما هجومكم على الأزهر الشريف وعلمائه فقد تواتر عنكم كثيرا .

4- ترددون جملة الحديث الشريف : " كل بدعة ضلالة " ( 1 ) بدون فهم للإنكار على غيركم ، بينما تقرون بعض الأعمال المخالفة للسنة النبوية ، ولا تنكرونها ولا تعدونها بدعة ، سنذكر بعضا منها فيما يأتي.

5- إنكم تغلقون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العشاء مباشرة – وهو الذي لم يكن يغلق قبلكم في حياة المسلمين – وتمنعون الناس عن الاعتكاف والتهجد فيه ، وتنسون قول الله تعالى :

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114] .

6- تفرضون على المؤذنين الحجازيين أسلوبا معينا في الأذان هو أسلوبكم في نجد ، وزمنا معينا محدودا ، وتطلبون عدم ترخيم الصوت وتحليته بنداء المسلمين لهذه الشعيرة العظيمة ( الصلاة ).

7- تمنعون التدريس والوعظ في الحرمين الشريفين ولو كان المدرس من كبار علماء المسلمين حتى لو كان من علماء الحجاز والأحساء ما لم يكن على مذهبكم وبإذن صريح منكم مكتوب ومختوم منكم فقط ويمنع غيركم حتى لو كان شيخ الأزهر الشريف ، فاتقوا الله ولا تغلوا في مذهبكم واحسنوا الظن بإخوانكم من علماء المسلمين .

تمنعون دفن المسلم الذي يموت خارج المدينة المنورة ومكة المكرمة من الدفن فيهما وهما من البقاع الطبية المباركة التي يحبها الله ورسوله ، فتحرمون المسلمين ثواب الدفن في تلك البقاع الشريفة المباركة ، فعن عبد الله بن عدي الزهري رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته واقفا بالحزورة يقول : "والله إنك لخير ارض الله واحب ارض الله الى الله ، ولولا أخرجت منك ما خرجت " ( 1 ) .

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استطاع ان يموت بالمدينة، فليمت بها ، فإني اشفع لمن يموت بها " ( 1 ) . 

9- تمنعون النساء من الوصول إلى المواجهة الشريفة أمام قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسلام عليه أسوة بالرجال ، ولو استطعتم لمنعتم النساء من الطواف مع محارمهن بالبيت الحرام، خلافا لما كان عليه السلف الصالح والمسلمون ، وتحقرون النساء المؤمنات المحصنات القانتات ، تنهرونهن ، وتحجبونهن عن رؤية المسجد والإمام بحواجز كثيفة ، وتنظرون إليهن نظرة الشك والارتياب . وهذه بدعة شنيعة لأنه إحداث مالم يحدث في زمنه عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح ، فقد كان يلي الإمام صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء ، يصلون جميعا وبلا حواجز خلفه صلى الله عليه وآله وسلم .

10- أتيتم بالمرتزقة والجهال من العابسين عند المواجهة الشريفة يستدبرون المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بأقفيتهم وظهورهم ويستقبلون زواره والمسلمين بوجوه عابسة مكفهرة تنظر إليهم شزرا متهمة إياهم بالشرك والابتداع يكادون أن يبشطوا بهم ، يوبخون هذا وينتهرون ذلك ويضربون يد الثالث ويرفعون أصواتهم زاجرين متجاهلين وناسين قول الله تعالى :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [ الحجرات : 2 ، 3 ، 4 ]

كل هذا مع الكبر والاستمرار في إهانة أحباب المصطفى وزواره المؤمنين في حضرته الشريفة وقبالة مضجعه الشريف الذي اعتبره شيخ الحنابلة ابن عقيل أفضل بقعة على اليابسة كما نقل ذلك عنه الشيخ ابن القيم في كتابه " بدائع الفوائد " ( 1 ) .

11- تمنعون النساء من زيارة البقيع الشريف بلا دليل قطعي مجمع عليه من الشرع ، وتضيقون على المسلمين في الزيارة إلا في أوقات محدودة وقصيرة ، حتى أن بعضهم ينتهز فرصة تشييع الجنائز ليزور البقيع الشريف .

وقد منعتم المزورين في المدينة المنورة من مرافقة الزائرين وقطعتم أرزاقهم وبدونهم صار الناس يتخبطون ولا يعرفون أماكن قبول آل البيت الكرام وأمهات المؤمنين والصحابة رضي الله عنهم ، وهذا ظلم وتعسف وقهر وبطر لا يرضاه الله تعالى ورسوله الكريم ، فانتهوا هداكم الله تعالى .

12- هدمتم معالم قبور الصحابة وأمهات المؤمنين وآل البيت الكرام رضي الله عنهم وتركتموها قاعا صفصفا وشواهدها حجارة مبعثرة ، لا يعلم ولا يعرف قبر هذا من هذا ، بل سكب على بعضها ( 1 ) (البنزين) فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

فهلا أبقيتم وسمحتم بالتحجيز وهو مباح ، وارتفاع القبر شبرا ، وهو مباح مع الشاهدين فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضع حجرا على قبر عثمان بن مظعون رضي الله عنه ثم قال : " أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي " ( 2 ) .



وقال خارجة بن زيد : " رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان رضي الله عنه وإن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه " ( 3 ) .

أنشأتم مكتب استجواب ومحاكمة وتحقيق في زواية الحرم النبوي ( القديمة سابقا ) وكذلك بجوار البقيع حاليا وصرتم تحاكمون فيها من ترقبونه يتوسل أو يكثر الزيارة أو يخشع أو يبكي أو يدعو الله تعالى أمام القبر الشريف متوسلا به إلى الله تعالى ، حيث توجهون لهم قائمة

من الأسئلة – الجاهزة سلفا – عن مشروعية الزيارة والتوسل والمولد الشريف فمن وجوتموه مخالفا لذلك سجنتموه وألغيتم إقامته وأبعدتموه من البلاد ، مع أن هذه أمور تدور بين الاستحباب والإباحة عند العلماء حتى عند الحنابلة فلا يجوز تكفير المسلم بها ومعاقبته .

وقد حدثني من أثق به من السجناء انه كانت الأغلال في يديه طيلة فترة السجن الذي امتد شهرا ، وكان يتوضأ ويصلي وهي في يده ، كما كان ممنوعا حتى من قراءة القرآن الكريم ، فاتقوا الله تعالى فإن الظلم ظلمات يوم القيامة .

ولا يجوز أن يكون فعل ذلك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعاملين الذي قال : " إنما أنا رحمة مهداة " ( 1 ) . وبعثه الله تعالى رحمة للعاملين فكيف بالمسلمين الذي تعاملونهم هذه المعاملة القاسية المنكرة بجواره الكريم وفي مسجده الشريف وهو القائل عليه الصلاة والسلام : " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " ( 2 ) . و " إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " ( 3 ) .

14- سمحتم لأحد المحسنين من أهل المدينة بهدم وإعادة بناء مسجد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في جبل الخندق على حسابه الخاص ، وبعد الهدم أوقفتم رخصة البناء لأنكم تعتبرون زيارة المساجد السبعة في موقع معركة الخندق النازلة فيها سورة الاحزاب بدعة ، بل وتتمنون هدمها .

- تمنعون الناس من ادخال وقراءة كتاب ( دلائل الخيرات ) للشيخ العارف بالله محمد سليمان الجزولي الحسني في الصلوات على النبي عليه الصلاة والسلام ، وكذا غيره من الكتب في حين أنكم تعلمون ما يدخل ويعرض من الكتب والمجلات والمطبوعات المنكرة شرعا ، فاتقوا الله تعالى . 16- تتجسسون وتلاحقون وتستجوبون وتعاقبون من يقيم مجالس الاحتفال والاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف التي تخلو من أي منكر في الشرع ، في حين لا تعترضون على مجالس اللهو والطرب والغناء ومظاهرها بشتى ألوانها وانواعها – فهل يجوز الكيل بمكيالين ؟ وهل تجوز إهانة المؤمن المحب ومراضاة الفاسق المستهتر ؟

17- تمنعون الأئمة من ( القنوت ) في المساجد في صلاة الصبح وتعتبرونه بدعة علما بأنه ثابت شرعا لدى إمامين من الأئمة الاربعة هما : الشافعي ومالك رضي الله عنهما فلماذا فرض الرأي الواحد ، والتضييق على المسلمين ؟ فاتقوا الله تعالى .

18- لا تعهدون بالإمامة في الحرمين الشريفين إلا لأحدكم ( من نجد ) وتحظرونها على من سواكم من علماء الحجاز والاحساء وغيرهم فهل هذا من العدل أو من الدين بالضرورة ، فاتقوا الله تعالى ، واقسطوا إنه تعالى يحب المقسطين . 

19- أعملتم معولكم في هدم آثار النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام في المدينة المنورة خاصة والحرمين الشريفين عامة ، حتى كاد أن لا يبقى منها الا المسجد الشريف وحده في حين أن الامم تعتز وتحتفظ بآثارها ، ذكرى وعبرة ودليلا على ماضيها التليد ، وترون أن كل اثر يقصد للاطلاع والزيارة شرك بالله تعالى … والله تعالى امرنا بأن نسير في الارض لننظر آثار المشركين فنعتبر بها كعاد وثمود الموجودة في ( ديار صالح – العلا قرب المدينة المنورة ) ، والتي لا تزال مزارا للسائحين حيث قال الله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ [ آل عمران : 137 ]

وقال تعالى : أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ غافر : 21 ، 22 ] .

فلما تحرمون المسلمين من مشاهدة معالم وآثار معركة بدر وأحد والحديبية وحنين والاحزاب وغيرها من ( أيام الله ) التي نصر بها رسوله وعباده الصالحين وهزم الشرك والمشركين ؟ فاتقوا الله وكونوا من أولي الألباب لعلكم ترحمون .

20- آويتم ( نصار الألباني ) ونصرتموه وسمحتم له بنشر كتابه : (أحكام الجنائز وبدعها) . الذي طالب فيه جهارا بإخراج قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الشريف ( 1 ) ،

21 - احتضنتم تلميذ الألباني ووكيله في الكويت ( عبدالرحمن عبدالخالق ) ووجهتم أتباعكم إليه وأمددتموه بالمدد الكامل وهو الذي هاجم في كتابه ( فضائح الصوفية ) عامة الأولياء الصالحين واعتبر كل الصوفية زنادقة باطنيين وضالين ولو كان منهم من أثنى عليه وزكاه ابن تيمية وابن رجب والذهبي وبقية مشايخكم المعتمدين عندكم ، وفي الحديث القدسي الصحيح : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ( 2 ) فاتقوا الله تعالى وانتهوا .

22- تنتهزون كل عام فرصة صيانة وصباغة وترميم المسجد النبوي الشريف ، لتزيلوا كثيرا من المعالم الإسلامية الموجودة في خلوة المسجد الشريف من الآثار النبوية للبوصيري ، وقد أردتم طمس البيتين الشهيرين – المكتوبين على الشباك الشريف – الواردين في قصة العتبي كما ذكرها ابن كثير في التفسير ( 1 ) :

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

فـطاب من طيبـهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنـه

فيه العـفاف وفيه الجود والكرم

لولا أن نهاكم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد عندما بلغه الأمر وأمر بإعادتها ، فما هذا الجفاء والصد عن نبيكم صلى الله عليه وسلم والواسطة بينكم وبين ربكم تعالى ؟ ما الامر الذي بينكم وبينه ؟ وكأنكم نسيتم قوله تعالى : وإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَ اللَّهِ لَهُم عَذّابُ أَلِيمُُ [التوبة : 61 ] . وقوله تعالى : وإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا [ الأحزاب : 57 ]

- سمحتم للمدعو مقبل بن هادي الوادعي المعروف بكثرة سبابه وطعنه على مخالفيه من العلماء والدعاة إلى الله وصلحاء هذه الامة كما تشهد بذلك كتبه واشرطته أن يتقدم ببحث في نهاية دراسته الجامعية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، بعنوان : ( حول القبة المبنية على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، وإشراف الشيخ حماد الأنصاري ، طالب فيها جهارا نهارا بإخراج القبر الشريف من المسجد النبوي واعتبر وجود القبر والقبة الشريفة بدعة كبيرة وطالب بإزالتها وهدمها.

ومنحتموه على ذلك درجة الفوز والنجاح !

فهل تكرمون من يحاد رسول الإسلام ، حبيب الله ، رحمة للعالمين وخليله عليه الصلاة والسلام ؟!

وقد وجه هذا الرجل المئات من أتباعه ومقلديه ونحوهم ممن تأثر بمذهبكم ، وجههم – وهم حاملي السلاح – إلى هدم ونبش قبور المسلمين الصالحين ( 1 ) في عدن باليمن منذ سنوات قليلة فعاثوا في الأرض فسادا وخرابا فنبشوا قبور الموتى بالمساحي ونحوها ، حتى أخرجوا عظام بعض الموتى وانتهكوا حرماتهم ، وأثاروا فتنة عمياء ، وبلغنا أنهم استخدموا في ذلك المتفجرات ( الديناميت ) في بعض المواضع في اليمن . ( وهذا كله في صحيفة أعمالكم ) . 26

- سميتم المصحف الشريف الذي أمر بطبعه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد جزاه الله خيرا ، بـ : ( مصحف المدينة النبوية ) بدلا من أن يسمى ( مصحف المدينة المنورة ) وكأنكم لا تقرون أن هذه المدينة المباركة قد استنارت بل استنارت الدنيا كلها ببعثة ورسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، وقديما هتفت جواري الأنصار عند هجرته الشريفة مرحبات :

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجـب الشكر علينا ما دعـا لله داع

فهو البدر والقمر والنور ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا وقال سبحانه : قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ المائدة : 15 ، 16 ]

وارجعوا إلى كتب التفاسير وهي كثيرة لتروا انهم فسروا النور في الآية الشريفة بأنه المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وهنا لا نجادلكم في نور ذاته الشريفة بل نقول : إنه عليه الصلاة والسلام ، كان نورا ورحمة بما جاء به من كتاب وسنة وهداية ، قال تعالى : وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ المائدة : 16 ]



- تصرون على تسمية الجهة المشرفة على شؤون الحرمين الشريفين ( رئاسة الحرم المكي والمسجد النبوي الشريف ) ولا تقولون ( الحرم النبوي الشريف ) وكذلك في إعلانات الطرق الدالة على ذلك والموجهة إليه .. فلماذا لا يكون مسجد صلى الله تعالى عليه وسلم حرما ؟!

