الجمعة، 16 نوفمبر 2018

قارئ اليوم قائد الغد....

 
ينما كان رسولنا عليه الصلاة والسلام في الغار إذ بجبريل عليه السلام يدخل عليه ومعه " اقرأ " ما أجمل البداية " اقرأ " , إنها رسالة الله لعباده .
لم يأت جبريل بالصلاة ولا الصيام ولا الأخلاق ولا الأحكام في زيارته الأولى لسيد البشر، لقد جاء بـ " اقرأ " لأنها بداية العلم وبداية الدعوة وبداية الفقه وبداية الحياة .
إن عشق العلم ميزة جليلة، والرغبة في التعلم منهج جليل، وما أجمل ما قيل: العلم عبادة العمر .
لقد اتفق الناس أنه مهما كانت وسائل الإعلام في نمو وتطور إلا أن القراءة تبقى لها قيمتها وأثرها على النفس والمجتمع المثقف.
إن من أجمل العادات التي لابد أن نتربى ونُربي الآخرين عليها هي " القراءة ".
وجزماً فالبدايات شاقة في كل عملٍ جاد ولكن من جدَّ وجد وليس من سهر كمن رقد.
بين يديك أخي.. أختي.. قواعد وفوائد ولطائف حول القراءة, لعلها تساهم في أن تدخلك عالم الكتب والمكتبات .
قالوا في الكتاب :
الكتاب هو: الصديق الذي لايملك، يُضحكك مرة ويُبكيك مرة ، يُزودك بالعلوم ، يُطلعك على أخبار القوم ، يُطيعك بالليل كطاعته بالنهار ، المؤنس في الوحشة ، الصاحب في الغربة ، غذاء الشباب ، عزاء الشيخوخة ..
في السفر خير رفيق .
الكتاب أخٌ غير خوّان فتفَّرد به عن الإخوان .
فوائد القراءة :
- فيها غذاء القلب والروح ، وخاصةً من يدمن تلاوة القرآن ، أو القراءة في كتب الوعظ والرقائق, فسوف يشعر بلاريب بطمأنينة الروح وزكاة النفس .
- التفقه في الدين, فهي وسيلة مهمة لرفع الجهل عن نفسك في تعلم الأحكام الشرعية وما يدور في فلكها .
- تحقيق الدعوة على بصيرة, ولذا فالداعية القارئ يمتلك من المعلومات والأسس ما تنفعه بلا ريب في مساره الدعوي, ولذا قال البخاري " باب العلم قبل القول والعمل ".
- التعرف على أحوال الأمم الماضية, فالقراءة في تاريخ الأمم تفتح الآفاق وتسير بخيالك نحو الأقوام السابقة وكأنك تعيش حضارتها وأسباب تفوقها وخسارتها .
- الكشف عن مخططات الأعداء؛ لأن الأعداء لهم عدة مناهج وطرائق في النيل من الإسلام وأهله, ونحن حينما نقرأ نتعرف على بعض تلك الخطط ونعلم مفاتيحهم في الوصول إلينا لنحذر منها .
- معرفة أبواب الخير والشر, وهذا واضح لكل متأمل , فالقراءة تنير دروب السالكين وتعرفهم على منارات الهدى, وتخبرهم بمسالك الشرور لينتبهوا منها .
- الترويح عن النفس هدف مهم من أهداف القراءة؛ لأن النفس تمل كما يمل البدن, والمطالعة المتنوعة تروح عن النفس وتزيل الملل وتجلب السعادة وتجدد الحياة .
- الدفاع عن الدين والرد على المخالفين؛ لأن العلم سلاح عظيم نقاوم به الأعداء والقراءة من أعظم وسائل تحصيل العلم.
ولو نظرنا في تاريخنا ورأينا باب المناظرات والردود مع المخالفين لرأينا كيف كان دور العلم في كشف البدع ودحضها، وتأمل مثلاً سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية وردوده على الفلاسفة والرافضة وأرباب البدع لترى أثر العلم وقوة الحجة التي كانت لديه وكيف كان سلاحه العلمي مؤثراً على مخالفيه.
- الارتقاء بالنفس وتطويرها وتنمية مهاراتها, وهذا ظاهر؛ لأن القراءة في كتب تنمية الذات والمهارات وتطوير النفس تمنح المرء معلومات جديدة في كيفية الارتقاء بالنفس نحو النجاح والتفوق في ميادين الحياة .
- حفظ الوقت من الضياع؛ لأن القراءة تشغل وقتك عن توافه الأمور وتمنحك الفوائد والدرر التي تنفعك في دينك ودنياك .
عشاق القراءة :
إن التشاغل بالدفاتر والمحابر والكتابة والدراسة أصل التعبد والتزهد والرئاسة والسياسة
- الجاحظ كان يستأجر دكاكين الوراقين ليقرأ ما فيها .
- أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
- عشاق العلم يصبرون على القراءة والاطلاع وكما قيل : لاينال العلم براحة الجسد ولولا ما عانى يوسف لما قيل له " يوسف أيها الصديق ".
تأمل في سير القوم وعلاقتهم بالكتاب قراءةً وتأليفاً :
- جلس البخاري يكتب الصحيح ١٦ سنة ومسلم كتب صحيحه في ١٥ سنة ، وابن حجر انتهى من فتح الباري في ٢٥ سنة فماذا صنعت يا مسكين؟!.
- يقوم البخاري في بعض الليالي من نومه عشرين مرة ليكتب فائدة سنحت له وهو بين أطباق النوم , فكم نام ياعشاق النوم ؟.
- قرأ ابن حجر في إحدى أسفاره نحو من ١٠٠ مجلد .
- كتب ابن القيم في أسفاره ستة مؤلفات ومنها الكتاب الشهير " زاد المعاد ".
- أحد المشايخ المعاصرين اعتكف في إجازته في مكتبته وطالع نحو من ٨٠ مجلد .
- الألباني رحمه الله كان يبقى على السلم نحو ساعتين وهو يبحث ويطالع ويقرأ .
هذه سير بعض القوم , وأنت في واد آخر .
من أراد اللحاق بهم فلينفض الغبار وليبدأ السير في الليل والنهار، هيا.. قم ونافس من سبقك , خذ كتابك , وابدأ حياتك .
لطائف :
- الجاحظ كان سبب وفاته سقوط مجلدات العلم عليه .
- السيوطي يقال له " ابن الكتب " لأن أمه ولدت به في المكتبة .
- الإمام مسلم مات لما كان يراجع حديثاً في ليلة سهر فيها مع التمر فأصبح ميتاً رحمه الله .
أسباب النفور من للقراءة :
- عدم معرفة قيمتها .
- ضعف التربية عليها؛ سواء في البيت أو في المدرسة .
- الانشغال بالجوال والإنترنت .
- ضعف الهمة وقلة الصبر .
- الانشغال بالملهيات كمتابعة الرياضة والمسلسلات، والانشغال بالتجارة والعقارات .
- عدم التركيز أثناء القراءة .
- ضعف الفهم للمقروء .
- علو أسلوب الكاتب وصعوبته على القارئ .
- غلاء أسعار الكتب .
كيف نتحمس للقراءة ؟.
- معرفة فضلها وأهميتها .
- مجالسة أصحاب القراءة , ونحن نجزم أن الصديق ساحبٌ للمعالي والهمم .
- دور الإعلام في تنمية محبة القراءة لعموم الناس, عبر تخصيص برامج في القنوات , ووضع المسابقات وعناية خطباء الجمع بموضوع القراءة .
- قراءة سير السلف والمعاصرين في حبهم للقراءة .
- زيارة معارض الكتاب لها دور في تقوية العلاقة بالكتاب وتجديد الصلة به .
- في البيت لا بد من تفعيل محبة الكتاب عبر وضع مكتبة صغيرة في مكان مناسب في البيت وشراء القصص المناسبة لأفراد الأسرة، ولا يصح تركهم أمام أجهزة التقنية بحجة الفكاك منهم .
- دور المدارس في تفعيل حب القراءة, وهذا ينطبق على المعلم ومهارته في تحقيق هذا الهدف في محبة الطلاب للقراءة, وللوزارة دور أيضاً في دعم المدارس بالمال والأفكار والبرامج في تنمية تلك المهارات وغيرها .
- دور حلقات التحفيظ في تربية الطلاب على القراءة من خلال عدة وسائل لتحقيق هذا الهدف, ومن هنا نرجو من مدرسي الحلقات العناية بجانب القراءة ووضع البرامج والمسابقات التي تجعل الطلاب يعشقون القراءة، مع مراعاة المراحل العمرية لهم ومناسبة البرامج لمستوياتهم الثقافية .
حتى تستمتع بالقراءة :
- استشر قبل أن تقتني الكتاب الذي تريد شراءه .
- تحديد ميزانية للكتب حتى لايؤثر شراءك للكتب على الميزانية المالية لديك .
- اختيار الكتاب المناسب لك وخاصة إذا كنت في البدايات , واحذر من القفز للكتب الكبيرة قبل إتقان ما قبلها .
- اختيار المكان المناسب مؤثر على محبتك للقراءة, ويدخل في ذلك وضوح الضوء، وجمال التكييف ، وحسن الرائحة .
- اختيار الوقت المناسب لك أنت؛ لأن بعض الناس قد يصلح لهم وقت دون وقت , وأنت أعلم بنفسك من غيرك .
- التنافس مع الآخرين في القراءة يزيد من حماسك للقراءة .
- اكتب مايعجبك وهذبه ورتبه ثم ارفعه للمواقع عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لينتفع الناس بما كتبت.
- استخدم أسلوب التلخيص لبعض الكتب .
- اقرأ ما تحب ويخدم ميولك وتخصصك .
- تنويع المقروء يجعلك تحب القراءة ولاتمل منها، فاقرأ في كتب السلف وطالع بعض الكتب المعاصرة والمترجمة أيضاً مما يفيدك.
- معرفة منهج المؤلف ومصطلحاته تعينك كثيراً على محبة القراءة وسهولتها عليك .
- اقرأ المقدمة والفهارس والخاتمة لتعرف أسرار الكتاب والكاتب .
- ناقش الكاتب بتعليق جميل, وذلك بأن تضيف عليه فوائد أو تنتقد مافيه بأدب وعلم وتُعلق على ما ترى أنه يحتاج إلى تعليق ليكون كتابك مليء بالفوائد منك ومن صاحب الكتاب .
من أقوالهم في القراءة:
-الكتاب الذي لايتعب فيه صاحبه لاتجد في قراءته متعة .
- الذي يكتب يقرأ مرتين .
- لانزهة ألذ من النظر في عقول الرجال .
أخطاء تقع في القراءة :
- القراءة بدون وجود هدف وغياب التخطيط , وهذا ظاهر عند كثيرين , فهم يقرءون وليس لهم هدف أو مشروع من تلك القراءة, مما يجعل القراءة لامتعة فيها غالباً .
- التقليد في القراءة, وهذا يظهر عند بعض الناس حينما يقرءون الكتاب الذي يسمعون الثناء عليه بدون الاقتناع بما فيه, ولهؤلاء أقول : قد أنتفع بثناء صديق على كتاب , ولكن لا يعني هذا أن أكون مثله فيما يقرأ وفيما يدع, بل لتكن لك شخصيتك وتميزك في اختيار مايناسبك أنت ويخدم همومك وتخصصك .
- الإسراع وعدم الفهم, وهذا نشاهده على بعضهم حينما يكون هدفه الانتهاء من الكتاب بدون العناية بالفهم لمحتواه, ومثل هؤلاء لايستفيدون بل قد يكونوا ممن هدروا أوقاتهم .
- القراءة الناقدة فقط, وهذا نراه عند ذلك الشخص الذي يجري النقد في دمه ويتنفسه مع كل شهيق وزفير, ولا شك أن هذا نقص في التقوى وجهل بالنفس وحظوظها, ونحن نقول: اقرأ بقصد الاستفادة, واترك مجال النقد جانباً, فإن وجدت ما يستدعي النقد فاكتب بكل أدب وحكمة وعدل وإنصاف .
- التسليم لكل ما يقوله المؤلف, وهذا خطأ أيضاً لأن العصمة منتفية عن كل كاتب, والخطأ وارد والزلل من طبع البشر, فخذ حذرك من بعض ما يكتب وانتبه لما بين السطور, وخاصة عند بعض المؤلفين الذين لا تعرف مناهجهم .
- القراءة في الكتب المخالفة للشريعة والمبتدعة وأهل الفجور كالمجلات الهابطة والروايات الساقطة, وهذا من الجهل الكبير أن تسمح لعينك أن تجول بين حروف المخالفين وأصحاب الأهواء والشبهات, والقلب ضعيف والشبهات خطافة, فارحم قلبك وعقلك وكن ذا تقوى قبل أن تقرأ .
- الجهل بمراعاة وقت الأسرة والعمل والدراسة مما يجعل القراءة سبباً للتقصير في الحقوق الأخرى, والذكي من يجعل وقت القراءة في الأوقات التي لا تتعارض مع الواجبات الأسرية أو الوظيفية ونحوها .
أخطار تهدد الكتاب :
- إبقاء الكتاب مفتوحاً .
- تقليب الصفحات بقوة .
- وضع الكتب فوق بعض والصواب بجانب بعض .
- وضع الكتب بشكل مائل .
- وضع الكتب الكبيرة فوق الصغيرة .
- تعريض الكتب للأطعمة والمشروبات .
- وضع الكتاب على الأرض .
- وضع الكتب في الكراتين فترة من الزمن .
- الاتكاء على الكتب .
- جعل الكتاب على شكل البوق .
- إعارة الكتاب لمن لا يُقدِّر قيمة الكتاب .
اللهم اجعلنا من عشاق العلم والتعليم يارب العالمين .

ماهو الوقت المناسب للدعوة ؟!