كيف وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كلها حرما ، فقد قال عاصم بن سليمان الأحول : قلت لأنس : أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ؟ قال : نعم ، ما بين كذا إلى كذا ، فمن أحدث فيها حدثا ، قال لي : هذه شديدة ، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا.

وفي رواية عن أنس ايضا قال : " ثم اقبل حتى اذا بدا له احد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه ، فلما اشرف على المدينة قال : اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم ابراهيم مكة ، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم " ( 1 ) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المدينة حرم " ، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة ، والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف " .

تزوير التراث : دأبتم على أن تحذفوا مالا يعجبكم ويرضيكم من كتب التراث الإسلامي التي لا تستطيعون منع دخولهم المملكة لأن عامة المسلمين يحتاجون إليها ، وفي هذا اعتداء شرعي وقانوني على آراء المؤلفين من علماء السلف الصالح الذين لا يستطيعون مقاضاتكم في الدنيا بل عند الديان في الآخرة .. ومما حذف أو غير وزور :

كتاب ( الأذكار ) للإمام محيي الدين النووي وذلك في طبعة (دار الهدى ) بالرياض سنة 1409 هـ .

بتحقيق عبد القادر الارناؤوط الشامي ، استبدل (ص295) عنوان فصل في زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، بعنوان فصل في زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع حذف عدة اسطر من اول الفصل وآخره وحذف قصة العتبي التي ذكرها الامام النووي بكاملها .

وهذا اعتداء جائر على المؤلف وكتابه ، ولما روجع المحقق أجاب بأن وكلاءكم هم الذين غيروا وبدلوا ولدي صورة بخط يده بذلك .

حذفت عبارات لا تعجبكم من حاشية الصاوي على تفسير الجلالين .

حذف الفصل الخاص بالأولياء والابدال والصالحين من ( حاشية ابن عابدين الشامي ) في الفقه الحنفي .

حذف الجزء العاشر من الفاتوي لابن تيميه وهو الخاص بالتصوف في طبعتكم الأخيرة للفتاوي .

حاول الشيخ ابن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد ( سابقا ) أن يستدرك على ما لا يعجبه في كتاب ( فتح الباري بشرح البخاري ) للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني فأصدر مع معاونيه ( ثلاثة أجزاء ) ثم توقف عن التعليق . وقد فتح باب شر بهذه التعليقات .

فسح إلى ابي بكر الجزائري بأن يعمل تفسيرا للقرآن الكريم يكون بديلا ومنافسا لتفسير الجلالين ولبس على الناس انه هو ليتم ترويجه على العامة .

27 - في الوقت الذي تفصلون النساء عن ذويهن ومحارمهن في المسجد النبوي بحجة الغيرة على العرض والدين ، توقفون الرجال من اتباعكم امام مداخل النساء يستشرفونهن وكأنهم معصومون عن كل ما يصدر عن غيرهم ، كما انكم توقفون مراقبيكم من الرجال بين صفوف الطائفين والطائفات من الحجاج والمعتمرين يستشرفون وجوه النساء ، ويطالبونهن بالحجاب خلافا لما عليه الجمهور من وجوب كشف الوجوه عند اداء هذه الشعيرة .

28- لا تعترضون على من يرعب المسلمين الموجودين في الحرم المكي ويحقق معهم ثم يقبض عليهم اذا لم يجد معهمه ( سند الاقامة ) خلافا لقول الله تعالى عن الحرم الشريف : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [ آل عمران : 97 ] وهو ايضا مما يشوش ويعكر الصفو والهدوء والسكينة والهيبة على المعتكفين والركع السجود .

29- تمنعون وتمتنعون في المحاكم الشرعية عن إبرام عقود الزواج والنكاح بين المسلمين والمسلمات لكل مسلم غريب ومسلمة إذا كان زائرا ولا يملك سند الإقامة الدائم ، وهذه بدعة وظلم وفي ذمتكم لو ارتكب ما هو محرم شرعا .

30- ترفضون أن تسجلوا أي طالب للدراسات العليا في جامعاتكم إلا بعد أن تمتحنونه في ما تسمونه : ( العقيدة الصحيحة ) ولا تكتفون بأنه مسلم من عامة المسلمين الموحدين ، وهذه عصبية ممقوتة .

31- إذا اختلف معكم احد في موضوع أو امر فقهي أو عقدي ، اصدرتم كتبا في ذمه وتبديعه أو تشريكه ، ومع هذا لا تمنحونه حقه في الدفاع عن نفسه وتبرئتها من ذلك كما حصل مع السيد المالكي وأبو غدة والصابوني وغيرهم كثير .

32- سعيتم لبدعة كبيرة لم تسبقوا إليها حتى من اسلافكم في العقيدة والمنهج ، وهي انكم سعيتم لغلق وقفل ( البقيع الشريف ) ومنع الدفن فيه ونقل دفن الأموات الجدد إلى موقع آخر بعيد عن موقع الشرك والبدع في رأيكم ، ولمنع الناس من الدخول إلى البقيع وزيارة من فيه من الآل والصحابة والتابعين وبقية الصالحين ، ولكن الله تعالى أحبط مسعاكم وهيأ من قام بإبلاغ الملك فهد خادم الحرمين الشريفين بذلك ، فرفض ما نويتم وأمر بتوسعة البقيع الشريف حتى لا تكون الحجة عندكم ضيقه عن استيعاب من يموت من المسلمين .

33- رضيتم ولم تعارضوا هدم بيت السيدة خديجة الكبرى أم المؤمنين والحبيبة الأولى لرسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم المكان الذي هو مهبط الوحي الاول عليه من رب العزة والجلال ، وسكتم على هذا الهدم راضين أن يكون المكان بعد هدمه دورات مياه وبيوت خلاء وميضآت .



فأين الخوف من الله تعالى ؟ وأين الحياء من رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام ؟

34- حاولتم ولازلتم تحاولون وجعلتم دأبكم هدم البقية الباقية من آثار رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ألا وهو ( البقعة الشريفة التي ولد فيها ) التي هدمت ثم جعلت سوقا للبهائم ثم حولها بالحيلة الصالحون إلى مكتبة هي ( مكتبة مكة المكرمة ) فصرتم ترمون المكان بعيون الشر والتهديد والانتقام وتتربصون به الدوائر وطالبتم صراحة بهدمه واستعديتم السلطة وحرضتموها على ذلك بعد اتخاذ قرار بذلك من هيئة كبار علمائكم قبل سنوات قليلة ( وعندي شريط صريح بذلك ) غير أن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد العاقل الحكيم العارف بالعواقب ، تجاهل طلبكم وجمّده . فيا سوء الأدب وقلة الوفاء لهذا النبي الكريم الذي اخرجنا الله به وإياكم والأجداد من الظلمات إلى النور ! ويا قلة الحياءة منه يوم الورود على حوضه الشريف .. ! ويا بؤس وشقاء فرقة تكره نبيها سواء بالقول أو بالفعل وتحقره وتسعى لمحو آثاره ! . والله تعالى يقول لنا : وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى .

والله تعالى ممتنا على بني اسرائيل بطالوت وموسى وهارون : وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [ البقرة : 248 ]

وقال المفسرون : إن البقية المذكورة هي عصاة موسى ونعليه و…… إلخ .

واقرؤوا إن شئتم الأحاديث الصحيحة الواردة فيما يتعلق بآثار النبي صلى الله عليه وسلم واهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بها المذكورة في ثنايا أبواب صحيح البخاري ففيه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، وفيه الغنية لقوم يعقلون ويتدبرون .

35- كان أسلافكم حنابلة المذهب يتبعون ويقلدون مذهب الإمام الشيخ أحمد بن حنبل رضي الله عنه ابتداء من ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن عبد الهادي وابن قدامة المقدسي ومرورا بالزركشي ومرعي ابن يوسف وابن هبيرة والحجاوي والمرداوي والبعلي والبهوتي وابن مفلح وختاما بالشيخ محمد ابن عبد الوهاب وأولاده والمفتي محمد بن إبراهيم وابن حميد رحمهم الله تعالى جميعا …

ولكنكم الآن تخليتم عن هذا المذهب وقلتم ( إنكم سلفيون ) حيث أعلن الشيخ عبد العزيز بن باز ( القائم بالفتوى والارشاد ) لمجلة ( المجلة السعودية ) قريبا في مقابلة معه انه لا يلتزم ولا يعتمد على المذهب الحنبلي وفقه الحنابلة ، وأنكم تلتزمون بالكتاب والسنة فقط .

فسبحان الله تعالى … هل كان الإمام أحمد ، واخوانه الأئمة الآخرون إلا ملتزمين بذلك ؟ ام هل بلغتم والشيخ واتباعكم مرتبة ( المجتهد المطلق ) – ومرتبة الامام الذي يجتهد رأيه ولا يتبع أو يقلد من سبقه ؟! نعظكم أن تزعموا ذلك ونعوذ بالله تعالى من الجهل والغرور والدعوى وان نكون في الزمان الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : " إن بين يدي الساعة أياما ينزل فيها الجهل ، ويرفع فيها العلم ، ويكثر فيها الهرج والهرج القتل " .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا ، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " ( 1 ) .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا ، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " ( 2 ) .

سمحتم للصغار وسفهاء الأحلام بمهاجمة السلف الصالح الأعلام لهذه الأمة ومنهم حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى حيث سمحتم وفسحتم للمدعو محمود الحداد أن ينشر كتابا يزعم فيه أنه يجمع تخريجي العراقي والزبيدي لكتاب إحياء علوم الدين فبدأه بمقدمة رمى فيها الإمام الغزالي بالضلال وبعظائم الأمور .

وذلك طبعا بعد التهجم بشتى وسائل مطبوعاتكم على الإمام أبي الحسن الأشعري وأتباعه من السواد الأعظم من المسلمين منذ مئات السنين حيث وصفتموهم بالضالين المضلين ( راجعوا أعداد مجلتكم ، البحوث الإسلامية ، ومنهج أهل السنة والجماعة لسفر الحوالي وسواها) وقد اطلعت بنفسي الشيخ عبد الله عبد المحسن التركي وزير الأوقاف على بعض هذه الأعداد … ولم يتغير شيء .

37- ضيقتم ثم أوصدتم وأقفلتم ( باب النصيحة ) من المسلمين لأئمتهم وحكامهم وأولي الأمر منهم وأفتيتم بمعصية من يخالف ذلك وعاديتموه في الوقت الذي فيه المسلمون وحكامهم بأمس الحاجة إلى الوعظ والنصيحة بالحسنى وصلى الله تعالى على القائل : " الدين النصحية – قلنا لمن قال : " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ( 1 ) .

38- عبتم واستنكرتم على الخميني الزعيم الإيراني وصحبه اتخاذ الآية في قوله تعالى : إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ المائدة : 33 ] .

___

حجة شرعية لإصدار أحكام الموت والاعدام على خصومهم ، ولكنكم بعد ذلك اتخذتموها وليجة لفعل الأمر نفسه في حق خصومكم وطوعتموها لضرب اعناق الاغرار من الغرباء والمستضعفين ولو بقطعة ( حشيش اوقات ) ، لمأسمع أنكم استفتيتم ( مجمع الفقه الاسلامي ) الذي عندكم في جدة ولا استأنستم برأي غيره كالأزهر الشريف والعلماء الكبار من المسلمين في هذا الشأن كأنكم تناسيتم كقضاة ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ، إلا في الحدود " رواه أبو داود وغيره ( 2 ) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " . رواه الترمذي وقال : قد روي عنها ولم يرفع وهو أصح ( 1 ) .



قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ( 4/56 ) : " قال (البخاري) : وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن ابي وائل عن عبدالله بن مسعود قال : " ادرؤا الحدود بالشبهات ، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم " . وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضا موقوفا ، وروي منقطعا وموقوفا على عمر . ورواه ابو محمد بن حزم في كتاب الايصال من حديث عمر موقوفا عليه بإسناد صحيح ، وفي ابن ابي شيبة من طريق ابراهيم النخعي عن عمر : " لأن أخطئ في الحدود بالشبهات احب إلى من أن اقيمها بالشبهات " . وفي مسند ابي حنيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ الاصل مرفوعا " . ا هـ .

ونسيتم قوله تعالى وهو أصدق القائلين عن النفس البشرية : من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [ المائدة : 32 ]

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء " ( 1 ) .

فاتقوا الله تعالى ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، واحذروا موجبات الندامة يوم الحسرة والقيامة .

39- أغريتم الشباب الأغرار بمذهبكم وآرائكم المتشددة كجهيمان العتيبي قتيل الحرم المكي وجماعته وكان شيخكم شيخهم ومرشدهم يثوبون إليه ويرجعون ويصدرون عن آرائه هو والشيخ والجزائري ، وكانوا يسرحون تحت أنظاركم يضايقون المسلمين في الحرمين يأمرون وينهون ويمرحون حتى إذا قويت شوكتهم وطالت أظافرهم وارتكبوا فعلتهم واحيط بهم فسقطوا بين قتيل وجريح واسير .. قلتم انكم براء منهم ومما كانوا يفعلون .. وكتبهم ونشراتهم التي خلفوها خير شاهد ودليل على ذلك ، فمن آرائكم المتشددة استقت ومنها شربت حتى ثملت ولازلتم على استحياء تفعلون .. باسم الكتاب والسنة فاتقوا الله الذي إليه ترجعون .

40- كفّرتم الصوفية ثم الاشاعرة والماتريدية وهو سواد المسلمين ، ثم التفتم إلى الاخوان ، ثم التبليغيين ثم بقية الدعاة والمفكرين . فماذا ابقيتم غيركم من المسلمين ؟


41- منعتم الدروس إلا دروسكم والمذاهب إلا مذهبكم والوعظ إلا وعظكم والدعاة إلا دعاتكم فتعطلت مجالس العلم ودرست محافل الوعظ وخوت حلقات القرآن واستخفت مجالس الذكر فماذا غدا انتم لربكم قائلون .. ؟ يوم يقول : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ [ الصافات : 24 ]

42- كفرتم ابن عربي ثم ألحقتم به حجة الإسلام الغزالي ثم التفتم لأبي الحسن الاشعري وبعده قلتم ما ما ت حسن البنا شهيدا ولا كذلك الشهداء في افغانستان لأن عقيدتهم لم تكن صحيحة وسليمة بل كانوا احنافا مقلدة تائهين هالكين وابقيتم انفسكم وحدكم الناجين ، ونسيتم قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا قال الرجل : هلك الناس ، فهو أهلكهم " ( 1 ) .



أنشأتم جامعة في المدينة المنورة سميتموها (الجامعة الإسلامية) بجوار سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم فهرع الناس والعلماء إليها بفلذات أكبادهم وأبنائهم مسرعين فرحين لينهلوا من هذا المنبع ظانين أنها ستزيدهم محبة واتباعا لحبيبهم صلى الله عليه وسلم وآله الطيبين وأصحابه والتابعين .. فإذا بكم تدرسونهم كيف يجافونه ويجافونهم أجمعين .. وتجعلون الطلاب على بعضهم يتجسسون لينقلوا إليكم أسماء وأخبار من سميتموهم ( القبوريين ) الذين يكثرون الزيارة والسلام على سيد المرسلين ورحمة الله للعالمين حتى يكونوا من المحاربين المنبوذين المفصولين إلا من والاكم وأطاعكم فهو وحده الصادق الأمين .

ومن تخرج بكم وتشرب بآرائكم من الناجحين صرتم ترسلونهم إلى بلادهم وكلاء عنكم منذرين ومبشرين لتجديد إسلام آبائهم وأقوامهم الضالين بزعمكم ، وتغدقون عليهم الرواتب وتفتحون لهم المكاتب وتفسحون الميادين ، فتقوم القيامة وينشب الخلاف والعداء بينهم وبين العلماء والصلحاء من آبائهم وشيوخهم السابقين وكأنهم (قنابل موقوتة) عبأتموها وملأتموها بكل سوء ظن وحقد دفين مما جعل البلاد الإسلامية وخاصة إفريقيا وآسيا ساحة للمعارك والخلافات بين المسلمين بل وصل الامر هذا إلى البلدان الاسلامية التي استقلت حديثا من روسيا والى الاقليات والجاليات المسلمة في اوروبا وامريكا واستراليا وغيرها فإلى الله المشتكى .

44- لم يقل ابن تيمية ولا ابن القيم ولا احد من أئمة السلف من قبلهما أن الصوفية كلهم مشركون بل قالوا أن منهم من يصل إلى مقام الصديقين فراجعوا أن شئتم كتب الذهبي وابن رجب وفتاوي ابن تيميه ومدارج السالكين لابن القيم وغيرها . ولكنكم تكفرون الصوفية ( كافة ) وتصفونهم بالابتداع والشرك .

ويفعل الشيء نفسه احبابكم وتلاميذكم المحدثون كأمثال عبدالرحمن عبد الخالق والجزائري وزينو ودمشقية والألباني ، ومقبل الوادعي ومن لف لفهم فهل آراؤكم هذه تابعة للسلف الصالح ام انتم بها منفردون مبتدعون ؟! وهل يجوز بعدها أن تقولوا نحن سلفيون ولم يسبقكم سلفي إلى هذا الامر المقيت ؟!

45- بلاد امريكا وأوربا وصلها داؤكم الدفين فاشتعل الخلاف في مساجد ومدارس المسلمين هذا تابع لابن باز وابن عثيمين ، يكفر الصوفية والذاكرين وهذا أشعري أو ماتريدي وهذا ديوبندي أو بريلوي … إلخ ، يحارب بعضهم بعضاً ويحرم الصلاة خلفهم والزواج والتواصل فيما بينهم ويقطع أواصر الدين ، وقد شاهدت ذلك بنفسي وحضرت منع الخطيب من الخطابة في مسجد بأمريكا لأنه صوفي فقام الشجار بين المصلين … فالتوبة التوبة إلى الله رب العالمين القائل : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النور : 31 ]

46- إن ما يحصل من مذابح ومجازر ومآسي تشوه سمعة الإسلام وتفتك بالمسلمين خاصة كالتي في الجزائر ومصر أو التي حدثت في الحرم المكي ما هي إلى ثمرة خريجيكم وآرائكم وقراءة كتبكم ومطبوعاتكم التي بنيت على التكفير والتشريك والتبديع وسوء الظن بالمسلمين .

ولتتبينوا ويتبين الناس انظروا هل فيهم ( المتشددون ) صوفي أو أزهري أو أشعري أو مقلد للمذاهب الأربعة المجتهدين؟! وبعد أن أطلقتموهم سكتم ولزمتم الصمت وتفرجتم ولم تشجبوا أعمالهم ولم تكونوا لهم من الناصحين ، فليت شعري من هو ( لغوي المبيت ) ؟!

47- تتهمون المخالفين لكم من المسلمين بأنهم ة أو معتزلة مارقين . وأنتم الة لأنكم وافقتموهم في بعض آرائهم . وحقاً أنتم المعتزلة لأنكم شاركتموهم في إنكار الولاية والأولياء والكرامة والكرامات ، وحياة الموتى وتحكيم العقل في المغيبات من أمور الدين .

وقديماً قيل : ( رمتني بدائها وانسلت ) .

وقيـل :

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عـار عليك إذا فعلت عظيم

فهل أنتم للحق سامعون ؟!

48- تعملون عمل الخوارج ، فإذا جاءكم أحد من المسلمين – وخاصة طلبة العلم – تبدأون في عقيدته أصحيحة عندكم أم لا ؟ ما تقول في كذا ، وكذا … وأين الله ؟ و … ؟

وهكذا كان يعمل الخوارج فيما سبق فكانوا إذا جاءهم أو مر بهم المسلم الموحد امتحنوه فإذا خالفهم قتلوه – أما المشرك أو الكافر فيتلطفون به ويتلون الآية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ [ التوبة : 6 ] . أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [ القلم : 35 ، 36 ]

49- كان للمذاهب الأربعة في الحرم المكي منابر فهدمتموها ثم كراسي للتدريس فمنعتمونها وكان من آخرها كرسي الدكتور السيد محمد بن علوي المالكي الذي أحياه بعد أبيه وجده فضاقت أعينكم أن تراه فاتهمتموه بالضلال وبالكفر البواح في كتابكم ( الحوار ) ولولا أن أعانني الله تعالى فدافعت عنه بكتاب ( الرد المنيع ) ، ودافع عنه آخرون من أهل العلم في كتبهم ، وتدخل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد فحماه لكان الآن في خبر كان

وكان هناك علماء يدرسون في الحرم النبوي الشريف على المذاهب الأربعة من آخرهم الشيخ ( عبد الرحمن الجهني الشافعي ) صاحب كتاب (قطف الثمار في أحكام الحج والاعتمار) فمنعتموه حتى يحصل على تصريح من الشيخ ابن باز ولم يمنح له التصريح فأوقف .

ومنهم العلامة الوزع المفتي الشيخ سعيد اللحجي الشافعي رحمه الله تعالى ، أوقفه عن الدرس جاسوس لكم ، ولم تنجح المساعي لدى ابن باز لإعادة الشيخ اللحجي للدرس فحرم الطلبة من دروسه النافعة .

ومن قبله أوقف العلامة المحقق الشيخ إسماعيل عثمان الزين الشافعي رحمة الله عليه ، وضيق عليه ، فالله حسيبكم .

وبذلك أقفل في الحرمين الشريفين باب تدريس علوم المذاهب الأربعة ( المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي ) الذي كان مستمراً ومتواصلاً منذ العصور الزاهية للإسلام أيام التابعين وتابعيهم من خير القرون الممدوحة وحتى في أيام أسلافكم لما دخلوا الحجاز ، وتركتم المجال فيها للجزائري وصهره وأضرابه ينادي بأعلى صوته بجوار المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن ( أبوي النبي في النار ، أبوي النبي في النار ، يكررها ) ويرفع بها عقيرته ( 1 ) . فإنا لله وإن إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل .

وهذا في حسابكم وذمتكم عند الله الجبار – بلا خوف ولا وجل من الله تعالى القائل : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا [ الأحزاب : 57 ] ، والقائل : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ التوبة : 61 ]

50- كان هناك أثر ( مبرك الناقة ) ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد ( قباء ) يوم قدومه مهاجراً إلى المدينة في مكان نزل فيه قوله تعالى : لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [ التوبة : 108 ] ، فأزلتم هذا الأثر ، وكنا نشاهده حتى وقت قريب .

51- وكان في مسجد القبلتين علامة على القبلة القديمة إلى المسجد الحرام علامة على القبلة القديمة إلى المسجد الأقصى المنسوخة فأزلتموها باعتبارها بدعة .

52- أزلتم بستان الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه حيث كانت هناك نخلة غرسها النبي صلى الله عليه وسلم وردمتم بئر ( العين الزرقاء ) قرب قباء وبئر أريس (بئر الخاتم) ومنعتم مشاهدة بئر رومة التي اشتراها عثمان رضي الله عنه من اليهودي وأوقفها في سبيل الله . وهناك آثاراً أخرى كثيرة هامة إما أزيلت كلية أو غيرت معالمها .

53- وكان لأهل الأحساء من أصحاب المذاهب الأربعة مدارس خاصة لكل مذهب أغلقتموها ومنعتم التدريس فيها لأنه لا يجوز عندكم تدريس ما سوى مذهبكم في المدارس التي تشرفون عليها للذكور والإناث ، ولما صاروا يقيمون بعض الدروس في بيوتهم راقبتموهم وضايقتموهم وحاصرتموهم وتجسستم عليهم ، فهل هذه أعمال الدعاة الأبرار والرجال الأخيار التقاة الزهاد الورعين الخائفين من الله تعالى القائل : وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [ البقرة : 281 ]

والقائل : أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [ المطففين : 4 ، 5 ، 6 ]

54- وضعتم معاولكم في بيت الصحابي الجليل ( أبي أيوب الأنصاري ) الذي استضاف فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند قدومه المدينة المنورة قبل بناء حجراته الشريفة ، وقد حافظت عليه كل العهود السابقة بما فيها عهد أسلافكم فهدمتم هذا الأثر الشريف الذي كان في قبلة محراب المسجد النبوي الشريف وذلك بزعم أن المسلمين " المشركين " يتبركون به .

55- وهدمتم بجوار بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مكتبة شيخ الإسلام ( عارف حكمت ) المليئة بالكتب والمخطوطات النفيسة وكان طراز بنائها العثماني رائعاً ومميزاً .

هدمتم كل ذلك في حين أنه بعيد عن توسعة الحرم ولا علاقة له بها .



56- كما ردمتم ( بير حاء ) التي دخلت في التوسعة ولم تتركوا عليها أثراً أو علامة كأثر دخله النبي صلى الله عليه وسلم ورد ذكره في صحيح البخاري ( 1 ) وغيره . ولم تبقوا في المدينة المنورة من آثار المصطفى وأصحابه غير المسجد النبوي وحده فهلا التفتم لخيبر وغيرها وهل يجوز أن نقلد اليهود في إزالتهم لكل أثر إسلامي في القدس الشريف فنزيل آثارنا في المدينة المنورة ؟!

وماذا أبقيتم للأجيال القادمة ، من تراثنا المجيد ؟

57- وتوسعتم في إصدار الأحكام باسم الشرع الحنيف في قتل المخالفين لكم من أصحاب الرقية والعلاج الروحي وسميتموهم (سحرة) ولم تفرقوا بين المحقين منهم وبين المبطلين منهم ، وتركتم لأنفسكم مطلق الفتوى والحكم بذلك فأسلتم دماء الكثيرين من الأبرياء بحجة أنهم سحرة تستباح دماؤهم متناسين قوله تعالى : وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وقول البشير النذير صلى الله عليه وسلم : " أول ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء " . ( 1 )



فقفوا عند الحدود وادرؤها بالشبهات ، واتقوا يوم يقتص للجماء من القرناء ، يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [ النبأ : 40 ] ، وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [ البقرة : 281 ]


الخميس، 20 سبتمبر 2018

من مقتل عمر إلى مقتل الحسين جريمة واحدة بأدوات متعددة



  لم يكن العرب في تلك الحقبة من التاريخ يعرفون شيئاً عن الجرائم والمكائد السياسية إلا بحدود ضيقة جداً، ولم يكونوا يعرفون كذلك ما يسمى بحرب الوكالة وإن كانوا حطبها في شام الغساسنة وعراق المناذرة، حيث كانوا يتقاتلون نيابة عن القوتين العظيمتين (فارس والروم) اللتين تعلمتا بمرور الزمن كيف تتلافيان الصدام المباشر، وكيف تدبران المكائد بمختلف الأدوات والواجهات. هناك نقطة ثالثة لا تقل خطورة عن النقطتين السابقتين وهي الوعي بما يمكن أن يسببه فراغ السلطة المفاجئ لأية دولة مهما كانت قوية ومتماسكة،
 وهذا ما كان يدركه الفرس والروم بحكم تجاربهم السياسية العريقة وخبرتهم في الحكم وإدارة الدول والإمبراطوريات المتباعدة الأطراف، أما العرب فلا شك أنهم كانوا يفتقرون لهذه الخبرة حتى بعد اندفاعهم مجاهدين وفاتحين في شرق الأرض وغربها. نعم هناك حوادث جزئية حصلت في هذا السياق مبكرا، بيد أن هذه الحوادث لم ترق إلى مستوى تشكيل الخبرة والوعي اللازمين لمواجهة مثل هذه التحديات، فقد حاول بنو النضير اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حكم عليهم الرسول بالجلاء وهو لا شك علاج سياسي يتناسب مع جريمة سياسية بهذا الحجم، ولم يتعامل الرسول معها قضائيا كجريمة جنائية شخصية، وهذه سابقة في غاية الأهمية، وكان من الممكن أن تشكل مثالا يحتذى في الكثير من الحوادث التي حصلت فيما بعد خاصة تلك التي استهدفت مركز القرار في الدولة الإسلامية.

 تذكر بعض الروايات أيضاً أن عمر بن الخطاب كان قد هم بقيادة معركة القادسية بنفسه بعد أن بلغه مستوى الإعداد العالي والحشد الكبير لجيش الفرس إلا أن علياً وهو وزيره الأمين قد أقنعه بالعدول لأن الفرس سيكونون أكثر استماتة لقتل (رأس العرب) وإنهاء الدولة الإسلامية، وهذا يؤكد وجود مستوى من الوعي بأهمية الحفاظ على مركز القرار خاصة في أيام الأزمات والتحديات الخارجية، لكن الذي يظهر من مجريات الأمور فيما بعد أن هذا الوعي لم يترسخ في الأمة بصورة منهجية وعملية تناسب حالة الاصطدام المباشر مع إمبراطوريتين عظيمتين كانتا تقتسمان الهيمنة على أغلب المسكون من الأرض. ماذا يعني أن الخلفاء الراشدين لم يسلم منهم إلا الصديق –رضي الله عنهم أجمعين- بينهما قضى الثلاثة الآخرون عمر وعثمان وعلي غيلة وغدراً الواحد تلو الآخر؟! وهذه قضية أكبر من كل القضايا، ومسألة تحتاج إلى وقفة طويلة وجادة، لكن هذا لم يحصل وإلى اليوم!