فن اختيار الوقت في الموعظة
يُشكِّل اختيارُ الوقت ومناسبته للحال عاملاً مهمًّا في نجاح الواعِظ في دروسه مِن نواحٍ عدَّة، منها:
1- اختيار الوقت المناسِب للوعْظ والإرشاد، فليس كلُّ وقت يصلح لوعْظ الناس وإرشادهم.
2- ومِن ناحية الموضوع ومناسبته للحال، فليس كلُّ ما يُعلم يُقال، ولا كلُّ ما يُقال يناسِب الحال.
3- ومِن ناحية استعداد المدعُوِّين نفسيًّا لسماع ما يُلقَى عليهم مِن دروسٍ ومواعظَ، لا بدَّ مِن مراعاة ذلك، مِن خلال التفرُّس في وجوه مَن يَحضُرون الدرس.
ولهذا سنبيِّن - أولاً - منهجَ الرسول الداعي الأوَّل - صلَّى الله عليه وسلَّم - في استغلاله لعامِل الوقْت في الدعْوة إلى الله في مناسبات عِدَّة، تتعلَّق بمعاش العِباد، وأمور حياتهم ومعادهم، وما كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتَّبعه مِن أساليبَ في إيصال الحقِّ إلى الناس، ثم نبيِّن ما على الداعي إلى الحقِّ من أساليبَ ناجحة، تُمكِّنه من أن يؤثِّر فيمن يدعوهم ويعلِّمهم، ومِن الله التوفيق والسداد.
منهج الرسول في اختياره للوقت في الدعوة:
ويكمن ذلك المنهج السديد في نِقاط عدَّة، منها:
1- عدم إطالة الموعِظة؛ خشيةَ الملل والسآمة:
وهو ممَّا كان يحرِص عليه الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: "إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كانَ يَتخَوَّلُنا بالموْعِظَةِ في الأيَّامِ؛ كراهِيَةَ السَّآمةِ عليْنا"[1]، ولم يكن مِن هديه إعطاءُ دروسٍ في جميع الأيام؛ ذلك لأنَّ دعوته تأخذ أشكالاً مختلفة، تارةً بالقول، وأخْرى بالسلوك والقُدوة الحسنة.
2- استغلال الحَدَث والموقِف في التعليم والتربية:
فقد جاء في الحديثِ عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنه قال: "خرجْنا مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهَيْنا إلى القبر، فجلَس رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجلسْنا حوله، كأنَّ على رؤوسنا الطيرَ، وفي يدِه عُودٌ ينكت به في الأرض، فرفَع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله مِن عذاب القبر..))[2]، والموعظة عندَ القبر كان يفعلُها - صلَّى الله عليه وسلَّم - أحيانًا.
وجاء في حديث قدوم تجَّار البحرين، حيث رأى مِن حرْصهم، فاستغلَّ الموقف في توجيه نصيحةٍ تربوية انطوتْ على تحذيرٍ من فِتنة الدنيا، وتبشير للأمَّة بالرخاء المادي، فقال: ((فأبشِروا وأمِّلوا ما يَسرُّكم، فواللهِ لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَطَ عليكم الدنيا، كما بُسطِت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أَهْلكتهم))[3].
3- إطالة الموعظة أحيانًا لطارئٍ أو حادثٍ مهم:
وممَّا يدلُّ على ذلك موعظتُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن أمور جِسام ستَقع في الأمَّة، حتى طالتْ موعظتُه فوقَ العادة، ففي صحيح مسلم عن عمرِو بن أخطبَ - رضي الله عنه - أنَّه قال: "صلَّى بنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الفجرَ، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاة الظهر، ثم نزَل فصلَّى بنا الظهر، ثم صعِد المنبر فخطَبَنا حتى صلاةِ العصر، ثم نزَل فصلَّى العصر، ثم صعِد المنبر فخطبَنا حتى المغرب، فما ترَك شيئًا مما يكون إلاَّ أخْبر به أصحابَه، حفِظَه مَن حفِظه، ونسِيَه مَن نسيه، يقول: فأعْلَمُنا أحفَظُنا"[4].
4- تحيُّن الموعظة عندَ إقبال السامِع وفراغِه ونشاطه، وتَرْكها عند انشغالهم، فهو أدْعَى إلى القَبول:
ومِن ذلك: أمرُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - المدعوين بالانصراف إلى أهلِهم؛ لما رأى من تشوُّقهم إليهم؛ فعن أبي سليمان مالكِ بن الحويرث - رضي الله عنه - قال: "أتَيْنا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ونحن شبَبَةٌ متقاربون، فأقمْنا عندَه عشرين ليلة، وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقْنا أهلنا؛ فسَألْنا عمَّن تركْنا من أهلنا، فأخبرْناه، فقال: ((ارْجعوا إلى أهلكم، فأقيموا فيهم، وعلِّموهم وبرُّوهم، وَصَلُّوا كذا في حين كذا، وصلُّوا كذا في حين كذا؛ فإذا حضرتِ الصلاة فليؤذِّن فيكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم))"[5]
5- مناسبة المقال لمقتضَى الحال:
فقد كانت مواعِظُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - واختياره الأمثل لمقتضَى الحال، مما له أبلغُ الأثر في المدعوِّين في حالة الفَرَح أو الحزن وغيرها مِن الأحوال في عامَّة مواعظِه وإرْشاده - صلَّى الله عليه وسلَّم.
6- توجيه الأنظار للتدبُّر والتفكُّر:
كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستغلُّ عامِل الوقت والزمن؛ لأجْل صرْف العقول للتدبُّر في خلْق الله، وعجائب قدرته، مثْل وقت كسوف الشمس، وخسوف القمر وهبوب الرِّياح، فقد قال عندما وقَع الكسوف: ((إنَّ الشمس والقمر آيتان مِن آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يُخوِّف بها عباده))[6].
7- أوقات إقبال القلْب على ربِّه أدْعى لقَبول النُّصح والإرشاد، خاصَّة بعد صلاة الفجْر، وفي الحديث عن أبي نَجيح العِرْباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعظَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - موعظةً بليغة، وجلتْ منها القلوب، وذرفَتْ منها العيون، فقلنا: يا رسولَ الله، كأنَّها موعظة مودِّع، فأوصِنا، قال: ((أُوصيكم بتقوى الله، والسَّمْع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي، وإنَّه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمور، فإنَّ كل بدعة ضلالة))[7]، وكان ذلك بعدَ صلاة الفجْر، وهو وقتٌ تكون فيه النفوس بعيدةً عن الشواغِل والملهيات.
8- الترغيب في العمل الصالِح في أوقات ومناسَبات معروفة؛ مثل: صيام يوم عاشوراء ورمضان، وشوَّال وذي الحجَّة، وصلاة الاستسقاء، وما يناسِب تلك الحال مِن موعظة وإرشاد.
9- الحثّ على التوبة في وقْت الاحتضار:
وهي لحظةُ انتقال الإنسان إلى عالَم جديد، يتقرَّر فيه مصيرُه؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فمَرِض، فأتاه يعوده، فقعَد عند رأسه، فقال له: ((أسْلِم))، فنَظَر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم، فأسلَمَ، فخرج النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنْقذَه مِن النار))[8].
لقد حقَّقت دعوة الرسول الكريم انقلابًا عجيبًا في كيان الإنسان، بفضْل ما كان يمتلكه من وسائلَ فعَّالة ناجحة في الدعْوة إلى الله، فقد تحوَّل ذلك الإنسانُ مِن محبٍّ عاشِق للدنيا يموت ويحَيا مِن أجلها، لا يُفكِّر أبعد مِن شهوته وبطنه، إلى إنسانٍ يفكِّر ويجول نظره في الكون الفسيح، إلى ما وراء ذلك مِن الشوق إلى نعيمِ الآخِرة ولذَّتها، يحمل هَمَّ الدعوة والجهاد في سبيل الله، وإخراج مَن حوْله مِن البشر مِن ظُلم العباد إلى عدْل الإسلام ومساواته، ومِن عبادة الحجَرِ والبشر إلى عبادة الديَّان الذي لا يموت.
وما في قصص الصحابة الأوائل مما عجَز التاريخُ عن تفسيره، إلا بفِعْل الإيمان والتربية الحقَّة التي تلقَّوْها من المربِّي الأول، والمعلِّم الكريم محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم.
ما ينبغي على الداعي مراعاته:
ينبغي على الداعي أن يُراعيَ عامِلَ الوقت؛ حتى يكونَ ناجحًا في مواعظه، وإلا ملَّتْه النفوسُ، وسَئِمت مِن سماعه، ومن ذلك:
أولاً: ليس كلُّ وقت يصلُح لوعْظ الناس وإرشادهم، فليس مِن الحِكمة - مثلاً - موعظةُ الناس بعْد صلاة الظهر، وهو وقتُ انشغال الناس بأعمالهم وأمور معاشِهم، أو وقت انصرافِ الناس إلى نومِهم وراحتهم في اللَّيْل، وهو مِن أخطاء بعض الوعَّاظ، يُريد أن يُلْقي مواعظَه دون إعطاء أهميَّة لحالِ مَن يدعوهم، وكأنَّه لا يخاطِب بشَرًا، لهم مشاعِرُ وأحاسيس.
ثانيًا: مناسبة الموعظة للحال، والبعض منهم يُلقي دروسًا في الصبر على البلاء، والفِتن الواقعة في الأمَّة، وتحمُّل المصائب والنكبات في يومِ فرَح الناس وأعراسهم، حتى يُحوِّل الفرح إلى عزاء ومصيبة، ومِن الحكمة استغلالُ تلك المناسبة في موعِظة عن الشُّكر، وبيان هَدْي الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الأعراس والمناسبات.
ثالثًا: على الداعي أن يتفرَّسَ في وجوه الحاضرين، ومدَى استعدادهم لتلقِّي ما يُقال لهم، فالموعظةُ الغرضُ منها هو أن يستفيدَ الحاضرون، والبعضُ من الوعَّاظ يرى تملْمُلَ الناس من درْسه وترْكهم لمجلسه، ومع ذلك تراه يستمرُّ في درسه ووعْظه، ويطيل الكلام ويُكرِّر الموعظة، وكأنه يطلب إعادةَ الثقة به، وهذا له نتائجُ عكسية تمامًا، وقد كان مِن هديه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه يُحدِّث بالحديث لو عدَّه العادُّ لأحصاه؛ لذا فمِن الحكمة قطعُ الموعظة إن لم يكن فيها مرغِّب أو مشوق آخر.
رابعًا: عدم توفُّر الوقت الملائم لإلْقاء الموعظة، وليس مِن الضروري إلْقاء الموعظة وكأنَّها حِمْل على كاهله يريد التخلُّص منه، بل الموعظة دُررٌ وفوائدُ أثمنُ مِن المال، لا بدَّ من تحيُّنِ فرصة مناسبة؛ ليُنتفعَ منها، وتقعَ موقعها في النفوس، فتدعوهم للعمل الصالح، وترْك ما أَلِفوه من المنكرات، ويحصُل ذلك عندما يتهيَّأ الداعي إلى إلْقاء موعظته، فيحدُث أمرٌ مفاجئ؛ لذا عليه أن يدَّخِر الموعظة لوقتٍ مناسب آخر.
خامسًا: خيرُ الكلام ما قلَّ ودلَّ: إنَّ إطالة المواعِظ لتتعدَّى أحيانًا ساعة وأكثر، هي مشكلةُ بعض الوعَّاظ، وليعلمْ هؤلاء أنَّ طاقة ذهْن الإنسان محدودةٌ لا يمكن في العادة أن تتابعَ الكلام بتركيز وانتباه لأكثرَ مِن رُبع ساعة، وبعدَها يُصاب الذِّهن بالشرود والتعب؛ ولهذا مِن الأفْضل على الواعظ أن يتَّخذ بعضَ التدابير، مثل: تدوين رؤوس الدرس والخطوط العامَّة منه في ورقة صغيرة؛ لئلاَّ يتحرَّج فيخلط في الكلام، أو يستطرد في أمْر لا علاقة له بصُلب الموضوع، كما يُشاهَد على بعض القنوات الفضائية مِن مواعظَ تتجاوز مدتها الزمنية السَّاعة والساعتين.
ومِن الأخطاء أيضًا في هذا الجانب أنَّ بعض الوعَّاظ يضع له مواعظَ مُقسَّمة على الأيام والشهور، وكأنَّها قوالِب لوضع المستمعين والمدعوين فيها، وهو خطأٌ منهجي في الدعوة، والمنهجُ السليم أن تكون الموعظةُ مما يتلاءَم مع حال المدعوين، فينظر الداعي أيَّ مرَض أو آفة اجتماعية تغلُب على قومِه أو مجتمعه، فيتحدَّث فيها، ويُحذِّر منها، وقد قيل في تعريف الحِكمة هي: فِعْل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.[9]
إلقاء الدرس قبْلَ وبعْد صلاة الجمعة:
سُئِل عن ذلك فضيلةُ العلاَّمة الألْباني، فأجاب - رحمه الله تعالى -: "الذي نعتقِده ونَدين الله به أنَّ هذه العادة التي سَرَت في بعض البلاد العربية، وهي: أن ينتصبَ أحدُ المدرِّسين أو الخُطباء ليلقيَ درسًا، أو كلمةً، أو موعظةً، قبل أذان الجمعة بنِصْف ساعة أو ساعة من الزَّمان، هذا لم يكن مِن عمل السلف الصالح - رضي الله عنهم - هذا مِن جهة.
ومِن جهة أخرى، فمن المعلوم لدَى علماء المسلمين قاطبةً أنَّ هناك أحاديثَ صحيحةً تأمُر المسلمين بالتبكير للحضور إلى المسْجد الجامع يومَ الجمعة، كمثل قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن راح في الساعة الأولى فكأنَّما قرَّب بَدنةً، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قَرَّب بقَرةً...، وهكذا حتى ذكَر الكبش والدجاجة والبيضة))، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ حَضَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - المسلمين على التبكير في الرواح يومَ الجمعة إلى المسجد الجامع ليس هو لسماعِ الدَّرْس وإلْقائه، وإنَّما هو للتفرُّغِ في هذا اليوم لعبادة الله - عزَّ وجلَّ - ولذِكْـره، وتلاوة كتابه، وبخاصَّة منه سورة الكـهف، والجلوس للصـلاة على النبـيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تحقيقًا لقوله في الحديث الصحيح، والمروي في السُّنن وغيرها ألاَ وهو قوله - عليه السلام -: ((أكْثِروا عليَّ مِن الصلاة يومَ الجمعة؛ فإنَّ صلاتَكم تبلُغني))، قالوا: كيف ذلك وقد أَرِمْت؟! قال: ((إنَّ الله حَرَّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء.....)).
أما بعْدَ الصلاة، فقد قال - رحمه الله تعالى -: "إنْ كان أحدٌ يريد أن يُدرِّس فبعْدَ الصلاة؛ حيث يتفرَّغ الناس لسماع مَن شاء منهم، ومَن شاء القضاء، أمَّا أن ينتصبَ المدرس قبلَ صلاة الجمعة فيَفْرِض نفسه على الناس فرضًا، وفيهم المصلِّي والتالي والذاكر، فهذا هو الإيذاءُ للمؤمنين، فلا يجوز"[10].
أمثلة على ما مَرَّ:
الأمثلة في هذا الباب كثيرة، وعلى الداعي أنْ يتعود تدبر سيرة المصطفى والأحوال والظروف التي مر بها[11]، وهديه في موعظة الناس وإرشادهم؛ ليكون على بصيرة من دعوته.
ثم الاستفادة من تجارب الآخرين؛ ليضيف إلى رصيده في الدعوة إلى الله، وهذه أمثلة عامة تناسب أحوال عامة:
1- في بداية شهر رمضان يناسب إلقاء موعظة عن أحكام الشهر الفضيل، وما يَجوز وما ينبغي تجنبه، وفي شهر ذي الحجة ما يتعلق بأحكام الحج وأركانه، والترغيب فيه، وفي ليلة العيد - الأضحى والفطر - ما ينبغي فعله للمسلم من سنن وأعمال صالحة من صِلَةِ رحم وغير ذلك، مع تقديم الدروس مقرونة بالترغيب والترهيب، وفي ليلة الجمعة ما ينبغي على المسلم عمله للحصول على أجر وثواب الجمعة.
2- يناسب في أيام الأفراح والأعراس التحدُّث عن الترغيب في الزواج، وبيان فضائله، وشكر نعمة الله على نعمة العِفَّة والإحصان، وفضل إدخال السُّرور على قلب المسلم، والصلح بين الإخوان.
3- في يوم العزاء وفَقْد الأحبة الحث على الصبر، وتحمُّل المصائب، وثواب الصابرين، وما يترتب عليه من أجر وأهمية الإيمان بالقدر والقضاء، وأن الموت يَجري على كل نفس، وبيان عظم الجزاء للصابرين، والحذر من الجزع والتسخط، وأنَّه لا يأتي بنتيجة، بل يستوجب غضب الله ومقته، وبيان أهمية مواساة المسلم في المصيبة.
4- في وقت حدوث نزاع أو قتال أهمية الصلح بين المسلمين، وأنَّه أفضل درجة من الصيام والقيام، وأن الساعي إليه من أفضل عباد الله، وأن المسلمين إخوة متحابون، وأن الساعي للفتنة من شر عباد الله، وخاصَّة الفتنة بين الزوجين والأحبة، والتفريق بينهما، وأنه من أقرب الناس للشيطان.
5- في وقت احتلال بلاد الإسلام، وانتهاك دياره وحرماته، وسلب خيراته - الحث على الجهاد - النفس والعدو - وأنَّه عز المسلمين وسبب لنصرهم، وأنَّ التخاذُل يوجب تسلط الأعداء، والواجب على كل مسلم إعانة المجاهدين، ولو بالكلمة، وأن من لم يحدث بالغزو مات ميتة جاهلية، ويتم ذلك وَفْقَ مشورة أهل العلم والرأي الصائب؛ كي تؤتي ثمارها.
6- في وقت انشغال الناس بالدنيا وملذاتها، وغفلتهم عن معاني الآخرة وأهوالها، والاستعداد لها - التذكير بأحوال الموتى، وما يلاقيه كل من المؤمن والكافر من نعيم أو عذاب في القبر، وربطه بمعاني التوحيد والعقيدة الإسلامية، وما بعد الموت من نعيم مقيم أو عذاب أليم، والحساب على الصغيرة والكبيرة وَفْقَ ميزانٍ دقيق لا يظلم فيه أحد من عباد الله، والاستشهاد الجيد بالآيات، والأحاديث، والتنوع ما بين حديث وآية وشعر، وقول مأثور، وحكمة جليلة.
7- في وقت وقوع الزلازل والكوارث، ووقوع القتل والفتن، وتكالب الأعداء - الحث على الاعتصام بحبل الله والتوبة، والخروج من المظالم، والتضرع إلى الله، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ما يقع هو بسبب ذنوب بني آدم وفسادهم، والواجب على كل مسلم التوبة والرُّجوع وعدم التسويف، بل المبادرة والإقلاع عن المعاصي.
8- في وقت الحاجة والفقر، وانتشار العوز في بلاد الإسلام - الحث على الإنفاق في سبيل الله، وأنَّ المال هو وديعة بيد المسلم، وأنَّ الواجب تقديمُ الدعم المادي لإخوة الإسلام في أيِّ مكان مهما اختلفت أشكالُهم وألوانهم، وكذا في وقت نشر الأفكار الهدَّامة ودعمها من قبل المؤسسات الغربية، وغيرها، الواجب تذكير الأمة بأهمية التصدي للباطل، إما بالكلمة أو بالمال؛ لئلا يستشري الباطل، وتضل الأمة عن الطريق القويم، وأنَّ من لم يقم بواجبه فلا يَلومَنَّ إلا نفسه.
9- في وقت خروج الفئات الباغية على شرع الله، ومنازعة أولي الأمر، وقيامهم بأعمال تضر بالمجتمع المسلم من قتل للأبرياء، وسَفْكٍ للدماء - الواجب التحذير منهم ومن أفعالهم، وبيان ما يعتقدونه من أفكار باطلة، وأنه الواجب طاعة أولي الأمر؛ لئلا ينفلت وتكون فوضى في بلاد الإسلام؛ مما يوجب العبث، وتسلُّط الكفرة على ديار المسلمين، ومثله التصدي لأفكار من ينتسب إلى الإسلام في الظاهر وهو يُخالفه في الاعتقاد كالرافضة، فالواجب بيان عقائدهم وضلالهم، وأنَّهم يستعملون التقيَّة في نشر الباطل، فالواجب الاعتصام بين المسلمين، والتصدي لترويج باطلهم وإفكهم.
10- في وقت يرى فيه الداعية أنَّ المسلمين قد هجروا كتاب ربهم، وتدبر آياته، والعمل به - لا بُدَّ من بيان فضل تلاوته، وأنَّه حبل الله المتين، ونجاة المسلم في الدنيا والآخرة، وأنَّه يشفع لقارئه، وأنَّ هجرانه يعني ظلام القلوب والبيوت، والبُعد عن رحمة الله، وبيان فضائله من الآيات والأحاديث، وهذا مِمَّا ينبغي التذكير به في كل مناسبة.
جامع ينبغي التذكير به دومًا:
ينبغي ربط كل موعظة وإرشاد بالأصل العظيم، وهو طاعة الله وطاعة رسوله، وأن نجاة المسلمين وسعادتهم في كل زمان ومكان تكمُن في تحقيق هذين الأمرين، وأي موعظة تخلو من التذكير بهذا الأصل القويم سيكون تأثيرها مؤقتًا، وتصل الموعظة إلى القلوب هامدة ميتة؛ ولهذا ينبغي التذكير بالهدف والغاية التي خلق من أجلها الخلق، ألاَ وهي عبادة الله وحدَه لا شريك له والعمل على مرضاته، وطاعة رسوله الكريم، والتطلع إلى ما عند الملك الكريم من الجزاء العاجل في الدنيا من الاطمئنان، والسعادة الحَقَّة وفي الأجل من الفوز بنعيم الجنة، وما أعَدَّ الله لأهلها من الكرامة والنعيم المقيم، وقد أخبر الله أنَّ أهلَ طاعة الله وطاعة الرسول هُم من أهل الرحمة؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، وفي الدار الآخرة أخبر بما أعده للمؤمنين والمؤمنات من الخيرات، والنعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، فقال - تعالى -: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ [التوبة: 72].
وصَلَّى الله على محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
--------------------
[1] "صحيح البخاري"، (يتخول): يتعاهد، (السآمة): الملل والضجر.
[2] أخرجه أبو داود وغيره مطوَّلاً ومختصرًا من حديث البراء - رضي الله عنه.
وللأخ بلقسام عبدالدائم بحثٌ حول الموعظة عند القبر، وقد خلص إلى ما أشرْنا إليه، تجده على موقِع أهل الحديث.
[3] حديث صحيح أخرجه الشيخان.
[4] رواه مسلم ح (2892).
[5] أخرجه البخاري (5661).
[6] متفق عليه.
[7] العرباض بن سارية في سنن الترمذي - رقم (2676)، وهو حسن صحيح.
[8] الحديث رواه البخاري في صحيحه، وفي رواية للبيهقي: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)).
[9] مدارج السالكين (2/479).
[10] من كتاب "الأنباء بأخطاء الخطباء" (ص: 60 - 78) بقلم سعود بن ملوح سلطان العنزي، قدَّم له الشيخ سُلَيم بن عيد الهلالي.
[11] كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد"، لابن القيم، وكتاب "الرحيق المختوم" بحث في السيرة النبوية من أفضل الكتب التي تفيد الواعظ، وتجعله مهتديًا مقتديًا بسنة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.
كتبه: مرشد الحيالي