 حيث تعامل معها المسلمون كحوادث مجزأة ومقطعة وكأنها جنايات شخصية لا أكثر، يدل على هذا تعامل المسلمين مع القتلة، ويكفي هنا الاستشهاد بوصية الخليفة الرابع بعد أن ضربه ابن ملجم على رأسه وهو متوجه لصلاة الفجر فقال: (إن بقيت فأنا ولي أمري، وإن قضيت فضربة كضربتي) ولا شك أن هذا هو أسمى حالات التجرد والبعد عن حظوظ النفس، وهو ما نفخر به بلا شك، لكن هل الذي قتل عليا كان عبدالرحمن بن ملجم؟ وهل الذي قتل عمر هو أبولؤلؤة؟ هل كانت كل هذه الجرائم المتتابعة والتي تستهدف رأس الدولة مجرد عداوات ونزاعات شخصية؟ حتى يخضع القاتل لواحد من الأحكام الثلاثة (القصاص أو الدية أو العفو)! ثم ينتهي الأمر! لقد عاقب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بني النضير جميعاً حينما حاول واحد منهم وهو عمرو بن جحاش قتله، وهؤلاء خلفاء الرسول وقادة الأمة من بعده واستهدافهم لا يختلف كثيراً عن استهدافه هو –عليه الصلاة والسلام- وقد كان من الممكن إجراء تحقيقات شاملة ودقيقة للتوصل إلى المجرم الحقيقي، حقيقة أني لم أجد تفسيراً مقنعاً سوى حالة التجرد والورع والتواضع التي كان يتميز بها الخلفاء الراشدون، وربما أنهم لم يشاؤوا أن يضفوا على أنفسهم اعتبارات القيادة والرمزية والموقع المحوري في الأمة وهم قريبون من لقاء الله، لكن الأمة كان عليها أن تقوم بهذا الدور، فحق الأمة أو الحق العام في هذه الجرائم حاضر وظاهر أكثر بكثير من الحق الشخصي، لكن الأمة على ما يبدو لم تكن قد تشكلت عندها ثقافة الجريمة السياسية وسبل التعامل معها، حيث كان المجتمع البدوي يميل بطبعه إلى الوضوح والصراحة والمواجهة بدل الأساليب الأخرى والتي انتعشت في الحواضر والدول المتقدمة والصراعات الخفية والعلنية على السلطة. حقيقة أن أبا لؤلؤة وابن ملجم والشمر لا يختلفون عن عمرو بن جحاش، فلماذا حفظنا أسماءهم ونسينا الرابع؟ لأننا تعاملنا معهم بمنظور الجنايات الشخصية، بينما تعامل رسول الله مع الأخير بمنظور الجريمة السياسية التي تتعدى الشخص المنفذ للجريمة إلى الجهة التي دفعته. إننا لا ننطلق من (عقدة المؤامرة) والتي أصبحت سلاحا ذا حدّين، وكلاهما يقتلان روح البحث العلمي والموضوعي، الأول في تبسيط الأمور وتسطيحها وتقطيعها بطريقة تفقد الباحث القدرة على الربط والتحليل والاستنباط العميق مما يوحي بتبرئة الخصوم من أية مكيدة أو مؤامرة وهذا يصادم المنطق والواقع بلا شك، والثاني في تعقيد الأمور وترسيخ ثقافة الشك والخوف من المجهول، وكأننا نعيش في عالم محكوم بالقوى الخفية من مردة الجن أو الإنس إلى الدرجة التي قد تصيبنا بالشلل وفقدان القدرة والرغبة في الدفع أو التغيير. إن التحقيق في اغتيال ثلاثة خلفاء وبالتتابع وما تبعه من حوادث جسام ومنها مقتل الحسين -رضي الله عنه- والتي ما زالت الأمة تئن تحت وطأتها وإلى اليوم لهو أكبر من مقالة أو بحث أو أي جهد فردي مهما كان، وعلى العلماء وكل التخصصات ذات الصلة والمؤسسات المعنية أن تولي هذا الموضوع الأهمية التي يستحق، ليس من أجل محاكمة الجناة، بل لتحصين الأمة وتلافي التداعيات الخطيرة والمستمرة وعلى مختلف الصعد والاعتبارات. لقد اختارت الأمة موقفا سلبيا ضعيفا حيث آثرت السكوت عن كل ما جرى، وانتشرت قولة من قال: ونسكت عن حرب الصحابة فالذي *** جرى بينهم كان اجتهاداً مجرداً والحق أن الذي جرى بينهم ليس بالضرورة أن يكون اجتهاداً مجرداً، فهم لم يكونوا وحدهم في الساحة، فهناك المنافقون الذين كانوا يكيدون للإسلام وأهله من أيام رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهناك المرتدون وهذا ملف آخر لم يحظ بالدراسة الكافية، فالمرتدون هؤلاء قد انخرطوا في جيوش المسلمين بعد القضاء على قادتهم، 
وليس من المنطقي تبرئتهم تماما مما حصل حتى بعد إعلان توبتهم، كيف وقد انشق على علي وهو الخليفة الشرعي أكثر من عشرة آلاف مقاتل في يوم واحد؟ ثم إن هذا السكوت لم يكن ملزما للآخرين، فقاموا بتقديم قراءة جديدة لكل ذلك التاريخ تعتمد على فرضية أخطر بكثير من الجريمة نفسها، وهي فرضية تآمر الأمة نفسها على دينها وعلى قادتها وعلى أهل بيت نبيها! مما يمهد لاختطاف هذه الرموز لصناعة أمة بديلة وبهوية جديدة، ثم الانتقام من الأمة الأصيلة بعد تجريمها وتحميلها كل ما جرى
هناك جملة من المعطيات لا بد من استحضارها لتكوين التصور الأولي للمشهد السياسي والاجتماعي في تلك المرحلة كمقدمة لتحليل الفتنة الكبرى وتجميع خيوطها ومعرفة من يقف وراءها، ومن تلك المعطيات:
 1 - الصراع الإسلامي اليهودي والذي اتخذ طابعا دمويا وصل إلى حد محاولة اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم والتحالف مع المشركين في غزوة الأحزاب، وقد نتج عن هذا مقاتلتهم في بني قريظة وخيبر وإجلاؤهم عن مساكنهم في المدينة المنورة، واليهود أهل حقد وحسد، ومن غير المنطقي ألا يحاولوا تعويض خسائرهم والثأر لقتلاهم كلما سنحت فرصة، ولقد رأيناهم اليوم وبعد شتات دام ثلاثة آلاف سنة تقريبا عن فلسطين كيف تجمعوا ليعيدوا كيانهم وهيكلهم المزعوم، وإذا كان التاريخ قد حفظ لنا اسم عبدالله بن سبأ ودوره الماكر في قتل الخلفاء وإثارة الفتن ومحاولة الاختراق العقدي والفكري، فإنه لا يستبعد أن يكون معه فريق من اليهود الذين تستروا تقية بالإسلام، إلا أن الدولة الإسلامية كانت تعتمد على القضاء لمعاقبة المجرمين ولم يكن لديها جهاز استخبارات يكشف ويمنع الجرائم قبل وقوعها خاصة تلك التي تتعلق بأمن الدولة ومركز القرار فيها.
 2 - ظاهرة النفاق، والتي بدأت عقب تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، ولقد كانت ظاهرة قوية ومؤثرة في عهده عليه الصلاة والسلام إلى الحد الذي تمكنت فيه مبكرا من سحب ثلث جيش المسلمين من معركة أحد! والمنافقون لا يتورعون عن التحالف مع اليهود أو المشركين، ولا يتورعون كذلك عن إثارة الفتن بين المهاجرين والأنصار بل وحتى داخل بيت النبوة؛ حيث تولوا كبر الإفك بحق أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق -رضي الله عنهما-. والسؤال الذي يرد بهذا الصدد؛ هذه ظاهرة تشكلت في المدينة من بعض الناس الذين تضررت مصالحهم بعد قيام الدولة الإسلامية، فكم هو حجم الذين تضررت مصالحهم في العراق والشام وحجم المنافسات الدنيوية في المال والمنصب والجاه بعد أن أصبحت كنوز كسرى بيد المسلمين؟ وإذا كان الوحي يتنزل على رسول الله ليكشف له أسماء المنافقين وأسرارهم فمن الذي يكشفهم بعد انقطاع الوحي وتوسع الرقعة الإسلامية من قرية (يثرب) إلى إمبراطورية العراق والشام ومصر؟! وإذا كانت يثرب وهي تنتمي إلى مجتمع البداوة البسيط قد أفرزت كل ذلك النفاق، فما صورة النفاق وأساليبه المتوقعة في مجتمعات الدول الكبرى التي كانت تحكم العالم في ذلك الوقت؟ 

3 - حركة الردة، حيث واجهت الدولة الإسلامية أكبر تحد لها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستلام أبي بكر الصديق لمقاليد الخلافة، وكان هذا التحدي بمستوى كاد يودي بالدولة الإسلامية كلها وربما بمفهومي الملة والأمة أيضا! لولا تعهد الله بحفظ هذا الدين ثم الحزم الذي أبداه الصديق في التعامل مع هذه الحركة، بيد أن الذي ينبغي التنبه له أن القضاء على حركة الردة كان بالقضاء على قادتها المتنبئين كذبا كمسيلمة وسجاح والعنسي.. إلخ لكن ليس هناك ما يطمئن أن جموع المرتدين قد خضعوا فعلا لتعاليم الإسلام وأشبعوا منه تربية وتفقها، ولا شك أن الكثير منهم قد انتدبهم أبو بكر بعد إسلامهم للحاق بجيش خالد والذي بدأ فعلا بمهمة فتح العراق. إن هؤلاء بحاجة إلى دراسة جادة ومدى علاقتهم برؤوس الفتنة خاصة أن ظاهرة الردة السياسية ونكث العهود قد كانت السمة الأبرز في الحياة السياسية للمجتمع العراقي بعد الفتح، ففي يوم واحد ينشق أكثر من عشرة آلاف مقاتل وينقضون بيعتهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم بعد ذلك ينكث الآلاف من أهل الكوفة وما حولها عهودهم ومواثيقهم للحسين بن علي -رضي الله عنهما- ومثل هذا كثير في تلك الحقبة وما بعدها. 
4 - العلاقات القديمة لبعض القبائل العربية بدولتي فارس والروم، فبالإضافة إلى المناذرة والغساسنة كان هناك الكثير من العرب الذين يروحون ويغدون إلى مقر الدولتين طلبا للرزق أو الجاه، ولا ننس هنا تأثير الروم في ردة الملك العربي جبلة بن الأيهم بعد إسلامه على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه! والعلاقة التي كانت لذي الجوشن الضبابي بكسرى قبل الإسلام حتى يقال إن كسرى هو من ألبسه الجوشن (الدرع) -عون المعبود شرح سنن أبي داود ج7ص225-، وهذه العلاقات قد تكون طبيعية في عصر ما قبل الإسلام إلا أن إمكانية توظيفها فيما بعد واردة وكل بحسب مشروعه ومصلحته. 

5 - دخول الكثير من الشعوب في الإسلام من عراقيين وشاميين ومصريين ومن العرب وغير العرب، وهؤلاء بالتأكيد لم تتح لهم فرصة التعمق في فهم الإسلام والنشأة على أصوله وقيمه كما كان المهاجرون والأنصار، ومن ناحية أخرى ربما كانوا يرون أنفسهم أكثر تحضرا وثقافة من الفاتحين أنفسهم، ولذلك انتعشت الفلسفات الغريبة عن الهدي النبوي، فظهر التمرد الفكري بثوب القدرية والجهمية.. إلخ كما ظهر التعالي على الصحابة وهم الفاتحون والأمراء كما في قصة أهل الكوفة مع سعد بن أبي وقاص والذين شكوه إلى عمر بن الخطاب لأنه لا يحسن الصلاة! حتى جاء في البخاري أن عمر قال لسعد: (يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي)! صحيح البخاري رقم 755. ثم تطور الأمر على يد الخوارج باتهام علي بن أبي طالب بالكفر وأنه لا يفهم عقيدة التوحيد الصحيحة! إن الخطورة في مثل هذا التعالي على صحابة رسول الله وإن اتخذ طابعا علميا في بداية الأمر لكنه لا شك قد جرّأ الغوغاء على النيل منهم بل وقتلهم كما حصل في مقتل طلحة والزبير وعلي والحسين، وهنا لا نستبعد الكيد السياسي في هذا التعالي أو الغرور العلمي، فمثلا في الوقت الذي كانت جموع الفرس تتجمع في نهاوند للانقضاض على جيش سعد كان أهل الكوفة يطلبون من عمر أن يعزل سعدا لأنه لا يحسن الصلاة! هذا التوقيت لا يمكن أن يكون عابرا ولا غبيا!