الخميس، 15 نوفمبر 2018

المولد النبوي وعشرة أدلة من الكتاب والسنة على جوازه ؟

 
المولد النبوي الشريف و أدلته من الكتاب والسنة



الأدلة من القرآن الكريم :
لقد أورد القرآن الكريم أدلة كثيرة تحض على الاحتفاء والابتهاج بسيد ولد عدنان صلى الله عليه وآله وسلم ، إما تصريحا وإما تلويحا ، وأقتصر على بعض الأدلة التصريحية وهي على النحو الآتي :
[ الدليل الأول ] :
قال تعالى (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا )) (يونس : 58)
فالله عز وجل طلب منا أن نفرح بالرحمة ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ، وقد قال تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) (الأنبياء : 107)
وفي الدر المنثور للحافظ السيوطي (4/367) أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال : فضل الله العلم ، ورحمته النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الله تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) انتهى .
[ الدليل الثاني ] :
قال الله تعالى (( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك )) (هود : 120)
في الآية طلب قص أنباء الرسل لما في ذلك من تثبيت الفؤاد ، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الرسل ، والمولد النبوي الشريف يشتمل على أنباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ففي ذكره تثبيت لأفئدة المؤمنين ، فهو حث على تكرار ذكر المولد والعناية به .
[ الدليل الثالث ] :
قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم عليهما السلام : (( ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين )) (المائدة : 114)
قال الشيخ إسماعيل حقي في روح البيان (2/446) عند هذه الآية : "أي يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ، وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستفاد من شرفها"
وما كان ميلاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأقل شأنا من ميلاد عيسى عليه السلام ، بل ميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعظم منه ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أكبر نعمة ، فيكون ميلاده أيضا أكبر وأعظم .
[ الدليل الرابع ] :
وفي كتاب الله عز وجل بيان لقصة ميلاد عيسى عليه سلام الله ، وميلاد يحيى بن زكريا عليهما السلام ، وقد نطقت آيات كثيرة بالإشارة إلى ميلاد مريم عليها السلام ، وما سبق ذلك الميلاد من دعاء الأم الرؤوم ، وما صحبه من تخوف واعتذار ، وما صحب مولدها عليها السلام من إكرام الله لها حيث كفلها زكريا ، وحيث الرزق المتجدد المتعدد الأنواع ، وحيث يتبارى أشراف القوم فيمن يكفل مريم ، واقترعوا من أجل ذلك ، هذا كله في سورة آل عمران من الآية (34) إلى الآية (44) ، وقد أتى ضمن هذه الآيات آيات تتكلم عن نبي الله يحيى بن نبي الله زكريا عليهما السلام ، محتفية به متحدثة بالإجلال والتكريم ، وقد تحدثت آيات أخر في سور آل عمران والمائدة ومريم عن ميلاد عبد الله ورسوله عيسى بن مريم عليهما السلام .
أقول أليس في هذا كله مما يستأنس به لجواز ذكر النعمة بمولده صلى الله عليه وآله وسلم ؟! وهو بكل تأكيد أفضل خلق الله على الإطلاق ؟
[ الدليل الخامس ]
: قال تعالى (( لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا )) (الفتح : 9)
ذهب المفسرون في تفسير هذه الآية مذهبين :
1) المذهب الأول : من وحد الضمائر .
2) المذهب الثاني : من فرق بينهما .
وخلاصة المذهب الأول أن الضمائر الواردة في الآية الكريمة تعود كلها إلى الله تعالى ، أو إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
وهو رأي جماعة من المفسرين نقله عنهم الإمام النووي ، فمن ذهب إلى أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :
1) إنه عليه الصلاة والسلام أقرب مذكور في الآية .
2) لا يجوز التفريق بين الضمائر إلا لضرورة .
معنى "تسبحوه" أي تنزهوه عن النقائص وتدعوا له .
[ الدليل السادس ] :
قال الله تعالى (( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )) (آل عمران : 164)
قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى : "إن بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إحسان إلى كل العالمين ، ولقد شرف الله به العرب ونقلهم ببركة مقدمه صلى الله عليه وآله وسلم من رعاة الشاء والغنم إلى رعاة الشعوب والأمم ، ورفعهم من عُبية الجاهلية إلى مقام السيادة والريادة كما قال تعالى (( وإنه لذكر لك ولقومك ))
فقد أفردهم بالفخر على سائر الأمم وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا بين اليهود والنصارى والعرب ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى عليهما السلام وبالتوراة والإنجيل .
فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم" انتهى بتصرف .
[ الدليل السابع ] :
قوله سبحانه وتعالى (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ))
وهذا دليل واضح الدلالة في توقيره وتعظيمه في كل وقت وحين لأن حبه صلى الله عليه وآله وسلم وولاءه أصل الدين وأساسه ، فكل العبادات تسوق إليه وتطبع القلوب على حبه وهذا مقام شريف واحتفاء عزيز ، وما الاحتفال بالمولد إلا تطبيع النفس على كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم رجاء أن ينطبع حبه وحب آله في القلوب ليؤسس ذلك الحب ركن الإيمان ويشيد صرح اليقين ، فيا له من احتفاء وابتهاج عظيم يأمر الله به ملائكته فتتشرف بهذا التكريم ، ويأمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه ، فيا له من شرف ما بعده شرف وتكريم وتخصيص حكيم بالمؤمنين ولم يقل سبحانه بالمسلمين لأن معرفة قدره حبيبه عزيزة المنال فأدنى مقامات معرفتها مقام الإيمان ، والإسلام دون ذلك .
[ الدليل الثامن ] : قوله سبحانه وتعالى (( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ))
وفي هذا النص القرآني – أخي القارئ – ما لا يخفى عليك من تعظيم الله سبحانه وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره وإظهار قدره للخلق أجمعين ، فهي آية عظيمة قدس الله فيها نفسه قبل ذكر قدر نبيه لما في ذلك من الحفاوة والتبجيل والتعظيم والتوقير لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم حتى أن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت : "وما أرى ربك إلا ويسارع في هواك" . فهذا رب السماوات والأرض يقدس ويعظم ويفخم مسرى حبيبه ويضم اسمه إلى اسمه في كل موقف .. ففي الشهادة لا يتم الإيمان إلا باسمه .. وفي الصلاة لا تتم إلا باسمه .. وفي معية الإسراء لا يكون الإسراء إلا لروحه ورسمه .
إن حادثة الإسراء والمعراج ابتهاج وعيد واضح للكون أجمع يجمع الله له صلى الله عليه وآله وسلم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين والصديقين والصالحين والملائكة والمقربين ليكون هو الإمام وهم المأمومين ليعرفوا قدره العظيم .
[ الدليل التاسع ] :
قوله سبحانه وتعالى (( إنا أنزلناه في ليلة مباركة )) مع قوله سبحانه (( إنا أنزلناه في ليلة القدر ))
نعت الله سبحانه وتعالى ليلة الإنزال لصفة سيد الرجال بأنها مباركة وأنها ذات قدر فقال سبحانه (( وما أدراك ما ليلة القدر ، ليلة القدر خير من ألف شهر ، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ، سلام هي حتى مطلع الفجر )) أي أن الله سبحانه وتعالى يُنزل ليلة القدر في كل سنة وفي كل شهر كبكبة من الملائكة وبالأرواح الصالحة من كل عالم مع روح سيد العوالم صلى الله عليه وآله وسلم وما ذلك إلا لعظيم القدر ، وما ذلك التكرار إلا لإعادة التذكار للعقول والأفكار الموفقة بمحبة سيد الأبرار صلى الله عليه وآله وسلم .
فإذا كان ذلك القدر للقرآن المنزل الذي هو خلقه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف به صلى الله عليه وآله وسلم ؟ لا شك أنه قدر فوق قدر ، فإذا كانت شعائر الله ذات قدر مؤقتة في الزمان والمكان فالابتهاج به مطلق غير مقيد كما هو حال الذكر لأنه رحمة عامة ومنة تامة .
[ الفصل الثاني ] الأدلة من السنة المشرفة :
وأما الأدلة من السنة فكثيرة متظافرة ، تتلخص فيما يلي :
[ الدليل الأول ] :
أخرج مسلم في صحيحه (2/819) عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم سئل عن صوم يوم الإثنين فقال : "ذاك يوم ولدت فيه ، وفيه أنزل علي" . وهذا نص في الاحتفال بيوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتمل غيره . ولم أجد للمخالف جوابا عنه إلا طلب الاقتصار على الصيام فقط ، وهي ظاهرية محضة ، وتخصيص بدون مخصص ، لكنها مع ذلك موافقة لنا في مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف . ولله در الحافظ ابن رجب الحنبلي حيث قال في هذا المعنى في كتابه لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف (ص98) : فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده ، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته وإرساله إليهم ، كما قال تعالى (( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم )) (آل عمران:164) ، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين حسن جميل ، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر" انتهى .
والمقصود الوصول بهذه الطاعة إلى محبة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد يتحقق هذه المقصود بأي وسيلة مشروعة ، فالوسائل لها حكم المقاصد إذا كان المقصد شرعيا .
[ الدليل الثاني ] :
قد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم في صيام عاشوراء ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا : هو اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون ، ونحن نصوم تعظيما له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "نحن أولى بموسى" . وأمر بصومه . أخرجه البخاري (7/215 ومسلم (رقم 1130) .
وفي هذا الحديث تأصيل لملاحظة الزمان والعناية به . وقد استدل أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، كما في فتوى له نقلها الحافظ السيوطي في "حسن المقصد في عمل المولد" انظر الحاوي للفتاوي (1/196) . فقال ما نصه : "فيستفاد منه الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة ، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة ، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم" انتهى .
[ الدليل الثالث ] :
كان الصحابة رضي الله عنهم يتذاكرون فيه من سير الأنبياء ، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذكر سيرته ، لأنه أفضل وأكمل الأنبياء والجامع لما كان متفرقا فيهم ، وما المولد إلا عمل بهذا الإرشاد النبوي لأن فيه ذكرا لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقد أخرج الترمذي (تحفة الأحوذي 1/86) وقال الترمذي : غريب ، والدارمي (ا/26) والقاضي عياض في الشفا (1/408) :
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، قال بعضهم : إن الله اتخذ إبراهيم خليلا ، وقال آخر : موسى كلمه الله تكليما ، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه ، وقال آخر : آدم اصطفاه الله ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : قد سمعت كلامكم وعجبكم ، إن ابراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى نجي الله وهو كذلك ، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ، تحته آدم فمن دونه ولا فخر ، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر . وهو حديث قوي ، وله شواهد رواه البيهقي في دلائل النبوة (5/270-500) . وأصل الحديث في الصحيحين .
ويؤيد هذه الرواية التي تؤكد على احتفاء الصحابة بذكرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا كعب الأحبار رضي الله عنه يتذاكر مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما خصه به ، فقال كعب : ما من فجر إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون أجنحتهم ويصلوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألفا حتى يحفوا بالقبر فيضربون بأجنحتهم فيصلون على النبي سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين من الملائكة يزفونه –وفي لفظ يوقرونه- رواه إسماعيل القاضي وابن بشكوال والبيهقي في الشعب والدارمي وابن المبارك في الرقائق وهو حديث صحيح*.
* انظر جزء فضل الصلاة على النبي (ص83-84) رقم (102) من طريق ابن المبارك ، وفيه ابن لهيعة قد صرح بالتحديث ، وأخرجه الدارمي في سننه (1/420) بطريق آخر ورجاله ثقات ، وإقرار عائشة له حكم الموقوف ، انظر القول البديع (ص52)
[ الدليل الرابع ] :
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه : "مورد الصادي في مولد الهادي" : قد صح أن أبا لهب يخفف عنه العذاب في مثل يوم الإثنين لإعتاقه ثويبة سرورا بميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أنشد :
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه == وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الإثنين دائما == يخفف عنه بالسرور أحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره == بأحمد مسرورا ومات موحدا
فإذا كان هذا الكافر الذي جاء القرآن بذمه يخفف عنه العذاب لفرحه بمولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فما بال الذي يحتفل بذلك .
وهذا ما ذكره وقرره أيضا شيخ القراء والمحدثين الحافظ شمس الدين بن الجزري في "عرف التعريف بالمولد الشريف"
[ الدليل الخامس ] :
قال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في رسالة "حسن المقصد" (وهي في كتابه الحاوي 1/196) : وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عق عن نفسه بعد النبوة ، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته ، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية ، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين ، وتشيع لأمته كما كان يصلي على نفسه ، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات . انتهى .
[ الدليل السادس ] :
لقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في فضل الجمعة : "وفيه خلق آدم" أخرجه مالك في الموطأ (1/108) والترمذي (رقم 491) وقال : حسن صحيح .
فقد تشرف يوم الجمعة بخلق آدم ، فبدلالة النص وفحوى الخطاب وقياس الأولى ثبت فضل اليوم الذي ولد فيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا يختص هذا الفضل بنفس اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقط ، بل يكون له نفس الفضل كلما تكرر ، كما هو الفضل في يوم الجمعة .
[ الدليل السابع ] :
فيما أخرجه البخاري (الفتح 8/270) وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . فقال : أي آية ؟ قال : (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )) (المائدة:3) فقال عمر : إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه ، والمكان الذي نزلت فيه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم بعرفة يوم الجمعة .
وأخرج الترمذي (5/250) عن ابن عباس نحوه وقال : فيه نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة ، وقال الترمذي : وهو صحيح .
وفي هذا الأثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة عيدا ، لأن الزمان ظرف للحدث العظيم ، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة يكون موسما لشكر تلك النعمة وفرصة لإظهار الفرح والسرور بها .
[ الدليل الثامن ] :
أعمال البر التي يشتمل عليها المولد ، إن الاحتفال بالمولد يشتمل على كثير من أعمال البر كالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذكر والصدقة ، ومدح وتعظيم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر شمائله الشريفة وأخباره المنيفة ، وكل هذا مطلوب شرعا ومندوب إليه . وما كان يبعث ويساعد على المطلوب شرعا فهو مطلوب ، لذا قال تعالى مخبرا أنه هو وملائكته يصلون على النبي (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما )) (الأحزاب:56)
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/506) : "والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملإ الأعلى ، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين ، وأن الملائكة تصلي عليه ، ثم أمر الله تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه أهل العالمين العلوي والسفلي" انتهى .
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدح نفسه وغيره من الأنبياء السابقين ، ورغب في ذلك ، وعمل به الصحابة بحضرته ، فرضي ودعا لمن مدحه وأثابه .
وأخرج أحمد (4/24) وابن أبي شيبة (6/180) والطبراني في المعجم الكبير (1/رقم842) عن الأسود بن سريع قال : قلت : يا رسول الله مدحت الله بمدحة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هات وابدأ بمدحة الله .
في إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو مختلف فيه ، وذكره الذهبي في جزئه المفيد "من تكلم فيه وهو موثق" برقم (249) ، وقال "صويلح الحديث" وقد روى له مسلم مقرونا بغيره .
لكن أخرج حمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان (ص413 رقم 723) عن أبي سعيد الأشج ، حدثنا عبد السلام بن حرب بن عوف عن الحسن ، عن الأسود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه .
إسناده صحيح ، مسلسل بالثقات المحتج بهم في الصحيح ، وعوف هو ابن أبي جميلة ، والحسن هو البصري ، وقد سمع من الأسود .
ومدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء على لسان عدد من الصحابة ، فقد أخرج أحمد في المسند (3/451) وابن عساكر في التاريخ (مختصر ابن منظور 12/158) عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال :
وفينا رسول الله يتلو كتابه == إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا == به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه == إذا استثقلت بالكافرين المضاجع
والاستماع للحادي في المدح جائز لا شيء فيه ، ففي صحيح البخاري (كتاب الأدب باب ما يجوز من الشعر 5/294) عن سلمة بن الأكوع : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنيهاتك . قال : وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولاتصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اقتفينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أتينا
وبالصياح عولوا علينا
ولهذا نظائر ، انظر صحيح البخاري (كتاب الأدب ، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه ، وباب المعاريض مندوحة عن الكذب) وفي صحيح مسلم في أوائل كتاب الشعر من صحيحه .
[ الدليل التاسع ] :
ذكر ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم" (2/634-635) وقال المروزي : سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا . قال : "أرجو أن لا يكون به بأس" ، وقال أبو سري الحربي قال أبو عبد الله : وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس –يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم- ويذكرون ما أنعم الله عليهم كما قالت الأنصار ؟ ...
[ الدليل العاشر ] :
وأورد السيوطي في الدر المنثور عند تفسير سورة الجمعة من طريق عبد بن حميد وابن سيرين بسند صحيح : نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : لو نظرنا يوما فاجتمعنا فذكرنا هذا الأمر ، الذي أنعم الله به علينا ، فقالوا : يوم السبت ، ثم قالوا : لا نجامع اليهود في يومهم ، قالوا : الأحد ، قالوا : لا نجامع النصارى في يومهم ، قالوا : فيوم العروبة وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة فذبحت لهم شاة فكفتهم** انتهى .
ترى أيها القارئ أن هذا الحديث يمكن أن يستفاد منه أمور منها :
-فيما يتعلق بالأمور المستجدة ، يمكن أن يفهم من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقر ما يحدث من الأعمال مما يشهد له أصل من أصول الشريعة ، فقد أقرهم صلى الله عليه وآله وسلم على اجتماعهم في هذا اليوم ، دون أن ينتظروا إذنا منه فضلا عن أمر منه صلى الله عليه وآله وسلم .
-يفهم من هذا الحديث كما استدل به ابن تيمية رحمه الله ضرورة مخالفة النصارى واليهود في كل ما هو من سماتهم وشيمتهم خصوصا ما له تعلق بأمر من أمور العبادات .
-ويفهم منه استحباب ذكر النعمة والاحتفاء والاحتفال بأيامها ، وذلك أخذا من حديث الأنصار بمنة الله عليهم يوم وصلوا الإسلام ، ومن بحثهم عن يوم يختارونه لإظهار فرحتهم بذلك الحدث السعيد .
** ذكره ابن حجر في الفتح (2/355) ، ثم قال وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن في حديث كعب بن مالك اه وذكره ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" (2/635)
[ الدليل الحادي عشر ] :
جميع الأحاديث والآثار التي تحض وتأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأعظم دليل بالابتهاج والاحتفاء به صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في القول البديع (ص33) إن في الأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أي وقت كان وكيفية ذلك على اختلاف أنواعه ، والأمر بتحسين الصلاة عليه والترغيب في حضور المجالس التي يصلي فيها عليه ، وإن علامة أهل السنة*** الكثرة منها ، وإن صلاة الملائكة عليه صلى الله عليه وآله وسلم على الدوام لدليل عظيم على توقيره وتعظيمه ، كما قال الإمام الحليمي في شعب الإيمان : إن التعظيم منزلة فوق المحبة ، فحق علينا أن نحبه ونبجله ونعظمه أكثر من إجلال عبد لسيده .. إلى أن قال : وبمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله تعالى بالآيات والأحاديث انتهى .
*** انظر القول القول البديع (ص52)

الجمعة، 2 نوفمبر 2018

ما هي البدعة ..!؟ وهل هناك بدعة حسنة ؟!




كثر القيل والقال عن البدعة ، والحكم على كثير من الأمور بالبدعة ( الضلالة ) .
ومفهوم البدعة غامض عند كثير من المسلمين ، ولاسيما الذين يكثرون من إستخدامها ، والحكم على الأمور بها ! 
وكلما حلت مناسبة ؛ حدثت فيها نعمة في الإسلام ، وأراد المسلون إحياء ذكراها ، واستثمارها في تجميع الناس ، وتوعيتهم ، وبيان رسالة الإسلام لهم ، وإبعاد الناس – ولو لفترة قصيرة جداً – عن صخب الحياة المادية ، في رحاب بيت من بيوت الله تعالى ، إنبرى أولئك لهم ، ونشطوا في محاربتهم بتوزيع منشورات ، ومطويات ؛ تحارب تللك المناسبة ، وتصم القائمين بها بالبدعة الضلالة ، والانحراف ، والخروج عن سنة رسول الله r !
فأحببت أن أجمع في ذلك ، آيات ، وأحاديث ، وأعمال ، وأقوال الخلفاء الراشدين ، والصحابة الكرام ، رضوان الله عليهم ، وكذلك أقوال الأئمة الأعلام ، حتى نكون على بيّنة من أمرنا !

لتكملة الموضوع ادخل هنا 

الخميس، 1 نوفمبر 2018

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

صلاة_الغائب

 صلاة_الغائب
 صلاة الغائب قد أجازها السادة الشافعية والحنابلة في الاصح من مذاهبهم 
قال الامام النووي : " مذهبنا جواز الصلاة على الغائب عن البلد ودليلنا حديث النجاشي وهو صحيح لا مطعن فيه وليس لهم عنه جواب صحيح (المجموع 5/211)
اما الاحناف والمالكية لهم ان يقلدوا المذهبين الشافعي والحنبلي من باب طاعة ولي الامر واجبة ولنا قدوة سلف من فعل ائمتنا الكرام
روي عن صاحبي ابي حنيفة ابي يوسف ومحمد بن الحسن لما قدم هارون الرشيد بغداد صلى بالناس العيد وأمرهما أن يكبرا تكبير جده ابن عباس، ففعلا ذلك امتثالا لامره... اي غير ما عليه مذهبهما !!
.

الاثنين، 29 أكتوبر 2018

رسالة الى معلمين بمناسبة العام الدراسي الجديد اتمنى ان تصل الى كل معلم ..

رسالة الى معلمين بمناسبة العام الدراسي الجديد
اتمنى ان تصل الى كل معلم ..
أولا :
تحية طيبة إلى من ينفق من مشاعره وأحاسيسه قبل أن ينفق من أوقاته ، وينفق من دمه ونفسه أضعاف ما ينفق من تعليمه وتـوجيهاته ، تحية إلى من يحاول أن يرد المعوج إلى طريقه والمنحرف إلى سبيله ، والناد إلى جادته ، والعاق إلى بره ، والجافي إلى عقله ، والمفـرط إلى صوابه ، والفاسق إلى دينه تحية إلى من حجز لنفسه في المسجد جلسته ، ليحجز لنفسه في الجنة درجته . وجعل من أبناء المسلمين أبناءه ، فغدا عليهم شفيقاً ، وبهم رفيقاً ، يسعى لزيادتهم كما وكيفاً ، ويجتهد في تعليمهم شتاءً وصيفاً .
تحية إلى من حبس حاجته في صدره ، ولم يبح إلا بحاجة واحدة هي أن يتفيأ الجيل المسلم ظلال القرآن ، ويستنشق عبير الإيمان ، ويفيء إلى طاعة الرحمن ، ولأجل هذا يضحي بالغالي والرخيص ، ويجود بالبسيط والنفيس .
تحية إلى من لم يشغل نفسه بماذا أخذتُ ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ولكنه يسأل : كم أعطيت ، كـم وجهت ، كم علمت ، كم أفدت ونصحت ، ماذا أثرت ، سؤالَ اللائم نفسَه ، وقبل أن يتهم طلابه يتهم نفسه ، يقول : لعلي لم أجرد نيتي ، لعلي لم أحسن طريقتي ، لعلي زدت في قسوتي ، لعلي أفرطت في تجاوزي ومسامحتي ، تحية إلى خير الأمة ، كما شهد بذلك نبي الأمة ، حين قال كما روى البخاري ، عن فضـل المقـرئ والقاري: [ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ] ، فحاز الخيرية من طرفيها ، تعلم وعلـم ، وقـرأ وأقرأ ، وصلح وأصلح ، ورشد وأرشد ، تحية إلى من سكن القرى والهجر واصطحب معه النور الذي لا يخبو يبدد الظلام ، ويوقظ النيام ، ويبارك به الأيام .
الناس في متاجر الدنيا وهو في متجر الآخرة ، ومعية الملائكة .
الناس أرصدتهم في البنوك ، ورصيده هو في القلوب .

الناس تبني مدائن من تراب ، وهو يبني مدائن من فكر وقيم وآداب ، ويعلي قلاع تناطح السحاب .
تحية لمن فجر في حياتنا ينابيع القرآن دفاقة ، وأجرى في صحاري العقول أنهار الحكمة رقراقة ، تحية وسلاماً إلى معلم القرآن ، في كل زمان ، وكل مكان .

يا من إلى الله تدعو *** وترتجي منه أجرا
لك المدائح تترى *** شعراً وإن شئت نثرا
إنا نعيش بعصر *** يموج ظلماً ونكرا
الخير فيه توارى *** وأنت بالعصر أدرى

وثانيا :
أقول : لمعاشر المعلمين في بلادنا الحبيبة سلامٌ من الله عليكم ، وتحيات مباركات تزجى إليكم
وإن بعض الخواطر المباركة والنقول المفيدة والتوجيهات السديدة لمثل هؤلاء تكون عوناً لهم ولنا جميعاً للسير بالعملية التعليمية إلى أعلى المراتب وأسمى الغايات ، عسى أن تجد قبولاً عندهم ، وتنال رضاهم بعد رضا الله عز وجل .
فماذا تقولون بدايةً عن مهنة التدريس ؟
التدريس رسالة :
شخصية تنظر إلى دورها في التدريس على أنه رسالة تؤدّى ، وليس وظيفة مقابل أجر . وشخصية تضع نصب عينيها أن هذه المهنة ، هي مهنة الأنبياء والرسل وأصحابها هم ورثة الأنبياء وهم الذين يرفعون عن الناس الجهل فينقلونهم من ظلمات الجهالة إلى نور العلم والإيمان والمعرفة . وحسْب المعلم شرفاً أنه دال على الله تعالى , يرشد الناس إلى الطريق الموصلة إلى خالقهم وباريهم , ويدلهم على معبودهم ومربوبهم والغاية التي من أجلها خلقوا ، علاوة على تعليمهم الخلق القويم والسبل التي تكفل لهم حياة طيبة .
العلم ميراث النبي كما أتـــى في النص والعلماء هم وراثه
ما خلف المختار غير حديثه فينا فـذاك متـاعـه وأثـاثه
ولا شك أن النظرة لهذا العمل على أنه رسالة يجازي الله عليها أفضل وأعظم من النظرة إليه على أنه أداء لواجب وظيفي يستوي مع واجب أي موظف آخر .
يجب أن نعلم أن حضارة الغرب وثقافتها ومذاهبها المتعددة أفلست ، وسوف تفصح عن ذلك إن عاجلاً أو آجلاً .
وأن الإسلام وحده هو الذي يستطيع أن يقوم بعملية الإنقاذ وأن يحقق كل ما تريده الإنسانية
والمشكلة الآن هي مشكلة الدعاة في كل مجال ، فالمعلم في مدرسته وفي فصله لابد وأن يكون داعية .
فإن الأمم اليوم تجتمع على محاربة الإسلام قوى رهيبة مثل : الصهيونية والشيوعية ، والإباحية ، والاستعمار المنظم ، والانتهازية ، ... وهي مسلحة بالقوة المادية والعلمية والحضارية ... ومن أجل ذلك فإنه يحتاج أن يكون كل مسلم داعية في مجال عمله .
لاسيما والميدان فارغ ، وهو بحاجة إلى مزيد من الدعاة الأكفاء الذين يحسون بعظم المسئولية اليوم ، ويشعرون بالمخاطر التي تهدد دينهم وأمتهم وعالمهم الإسلامي .

لكن المعلم يعيش بين عناء الوظيفة وشرف المهنة :
لذلك نقول يا أيها المعلم : إن مهمتك عصيبة جداً ، ولكنك داعٍ إلى الله ، وحامل لواء المسلمين فلا يؤتى الإسلام من قبلك ، وهنيئاً لك ، [ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ] وهنيئاً لك أنك تُعلم الناس الخير ، وهنيئا أن الله تعالى في عليائه وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحيتان في البحر يصلون على معلم الناس الخير .
وكما تعلمون أن سياسة التعليم يجب أن تنبثق من الشريعة الإسلامية ، ويجب أن تكون لها أهداف وغايات عظمى لا يمكن أن تتحقق ( بعد توفيق الله ) إلا من خلال معلم ذي شخصية سوية في صفاتها وخصائصها ، في آمالها وتطلعاتها ، في مقاييسها وموازينها ، لم تمسخ فطرتها ، ولم تنحرف أفكارها .

ما هي أهم الصفات التي يجب أن تتوفر في المعلم ؟
أولاً : الإخلاص :
على المعلم الداعية أن يحرر نيته لله ، ويخلص لله في كل عمل تربوي يقوم به ، سواء أكان هذا العمل أمراً أو نهياً أو نصحاً أو ملاحظة أو عقوبة . يحررها من شوائب الرياء والسمعة وثناء الناس وشكرهم ، فعمله لله وبالله ....
قال تعالى : ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )
وروى البخاري في صحيحه عن عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )
وجاء في الحديث الذي رواه النسائي : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ )
فعلى المعلم الداعية أن يحرر النية ، ويقصد وجه الله تعالى في كل عمل يقوم به ، ليكون عند الله من المقبولين ، وبين تلاميذه من المحبوبين والمؤثرين .
والثمرة التي يجنيها هي تنفيذ منهج التربية على الدوام وإفادة وتربية الطالب ، وأيضاً يحظى بثواب الله ورضوانه ، ويظفر بدار المقامة في جنات الخلد في مقعد صدق عند مليك مقتدر ..

ثانياً : التقوى :
أن يتقي الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى الله عنه وزجر ممتثلاً : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) متحرياً ذلك أشد التحري : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
وامتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : " اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ "
وإنه إذا لم يكن المعلم الداعية متسلحاً بالتقوى وملتزماً في سلوكه ومعاملته منهج الإسلام .. فإن الطالب يحس بالتناقض في داخله مما يدفعه إلى الانحراف عن الطريق القويم .
فهو يتقي الله ويلتزم بإنهاء المنهج وخاصة في الثانوية العامة .
وهو يتقي الله ولا يظلم طالب ويحابي آخر لمعرفة أو ود أو واسطة .
وهو يتقى الله ولا يعامل الطلاب بناءً على مظهرهم أو قبيلتهم ولكن بناءً دينهم والتزامهم واجتهادهم .
وهو يتقي الله فلا يغش فيبيع الأسئلة ويضع الدرجات وينجّح الطلاب بالفلوس وهكذا تضيع هيبة العلم وأنه يقوم بمهمة الأنبياء والرسل ، فكيف يُحل لنفسه أن يبيع دينه من أجل عرض من الدنيا .