 6 - وجود حالة من المنافسة داخل البيت القرشي، وهي منافسة طبيعية لكنها قد توظف توظيفا آخر، فأبو سفيان كان زعيم قريش خاصة بعد موت أبي طالب وهجرة بني هاشم مع رسول الله إلى المدينة، وإذا كان الإسلام قد ألزم بني أمية ببيعة الرسول والخضوع لإمامته، فإنه ليس هناك من نص يلزمهم بالخضوع لبقية بني هاشم بعد رسول الله، كما أن أولاد العباس يرون أنهم الأقرب إلى رسول الله والأحق بإرثه حتى من علي وأولاده، فالعم مقدم في الإرث على ابن العم، وقد أنتج هذا نزاعا داخليا آخر بين بني هاشم (العباسيين والعلويين) حتى حسم الأمر للعباسيين فيما بعد. صحيح أن الجو العام في الأمة لم يتأثر بهذه الثغرات والتحديات، وكانت الفتوحات الإسلامية تتوالى في المشرق والمغرب، وأخبار النصر المتلاحقة تنعش النفوس وتجعلها أقدر على امتصاص الأزمات وحل المشكلات، إلا أن هذا لم يكن ليمنع حالات الالتفاف واستغلال هذه الثغرات من قبل الأطراف المهزومة أمام القوة العسكرية للمسلمين

كل واحد من تلك المعطيات ينهض بنفسه ليكون سببا منطقيا لارتكاب الجرائم السياسية في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة، وقد حصل هذا مبكرا حينما حاول بنو النضير اغتيال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يبعد عنه محاولات المنافقين للطعن في بيت النبوة وإثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار، ثم إعلان الردة المسلحة في اليوم الأول من خلافة أبي بكر والذي كاد يودي بالدولة والأمة. أما بعد الاصطدام المسلح مع جيش كسرى فإن خارطة الصراع الكلية قد تغيرت، فنحن أمام معادلة معكوسة أو مقلوبة، فهناك دولة كبرى قد انهار جيشها بيد أنها ما زالت تملك كل أدوات الدولة العميقة في مقابل دولة ناهضة بقوة عسكرية متقدمة لكن مع ضعف في أجهزتها الأمنية وخبراتها الإدارية والسياسية. وفق هذه المعادلة الجديدة فإنه من الطبيعي أن تتجه الأمور وجهة أخرى تعتمد الحرب الخفية الباطنية والمكائد السياسية، وهذا ما تؤكده كل الوقائع التي حدثت من مقتل عمر الفاروق وإلى مقتل الحسين -رضي الله عنهما- ولعلنا من خلال هذه العينات نستطيع أن نسلط الضوء على هذه المساحة الغامضة والخافتة: في مقتل عمر الفاروق -رضي الله عنه- تتردد ثلاثة أسماء: الهرمزان، وجفينة، وأبو لؤلؤة، قال عبدالرحمن بن أبي بكر غداة طعن عمر: «مررت على أبي لؤلؤة ومعه جفينة والهرمزان وهم نجيٌّ، فلما دهمتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فانظروا بأي شيء قتل عمر، فجاؤوا بالخنجر الذي ضرب به أبو لؤلؤة فإذا هو على الصفة التي وصفها به» الطبري 4/19. 

أما أبو لؤلؤة فهو عبد مجوسي كان يعمل حدادا ونجارا ونقاشا وقد استغل حاجة الناس في المدينة لهذه المهن فاستثني للاستقرار فيها بخلاف غيره من الغرباء، وقد توعد الخليفة الفاروق قبل أيام من قتله ثم نفذ وعيده، وأما جفينة فهو من نصارى عرب الحيرة المعروفين بولائهم لكسرى وقد قدّم نفسه لسعد بن أبي وقاص كمعلّم للقراءة والكتابة فبعث به سعد إلى المدينة واستقر فيها مع أبي لؤلؤة! وأما الهرمزان فقد كان حاكم الأحواز أيام كسرى وكان قائدا عسكريا كبيرا، ولم يسجل التاريخ الفارسي رجلا أكثر عنادا ودهاء ووفاء لفارس من الهرمزان، فقد قاتل المسلمين في أكثر من وقعة وحتى بعد انهيار جيش كسرى في القادسية، وقد عاهد المسلمين أكثر من مرة ثم غدر بهم، وفي حواره مع الخليفة عمر بعد أسره أبدى دهاء لا مثيل له ومعرفة بعادات العرب وطبائعهم، وقد أعلن إسلامه لعمر فأبقاه في المدينة. إنه لمن المؤسف في تاريخنا أن تجد نقاشا طويلا حول الأحكام الفقهية والقضائية المتعلقة بقيام عبيد الله بن عمر بقتل الهرمزان، وهل كان عليه القصاص أو لا؟

وهل يجوز لولي الأمر عثمان بن عفان أن يفتديه بالدية؟ وما إلى ذلك. ثم لا نجد أي جهد تحليلي لمعرفة الدوافع الكامنة وراء هذه الجريمة الكبيرة! في مقتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- تظهر مسألة جديدة تكاد تكون المحرك الأول لهذه الفتنة وهذه الفجيعة، ولم يقف عندها علماؤنا ومفكرونا بالقدر الذي تستحق، ألا وهي مسألة (الرسائل)؛ حيث يجمع المؤرخون على أن الحسين حينما غادر العراق واستقر في الحجاز بعد مقتل أبيه وتنازُل أخيه الحسن بدأت تصله رسائل كثيرة من أهل العراق لا حصر لها، حتى أوصلها بعضهم إلى خمسمئة رسالة يؤكدون له فيها عهد عشرات الآلاف له بالسمع والطاعة وأنهم ليس لهم إمام وقد رفضوا بيعة يزيد، وقد ظهرت أسماء كثيرة كانت مهمتهم نقل هذه الرسائل من أبرزهم عبدالله بن مسمع الهمداني وهو شخص غير معروف إلا من خلال هذه المهمة! إن الذي يستدعي الانتباه هنا هو خوف الحسن بن علي على أخيه الحسين من هذه الرسائل! وذلك لا شك بحكم خبرته بأهل العراق، حيث روى الطبري أنه كان يلقي بالكتب التي ترده في مخضب ولا يفتحها فقيل له في هذا فقال: «هذه كتب أهل العراق من قوم لا يرجعون إلى حق ولا يقصرون عن باطل، أما فإني لست أخشاهم على نفسي ولكني أخشاهم على ذلك وأشار إلى الحسين» صحيح الطبري 4/122. 

وقد كان موقف علماء الصحابة الكبار كعبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس وعبدالله بن الزبير لا يختلف عن موقف الحسن، فقد قال ابن الزبير للحسين يوم خروجه: أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك، وقال ابن عباس لحظة الوداع: أستودعك الله من مقتول. صحيح الطبري 4/118. لقد أدرك الحسين صوابية رأي هؤلاء الصحابة بعد أن واجه أهل الكوفة في الطف فأنكروا رسائلهم، ولحد اليوم لا توجد دراسة علمية رصينة حول هذه الرسائل، وهي ربما لا تختلف كثيرا من حيث المغزى والنتيجة عن الكتاب الذي كان عليه ختم عثمان بن عفان والذي أشعل الفتنة في عهده. وقد أكد أولاد الحسين هذه الحقيقة فقد قالت سكينة بنت الحسين: «يا أهل الكوفة يا أهل الغدر والنفاق لقد يتمتموني صغيرة وأيمتموني كبيرة -تشير إلى قتلهم لزوجها مصعب بن الزبير بعد فاجعة الحسين- فقتلتم أبي وجدي وعمي وأخي وزوجي، ألا بعدا لكم ولمكركم» تاريخ ابن كثير 8/230، 

ويقول زين العابدين علي بن الحسين: «هيهات أيها الغدرة المكرة.. أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل» الاحتجاج للطبرسي من علماء الشيعة 2/32. وجاء في رجال الكشي عن جعفر الصادق: «لو قام قائمنا لبدأ بكذابي شيعتنا فقتلهم.. وإن ممن ينتحل هذا الأمر لمن هو شر من اليهود والنصارى والذين أشركوا» ص253. وقبل هؤلاء جميعا كان عمهم الحسن يقول: «يزعم هؤلاء أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وأؤمن في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيعوا أهل بيتي وأهلي، ولو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه» الاحتجاج 2/10، وسبحان الله كأنها نبوءة في مصير الحسين الذي لاقاه على أيديهم. إن هذه المقولات تدل بوضوح أن هناك شيئا ما أكبر بكثير من موضوع الخطأ الفردي أو التقصير، 

وهو ما دفع الحسن للصلح مع معاوية بالفعل، وما دفع الحسين أيضا حيث عرض على أهل الكوفة أن يرسلوه إلى يزيد أو يسمحوا له بالجهاد على ثغر من ثغور الإسلام أو يرجع إلى الحجاز، لكن الشمر أقنع ابن زياد برفض كل هذه المطالب. إن هذه الفتنة لم تقف عند هذا الحد، ففي كل مواجهة حادة تظهر بلبوس جديد لتطعن الأمة في ظهرها أو في خاصرتها، لقد وقف نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي مع هولاكو في تدميره لبغداد، وتحالف الصفويون مع الصليبيين لإجهاض الفتوحات الإسلامية في أوروبا أيام العثمانيين، يقول علي شريعتي: «من القضايا الواضحة وجود نحو ارتباط بين الصفوية والمسيحية حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية» التشيع العلوي ص206. إن ما يحصل اليوم لا يمكن أن ينفك عن كل ذلك التاريخ بعد أن أصبح هوية وثقافة ومحركا محوريا للكثير من السياسات والمشاريع التي نواجهها على مختلف الصعد

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

هل تتغير الفتوى بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف .. وما الدليل على صحة هذا القول ؟


تغيير الفتوى بتغيير الأزمنة
والأمكنة والأحوال والأعراف
  أن أحكام الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، وإقامة اقسط بينهم، وإزالة المظالم والمفاسد عنهم، وهذا ما ينبغي مراعاته عند تفسير النصوص وتطبيق الأحكام، فلا يجمد الفقيه على موقف واحد دائم، يتخذه في الفتوى أو التعليم أو التأليف أو التقنين، وإن تغير الزمان والمكان والعرف والحال، بل ينبغي مراعاة مقاصد الشريعة الكلية وأهدافها العامة، عند الحكم في الأمور الجزئية الخاصة.

·      كلام ابن القيم في تغير الفتوى:
ومن ثم قرر المحققون كالعلامة بن القيم وغيره: "أن الفتوى تتغير وتختلف باختلاف الأزمنة والعوائد، والنيات" وعقد الإمام ابن القيم لذلك فصله الممتع في كتابه "إعلام الموقعين" وقال في مقدمة هذا الفصل كلمته التي أصبحت مناراً يهدتي به بعد:
       "وهذا فصل عظيم النفع جداً، وقع –بسبب الجهل به- غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يُعلم أن الشريعة الباهرة- التي في أعلى رتب المصالح- لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كله، ومصالح كلها، وحكمة كلها...
       فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل".
       فالشريعة عدل الله بين عبادة ورحمته بين خلقه وظله في أرضه، وحكمته الدارة عليه وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نورة الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل[1].
*  *  *  *
·       الأحكام الثابتة والأحكام المتغيرة:
وليس معنى هذا أن أحكام الشريعة كلها قابله لتغير الفتوى بها، بتغير الزمان، والمكان والعرف، فمن أحكام الشريعة ما هو ثابت عام دائم، ولا مجال فيه للتغير والاختلاف مهما دار الفك وتغيرت الظروف والأحوال.....
       وفي هذا يقول ابن القيم نفسه في كتابه "إغاثة اللهفان"[2]:
       الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة، ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأثمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقررة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.
       والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له، زماناً، ومكاناً، وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشرع ينوع فيها بحسب المصلحة، بعد أن ذكر ابن القيم جملة من الأمثلة والوقائع الدالة على ذلك، قال: "وهذا باب واسع. اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التي لا تتغير، بالتعزيزات التابعة للمصالح وجوداً وعدماً".
       وهذا الذي قرره المحقق ابن القيم بقوة ووضح، وقرره –بصورة ما- علماء محققون في المذاهب الأخرى مثل الإمام القرافي المالكي في كتابه "الإحكام" وكتابه "الفروق"، ومثل العلامة الحنفي ابن عابدين في رسالته "نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف" كما بيّنا ذلك في كتابنا "شريعة الإسلام"[3].
*  *  *  *