ثالثا : استشعار بالمسئولية :
وقد جاء في حديث البخاري ( أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلّكُمْ مَسْئُول عَنْ رَعِيَّته ) وَالرَّاعِي هُوَ الْحَافِظ الْمُؤْتَمَن الْمُلْتَزِم صَلَاح مَا اُؤْتُمِنَ عَلَى حِفْظه فَهُوَ مَطْلُوب بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَام بِمَصَالِحِهِ .
ولذلك عليه أن ينطلق بكليته في مراقبة وملاحظة الطالب ، وفي توجهيه وتعويده وتأديبه ، وَلابْنِ عَدِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَنَس " إِنَّ اللَّه سَائِل كُلّ رَاعٍ عَمَّا اِسْتَرْعَاهُ حَفِظَ ذَلِكَ أَوْ ضَيَّعَهُ "
فالمعلم يجب عليه أن ينهض بهذه المسئولية على أكمل وجه ، واضعاً نصب عينيه غضب الله تعالى عليه إذا هو فرّط ، لأن المسؤولية يوم العرض الأكبر ثقيلة والمحاسبة عسيرة ، والهول عظيم .
وإذا أهمل المعلم واجبه ، ووجه طلاب نحو الانحراف ، والمبادئ الهدامة ، والسلوك السيئ ، شقي الطلاب ، وشقي المعلم ، وكان الوزر في عنقه ، وأنه مسئول أمام الله تعالى فالمعلم راع في مدرسته ، وهو مسئول عن رعيته .
إن صاحب الهم الذي يحمل هم الأمانة التي استرعاه الله عز وجل عليها يتساءل دائما كيف أقوم بأداء هذه الرسالة وهذه الأمانة على الوجه الذي يرضي الله عز وجل عني ؟ , ويتساءل دائما كيف أكون معلما ناجحا في حمل أمانتي مؤديا لها على الوجه الصحيح؟ .
بل وحتى الطلاب وكل مسلم يجب أن يستشعر ذلك .

- المعلم الداعية لا يستعجل :
عدم استعجال ثمرة جهدك وجهادك وتعليمك ودعوتك ، فما أنت إلا مجرد زارع يغرس الزرع ويبذر البذر ويفعل السبب ، فلا تتوقع أن يثمر جهدك في كل من هم حولك فقد لا يخرج من مائة علمتهم ودعوتهم عشرة بل واحد ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً ) وفي روايةُ : ( وَقَالَ : لا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً أَوْ قَالَ لا تَجِدُ فِيهَا إِلا رَاحِلَةً ) .
وحكى يحيى بن أبي طالب : فقال سمعت أبا داود يقول : كنت يوما بباب شعبة ، وكان المسجد ملأ ، فخرج شعبة فاتكأ علي وقال : يا سليمان ترى هؤلاء كلهم يخرجون محدثين . قلت : لا . قال : صدقت ، ولا خمسة ، يكتب أحدهم في صغره ثم إذا كبر تركه أو يشتغل بالفساد ، قال : ثم نظرت بعد ذلك فما خرج منهم خمسة "
وقال سهل بن بشر: حدثنا سليم أنه كان في صغره بالري ، وله نحو من عشر سنين ، فحضر بعض الشيوخ وهو يلقن ، قال فقال لي : تقدم فاقرأ ، فجهدت أن أقرأ الفاتحة فلم أقدر على ذلك لانغلاق لساني ، فقال لك والدة . قلت : نعم ، قال قل لها : تدعو لك أن يرزقك الله قراءة القرآن والعلم ، قلت : نعم فرجعت فسألتها الدعاء فدعت لي ، ثم إني كبرت ودخلت بغداد فقرأت بها العربية والفقه ثم عدت إلى الري ، فبينا أنا في الجامع أقابل مختصر المزني ، وإذا الشيخ قد حضر وسلم علينا وهو لا يعرفني فسمع مقابلتنا وهو لا يعلم ماذا نقول ، ثم قال متى يُتعلم مثل هذا فأردت أن أقول إن كانت لك والدة ، فقل لها تدعو لك فاستحييت . فالمقصود أن التوفيق بيد الله عز وجل ، وما المعلم إلا مجرد سبب له فقط ، فقد ينجح من يظن به الفشل وقد يفشل من يظن به النجاح والسعيد من وفق .
قال أَبُو تَمَّامٍ :
يَنَالُ الْفَتَى مِنْ عَيْشِهِ وَهُوَ جَاهِلُ *** وَيُكْدِي الْفَتَى مِنْ دَهْرِهِ وَهُوَ عَالِمُ
وَلَوْ كَانَتْ الارْزَاقُ تَجْرِي عَلَى الْحِجَا *** هَلَكْنَ إذَنْ مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ

وَقَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنُ أَبِي سُلْمَى :
لَوْ كُنْت أَعْجَبُ مِنْ شَيْءِ لاَعْجَبَنِي *** سَعْيُ الْفَتَى وَهُوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ
يَسْعَى الْفَتَى لأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا *** وَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمُّ مُنْتَشِرُ

ولابد لك من تقدير بين ما أنتجه وبين الثمار المجنية من هذا النتاج .
قال كثير من المعلمين دخلنا التعليم من أجل هدف واضح وهو الدعوة إلى الله تعالى ؛ ولكن بعد مضي عام يتلوه عام تركنا هذا الهدف واشتغلنا بأمور دنيوية تنافسنا عليها !!

خامسا : لا تحتقرن جهدك وبذلك ، فقد تكون مجرد كلمة عابرة وجهد يسير منك يفعل في نفوس الطلاب الأفاعيل
وانظر إلى ثمرة هذا المعلم ماذا أثمرت ؟
طلاب الابتدائي وصلاة الفجر وجد صاحبه :
شاب صغير في الثالثة الابتدائية , كان مدرس المدرسة يحثهم وبقوة أي هؤلاء الشباب على طاعة الله سبحانه وتعالى على أداء صلاة الفجر , على الاستجابة لله سبحانه وتعالى , وكانت النتيجة أن تأثر هذا الغلام الصغير بهذه الدعوة من مدرسة واستجاب لأداء صلاة الجماعة في المسجد ولكن الفجر صعبة بالنسبة له , فقرر أن يصلي الفجر في المسجد ولكن من الذي يوقظه؟ أمه؟ لا, والده؟ لا, ماذا يصنع يا ترى؟ قرر قراراً خطيراً , قراراً صارماً , أن يسهر الليل ولا ينام , وفعلاً سهر الليل إلى أن أذن الفجر وخرج إلى المسجد مسرعاً يُريد أن يصلي ولكن عندما فتح الباب وإذا بالشارع موحش وإذا بالشارع مظلم ليس هناك أحد يتحرك , لقد خاف , لقد ارتاع , ماذا يصنع ؟ ماذا يفعل يا ترى ؟ وفي هذه اللحظة وإذا به يسمع مشياً خفيفاً , رجلاً يمشي رويداً رويداً , وإذا بعصاه تطرق الأرض وبأقدامه لا تكاد أن تمس الأرض فنظر إليه وإذا به جد زميله , أو صديقه , فقرر أن يمشي خلفه دون أن يشعر به , وفعلاً بدأ يمشي خلفه , إلى أن وصل إلى المسجد , فصلى ثم عاد مع هذا الكبير في السن دون أن يشعر به, وقد ترك الباب لم يُغلق , دخل ونام , ثم استيقظ للمدرسة وكأن شيئاً لم يحدث, استمر على هذا المنوال فترة من الزمن, أهله لم يستغربوا منه إلا قضية كثرة نومه في النهار, ولا يعلمون ما هو السبب, والسبب هو سهره في الليل, وفي لحظة من اللحظات , أن خبر هذا الطفل الصغير أن هذا الجد قد تـُوفي , مات جد أحمد مات هذا الرجل الكبير في السن , صرخ أحمد, بكى أحمد, زعق أحمد, ما الذي حصل, لماذا تبكي يا بُني, إنه رجلٌ غريب عنك, إنه ليس أباك, ولا أمك ولا أخاك, فلماذا تبكي؟ لماذا يبكي يا ترى؟ فعندما حاول والده أن يعرف السبب , قال لوالده يا أبي ليتك أنت الميت , أعوذ بالله , هكذا يتمنى الابن أن يموت الأب ولا يموت ذلك الرجل!! قال نعم ببراءة الأطفال قال يا أبي ليتك أنت الميت لأنك لم توقظني لصلاة الفجر, أما هذا الرجل فقد كنت أمشي في ظلاله دون أن يشعر إلى صلاة الفجر ذهاباً وإياباً, وقص القصة على والده, كاد الأب أن تخنقه العبر وربما بكى, تأثر فكان تغيراً جذرياً كلياً في حياة هذا الأب بفعل سلوك هذا الابن بل بفعل سلوك هذا المعلم, الله أكبر, انظروا إلى ثمرة هذا المعلم ماذا أثمرت؟ أثمرت أسرة صالحة, وأنتجت منهجاً صالحاً. من شريط ( قصص مؤثرة للشباب ) للشيخ إبراهيم الفارس

- ويقول معلم آخر وقع في نفسي موقف أثر فيّ كمعلم وتأثر به الطالب ، وهو أن الطالب كان يحضر معه مشروب البيبسي الغازي وصادف موقف أثناء اجتياح إسرائيل لغزة وقتل وأصيب العشرات والمئات من الفلسطينيين فاقتربت من الطالب هامساً في أذنه ما هذا ؟ كم ثمنها ؟ فقلت له هل تعلم الشركة المصنعة لهذا المشروب فقال لا قلت له إنها شركة يهودية ألا تعلم ثمن العلبة لمن ؟ فأجاب بالنفي قلت له لشراء رصاصة لقتل مسلم لا يفرقون بين امرأة وشيخ عاجز وطفل رضيع وأخذت أسرد له بعض المشاهد فما كان من الطالب أن استأذن مني وبعد دقائق قليلة رجع باكياً فسألته قال يا أستاذ أيقتل مثلي من الأطفال ثمناً لهذه العلبة فأومأت برأسي إيجاباً فزاد بكاؤه واستمر يبكي حرقة فأخذت أهدئ من نفسه فقلت له أين العلبة قال في مكانها المناسب قلت له إلى أين قال في القمامة كصانعيها والله ما دام يقتل مثلي من الأطفال المسلمين وبعضهم يشرد بلا بيت كما رأيت في الأخبار لن أشربها بعد اليوم تأثرت من كلام الصبي الذي لم يتعد العاشرة من عمره .

بل اذكر لك مثالين من سيرة السلف على تأثير كلمات عابرة ، كيف فعلت في نفوس الطلاب ما فعلت ؟ :
1 . صحيح البخاري الذي يعد أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل ، والذي إذا خرج لأحد الرواة رواية فقد جاوز القنطرة ، وإذا قيل رواه البخاري يقع في النفس هيبة له ، ما سبب تأليفه ؟
إنها كلمة واحدة في مجلس واحد وقعت في أذن البخاري فيسر الله له تأليف هذا الكتاب الذي رفع منزلة البخاري في طبقة عالية فلقد ذكر لتأليفه ثلاث أسباب أشهرها أنه كان في حلقة إسحاق بن راهويه فقال لو أن أحدكم يجمع كتابا فيما صح من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم جملة واحدة !! قالها إسحاق فوقع ذلك في نفس البخاري فصنف هذا الكتاب الذي خلد التاريخ اسمه ( هدي الساري : 9 )

2 . الإمام الذهبي هذا الإمام الفحل أبو عبد الله بصر لا نظير له وهو كنز وملجأ إذا نزلت معضلات المسائل ، إمام الوجود حفظا ، وذهب العصر معنى ولفظا ، وشيخ الجرح والتعديل ، ورجل الرجال في كل سبيل ، كأنما الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها .
سبب طلبه لعلم الحديث كلمة واحدة يقول هو بنفسه عن الإمام البِرزالي إنه لما رأى خطه قال له : إن خطك هذا يشبه خط المحدثين . قال فحبب الله لي علم الحديث . فانظر ماذا فعلت هذه الجملة في الإمام الذهبي فقد صار من أئمة الحديث وحفاظه ونقاده .

سادسا : العلــــم :
الأمر الأهم يجب أن يكون المعلم متمكناً في مادته العلمية الموكّل بتدريسها لأنها أمانة ويجب عليها أن يؤديها على أتم وجه .
ولكن يجب أن لا يغفل عن طلب العلم الشرعي الذي هو واجب على كل إنسان معلماً كان أو متعلماً ، وأن يكون ملماً بالأحكام الشرعية والأمور الأساسية التي يجب على المسلم أن يعرفها فضلاً عن المعلم والمدرس الذي يقتدى به ، لأنه محل ثقة ، وله احترام وتقدير لدى الطلاب ، مما يدفعهم لسؤاله فإن أخطأ سقط من أعينهم أو أخذوا منه حكماً باطلاً .
ولهذا يأتي الابن ويرتكب محظوراً في الصلاة أو الصيام ونحو ذلك ويقول أفتاني به الأستاذ ، إنه لظلم عظيم .

التربية قبل التعليم :
رب قبل أن تعلم .
المدرسة هي بيتنا الثاني .
التوجيه إلى الأخلاق خير من التغذية بالمعلومات .
من غشنا فليس منا .
زرع الاستشعار بالأمانة والمسؤولية في الطالب .
التربية بالقصة واستغلال الحدث واستخلاص الدروس التربوية منه .

3. أنت قدوة :
فليكن إصلاحك لنفسك أيها المربي والمعلم قبل كل شيء ، فالحسن عند الأولاد ما فعلت ، والقبيح عند الطلاب ما تركت ، وإن حسن سلوك المربي والمعلم أفضل تربية لهم .
أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام والضنى *** كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فاذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى *** بالقول منك وينفع التعلم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
غير تقي يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي الناس وهو سقيم

ويقول آخر :
مواعظ الواعظ لن تقبلا *** حتى يعيها قلبه أولا
ياقوم من أظلم من واعظ *** خلف ما قد قاله في الملا
أظهر بين الناس إحسانه *** وخالف الرحمن لما خلا

فالطالب في هذه المرحلة يكون كالخامة متفاعلاً مع من حوله من الأشخاص ، وتجد طباعهم تكتسيه ، ويزداد ذلك التأثر لو كان مصدره من يعتقد فيه الطالب المثالية والأسوة الحسنة وهو بطبيعة الحال معلمه ، ولهذا ينبغي للمعلم والداعية الصادق أن يُرِيَه من الخصال الطيبة والصفات الحسنة ما تجعله يتحلى بها ، وعلى أقل تقدير يجُِلّ أهلها ، ويرفع من شأنهم .
أن يعمل بما يأمر به الطلاب من الآداب والأخلاق وغيرها من العلوم ، وليحذر مخالفة قوله لفعله ، وليسمع قول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ) .
وهذا إنكار على من قال قولاً ولم يعمل به .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إني أعوذ بـك من علم لا ينفع ) ، أي لا أعمل به ، ولا أبلغه غيري ، ولا يُهذب من أخلاقي .
وهنا أمور يسيرة جدا يمكن تظهر من خلالها الأسوة مثل :
غرس ألفاظ وعبارات اعتيادية في ذهن الطالب :
حيث يعوّد المعلم الطالب دائماً على البسملة قبل البدء مع ذكر خطبة الحاجة ثم إظهار الحوقلة عند الحزن والهم ، وبيان الشكر اللفظي والفعلي عند الفرح والسرور ، والتسبيح عند الاستغراب ، والتكبير عند الإعجاب ، وغيرها من الأشياء التي لابد أن تتكرر أمام الطالب فتؤدي إلى تعويد الطالب على تلك الألفاظ . وتدفعه لتعلم معناها ويرى الطالب في خطاب معلمه الألفاظ القرآنية والعبارات النبوية .
فإلقاء ورد السلام من أعظم ما يتعلمه الطالب .. ( أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ .. ) رواه مسلم
وهذا الحديث َفِيهِ الْحَثُّ الْعَظِيمُ عَلَى إِفْشَاء السَّلام وَبَذْله لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ; مَنْ عَرَفْت , وَمَنْ لَمْ تَعْرِف فلا يسلم على طالب يعرفه وآخر لا يسلم عليه ، وَالسَّلامُ أَوَّل أَسْبَاب التَّأَلُّف , وَمِفْتَاح اِسْتِجْلاب الْمَوَدَّة . وَفِي إِفْشَائِهِ تَمَكَّنُ أُلْفَة الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ لِبَعْضِ , وتعود الطلاب على َإِظْهَار شِعَارهمْ الْمُمَيِّز لَهُمْ عِنْ غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْمِلَل , مَعَ مَا فِيهِ مِنْ رِيَاضَة النَّفْس , وَلُزُوم التَّوَاضُع فيلقن الطلاب التواضع لا كالذي يدخل الفصل ولا يسلم ولا يرد السلام ويعامل الطلاب وكأنهم بهائم وهنا أيضاً َإِعْظَام حُرُمَات الْمُسْلِمِينَ .
وَفِيهَا لَطِيفَة أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ رَفْع التَّقَاطُع وَالتَّهَاجُر وَالشَّحْنَاء وَفَسَاد ذَات الْبَيْن الَّتِي هِيَ الْحَالِقَة , وَأَنَّ سَلامه لِلَّهِ لا يَتْبَع فِيهِ هَوَاهُ , وَلا يَخُصّ أَصْحَابه وَأَحْبَابه بِهِ " مستفاد من كلام النووي "

هكذا يجب أن يكون المدرس يًعلم طلابه التواضع وكما قيل : تواضع تكن كالنجم لاح لناظر :
الْمُتَوَاضِعُ مِنْ طُلاَبِ الْعِلْمِ والعلماء هم أَكْثَرُهُمْ عِلْمًا ، كَمَا أَنَّ الْمَكَانَ الْمُنْخَفِضَ أَكْثَرُ الْبِقَاعِ مَاءً . وقال عليه الصلاة والسلام ( ومن تواضع لله رفعه الله ) النووي على مسلم 16/141
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقضي للناس حوائجهم حتى كانت الجارية لتأخذ بيده عليه الصلاة والسلام فتطوف به في المدينة وكان عليه الصلاة والسلام يسلم على الصبيان .
ووصف الله المؤمنين أنهم ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) المائدة/54
أيها المعلم الداعية ليكن المعلم الأول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدوتك ولا تنظر إلى طلابك نظرة استعلاء .

نشر الخير يكون بالأقوال والأفعال :
كان علماء السلف إذا تعلموا أموراً أعطوها للناس بسلوكهم وبتعاملهم وأخلاقهم ومناهجهم في الحياة 0
أساتذتنا من القرون المفضلة خرجوا إلى الشعوب الإسلامية في إندونيسيا وماليزيا فبلّغوا دعوة الله بأعمالهم قبل أقوالهم ، فإنا ندعوك اليوم في أول هذا العام الدراسي إلى أن تقدم للشبيبة علماً نافعاً ، وعملاً صالحاً ورسالة خالدة ، وكلاماً مؤثراً ، وأن تتقي الله عز وجل في هذا النشء ، وهذا الجيل الذي ينتظر منك النصح 00 إنهم عطشى أمامك ، فاسكب على قلوبهم من فيض حنانك وودك ما يكون بإذن الله بلسماً شافياً .
إنك تبني عقولاً ورجالاً لخدمة المجتمع، تستطيع أن تؤثر في طلابك بما يخدم المجتمع في شتى المجالات بتعليمهم كيف يستفيدون من أوقاتهم .
خذ مثالا قام به أحد المعلمين حيث وزع كتيب (ما هي الأعمال التي يمكنك القيام بها خلال عشر دقائق) وذلك على طلاب السادس الابتدائي ، ووجد تغييرا كبيرا على الطلاب أثناء الحصة وبين الحصص في استثمار الوقت ومراقبة الله والإكثار من الأعمال الصالحة في الأوقات اليسيرة . فكيف بتوجيه منك طوال سنة ؟ فما حجم التغيير والهداية التي ستحصل بإذن الله ؟!!!
وقد كان الصحابة خير قدوة :
قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ « من كان متأسياً فيتأس بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، وأقومها هدياً ، وأحسنها حالاً ، اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في أثارهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم»

الصدق والوفاء بالوعد :
فالصدق تاج على رأس المعلم , فإذا فقده فقد ثقة الناس بعلمه وما يمليه عليهم من معلومات فالطالب غالباً يتقبل كل ما يقوله معلمه
على المعلم أن يلتزم الصدق في كلامه ، فإن الصدق كله خير ، ولا يربي تلاميذه على الكذب ، ولو كان في ذلك مصلحة تظهر له :
حدث أن سأل أحد الطلاب معلمه مستنكراً تدخين أحد المعلمين ، فأجابه المعلم مدافعاً عن زميله ، بأن سبب تدخينه هو نصيحة الطبيب له ، وحين خرج التلميذ من الصف قال : إن المعلم يكذب علينا .
وحبذا لو صدق المعلم في إجابته ، وبين خطأ زميله ، بأن التدخين حرام ، لأنه مضر بالجسم ، مؤذ للجار ، متلف للمال ، فلو فعل ذلك لكسب ثقة الطلاب وحبهم ، ويستطيع أن يقول هذا المعلم إلى طلابه : إن المعلم فرد من الناس تجري عليه الأعراض البشرية ، فهو يصيب ويخطئ ، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يقرر ذلك في حديث قائلاً : ( كل بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون ) .
لقد كان بإمكان المعلم المسئول أن يجعل سؤال الطالب عن تدخين معلمه درساً لجميع الطلبة ، فيفهمهم أضرار التدخين ، وحكمه الشرعي ، وأقوال العلماء فيه ، وأدلتهم ، فيكون بذلك قد استفاد من سؤال الطالب واستعمله في التربية والتوجيه .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا .. ) رواه مسلم
فالصدق خلق عظيم ينبغي على المعلم أن يزرعه في طلابه وليكن مطبقاً له في أقواله وأفعاله حتى في المزاح فيمزح ولا يقول إلا حقاً تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم .
وليحذر المعلم أن يكذب على طلابه ولو مازحاً أو متأولاً ، وإذا وعدهم بشيء فعليه أن يفي بوعده لأن الطلاب يعرفون الكذب ويدركونه ، وإن لم يستطيعوا مجابهة المعلم به حياء منه .

الصبر :
إن مهنة التدريس مهنة متعبة ، ومع ذلك فقد يلقى المدرس أنواع الأذى ، ويسمع كلاماً قبيحا من بعض الطلاب أو شيئاً من هذا القبيل وله في رسول الله أسوة حسنة لما روى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ : مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ .
ونبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معلم البشرية جمعاء .
إني رأيت وفي الأيام تجربة للصبر عاقبة محمودة الأثر
من المؤسف جدا أن بعض المدرسين أحياناً وهم قلة : يلعن الطالب أو يسبه أو يشتمه أو يقول له يا حمار أو يا كلب أو يقول يا كذا وكذا فهذا خطأ وغلط فاحش ، فيسبه ويسب أباه وأنه لم يربيه ويسب قبيلته وينعته بأبشع النعوت ... وهذا يدل على أن هذا المعلم في الحقيقة أقرب ما يكون للفشل لأنه ليس عنده صبر وليس عنده تحمل ولا يستطيع أن يكظم غيظه ولا يستطيع أن يتفاعل فعلاً مع قضايا الطلاب بحيث يمتص ما عندهم من غير إيذاء ، كما تؤخذ الشعرة من وسط العين بدون أن تؤذي العين .
روى الترمذي ( 1944 ) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ ) رواه الترمذي وأبو داود وحسنه الألباني

فإذا قدرت فاعف :
كذلك العفو عند المقدرة ، قد يرتكب الطالب جرما يستحق بسببه العقوبة لكن العفو أحب إلى نفس الكريم ولك في رسول الله أسوة حسنة فقد عفى عن أهل مكة وهو قادر وقال قولته الشهيرة :{ اذهبوا فأنتم الطلقاء}.

الرحمة والرفق ً :
- ارحم واعطف على طلابك ولاطفهم : روى أبو داود في سننه وحسنه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ ) .
روى النسائي في سننه عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ ، فَقُلْتُ : وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلاةٍ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ) . وصححه الألباني رحمه الله
لذا يجب أن تكون رحب الصدر محبا متسامحاً فلا تنزعج لأقل هفوة ، ولا تدقق على الأمور التافهة والبسيطة والصغيرة ، خصوصاً تلك التي تحصل من الطلبة لأول مرة ، إلا إذا مست الآخرين ، فذاك شأن آخر ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (159)
ولا تكن كبعض المعلمين في إلقاء المحاضرات :
كأنه أسد في غابة .
ليس عنده شيء من الرحمة .
ليس عند شيء من المرونة ولين الجانب والأخذ بالتيسير الذي أباحه الشرع .
ففي الحديث الذي رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى اله عليه وسلم : " ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل ".
وفي الحديث المتفق عليه " ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى" . وأيسر الأمرين يكون في الأمور المباحة والمشروعة ، فيتخير المربي في تعامله مع أبنائه وطلابه أحسن الأساليب وأفضل الأوقات وأحسن الألفاظ والعبارات وأرق التوجيهات ليصل إلى قلوبهم قبل عقولهم بأقل جهد وأقصر طريق .

مطابقة القول العمل :
قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون – كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) فالواجب على المعلمين أن يتقوا الله في فلذات الأكباد , فهم أمانة في أعناقهم , فليحرصوا على تعليمهم ما ينفعهم , ومطابقة أقوالهم لأعمالهم , لأن في ذلك ترسيخاً للعلم الذي تعلموه من معلميهم ومربيهم ، وكي لا يصبح به شبه من اليهود الملعونين ، قال تعالى : ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) وقال شعيب ( وما أريد أن أخالفكم لما أنهاكم عنه )
وأحسن أبو الأسود الدؤلي حين قال :
يـــا أيـها الرجل المعلم غـيـره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم
لا تنـهَ عن خلـقٍ وتأتيَ مـثـلـَه *** عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
وأبدأ بنفسـك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك تقبل إن وعظت ويقتدى *** بالقول منك وينفع التعليمُ
تصفُ الدواءَ لذي السَّقام من الضنا *** كيما يصيح به وأنت سقيمُ
وأراك تلقـحُ بالرشـاد عـقولنـا *** نصحاً وأنت من الرشادِ عديم

العدل والمساواة :
قال تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) النحل/90 , وقال تعالى : ( وأمرت لأعدل بينكم ) وقال تعالى : ( ولا يجرمنكم شنئان قومٍ على ألا تعدلوا , اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) المائدة/8 , وقال تعالى : ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) والمعلون يتعرضون لمواقف كثيرة من قبل طلابهم , سواء في توزيع المهام والواجبات إن كان هناك أعمال تحتاج مشاركة جماعية أو تفضيل بعضهم دون بعض ونحو ذلك ، وإن اختلال هذا الميزان عند المعلم بوجود تمييز بين الطلاب كفيل بأن يجعل هوة واسعة بين المعلم وطلابه الآخرين الذين جار عليهم .....

يا أيها المعلم : إن كانت لديك أي علاقة قربى أو صداقة مع أحد طلابك فلتكن بعيدة عن مسمع ومرأى الطلاب الآخرين ....
روى عن مجاهد قال : ( المعلم إذا لم يعدل كتب من الظلمة ) ..
ويروى عن الحسن البصري قوله : ( إذا قوطع المعلم على الأجر فلم يعدل بينهم – أي الطلاب – كتب من الظلمة ) .

الحلم والأناة واستغلال الفرص :
جاء في الحديث الذي رواه أحمد في المسند عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا عَائِشَةُ لَمْ يَدْخُلْ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ )
وروى البخاري في صحيحه أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْصِنِي قَالَ : لا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ : لا تَغْضَبْ
وروى البخاري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ )
أوصى مسلمة بن عبد الملك مؤدب ولده فقال له : إني قد وصلت جناحك بعضدي ورضيت بك قرينا لولدي فأحسن سياستهم تدم لك استقامتهم ، وأسهل بهم التأديب عن مذاهب العنف ، وعلمهم معروف الكلام ، وجنبهم مثاقبة اللئام ، وانههم أن يعرفوا بما لم يعرفوا وكن لهم سائسا شفيقا ومؤدبا رفيقا تكسبك الشفقة منهم والمحبة والرفق وحسن القبول ومحمود المغبة ويمنحك ما أدى من أثرك عليهم وحسن تأديبك لهم مني جميل الرأي وفاضل الإحسان ولطيف العناية. كتاب العيال برقم 342.
ويجب أن تستغل بعض الفرص التي تفرضها الظروف والحوادث التي يمر بها الطالب كأيام الاختبارات أو غيرها من الظروف العائلية ، فتوجه وتدعو ، لأن النفوس فيها تكون أقرب للاستجابة .
يقول أحد المعلمين : طالب لم يكن من المحافظين على صلاة الفجر رغم أنه حريص على دراسته وعلاقته بزملائه ومعلميه ، كثيراً ما نصحته في ذلك فيعتذر بالنوم تارة وبعدم وجود من يوقظه تارة أخرى إلى أن جاءت أيام الاختبارات فكانت فرصة قوية للتأثر فنصحته مجدداً وطلبت منه أن يراجع المادة بعد الفجر تشجيعاً له على الاستيقاظ فكان ذلك ، وهو الآن بحمد الله لا يفارق الصف الأول في المسجد .

وقد يكون التوبيخ مطلوبا ، وهو عبارة عن شدة في القول يفعله المربي لمن لا يقبل النصح .
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ) صحيح سنن أبي داود 466.
ولا يخفى أن في أمره بالصلاة وضربه عليها تعليم له وتربية ، وفيها تعليم لأحكام الصلاة من شروط وأركان وواجبات ومستحبات بحسب ما يليق بحاله وعقله.
عن فضيل بن مرزوق قال : قلت لسفيان : أضرب ولدي على الصلاة؟ قال : أجِدَّه . كتاب العيال برقم 299 ، ومعنى أجده أي شجعه وحفزه على أداء الصلاة يقال أجد الولد صار ذا جد واجتهاد .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : (علقوا السوط حيث يراه أهل البيت فإنه لهم أدب) السلسلة الصحيحة 1447.
قال العلماء : لم يرد به الضرب لأنه لم يأمر بذلك أحدا وإنما أراد لا ترفع أدبك عنهم .

والسلف كانوا يضربون على تعليم العلم :
عن ابن عمر أنه كان يضرب بنيه على اللحن . كتاب العيال برقم 335 والبيهقي في السنن الكبرى .
هشام بن عمار ابن نصير بن ميسرة بن ابان هو الإمام الحافظ العلامة المقرئ ، عالم أهل الشام أبو الوليد السلمي ويقال الظفري خطيب دمشق ، كان من أوعية العلم وكان ابتداء طلبه للعلم وهو حدث قبل السبعين ومئة ، وفيها وقرأ القرآن على أيوب بن تميم وعلى الوليد بن مسلم وجماعة .
وكان من خبره ما برويه عن نفسه : باع أبي بيتا له بعشرين دينارا وجهزني للحج فلما صرت إلى المدينة أتيت مجلس مالك ومعي مسائل أريد أن اسأله عنها فأتيته وهو جالس في هيئة الملوك وغلمان قيام والناس يسألونه وهو يجيبهم فلما انقضى المجلس قال لي بعض أصحاب الحديث سل عما معك، فقلت له : يا أبا عبد الله ما تقول في كذا وكذا فقال حصلنا يا غلام احمله فحملني كما يحمل الصبي وأنا يومئذ غلام مدرك فضربني بدرة مثل درة المعلمين سبع عشرة درة فوقفت ابكي ، فقال لي ما يبكيك اوجعتك هذه الدرة قلت ان أبي باع منزله ووجه بي اتشرف بك وبالسماع منك فضربتني فقال اكتب قال فحدثني سبعة عشر حديثا وسألته عما كان معي من المسائل فأجابني .
وفي رواية : فقلت له لم ظلمتني ضربتني خمس عشرة درة بغير جرم لا اجعلك في حل فقال مالك فما كفارته قلت كفارته ان تحدثني القدرة عشر حديثا قال فحدثني القدرة عشر حديثا فقلت له زد من الضرب وزد في الحديث فضحك مالك وقال اذهب
وروي عنه أنه قال : فخرجت ، فقعدت على بابه أبكي ، ولم أبك للضرب ، بل بكيت حسرة ، فحضر جماعة ، قال : فقصصت عليهم ، فشفعوا في ، فأملى علي سبعة عشر حديثا .
وقال علي بن جعفر أخبرنا إسماعيل بن بنت السدي قال كنت في مجلس مالك فسئل عن فريضة فأجاب بقول زيد – رضي الله عنه - .
[ يعني كان الإمام مالك رحمه الله في حلقة من حلقات العلم ، فكان يدرَّس في أحد دروسه ، ثم سئل عن مسألة فرضية فأجاب بقول زيد رضي الله عنه – فقال إسماعيل بن بنت السدي ] : ما قال فيها علي وابن مسعود رضي الله عنهما .
فأومأ إلى حجبة [ الحجبة ] فلما هموا بي عدوت وأعجزتهم ، قالوا ما نصنع بكتبه ومحبرته ؟ فقال : اطلبوه برفق فجاؤوا إلي فجئت معهم ، فقال مالك : من أين أنت ؟ قلت من الكوفة ، قال : فأين خلَّفت الأدب فقلت : إنما ذاكرتك لاستفيد فقال : إن عليّاً وعبد الله لا يُنكَر فضلهما وأهل بلدنا على قول زيد بن ثابت ، وإذا كنت بين قوم فلا تبدأهم بما لا يعرفون فيبدأك منهم ما تكره .
وقد يقول قائل : ألا ينبغي أن نناقش ؟ فيقال : نعم ، ولكن بأدب ، وبخاصّة مع الشيخ ، إذ أنَّ النقاش معه له أدب ، يليق به .
وعلى المستفتي أن يتخير الوقت المناسب للاستفتاء ، فلا يستفتيه إن رآه في هَمّ عرض له ، أو أمر يحول بينه وبين عقله ، ويصده عن استيفاء فكره ، فإذا زال ذلك العارض ، وعاد المفتي إلى المألوف من سكون القلب ، وطيب النفس ، فحينئذٍ يسأله ( الخطيب البغدادي : الفقيه والمتفقه 20 / 179 )
وعن قتادى قال : ( سألت أبا الطُفيل عن حديث ، فقال : لكل مقام مقال . وفي رواية وهب : ( إن لكل مقام مقالاً ) الجامع لآخلاق الراوي والسامع للخطيب ( 1 / 212 )
ومن الغرائب أن أحد المربين في إحدى بلاد المسلمين حاول ضرب طالب لا يتجاوز عمره الثلاثة عشر سنة _ إن كبر _ خمسمائة جلدة لمخالفة صدرت منه ، والأعجب من هذا أن المعلم هو معلم التربية الإسلامية .
وفي المغرب العربي معلمة رمت بتلميذين من شباك الفصل لأنهما عملا إزعاجا !