·       هل لتغير الفتوى دليل من القرآن؟
هذه القاعدة الجليلة التي تقرر تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال النيات والعوائد: هل نجد لها أصلاً ودليلاً من القرآن والسنة؟
أما السنة، فقد ذكر ابن القيم عدة أمثلة منها، ومن أقوال الصحابة وأفعالهم، وسنفصّل ذلك فيما بعد.
وأما القرآن فم يحاول ابن القيم –رحمه الله- أن يستدل به، ولم أر أحداً غيره حاول الاستدلال به على ذلك أيضاً.
ويلوح لي أن من يدقق النظر في كتاب الله، يجد فيه أصلاً لهذه القاعدة المهمة، وذلك في عدد من الآيات التي قال كثير من المفسرين فيها: منسوخة وناسخة.
والتحقيق أنها ليست منسوخة ولا ناسخة، وإنما لكل منهما مجال تعمل فيه، وقد تمثل إحداهما جانب العزيمة، والأخرى للندب ولاستحباب، أو إحداهما في حال الضعف، والأخرى في حال القوة.... وهكذا...
نضرب لذلك مثلاً قوله تعالى في سورة الأنفال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ)[4]، ثم قال: (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)[5]
والمعنى كما يقول صاحب المنار: "إن أقل حالة للمؤمنين مع الكفار في القتال أن ترجح المائة منهم على المائتين، والألف على الألفين، وإن هذه الحالة رُخصة بحال الضعف، كما كان عليه المؤمنون في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات، وهو وقت غزوة بدر، فقد كانوا لا يجيدون ما يكفيهم من القوت، ولم يكن لديهم إلا فرص واحد، أو فرسان، وأنهم خرجوا بقصد لقاء العير، غير مستعدين للحرب، ومع هذا كله كانوا أقل من ثُلث المشركين الكاملي العُدة والأهبة.
       ولما كملت للمؤمنين القوة، كما أمرهم الله تعالى أن يكونوا في حال العزيمة كانوا يقاتلون عشرة أضعافهم أو أكثر، وينتصرون عليهم، وهل تم لهم فتح ممالك الروم والفُرس وغيرهم إلا بذلك؟ وكان القدوة الأولى في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده ومن بعده".
       وذهب بعض المفسرين إلى أن آية العزيمة من هاتين الآيتين منسوخة بآية الرُخصة التي بعدها، بدليل التصريح بالتخفيف فيها: (الأن خفف الله عنكم) ولكن الرُخصة لا تنافي العزيمة، ولا سيما وقد عُللت هنا بوجود الضعف، ونسخ الشيء لا يكون مقترناً بالأمر، وقبل التمكن من العمل به، والظاهر أن الآيتين نزلتا معاً.
       وروى البخاري عن ابن عباس –رضي الله عنه- قال: "ولما نزلت: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين....) شق ذلك على المسلمين، حين فرض عليهم ألا يفر أحد من عشرة! فجاء التخفيف، فقال: (الأن خفف الله عنكم وعم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين....) الحديث".
       وهذه الرواية لا تدل على النسخ الأصولي الذي زعمه بعضهم –وهو رفع الحكم الذي تضمنته الآية الأولى، وانتهاء العمل به إلى الأبد- فقد تبين أن الآية الأولى عزيمة، أو مقيدة بحال القوة، والثانية رُخصة بحال الضعف.
       ومعنى هذا أن الآية الثانية تشرع لحالة معينة، غير الحالة التي جاءت لها الآية الأولى، وهذا أصل لتغير الفتوى بتغير الأحوال.
       ومثل ذلك آيات الصبر، والصفح، والعفو، والإعراض عن المشركين ونحو ذلك، مما قال كثير من المفسرين: نسختها آية السيف. فالحق: أن لهذه الآيات وقتها ومجالها، ولآية السيف وقتها ومجالها كذلك، ولهذا يجعلها السيوطي من قسم المنسأ، لا من قسم المنسوخ.
       قال الإمام السيوطي في "الإتقان" في النوع الثاني والأربعين من علوم القرآن وهو ما يتعلق بناسخه ومنسوخه: "النسخ أقسام...." وذكر الأول والثاني منها ثم قال: "وثالثهما: ما أمر به لسبب ثم يزول كالأمر –حين الضعف والقلة- بالصبر والصفح (أي مع الأعداء المحاربين) ثم نسخ بإيجاب القتال".
قال: وهذا في الحقيقة ليس نسخاً، بل هو من قسم "المنسأ" كما قال تعالى: (أَوْ نُنسِهَا)[6]: فالمنسأ الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى.
       قال: وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك، بل هي من "المنسأ" بمعنى: أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما، لعله تقتضي الحكم، بل ينتقل بانتقال تلك العلّة، إلى حكم آخر وليس بنسخ، إنما النسخ: الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله[7].
*  *  *  *  *
·      أصل تغير الفتوى من السنة:
الناظر في السنة النبوية يجد لهذه القاعدة –تغير الفتوى- أصلاً فيها، ودليلاً عليها، في أكثر من شاهد ومثال. وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير"[8] بالإشارة إلى الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة: "أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم، فرخص له، وآتاه آخر فسأله، فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، وإذا الذي نهاه شاب".
      وهذا الحديث ضعيف السند لا يعتمد عليه في إثبات هذه القاعدة المهمة إلا أن لهذا الحديث شاهداً بشد أزره، رواه الإمام أحمد في مسنده، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب، فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم. فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علمت نظر بعضكم إلى بعض. إن الشيخ يملك نفسه"[9].
على أن الاستدلال لهذه القاعدة الجليلة لا يتوقف على هذا الحديث، أو ذاك، فهناك أحاديث صحاح يمكن الاستدلال بها، مثل: حديث سلمة بن الأكوع، عند البخاري، وغيره. قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ضحى منكم، فلا يصبحن بعد ثلاثة، ويبقى في بيته منه شيء".
فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ قال: "كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد (أي شدة وأزمة) فأردت أن تعينا فيها".
      وفي بعض الأحاديث: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت" يعني القوم الذين وفدوا على المدينة من خارجها.
      ومعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام في حالة معينة، ولعلة طارئة، وهو وجود ضيوف وافدين على المدينة في هذه المناسبة الطيبة، فيجب أن يوفر لهم ما يوجبه كرم الضيافة، وسماحة الأخوة من لحم الضحايا، فما انتهى هذا الظرف العارض، وزالت هذه العلة الطارئة، زال الحكم الذي أفتى به الرسول تبعاً لها، فإن المعلول يدور مع علته وجوداً وعدماً، وغير النبي الكريم فتواه من المنع إلى الإباحة، ولهذا صرح في أحاديثه بإباحة الإدخار بعد ذلك قائلاً: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، فكلوا وأطعموا، وادخروا" كما في الصحيح.
      فهذا مثل واضح لتغير الفتوى بتغير الأحوال.
      وأكثر الفقهاء على اعتبار هذه الإباحة نسخاً للنهي المتقدم، ويذكرن هذا الحديث مثلاً من أمثلة النسخ، كحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها".
      والتحقيق أنه ليس من باب النسخ، بل من باب النفي الحكم لانتفاء علته، كما أشار إلى ذلك الإمام "الشافعي" – رضي الله عنه- في آخر "باب العلل في الحديث" من كتابه "الرسالة" حيث ربط النهي عن الادخار بالدافة.
      ووضح ذلك الإمام "القرطبي" في تفسيره، منكراً أن يكون من النسخ قائلاً:
"بل هو حكم ارتفع لارتفاع علته، لا لأنه منسوخ، وفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته. فالمرفوع بالنسخ لا يحكم به أبداًن والمرفوع لارتفاع علته يعود بعود العلة، فلو تقدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضاحي، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا، لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم"[10].
      وقد فهم الراشدون من الصحابة هذه المعنى، فجاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- أنه صلى بالناس في يوم العيد، ثم خطبهم فنهاهم عن الادخار فوق ثلاث، مذكراً إياهم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ما جعل القائلين بالنسخ هنا يحارون في موقف علي، فقال بعضهم: لعله لم يبلغه النسخ، ولكن الإمام أحمد روي ما يدل على أنه بلغته الإباحة والرخصة.
      فالراجح إذن أنه قال ذلك في وقت كان بالناس جهد وحاجة، وبهذا جزم ابن حزم كما في فتح الباري.
      قال الحافظ: والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تسد الحاجة إلا بتفرقة الجميع لزم –على هذا التقدير- عدم الإمساك ولو لليلة واحدة[11].
      والشاهد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى في حال لمنع ادخار لحوم الأضاحي، ثم غير فتواه من المنع إلى الإباحة، لما تغيرت الظروف، وهو دليل بين على صحة القاعدة التي قررها ابن القيم –رحمه الله-.
      وأشهر من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب عن السؤال الواحد بأجوبة مختلفة، وذلك لاختلاف أحوال السائلين، فهو يجيب كل واحد بما يناسب حاله، ويعالج قصوره أو تقصيره.
      فقد وجدنا من يسأله عن وصية جامعة فيقول له: "لا تغضب"، وآخر يقول له: "قل: آمنت بالله ثم استقم"، وآخر يقول له: "كف عليك لسانك".
      وهكذا يعطي كل إنسان من الدواء ما يرى أنه أشفى لمرضه، وأصلح لأمره.
      ومن هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: "جهاد في سبيل الله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور"[12] فجعل الجهاد في سبيل الله أضل الأعمال بعد الإيمان.
وفي هذا المعنى جاءت أحاديث شتى تجيب السائلين بأن الجهاد لا يعدله عمل آخر، إلا من استطاع أن يصوم الدهر فلا يفطر، ويقوم الليل فلا ينام!
      ولكن البخاري نفسه روى عن عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل! قال: "كلن أفضل الجهاد حج مبرور"[13] تروى كلمة: "لكُن" بضم الكاف وهو الأكثر، على أنها خطاب للنسوة،وبكسرها مع مد اللام، على أنها للاستدراك، والمراد واحد، وهو أن الجهاد إن كان أفضل العمل، فذلك في حق الرجال، أما النساء فأفضل جهاد لهن الحج المبرور.
      فهنا تغيرت فتواه وجوابه صلى الله عليه وسلم لما كان السائل امرأة، إذ الأصل في حمل السلاح أن يكون للرجال.
      وهذا كله –وغيره كثير- أصل في تغير الجواب أو الفتوى بتغير أحوال السائلين، فكيف إذا تغير الزمان والمكان؟
* * * *
·      هدي الصحابة في تغير الفتوى:
والناظر في هدي الصحابة وسنة الراشدين –رضي الله عنهم- يجدهم أفقه الناس في استعمال هذه القاعدة- قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها- ولذلك أمثلة عديدة يجدها من يطلبها في مظانها.
نذكر شيئاً منها هنا:
·      تغير فتواهم في عقوبة شارب الخمر:
فمما تغيرت به فتواهم بتغير الزمن والحال عقوبة شارب الخمر، فإنه لم يكن فيها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد مقدر وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزير.
روى البخاري عن عتبه بن الحارث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بنعيمان أو ابن النعيمان، وهو سكران، فشق عليه، وأمر من في البيت أن يضربوه، بالجريد والنعال، وكنت فيمن ضربه"[14].
       وروي أيضاً عن أبي هريرة قال: "أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل شربن قال: اضربوه. قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله! قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان"![15].
       وأخرج عبد الرازق في مصنفه عن معمر وابن جريج: "سئل ابن شهاب: كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر؟ قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض فيها حداً، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم، حتى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا"[16].
وروي أيضاً نحو ذلك عن عبيد بن عمر من كبار التابعين وسيأتي بعد.
       بل ورد: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب شارب الخمر أصلاً في بعض المواقف، وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي –كما في الفتح- عن ابن عباس: "أن رسول الله صلى عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدا. قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر، فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما حاذى دار العباس، انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك، ولم يأمر فيه بشيء"[17].
       وأخرج الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيراً، ولقد غزا تبوك، فغشى حجرته من الليل سكران، فقال، ليقم إيه رجل، فيأخذه بيده حتى يرده إلى رحلة"[18].
       والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم تساهل في أول الأمر لقرب عهدهم من إباحة الخمر، متى إذا استقر التشريع ضرب وجلد، وإن لم يوقت حداً، بل جلد الأربعين، ودون الأربعين،وفوق الأربعين، كما يبدو ذلك من مجموع الروايات.
       ولما انتهى الأمر إلى أبي بكر –رضي الله عنه- قرر العقوبة أربعين، على طريق النظر،كما قال الشاطي[19] فقد روى البيهقي عن ابن عباس: أن الشراب كانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم هذا! فتوخى لهم نحواً مما كانوا يضربون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكان أبو بكر –رضي الله عنه= يجلدهم أربعين حتى توفى[20].
      وهذا يدل على أن تقديره للضرب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تقدير تقريبي، كما جاء في حديث أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب نحواً من أربعين"، وكلمة "نحواً" تدل على التقريب لا على التحديد.
      وروى عبد الرازق عن أبي سعيد الخدري: أن أبا بكر ضرب في الخمر بالنعلين أربعين[21]، والضرب بالنعلين ليس جنس ضرب الحدود المقدرة.
      فلما كان عهد عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- شاور الناس في جلد الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها، واجترأوا عليها! فقال علي: إن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى (أي قذف الأبرياء) فاجعله حد الفرية (أي القذف) فجعله عمر حد الفرية ثمانين[22].
      ومنى هذا: أنهم أقاموا السبب مقام المسبب، أو المظنة مقام الحكمة، فرأوا الشرب إلى الافتراء، الذي تقضيه كثرة الهذيان.
      وجاء في سبب هذه المشاورة من عمر: "أن خالد بن الوليد كتب إليه:إن الناس قد انهمكوا في الشرب وحاقروا العقوبة"[23].
      وروى مسلم والنسائي: "أن عبد الرحمن بن عوف قال لعمر حين استشارهم: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر"[24].
وفي مرسل عبيد بن عمير –عند عبد الرازق- قال: "كان الذي يشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه، فكان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وبعض إمارة عمر، ثم خشى يغتال الرجل، فجعله أربعين صوتاً، فما رآهم لا يتناهون، جعله ستين، فما رآهم لا يتناهون، جعله ثمانين، ثم قال: هذا أدنى الحدود"[25].
وهذا يدل على أنه وافق عبد الرحمن في أن الثمانين أخف الحدود، أي الحدود المذكورة في القرآن، فهو أنف من حدّي الزنا والسرقة.
      وقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمره أبي بكر، وصدراً من عمر، فنقوم بأيدينا ونعالنا، وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين".[26]
      والمراد بآخر إمرته: وسطها،كما يدل عليه قوله: "وصدراً من خلافة عمر"، وقد روي النسائي الحديث نفسه بلفظ[27]: "حتى إذا كان وسط إمارة عمر فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا"...إلخ[28].
      أما عثمان فجلد ثمانين وأربعين، وعلي ورد عنه الأمران، قال: كل سُنة. ومعاوية أثبت الجلد ثمانين[29].
      والذي يعنينا مما ذكرناه هنا: أن الصحابة –رضي الله عنهم- لم يثبت لديهم أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت الخمر حداً معيناً، ولو ثبت لهم ذلك لم يحتاجوا إلى المشاورة فيه، وإلى استعمال الرأي، بالقياس على القاذف أو أخف الحدود، وغير ذلك من الاعتبارات.
      وإذا لم يثبت لديهم نص ملزم، فقد تغير حكمهم، واختلفت فتواهم بتغير الزمن، واختلاف الأحوال، كما نجد ذلك واضحاً في خلافة عمر، الذي جلد أربعين ثم ستين، ثم ثمانين، كلما رأى الناس لا يتناهون ولا يزدجرون.
      بل ورد أن عليا –رضي الله عنه- زاد في العقوبة على ثمانين في بعض الأحوال، فقد روي أن النجاشي الحارثي الشاعر قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم حبسه فأخرجه من الغد، فضربه عشرين،ثم قال له: "إنما جلدتك العشرين لجرأتك على الله، وإفطارك في رمضان"[30].
      هذا، مع ما ورد عن علي في روايات أخرى، أنه استحب ألا يزيد في الجلد على أربعين.
      وجاء عن عمر أنه زاد النفي على الضرب في مثل هذه الحالة، لما فيها من انتهاك حُرمة الشهر الكريم، فقد أُتي بشيخ شرب في رمضان فقال: للمنخرين... للمنخرين (أي كبه الله للمنخرين) أفي شهر رمضان، وولداننا صيام؟! فضربه ثمانين، ثم سيّره إلى الشام[31].
وهذا يدل على أن العقوبة تختلف باختلاف حال المجرم، ومقدار عتوه، واشتهاره بالفجور، وتكرر الجريمة منه مرّة، وعدم ارتداعه بالعقوبة، فمثل هذا يشد عليه، بخلاف من لم يُشتهر بفسق ولا فجور.
      ولهذا جاء في بعض الروايات: أن عمر كان إذا أُتى بالرجل الضعيف تكون منه الزلّة، جلده أربعين[32]، أي بخلاف الفاجر المصرّ على الكبيرة.
      وهذا ما جعل عمر بن عبد العزيز يقول: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور".
      والعجيب، أن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- الذب أشار على عمر بجلد الشارب ثمانين، لأن الشرب مظنة الافتراء والقذف، رجع عما أشار به على عمر، ورأي بعد ذلك أن يكتفي بأربعين، كما جاءت لذلك الروايات، وإن ضعّفها البعض وردّها.
      ولا حاجة إلى ردها فيما أرى، فما دامت العقوبة غير مقدرة نصاً، فهي متروكة لأولي الأمر واجتهادهم، فلعل عليا –رضي الله عنه- رأي الناس قد ارتدعوا في زمنه، بعد تغليظ العقوبة في حقهم، فرأى العودة إلى التخفيف، كما كان عليه الحال في عهد النبوة،  وخلافة أبي بكر.
      وفي الصحيحين عن علي –رضي الله عنه- أنه قال: "كنت لأقيم حداً على أحد فيموت، وأجد في نفسي شيئاً، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته –أي دفعت ديته لأهله- وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه" يعني: لم يقدر فيه حداً معلوماً.
      ولهذا حكى الطبري وابن المنذر وغيرهما عن طائفة من أهل العلم: أن الخمر لا حد فيها، وإنما فيها التعزير، بدليل الأحاديث الصحيحة التي سكتت عن تعيين عدد الضرب، وما جاء عن ابن عباس وابن شهاب من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق بحاله.
      وبهذا تعقب الحافظ في "الفتح" نقل من حكى الإجماع على أن في الخمر حداً واجباً.[33]
      وقال الإمام الشوكاني في متن "الدرر البيهية" : "من شرب مسكراً –مكلفاً مختاراً- جلد على ما يراه الإمام: إما أربعين جلدة، أو أقل أو أكثر، ولو بالنعال".
      وأكد ذلك شارحه السيد صديق حسن خان في "الروضة الندية" أخذاً من مجموع الأحاديث الواردة في الباب قائلاً: فيكون على هذا من جملة أنواع التعزيز.[34]
      والظاهر من صنيع الإمام البخاري في صحيحه: أن هذا هو مذهبه أيضاً، كما ذكر الحافظ ابن حجر. قال:فإنه لم يترجم بالعدد أصلاً، ولا أخرج هنا في العدد الصريح شيئاً مرفوعاً.[35]
      والمقصود من كل ما ذكرناه هنا: هو بيان تغير فتوى الصحابة –رضي الله عنهم- في عقوبة شارب الخمر من عصر لعصر، ومن حال لحال، حيث لم يلزمهم نص بحد معين عن الله ورسوله. وهو يؤكد ما قلناه من وجوب تغير الفتوى بتغير موجباتها.
*  *  *  *  *