فإذا تقرر العقاب فيجب تتوفر شروط لإيقاعه ومنها :
ـ أن الهدف من العقاب هو منع تكرار السلوك غير المرغوب فيه لا غير
ـ أن يتناسب العقاب من حيث الشدة والوسيلة مع نوع الخطأ
ـ أن يعرف الطالب المعاقب لماذا يعاقب
ـ أن يقتنع الطالب بأنه قد ارتكب ما يستوجب العقاب
ـ أن معاقبة التلميذ بالواجبات المدرسية يؤدي به إلى كراهية المدرس وقد ينتهي الأمر إلى زيادة الفوضى لا إلى القضاء عليها
ـ تجنب أساليب التهكم والإذلال الشخصي فإنها تورث الأحقاد
ـ عدم اللجوء إلى العنف بأي حال من الأحوال لأن ذلك قد يعقد الأمور ولا يسويها

وللضرب في الإسلام ضوابط من ذلك :
- التأكد من وقوع الخطأ ومن شخص الفاعل
- أن يكون الضرب مساويا للعقوبة.
- الحرص على عدم تكرار العقاب البدني لمحاذيره الكثيرة
- عدم إيقاع العقاب البدني أمام الناس لما في ذلك من جرح في الشعور
- تجنب المناطق الحساسة في الجسم كالوجه كان سليمان بن سعد يؤدب الوليد وسليمان فقال له عبد الملك : يا سليمان لا تضرب وجوه بني ، وكان في خلق سليمان شدة . كتاب العيال 347.
- الحرص على عدم إلحاق أذى بالطفل
- عدم الضرب وقت الغضب
- استنفاذ الوسائل التربوية قبله من نصح وتوجيه وتعبيس وزجر وهجر وتوبيخ.
- أن لا يزيد المربي في ضربه عن عشر ضربات.
لما ورد في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله ".

ويجب في السوط كما يقول العلماء:
أ- أن يكون معتدل الحجم فيكون بين القضيب والعصا.
ب- وأن يكون معتدل الرطوبة فلا يكون رطباً يشق الجلد لثقله ولا شديد اليبوسة فلا يؤلم لخفته.
ج- ولا يتعين لذلك نوع بل يجوز بسوط وبعود وخشبة ونعل وطرف ثوب بعد فتله حتى يشتد.

وقال العلماء في طريقة الضرب :
1- أن يكون مفرقاً لا مجموعاً في محل واحد .
2- أن يكون بين الضربتين زمن يخف به ألم الأول .
3- أن يرفع الضارب ذراعه لينقل السوط لأعضده حتى يرى بياض إبطه فلا يرفعه أكثر من ذلك لئلا يعظم ألمه .
4- أن يتقي المربي ضرب الوجه والفرج والرأس والمقتل . وفي الحديث الذي رواه أبو داود " إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه ".
وأجمع أهل العلم أن أفضل مكان للضرب اليدان والرجلان .
5- أن يتجنب الغضب عند الضرب للحديث الذي رواه الجماعة " لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان ".
6- أوصى العلماء عند الضرب بالابتعاد عن بذاءة اللسان في السب والشتم وتقبيح الولد كقول من يقول يا قرد- يا كلب .
7- وعلى المربي أن يطيل النظر في شأن الولد قبل الإقدام على الضرب فلعل حالة التقصير والعناد عنده ناشئة من مرض عضوي أو مرض نفسي أو خطأ غير متعمد أو لعله واقع تحت تأثير سحر أو مس أو حسد أو عين.. ولكل حالة من هذه ما يناسبها من علاج.
جلس الدار قطني مرة في مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي على الناس الأحاديث ، والدار قطني ينسخ في جزء حديث ‏.‏ فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس‏ :‏ إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ ‏فقال الدار قطني‏:‏ فهمي للإملاء أحسن من فهمك وأحضر، ثم قال له ذلك الرجل‏:‏ أتحفظ كم أملى حديثا فقال ‏:‏ انه أملى ثمانية عشر حديثاً إلى الآن ، والحديث الأول منها عن فلان عن فلان ، ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئاً ، فتعجب الناس منه . فمثل هذا الموقف من الدار قطني ربما يحمل بعض المعلمين على ضربه أو تعنيفه بل طرده أحيانا على الرغم من أنه أفضل الحاضرين وأحفظهم

إذا أخطأت فارجع :
الاعتـراف بالحق فضيلة ، والرجوع إليه خير من التمادي في الخطأ ومن الدليل على ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في كتابه ( مقدمة الجرح والتعديل) حين ذكر قصة مالك رضي الله عنه ورجوعه عن فتواه حينما سمع الحديث ، وذكرها بعنوان ( باب ما ذُكر من اتباع مالك لآثار النبي صلى الله عليه وسلم ونزوعه عن فتواه عندما حُدث عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه )
قال ابن وهب : سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال : ليس ذلك على الناس ، قال ، فتركته حتى خف الناس ، فقلت له : عندنا في ذلك سنة ، فقال : وما هي؟ قلت : حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة ، وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه ، فقال : إن هذا الحديث حسن ، وما سمعت به قط إلا الساعة ، ثم سمعته بعد ذلك يُسأل فيأمر بتخليل الأصابع .
فهذا معلم أخطـأ في قراءة حديث ، فلما رده بعض الطلاب أصرّ على خطئه ، وجعل يجادل بالباطل ، فسقط هذا المعلم من نظر طلابه ، ولم يعد موضع ثقتهم .

كن إيجابياً ولا تلق باللوم على الآخرين
لا بأس عليك في استعمال شيء من الدعابة والمزاح المباح :
إن الداعية إذا كان مرحاً كان أدعي إلى حبه من المدعوين ولكن من دون إفراط 0 فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم بعض الدعابة والمزاح ولكنه إذا مزح لا يقول إلا حقاً0
روى الترمذي في الشمائل عن الحسن البصري رحمه الله قال : أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله : ادع الله أن يدخلني الجنة فقال : ( يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز ) فولت تلك العجوز تبكي فقال النبي عليه الصلاة والسلام : [ أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول ( إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً(35)فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا(36)عُرُبًا أَتْرَابًا ) الواقعة/الآيات 35-27
وهذا الأثر حسنه شيخنا الألباني في مختصر الشمائل 0
وأما ما كان عليه السلف الصالح فكثير فقد كان الشعبي يمزح وكذلك الأعمش ، وكثير من سلف هذه الأمة كانوا كذلك وخير الأمور أوسطها

الانضباط في السلوك والاتزان في الشخصية :
فلا يسقط ضحية استفزاز طالب أو ولي أمر طالب إلى مهاوي الطيش والسفاهة بل يقابل جميع التصرفات المشاكسة بشخصية منضبطة متزنة فيها من الحكمة والوقار ورجاحة العقل ما يمكنه من معالجة المشكلات بكل سهولة مهما عظمت .
أن يكون قدوة في كلامه وسمته وهديه وأن يتكلم العربية الفصحى ويحببهم بها على اللهجة المحلية لأنها لا تفهم أحيانا لاتساع رقعة البلاد واختلاف اللهجات .
يؤكد الإمام النووي هذه الصفة فيقول :"وينبغي أن يصون يديه عن العبث ، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة ، ويلتفت إلى الحاضرين التفاتاً قصداً بحسب الحاجة للخطاب".
وأن يفصل بين المدرسة وضغوط البيت من الزوجة والأولاد وغيرها من الضغوطات النفسية
القصد في الموعظة والتقليل في الكلام ولا تكثر فخير الكلام ما قل ودل , والحديث إذا طال أنسى آخره أوله :
عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ قَالَ أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا

خاطب الطلاب على قدر عقولهم :
كن مواظبا على طلب العلم حريصا على الزيادة والنمو والتجدد والتزود بشتى الوسائل خاصة في مجال تخصصك وفي العلوم العامة والثقافة الإسلامية ولكن مع هذا يجب أن تراعي مستوى من تتحدث إليهم وتراعي كذلك ما بينهم من فروق فردية .
وتذكر أن ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) فلا تكد عقول الطلاب تصعيب المسائل فإن تسهيل المعلومة أدعى إلى قبولها وقبول صاحبها والناس تنفر من الألفاظ المستغربة والعبارات المرموزة .
واُنْظُرْ إلَى قَوْلِ الشَّاعِر :
رَجُلٌ مَاتَ وَخَلَّفَ رَجُلاً ابْنَ أُمِّ ابْنَ أَبِي أُخْتِ أَبِيهِ
مَعَهُ أُمُّ بَنِي أَوْلاَدِهِ وَأَبَا أُخْـتِ بَنِـي عَمِّ أَخِـيهِ
أَخْبَرَنِي عَنْ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَقَدْ رَوَّعَك صُعُوبَةُ مَا تَضَمَّنَهُمَا مِنْ السُّؤَالِ . فبعد الكد والجهد الجهيد تعلم أنه أَرَادَ مَيْتًا خَلَّفَ أَبًا وَزَوْجَةً وَعَمًّا ، فمَا الَّذِي أَفَادَك مِنْ الْعِلْمِ وَنَفَى عَنْك مِنْ الْجَهْلِ بهذا التعقيد؟.
فاحذر غلو النوكى وتكلف البطالين فإن ( مِنْ حُسْنِ إسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ ) ولا تكد عقول الطلاب فيما لا يعود عليهم بالنفع في دينهم ولا دنياهم

النصيحة الطيبة بالكلمة الصادقة :
قال أحد النبهاء وقد مر على شاب يلعب حارساً لمرمى فريقه ، كل اهتمامه حراسة المرمى لا يعرف إلا ذلك ، ولا يعيش إلا له ، فقال له عبارة تخير لفظها قال : " أسأل الله أن أراك حارساً لمرمى الإسـلام من أعدائه " فاستولى عليه المعنى ، وأسَرَتْه العبارة وترك ما هو فيه ، وأقبل على دينه ، وأصبح من الدعاة المعروفين .

النصيحة المنفردة مجربة :
محاولة نصح وتوجيه الطالب فرديا بالطريقة التي يستشعر فيها الطالب حب المعلم له وتقديره باعتباره رجلا عاقلا لا صغيرا معاندا ..
قال الإمام الشافعي رحمه الله :
تعمدني في النصيحة في انفراد *** وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع *** من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت أمري *** فلا تجزع إذ لم تعط طاعة

احترم الطالب يحترمك :
ما استجلب التقدير بمثل التقدير ، فلا يمكن لأي إنسان أن يقبل منك وأنت تهينه أو تتنقص من قدره هل سمعت أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ أهان أحد من مشركي مكة ابتداءً ؟؟؟ . بل كان مثالاً للداعية الحريص على نجاة الناس .
وهذا الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إبراهيم يسأله كافرين عن رؤى رؤها فقال لهما : " يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ " يوسف/41
فانظر كيف قال لهما : يا صاحبي السجن ولم يقل : يا مساجين أو نحو تلك العبرات مع أنه سبب سجنه .

تقديمك المساعدة للطالب عند حاجته لها ( طريقك لقلبه وهدايته ) :
قد تمر بالطالب ظروف معينة يحتاج معها للمساعدة سواء كانت المساعدة مادية أو شفاعة " مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا " أو غير ذلك مما قد يعرض للطالب فإنه يحسن بالمعلم أن يتدخل وقد ذكر لي أحد المعلمين أن طالباً كاد أن يطرد بسبب الشك في أنه أفسد أحد أجهزة المدرسة وكان خارج حجرة المدير فلما رآه المعلم قال رأيت وجهاً ليس بوجه كذاب سألته فصدقني فشفعت له عند المدير فقبل شفاعتي فهداه الله بهذه الشفاعة ولله الحمد .
وقد يحسن كذلك السكوت عن خطأ قام به بعض الطلاب إذا علم أن السكوت سيؤثر عليه ومن ذلك أن أحد المدرسيين شاهد طالباً يغش في أحد الاختبارات بأسلوب بدائي ( هكذا قال ) ويظهر منه أن غير متقن لهذه الحرفة المشينة فقال له : هات الورق التي عندك فأخرجها الطالب وقلبه يكاد يخرج من بين ضلوعه ، فأخذها المعلم ولم يتكلم ولما رآه بعد الاختبار قال له : أنت من عائلة محترمة فعليك بالصراط المستقيم ولا تنحرف . فكم أثرت فيه هذه الكلمات وبقي سنين يذكرها لهذا المعلم .
وآخر في المرحلة الثانوية كان مسرفاً على نفسه مقصراً في حقوقه وواجباته يقول معلمه : حاولت أن أقيم من عوجه إلا أنه لم يستجب فلقد كانت العلاقة بين المدرسة والبيت مقطوعة وهذه من أكبر المعوقات إلى أن جاء ذلك اليوم في اختبارات منتصف الفصل لإحدى المواد التي أدرسها لصفه وفي الاختبار حاول الطالب أن يغش فكان له ما أراد وعندما كُشف وألغي اختباره استدعيته وناقشت الموضوع معه بهدوء ، لقد كان يواجه ضغطاً كبيرا من جهة والده فإنه يهدده في حال الرسوب لأنه في السنة الأخيرة من الثانوية ، وبعد ذلك وعدني الطالب خيراً في سلوك الطريق السوي وكم تفاجأت عندما قابلته بعد التخرج في إحدى المساجد وعليه سمت الصلاح عندها عانقني بحرارة الشوق والإيمان .

معايشة أحوال الطالب :
إن زيارة المعلم للطالب عند المصائب أو زيارته في الأفراح لها أثر كبير في سلوك الطالب ، فيظهر المعلم الفرح والاستبشار لفرح تلميذه ، ويظهر الحزن والتأثر لحزنه مما يجعل الطالب يشعر بتوحد الشعور بينهما ، فيتعلق بذلك المعلم سمعاً وطاعة ، فإن الطالب كغيره من الناس تمر به المصائب والأحزان ، وقد تكون مصائب بعض الطلاب دائمة بسبب أبٍ قاسٍ أو أمٍ زاهدة فيه أو أب ضال فاجر فيحتاج إلى المواساة . وهنا يأتي دور المعلم كأب مرب مشفق حنون، ليسد حاجة هذا الطالب النفسية فإنه في مثل هذه الحالة يحتاج إلى الحنان من أي أحد كان، وحتى لا تتلقفه أيدي الفسقة والمفسدين ، لا بد للمعلم أن يقوم بواجبه فيأخذه وينجيه من براثن أهل الفساد . والخطر كل الخطر لو كان هذا المبتلى بنتا لأنها ستبحث عمن يسري عنها همها ؛ وهنا مكمن الخطر لأن الذي يستمع لها بإنصات في كثير من الأحيان يكون ذئبا بشريا جبانا فاسقا يريد جسدها لينهشه .
فيجب أن يحسن المعلم الاستماع لتلميذه إذا جاءه مشتكيا أو مستشيرا في أمر من أموره ويحسن كذلك وضع الحلول المناسبة حاله .
يقول أحدهم : اشتكى إليّ أحد الطلاب وجود الطبق الفضائي ( الدش ) في منزلهم وقد صار مصدر فساد وخراب فإن إخوانه وأخواته لا يفارقون هذا الجهاز إلا قليلاً وهو الوحيد من بينهم الذي يطلب التخلص منه فجاءني يطلب الرأي والمشورة فسألته أولاً عن حال والديه لأنهما أساس هذه القضية فعلمت أنهما منفصلان منذ زمن وأن أخته الكبرى هي من أحضر هذا الجهاز حاولنا في تغيير قناعات أهل المنزل بالكتب والأشرطة فلم نفلح فكان أخف الضررين هو الحل أن اتفقت مع هذا الطالب على جدول يومي مرتب لا يسمح له بالفراغ والجلوس أمام هذا المنكر فكان يقضي وقته بين المذاكرة وحلق القرآن ونشاط المسجد فأثمرت هذه الجهود فبعد أن كان يجلس أمام ( الدش ) أصبح يعكف على كتاب الله تعالى .
وقال آخر : استشارني أحد الطلاب في قضية تخص والده حيث ذكر لي أن والده يشرب المسكر ولا يهتم بالبيت فأعطيته بعض الحلول التي يمكن أن تكون مناسبة ولقد بشرني بعد فترة يسيرة أن الأمور ولله الحمد على ما يرام .