·      تغير فتوى الصحابة في زكاة الفطر:
ومثل آخر نضربه لتغير الفتوى بتغير موجباتها في زمن الصحابة –رضي الله عنهم- ونأخذه هذه المر من باب الزكاة.
فقد فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، صاعاً من طعام من تمر، أو زبيب، أو شعير، أو أقط، كما صحت بذلك الأحاديث.
   ولكن صح عن عدد من الصحابة أنهم رأوا في زمنهم نصف صاع من قمح، يعدل صاعاً من تمر أو شعير، فأرجوا نصف صاع من القمح زكاة فطرهم.
   قال بن المنذر: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه. فما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من الشعير.[36]
ثم روى ابن المنذر عن عثمان، وعلي، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر: أنهم رأوا في زكاة الفطر نصف صاع من قمح.
وروى الجماعة عن أبي سعيد الخدري قال :كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب،أو صاعاً من أقط، فم نزل على ذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة فقال: إني لأري مدين (أي نصف صاع) من سمراء الشام (يعني القمح) تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناي بذلك.
هؤلاء هم الصحابة الذي ذكرهم ابن المنذر وغيره، وكذلك معاوية ومن وافقه، أجازوا إخراج نصف صاع من القمح، مع أن المنصوص عليه، والمعمول به، منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو صاع، ولكنهم لما لاحظوا في زمنهم غلاء ثمن القمح بالنسبة لأثمان الأطعمة الأخرى، مثل الشعير والتمر، رأوا إخراج نصف الصاع من القمح، من باب المعادلة في القيمة.
*  *  *  *

·       تغير فتوى عمر في زكاة الخيل:
ومثل ذلك موقف عمر من زكاة الخيل....
فقد روى الإمام أحمد والطبراني: أن أناساً من أهل الشام جاءوا عمر فقالوا: إنا أصبنا أموالاً: خيلاً، ورقيقاً، نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور. قال: ما فعله أصحابي قبلي فأفعله.
واستشار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال علي: هو حسن، إن لم تكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك.[37]
وأخرج عبد الرازق والبيهقي عن يعلى بن أمية قال: ابتاع عبد الرحمن –أخو يعلى- من رجل من أهل اليمن فرساً أنثى، بمائة قلوص (ناقة شابة) فندم البائع، ولحق بعمر، فقال: غصبني يعلى وأخوه فرساً لي! فكتب عمر إلى يعلى: أن الحق بي، فأتاه، فأخبره الخبر، فقال: إن الخيل لتبلغ هذا عندكم؟ ما علمت أن فرساً يبلغ هذا! فنأخذ من كل أربعين شاه، ولا نأخذ من الخيل شيئاً؟ خذ من كل فرس ديناراً، فضرب على الخيل ديناراً ديناراً.[38]
ولم تذكر الروايات أن هذه القصة بعد تلك، ولكن هذا هو المعقول المناسب، فعمر في القصة الأولى كان متردداً أن يفعل شيئاً لم يفعله الرسول، ولا أبو بكر قبله، ولهذا أستشار الصحابه، وأشار عليه علي برأيه.
وأما في هذه القصة، فالظاهر أنه لم يستشر أحداً، بل كانت القضية واضحة أمام فكره تمام الوضوح، وكون فيها رأيه بعد ما رأى وسمع، وأمر واليه أن يأخذ من كل فرس ديناراً،[39] فهنا غير عمر فتواه في زكاة الخيل، بتغير الزمان والحال، ولم يجمد على ما انتهى إليه الرأي في القصة الأولى، فإن الاجتهاد يتغير ملابساته.
وقد أفتى مرة بفتوتين مختلفتين في قضية واحده، في زمنين مختلفين، فما سئل في ذلك قال: ذلك على ما علمنا، وهذا على ما نعلم.
*  *  *  *
·       فتوى عمر في المؤلفة قلوبهم:
ومن ذلك ما رآه عمر في وقف إعطاء الزكاة لم عرفوا في العهد النبوي، وعهد أبي بكر باسم "المؤلفة قلوبهم" وقال: إن الله أعز الإسلام، وأغنى عنهم!
وليس هذا نسخاً لما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية، ولا إسقاطاً فهذا السهم إلى الأبد، كما فهم ذلك بعض الأئمة، بل الصواب: أن السهم باق لم يلحقه نسخ، إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي، وكيف ينسخ عمر والصحابة معه ما ثبت بالقرآن والسنة، وظل النبي صلى الله عليه وسلم يعمل به إلى آخر حياته، وعمل به أبو بكر من بعده؟
كل ما فعله عمر، أنه لم ير حاجة إلى التأليف في عهده، ومنع أناساً اسمرأوا الأخذ من الزكاة تحت عنوان التأليف.
وتقرير الحاجة إلى التأليف أو عدمها، واختيار الأشخاص أو الفئات التي تتألف قلوبها، من حق الإمام بمشورة أهل الرأي من حوله، وهو أمر تتغير فيه الفتوى من زمان إلى زمان، ومن حال إلى حال.[40]
*  *  *  *
·       فتوى عمر في طلاق الثلاث:
ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية من إلزامه –رضي الله عنه- للمطلق ثلاثاً بكلمة واحدة، بالطلاق، وهو يعلم أنها واحدة، ولكن لما رأي إكثار الناس منه، رأى عقوبتهم بإلزامهم به، ووافقه على ذلك رعيته من الصحابة، وقد أشار هو إلى ذلك فقال: "إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فو أنا أمضيناه عليهم"؟ فأمضاه عليهم ليقلوا منه، فإنهم إذا علموا أن أحدهم إذا أوقع الثلاث جملة وقعت، وأنه لا سبيل له إلى المرأة، أملك عن ذلك.[41]
فكان الإلزام به عقوبه، لمصلحة رآها، ولم يكن يخفى عليه أن الثلاث كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، تجعل واحدة، بل مضى على ذلك صدر خلافته، حتى أكثر الناس من ذلك، وهو اتخاذهم لآيات الله هزواً، كما في المسند وسنن النسائي وغيرها من حديث محمود بن لبيد: فلما أكثر الناس من ذلك عاقبهم به، ثم إنه ندم على ذلك قبل موته، كما ذكره الإسماعيلي في مسند عمر.

*     *     *

تغير الفتوى في قسمة الأرض المفتوحة:-

       ومما تغيرت فيه  الفتوى في زمن الصحابة ، قضية قسمة الأرض، التي يفتحها المسلمون عنوة،على الفاتحين المقاتلين، وما حدث فيها من خلاف في زمن عمر – رضي الله عنه-.
فقد رأي بلال ومعه بعض الصحابة : أن تُقسم أرض الشام بعد فتحها، على من فتحوها بسيوفهم، محتجين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أرض خيبر بعد فتحها، وهو موافق لعموم قوله تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ)[42]
ويفهم منها أن أربعة أخماسها للفاتحين ، وفي بعض الروايات: أنه صلى الله عليه وسلم قسم نصف خيبر، ووقف نصفها لنوائبه.
ولكن عمر، ومعه جماعة من فقهاء الصحابة مثل علي ومعاذ – رضي الله عنهم – رأوا عدم تقسيمها وإبقائها في أيدي أربابها، على أن يدفعوا عنها خراجاً يكون لمصلحة جميع المسلمين في حاضرهم، وذخراً للأجيال التي تأتي بعدهم، وعبر الفقهاء عن ذلك بوقفها على كافة المسلمين.
وهكذا فعل عمر في سواد العراق وغيره، واستمر عليه من بعدهم الخلفاء.
وأما قسمة النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، فقد ورد أنه قسم نصفها فقط، ووقف نصفها لنوائبه، على أنهم قالوا: "إنها كانت في بدء الإسلام، وشدة الحاجة فكانت المصلحة فيه، وقد تعينت المصلحة فيما بعد ذلك في وقف الأرض، فكان ذلك هو الجواب.
وقد قال عمر: " لولا أخر الناس (أي الأجيال المستقبلة) لقسمت الأرض، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر" فقط وقف الأرض، مع علمه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فدل على أن فعله ذاك صلى الله عليه وسلم لم يكن متعيناً.[43] وهذا إنما يكون فيما يبني على المصلحة، ويتصرف فيه النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى الإمامة رياسة الدولة، على أن من المعروف أن مجرد فعل النبي صلى الله عليه وسلم لشيء إنما يدل على المشروعية فقط، ولا يدل بنفسه على الوجوب، ولهذا وسع عمر ومن معه مخالفته.
والذي يقرأ مناقشات عمر، ومن وافقه مثل علي ومعاذ – رضي الله عنهم جميعاً- واستدلالاتهم بما في وقفها على المسلمين من المصالح، وما في قسمتها على أفراد الفاتحين من مفاسد، يتأكد له بمقدار فقه الصحابة لدينهم، إيمانهم أن شريعتهم لا تجيء بحكم  أو مبدأ ينافي مصلحة الأمة.[44]
*     *     *
·       فتوى عمر في باب المجاعة:
ومثل أخر من الفقه العمري، الذي يتمثل فيه تغير الفتوى بتغير الأوضاع والأحوال وهو ما فعله في عام المجاعة، الذي يعرف بـ" عام الرمادة"، فقد أصدر فيه حكمين في غاية الأهمية:
الأول: تأخير جباية زكاة الماشية- من إبل، وغنم، وبقر- حتى يزول القحط، وينزل المطر، ويتوافر المرعى، فقد ذكر ابو عبيد عن ابن ابي دياب قال: " إن عمر أخر الصدقة عام الرمادة، فلما أحيا الناس (أي نزل عليه الحيا وهو المطر) بعثني، فقال، إعقل فيهم عقالين، فاقسم فيهم عقالاً، وأتني بالأخير"[45] والسنة: القحط والجدب.
وذكر ابن القيم عن السعدي وسنده إلى عمر قال: " لا تقطع اليد في عذق، ولا عام سنة".
قال السعدي: " سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: "العذق النخلة، وعام سنة : المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: أي لعمري. قلت: إن سرق في مجاعة لا تقطعه؟ فقال: لا إذا حملته الحاجة إلى ذلك، والناس في مجاعة وشدة.
قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب، وذكر بسنده: " أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فإتي بهم عمر، فأقروا، فأرسل إلى عبدالرحمن بن حاطب، فجاء، فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة، واقروا على أنفسهم، ثم قال عمر: يا كثير بن الصلت، اذهب فأقطع أيديهم، فلما ولّى ردهم عمر، ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم، حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم، وإيم الله! إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك- الخطاب لعبد الرحمن بن حاطب – ثم قال: بكم أريدت منك ناقتك؟ قال بأربع مائة. قال عمر: أذهب فأعطه ثماني مائة".
قال الإمام ابن القيم: وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين جميعاً. (يعني : درء الحد، ومضاعفة الغُرم).
قال: وقد وافق أحمد على سقوط القطع في المجاعة (الأوزاعي).
وهذا محض القياس، ومقتضى قواعد الشرع، فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة، غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له، إما بالثمن أو مجاناً، على الخلاف في ذلك.
والصحيح: وجوب بذله مجاناً، لوجوب المواساة وإحياء النفوس، مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج.
وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، لا سيما وهو مأذون له، في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه، وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يحجب عليه فدرئ.
نعم، إذا بان أن السارق لا حاجة به، وهو مستغن عن السرقة قطع [46] .
ومعنى هذا: أن عمر لم يسقط الحد بعد وجوبه، بل هو لم يجب أصلاً لوجود الشبهة التي أوجبت درأه.
*     *     *
·       جمع القرآن وكتابته في المصاحف:
ومن الأمور الجليلة الخطر، البعيدة الأثر: ما حدث في عهد الصحابة من جمع القرآن وتدوينه فيعقد أبي بكر، على خلاف ما كان عليه الحال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم كتابة المصاحف في عهد عثمان، وإحراقه ما سواها، على خلاف ما كان عليه الحال في عهد الشيخين: أبي بكر وعمر – رضي الله عنهم أجمعين-.
فقط كان القرآن في العهد النبي محفوظاً في صدور الرجال، ومكتوباً في صحف ومواد بدائية متفرقة، على ما يليق بحال القوم في ذلك العهد: من جريد، ولخاف [47]، وعظام، وخزف.. وغير ذلك. لقلة القراطيس عندهم.
فلما استحر القتل بقراء القرآن يوم اليمامة – في حروب الردة- في زمن الصديق- رضي الله عنه – قتل منهم في ذلك اليوم – فيما قيل – سبعمائة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر – رض الله عنهما – بجمع القرآن مخافة أن يموت أشياخ القراء، كأبي، وابن مسعود، وزيد، وقد توقف الصديق في أول الأمر، وقال لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو والله خير! قال أبو بكر: فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأي عمر، وأرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت ليكلفه مهمة جمع القرآن وتدوينه، فقط كان كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن زيداً توقف في الأمر، كما توقف فيه الصديق من قبل، وقال له عمر: كيف تفعلان شيئاًَ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ . فقال أبو بكر: هو والله خير! قال زيد: فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، وقام زيد بمهمته على خير وجه، وجمع القرآن من صدور الحفظة، ومن المواد المتفرقة التي كتب فيها، وكتبه في صحف، بقيت عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر – أم المؤمنين-[48] .
فلم تكن هذه الصحف للقراءة إذن، وإنما هي نسخة رسمية تحفظ وتصان ، ليرجع إليها عند اقتضاء الحاجة.
وكان هذا – ولا شك- من الأعمال العظيمة ، والضرورية للإسلام والمسلمين، وفق الله إليه هؤلاء الصحابة الأجلاء ، ليحفظ به كتابه  المجيد، تحقيقاً لوعده سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[49]
وإنما لم يفعله أن النبي صلى الله عليه وسلم لأن القرآن كان ينزل عليه منجماً ، حسب الوقائع، فكان لا يزال – ما دام حياً – يتوقع نزول جديد منه، أما في عهد الصحابة فقد ثبت اكتمال القرآن، وانقطع الوحي، وزال المانع الذي كان في العهد النبوي، ووجد المقتضي لكتابته مجموعاً مرتباً، فلما تغير الزمن والحال، تغير الموقف أو تغيرت الفتوى.
وفي عهد الخليفة الثالث عثمان – رضي الله عنه – طرأ وضع جديد، اقتضى موقفاً آخر جديداً أيضاً.
ذلك أن الناس اختلفوا في القراءات بسبب تفرق الصحابة في البلدان واشتد الأمر في ذلك، وعظم اختلافهم وتشبثهم، ووقع بين أهل الشام والعراق ما ذكره حذيفه – رضي الله عنه – وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة "أرمينية" فقرأت كل طائفة بما روي لها –أي من الأحرف السبعة، التي رخص لهم في القراءة بها- فاختلفوا وتنازعوا، وأظهر بعضهم إكفار بعض، والبراء منه، وتلاعنوا، فأشفق حذيفة مما رأى منهم، فلما قدم المدينة –فيما ذكر البخاري والترمذي- دخل إلى عثمان قبل أن يدخل إلى بيته، فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك. قال: فيماذا؟ قال: في كتاب الله. إني حضرت هذه الغزوة وجمعت أناساً من العراق والشام والحجاز، فوصف له ما تقدم، وقال: إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم، كما اختلفت اليهود والنصارى.
ورأى عثمان أن يجمع القرآن في مصاحف، يبعث بها إلى الأمصار، ليرجع الناس إليها،وبذلك يدرأ عن المسلمين شر الخلاف والفتنة.
وبد جمع الصحابة –رضي الله عنهم- وفيهم علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- وطلب منهم الرأي، فقالوا: الرأي عندك يا أمير المؤمنين. قال الرأي عندي أن يجتمع الناس على قراءة فإنكم إذا اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافاً! قالوا: الرأي رأيك يا أمير المؤمنين. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلتها إليه، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصحف، ورد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق.[50]
قال الإمام القرطبي: "وكان هذا من عثمان –رضي الله عنه- بعد أن جمع المهاجرين والأنصار، وجله أهل الإسلام، وشاورهم في ذلك، فاتفقوا على جمعه، بما صح وثبت من القراءات المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإطراح ما سواها، واستصوبوا رأيه، وكان رأياً سديداً موفقاً –رحمة الله عليه وعليهم أجمعين-".[51]
 وقد واجه هذا العمل –كتابة المصاحف وتحريق ما سواها- إنكاراً من بعض الناس، شأن كل عمل جديد، مخالف لما ألفوه من قبل، مما جعل علياً –كرم الله وجهه- يقوم مقام الدفاع عن عثمان، مثنياً على عمله. روى عنه سويد بن غفله أنه قال: "يا معشر الناس، اتقوا الله! وإياكم والغلو في عثمان وقولكم: حراق المصاحف! فوالله، ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم".
وعن عمر بن سعيد قال: قال علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-: "لو كنت الوالي وقت عثمان، لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان".[52]
إن عثمان لم يخالف من قبله شهوة للخلاف، ولكن الزمن تغير عن زمن الشيخين، وظهرت بوادر خلاف يوشك أن ينقلب إلى فتنة وشر مستطير، فكانت عثمان بموافقة الصحابة لتفادي ذلك، كتابة المصاحف، وجمع الناس عليها، وإتلاف ما عداها لقد تغيرت الفتوى بتغير الزمن والحال.
*  *  *


·       تغير فتوى ابن عباس في توبة القاتل وغيرها:
ومن الأمثلة الجيدة لتغير الفتوى بتغير الحال: ما جاء عن ابن عباس في توبة القاتل، فقد روى ابن أبي شيبة بسنده[53]: "أن رجلاً جاء إلى ابن عباس فقال: ألمن قتل مؤمناً توبة؟ قال: لا. إلى النار! فلما ذهب، قال له جلساؤه: ما هكذا كنت تفتينا، فما بال هذا اليوم؟ قال: إني أحسبه مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً، فبعثوا في أثره، فوجدوه كذلك".
رأى ابن عباس في عيني هذا الرجل الحقد والغضب، والتوثب للقتل، وإنما يريد فتوى، تفتح له باب التوبة، بعد أن يرتكب جريمته، فقمعه، وسد عليه الطريق، حتى لا يتورط في هذه الكبيرة الموبقة، ولو رأى في عينيه صورة امرئ نادم على ما فعل، لفتح له باب الأمل.
وقد روى سعيد بن منصور عن سفيان قال: كان أهل العلم إذا سئلوا عن القاتل فقالوا: لا توبة له، وإذا ابتلى رجل (أي قتل بالفعل) قالوا له: تب.[54]
وكثير من الفقهاء يسير على هذا النهج –الذي سنه ابن عباس- في كافة المسائل. أي التفرقة بين من ابتلي بالفعل ووقع فيه، فيرخصون له، ويسهلون عليه، ما وجد للرخصة والتسهيل سبيل، وبين من لم يقع الفعل فيشددون عليه.
مثل ذلك: من حلف بالطلاق ألا يفعل شيئاً ثم فعله، فناك من يفتي بمذهب من يفتى بمذهب من لا يوقع الطلاق أصلاً، كما هو مذهب بعض السلف، أو من يجعله يميناً فيه كفارة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وأن كان حلف ولم يفعل، وليس به حاجة إلى الفعل، أفتى بمذهب الجمهور.... هكذا...
*     *     *

·       تغير الفتوى في عهد التابعين ومن بعدهم:
وفي عهد التابعين بإحسان، نجد أمثلة عديدة لتغير الفتوى. مثل ما روي عنهم أنهم أجازوا تسعير السلع، دفعاً للضرر عن الجمهور، لتغير أحوال الناس عما كانت عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
ومن ذلك ما روي أن عمر بن عبد العزيز كان يقضي –وهو أمير في المدينة- بشاهد واحد ويمين، فلما كان في الشام، لم يقبل إلا شاهدين، لما رأى من تغير الناس هناك عما عرفه من أهل المدينة.
وهو القائل كلمته المشهورة: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور".
ومن ذلك ما ذكر: أن أبا حنيفة كان يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده –عهد أتباع التابعين- اكتفاءً بالعدالة الظاهرة، وفي عهد صاحبيه –أبي يوسف ومحمد- منعا ذلك الكذب بين الناس.[55]
ويقول علماء الحنفية في مثل هذا النوع من الخلاف بين الإمام وصاحبيه: إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان!!.
وقد خالف المتأخرون من علماء المذهب الحنفي ما نص عليه أئمتهم، والمتقدمون منهم في مسائل عديدة، بناء على تغير الزمان والحال، وألف في ذلك علامة المتأخرين منهم الشيخ ابن عابدين في ذلك رسالته الشهيرة "نشر العرف" وذكر في هذه الرسالة: "أن كثيراً من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عُرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أو لاًن للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد، ولهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نصل عليه المجتهد (إمام المذهب) في مواضع كثيرة، بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به، أخذاً من قواعد مذهبه".[56]
وفي المذهب المالكي نجد ما كتبه العلامة شهاب الدين القرافي في كتابيه "الفروق" و "الأحكام في تميز الفتاوى من الأحكام" منبهاً على وجوب تغير الحكم إذا كان مبنياً على عادة تغيرت، أو عرف لم يعد قائماً.
ومن الأمثلة التي تُذكر هنا ما حُكي عن الشيخ الإمام أبي محمد بن أبي زيد القيرواني (المتوفي سنة 386 هـ) وصاحب "الرسالة" المشهورة في فقه المالكية، والتي شرحها أكثر من واحد من جلة علماء المذاهب.
فقد رووا عنه أن حائطاً انهدم من داره، وكان يخاف على نفسه من بعض الفئات، فاتخذ كلباً للحراسة، وربطه في الدار فلما قيل له: إن مالكاً يكره ذلك، قال لمن كلمه: لو أدرك مالك زمانك لأتخذ أسداً ضارياً!!.[57]
وفي كل مذهب نجد مثل هذه المواقف –على تفاوت بينها- مما يدلنا على مقدار السعة والمرونة التي أودعها الله هذه الشريعة، وجعلها بذلك صالحة لكل زمان ومكان.



[1] إعلام الموقعين: جـ 3 ص 14- 15.
[2] الجزء الأول ص 346- 349 بتعليق الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله.
[3] انظر كتابنا: شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان.
[4] الأنفال: 65.
[5] الأنفال: 66.
[6] البقرة: 106.
[7] الإتقان جـ 2 ص 21 ط. الحلبي.
[8] الجزء الرابع ص 187 بتعليق السيد عبد الله هاشم اليماني.
[9] حديث رقم (7054) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح، هذا مع أن فيه ابن لهيعة، وقد وثقه الشيخ رحمه الله في مثل هذا المقام.
[10] تفسير الفرطبي: جـ 12 ص 47، 48.
[11] فتح الباري، جـ 12 ص 120 – 125 ط . الحلبي.
[12] صحيح البخاري: كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور.
[13] المصدر السابق.
[14] كتاب الحدود من صحيح البخاري، باب: الضرب بالجريد والنعال.
[15] كتاب الحدود من صحيح البخاري، باب: الضرب بالجريد والنعال.
[16]المصنف: جـ 7 ص 377.
[17] فتح الباري 1 جـ 15 ص 77 ط. الحلبي.
[18] المصدر السابق.
[19] الاعتصام: جـ 2 ص 118.
[20] السنن الكبرى: جـ 8 ص 320.
[21] المصنف لعبد الرازق: جـ 7 ص 379.
[22] رواه عبد الرازق: جـ 7 ص 378. وانظر السنن الكبرى جـ 8 ص 321، والفتح جـ 15 ص 73- 74,
[23] رواه أبو داود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أزهر – كما في الفتح المذكور.
[24] الفتح: جـ 15، ص 67.
[25] المصنف:جـ 7 ص 377- 378.
[26] البخاري: باب الضرب بالجريد والنعال.
[27] الفتح: جـ 15 ص 73.
[28] سنن الدارفطني: جـ 3 ص 157- 158، والفتح جـ 15 ص 64- 77.
[29] رواه الدارقطني وغيره.
[30] المصنف: جـ 7 ص 382 والبيهقي جـ 8 ص 321.
[31] انظر المصدرين السابقين.
[32] الفتح: جـ ذ5 ص 76 وانظر:سنن الدارقطني جـ 3 ص 157 بتحقيق السيد عبد الله هاشم يماني.
[33] فتح الباري، جـ ذ5 ص 77 ط. الحلبي.
الروضة الندية: شرح الدرر البهية: جـ 2 ص 283- 284.
[35] فتح الباري: جـ 15 ص 79- 80.
[36] انظر كتبانا: "فقه الزكاة" جـ 2 ص 935- 936.
[37] فقه الزكاة: جـ 1 ص 229.
[38] المصدر السابق: ص 226
[39] نفس المصدر: ص 229.
[40] انظر كتابنا: "فقه الزكاة" جـ 2 ص 598- 608 حيث حققنا بقاء المؤلفة قلوبهم، وفندنا القول بنسخه، وبينا فقه عمر في المسألة.
[41] الطرق الحكمية لابن القيم: ص 16- 17 مطبعة السنة المحمدية، راجع في الموضوع ص 33 من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ط. الرياض، وجـ 3 من إعلام الموقعين ص 41، وجـ 1 من إغاثة اللهفان ص 300 وما بعدها.
[42] الأنفال: 41.
[43] انظر : المغني لابن قدامة جـ 2 ص 598ط. الإمام
[44] راجع الخراج لأبي يوسف والأموال لأبي عبيد
[45] المرجع نفسه : ص 559
[46] إعلام الموقعين: جـ3 ص 22 – 23 مطبعة السعادة – تحقيق محيي الدين عبد الحميد.
[47] اللخاف : جمع لخفة، وهي حجارة بيض رقاق.
[48] انظر : مقدمة تفسير القرطبي جـ1 ص 43 وكذلك: الإتقان للسيوطي جـ1 ص 57.
[49] الحجر : 9 .
[50] انظر: تفسير القرطبي جـ 1 ص 44 – ص 47.
[51] المرجع السابق.
[52] انظر: تفسير القرطبي جـ 1 ص 47.
[53] قال الحافظ في التلخيص: رجاله ثقات جـ 4 ص 187. بتعليق السيد عبد الله اليماني.
[54] المصدر السابق.
[55] انظر: أصول التشريع الإسلامي – للأستاذ علي حسب الله ص 84، 85.
[56] مجموعة رسائل ابن عابدين: جـ 2 ص 125.
[57] انظر: شرح العلامة زروق على "الرسالة" جـ 2 ص 414- ط. مطبعة الجمالية بمصر.