اكتشف المواهب والرغبات وفجر الطاقات :
إن الله قد أودع الميول والرغبات في الناس وهي مع ذلك تختلف من شخص لآخر فهذا يحلم بالدعوة وآخر بالقيادة وثالث بالطب وهكذا وقد جعل الله لكل شخص قدرة قد تكمل فتعينه على تحقيق رغبته وقد تقصر فتقصر ميوله ولهذا فالمعلم ربّان الفصل الذي يكتشف ويقدر ويفجر مواهب أفراده ، فيرى الشُّوَيْعِر فيبني موهبة الشعر فيه ويحثه ويشجعه على ذلك ويرسم له الطريق والعلامات التي تعينه على خدمة دينه ، ويرى المتكلم فيشجعه على الإلقاء والخطبة حتى ينفع الله به أمته ، وهكذا تصبح إدارة الفصل عبارة عن مصنع يخرج من خلالها من يحمي الدين ويرفع الراية .
والاستفادة من قدرات وخبرات الآخرين في الاستكشاف .. فلا شك أن الوسط الدعوي يحتاج إلى الاحتكاك بالآخرين من المربين وبعض طلبة العلم وبعض أئمة المساجد وأولياء الأمور ومراكز الدعوة والإرشاد وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الجهات الخيرية. وغيرهم في داخل النشاط أو خارجه .. ومن خلال هذه الفئات يمكن التعرف على بعض طاقات المتربين ، خاصة إذا كان من هؤلاء من يتميز بالفراسة ودقة الملاحظة ..
فالمعلم الناجح يضم تجارب وعقول الآخرين إلى عقله.

إن بعض القول فنٌ *** فاجعل الإصغاءَ فنا
إن تجد حسنا فَخذه *** واطَّرحْ ما ليس حسنا
أنت كالحقل يردُّ *** الكيلَ للزارع طنا
ربما كنتُ غنياً *** غير أني بك أغنى
ربَّ غيمٍ صار لمَّا *** لامسته الريح مُزْنا
ما لصوتٍ أغلقت مــن دونـه الأسماع مـعنى
يا أخانا أنت إن راعـيت فجري صــار أسنى
وإذا طفت بكرمي *** زدته خصبا وأمنا
قد سكبتُ الحب كي *** تشرب فاشرب مطمئنا

فهو بالإنفاق يبقى وهو بالإمساك يفنى
وقد يكتشف هذه الطاقات عن طريق إثارة المنافسة .. والمنافسة وسيلة من وسائل تفجير الطاقات واكتشاف المواهب وظهور القدرات ، ولكن تكون باعتدال .
أو بالسفر .. وقالوا (ما سمي سفرا إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال) وكلما زادت صعوبات السفر وتكاليفه العملية والفكرية كان ذلك أدعى للتعرف على سلوك المتربين وأخلاقهم .
والتكليف بالمهمات من الوسائل لاستكشاف الطاقات التكليف بمهمات مناسبة لقدرات المتربي ، فمن خلال النظر في نتائج هذه التكاليف ترى منهم المبدع ومنهم الذي يقوم بالمهمة بكمالها ومنهم المقصر ومنهم المراوغ .. وهكذا .. فيمكن النظر في النتائج والأساليب التي استخدمها المتربي لإنجاز المهمات ..

استغل طاقات الطلاب وشجعهم على دعوة إخوانهم في الفصل :
إن المعلم الناجح هو الذي لا يعتمد على طاقته الدعوية منفردة في الفصل ، وإنما يضيف لها الطاقات الطلابية الموجودة في الفصل بحيث تصهر تلك الطاقات وتوحد حتى تكون تلك الدعوة أكثر تأثيراً وأعظم أثراً ، والفصول غالباً لا تخلو من الشباب الصالحين المصلحين الذي لا يمانعون من التعاون مع المعلم في ذلك العمل إن لم يكونوا هم من أشد المحبين له ، والمتحمسين إليه ، وهذه الطريقة تحتوي على فوائد عديدة منها :
- تعويد الطلاب على الدعوة إلى الله .
- إثارة الحماس بين المجموعات الدعوية في الفصل .
- يستطيع المعلم من خلال هؤلاء الطلاب معرفة أحوال بقية الطلاب ، وهذا يعين المعلم على تكوين خطة صحيحة في دعوته للفصل تناسب الطلاب زماناً ومكاناً ووسيلة وأسلوباً .
وحتى يحصل الهدف من هذا العنصر فإنه لابد من التنبه للأمور التالية :
أ- أن يكون هناك توافق بين عدد الطلاب الصالحين وعدد طلاب الفصل .
ب- يراعى الاهتمام بالأولويات ، فالمجموعات السهلة المطيعة يُعتنى بها أكثر من المجموعات الصعبة .
ج- وضع خطة فصلية لكل مجموعة فالمجموعات السهلة قد يناسبها جدول لاينا سب المجموعات الصعبة .
د-اجتماع دوري بين المعلم وكل مجموعة دعوية على انفراد لمتابعة الجهود وتقويم الثمرات ومعرفة مدى ملاءمة الخطة لواقع الطلاب ، ومناقشة الظواهر الحسنة والسيئة التي طرأت على الفصل .

غرس القيم والأخلاق الإسلامية من خلال المواد الدراسية .
فمثلا معلم اللغة العربية : يستغل مادة النحو مثلاً في ضرب الأمثلة نحو: أعرب : من لا يصلي فهو في النار ، أو " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " مثالاً على المبتدأ والخبر ويبين فضل ( الصديق الصالح )
وكذلك يبين خطورة الدعوة إلى العامية ، ويحذر من الأدباء المنحرفين قديماً ويبين ما يدعون إليه في قصائدهم من أخطاء التوحيد مثل قصيدة ( البردة ) للبوصيري . وحديثاً " نزار قباني " وشعره المنحل و(طه حسين ) ( عميل ) عميد الأدب العربي المزعوم !! ونجيب محفوظ الاشتراكي وسبب فوزه بجائزة نوبل للآداب " لروايته أولاد حارتنا " الذي تطاول فيها على الرب جل جلاله وعلى رسله الكرام عليهم السلام ليوهم العوام أنه ذو أدب رفيع " ولا ينسى المعلم " الحداثة " والحداثيين " وتمركزهم في الملحقات الثقافية !! وكذلك في مادة التعبير يختار الموضوعات الإسلامية .

معلم الأحياء :
يستغل كل شاردة وواردة في بيان محاسن الإسلام و بذكر عظمة الخلاق العظيم الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه ويحذر من الخطأ الموجود في بعض الكتب العلمية والطيبة من نسبة الفعل إلى الطبيعة لا إلى الله وأن من يقول بهذا القول قد خرج من الإسلام . ويركز على أن هذا الكون بمخلوقاته العظيمة وتناسقه البديع وراءه خالق يستحق العبادة وحده لا شريك له .
وعند عمل تجارب " بالنار يذكر الطلبة بنار الآخرة ويذكرهم بالآية " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها " ويذكرهم بالحديث الشريف قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : " ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم لكل جزء منها حرها "
وعند دراسة جسم الإنسان (الحواس) مثلاً : يتوقف عند نعمة السمع والبصر واللسان ، وان الله قد وهبنا إياها لتتقوى على الطاعة ، ومن شكر هذه النعم التي وصى الله بها : فلا تسمع (الأذن) : الغناء والغيبة ، ولا يتكلم اللسان بما حرم الله : الكذب والنميمة " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً.
وعند دراسة الحيوان " بين المعلم الداعية للطلبة عدم جواز تعذيبها ، أو الاحتفاظ بها محنطة لما فيها من الإسراف ، وكونها ذريعة إلى اتخاذ التماثيل في البيوت ونحوها.

ومعلم الكيمياء والفيزياء :
عليه أن يبين تسخير الله سبحانه للإنسان في اكتشاف البترول وما ينتج عنه من مشتقات يحتاج إليها في حياته اليومية ويذكرهم بقول الله عز وجل : " ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه "
ويبين لهم توفيق الله للإنسان في هذا العصر في اختراع ( الكهرباء ـ الهاتف ... ) أما لماذا لم توجد هذه المخترعات في الأزمان الماضية فقد قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله « إن الأولين أقوى أفهاماً ولكن ما أراد الله أن توجد إلا في هذه الأزمان وقّت لها هذا الوقت»
ويستفاد من درس ( الصوت ) في بيان رحمة الله بعبادة أن جعل للأذن البشرية مدى معين لسماع الأصوات ، ولو لم يكن ذلك لسمع أصوات الحيوانات كلها قريبها وبعيدها ، ولسمع أصوات النيازك ، وأصوات أهل القبور ، وهم يعذبون وبذلك لا يستطيع أن يعيش حياة هادئة.
ويعمل مدرس الكيمياء على ربط تصرفات ذرات العناصر التي لا ترى بالعين المجردة بتصرفات الإنسان ليغرس من خلال ذلك المبادئ الأخلاقية الفاضلة في نفوس تلميذاته .
ويبين أن من نعم الله علينا أن جعل الضوء ينتقل في الفراغ ولا يحتاج لوسط مادي لانتقاله ، ولو لم يكن ذلك لما وصلت إلينا أشعة الشمس ولعشنا في ظلام دائم ، قال تعالى : ( وجعلنا الشمس سراجا ) ، وقال : ( وجعلنا سراجاً وهاجاً ) .
وعليه أن يبين أن قوة الدفع من النعم التي أنعم الله بها على الإنسان ، فنلاحظ أن البحر يحمل على سطحه سفينة ضخمة محملة بالركاب والأمتعة في حين يظل عاجزاً عن حمل مسمار صغير بسبب اختلاف قوة الدفع . قال تعالى : ( والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس )

معلم التربية الفنية :
يجنب الطلبة ( رسم ذوات الأرواح ) لثبوت تحريمها بالأدلة الشرعية وأن " الأصل في تصوير كل ما فيه روح من الإنسان وسائر الحيوانات أنه حرام سواء كانت الصور مجسمة أم رسوماً على ورقة أو قماش أو جدران أو نحوها أم كانت صوراً شمسية وينبغي أن يعلمهم المباح من الرسومات .

معلم الجغرافيا :
يبين لطلابه آيات الله في هذا الكون الذي خلقه سبحانه ، وأقر الكتاب والسنة والعقل والفطرة بأن الله تعالى وحده يستحق العبادة دون سواه . وعند الحديث عن عدد سكان العالم : يبين أن هذه الخليقة على كثرتها وانتشارها في بقاع الأرض ستجمع في يوم لا ريب فيه على أرض بيضاء مستوية للحساب ( إن كل ما في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا ، لقد أحصاهم وعدهم عداً ، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً )
وكذلك يذكر بفضل الله عز وجل عليهم ونعمته أن اختصهم من بين مئات الملايين وهداهم للإسلام .
ويعرج على أسباب ضعف الأمة الإسلامية الآن رغم كثرة عددها مقارناً بدولة إسرائيل في فلسطين الإسلامية .
وعند الحديث عن الرحلات والكشوف الجغرافية ، حقيقة هذه الكشوف وصليبيتها ، ويبين أن المسلمين هم أصحاب اكتشاف مناطق مختلفة في العالم وكل ذلك رغبة منهم في نشر الإسلام ويبين كيف أنهم حملوا الإسلام إلى حدود الصين وفرنسا !! وكيف رحل كثير من العلماء لطلب العلم إلى أماكن بعيدة وكيف كانوا يتحملون المشاق عند أداء ( فريضة الحج ) صابرين محتسبين .

معلم التاريخ :
ينبغي له إن يحرص على ربط التاريخ بالدين ، ويبين إن المسلمين أصحاب تاريخ عريق مشرق في الفتوحات ، وأن تجعل من شخصيات تاريخنا الإسلامي قدوة حسنة للطلبة لا تلك البطولة المزعومة ، بطولة الممثلين والممثلات ، وعليه أن يحذر من التاريخ المكذوب المشوه لبعض الشخصيات الإسلامية ، كما يبين لهم أن الدولة الإسلامية في العصور السابقة في أوج عزها وازدهارها تخلو من تماثيل ومجسمات للقواد والفاتحين والخلفاء السابقين لعلمهم بتحريم النحت والتماثيل في الإسلام . ويبين لهم أن الخلافة الإسلامية عائدة عما قريب وأن هذه الأرض ستملأ عدلا كما ملئت جورا . وهكذا ...

بناء الطلاب بناء فكريا :
وذلك من خلال مشاورتهم في الأمور المتعلقة بهم ، ويستخرج آراءهم ، ويعوّدهم على تربية أفكارهم وتنمية عقولهم من خلال الأمور الآتية :
ـ تعويد أذهانهم على تدبر وتفهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والاستنباط واستخراج المسائل العلمية من النصوص .
ـ تنميتهم على استدامة التفكير والنظر المعتبر في مخلوقات الله عز وجل.
ـ إبعاد أذهانهم عن التفكير في الأمور الفاسدة.
ـ تربية الطلاب على الاعتزاز بالدين .

ازرع الثقة والاستقلالية في نفوسهم :
خليق بالآباء ـ أولا ، وإن كانوا في غنىً أو جاه ـ ثم المعلمين أن يربّوا أولادهم وطلابهم على مبدأ الاعتماد على النفس بعد الله لأن الحياة لا تقوم إلا بالحركة والسعي والعمل والتدبير وكما يقال علم ابنك كيف يصطاد السمكة ولا تلقمه السمكة .
لاَ خَيْرَ فِيمَنْ كَانَ خَيْرُ ثَنَائِهِ فِي النَّاسِ قَوْلَهُمْ غَنِيٌّ وَاجِدُ
ويتمثل البناء المهني في الآتي :
ـ تبصير الأبناء بفضل العمل وأهميته ، وتنمية ذلك في نفوسهم.
ـ تعليم الأبناء أخلاقيات العمل وآدابه .
ـ تعليمهم الفنون الاقتصادية حسب رغباتهم وقدراتهم .

ومن أهم الأمور التي ينبغي للمعلم أن يسعى لتحقيقها في نفوس طلابه ، بل أهمها على الإطلاق :
وهي خلاصة التوجيه غرس الإيمان بالغيب وتثبيته وتقويته ، في نفوسهم بالحجج والبراهين القاطعة ، وتقوية الجانب العبادي والصلة بالله ، والاعتصام بحبله ، والتعاون من أجل رفع راية (لا إله إلا الله) مستعيناً بما يأتي :
التذكير بحالة المسلمين التي يعيشونها اليوم ، والأوضاع الجاهلية التي أحدثت للعالم كله القلق والاضطراب . وأمرهم بـالتمسك بالجماعة وأن (من شذّ شذّ في النار) وأن هذا من صفات الطائفة المنصورة ، والتي تبدأ بالإيمان وتنتهي بالجهاد الذي أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم العهد ، وطلب الشهادة من أجل تحقيق رفع راية الإسلام .

والإخلاص :
ويتجسد هذا المعنى في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ... ورجل تعلم العلم وقرأ القرآن , فأتي به , فعرفه نعمه , فعرفها فقال : ما عملت فيها , قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن , قال : كذبت , ولكنك تعلمت العلم ليقال : عالم , وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل , ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ... الحديث ) أخرجه مسلم والنسائي وأحمد والترمذي . فحري بالمربين والمعلمين أن يغرسوا في نفوس ناشئتهم إخلاص العلم والعمل لله , وابتغاء الأجر والثواب من الله , ثم إن حصل بعد ذلك مدح وثناء من الناس فذلك فضل من الله ونعمة والحمد لله .

اضبط الصف ليحصل لك النجاح :
إن ضبط الصف يؤدي إلى نجاح الدرس ، فالمعلم القدير هو الذي يدفع الطلبة إلى الانضباط بدافع ذاتي نابع من رغبتهم الشخصية في التعليم بمعاملة الطلاب فيكون حزماً من غير عنف ، وليناً من غير ضعف لأن الطلاب متى ما شعروا بضعف شخصية المعلم بدأوا بالاستهزاء به ومتى ما رأوا موقفاً معيناً منه بدأوا التعليق عليه وإصدار الأصوات المزعجة المضيعة للحصة بغية هزه .
وقد حدث – وللأسف - أن أحد المدرسين في المرحلة الثانوية قال حكمة أو مقولة جيدة فقال أحد الطلاب بعد أن أنهى المعلم كلامه ( خذ الحكمة من أفواه المجانين ) فضحك جميع الطلاب على المدرس ولم يعمل شيئاً لهذا الطالب لأن المدرس كان ضعيفاً جداً.
كما يجب على المعلم عدم البدء في الدرس قبل أن يسود النظام والهدوء داخل الصف ، لأنه لا يمكن أن يتم أي شيء أثناء الفوضى واضطراب النظام فالهدوء والنظام أولاً حتى يضمن المعلم انتباه الطلاب لما سيقوله ، ليس عن طريق القسوة والشدة ، ولا عن طريق الإغراء بالمكافأة ، وإنما يجعل الانتباه نابعاً من رغبة الطلاب أنفسهم .
فضبط الصف والمحافظة على النظام عملية تتطلب من المعلم الكثير من الحنكة والسياسة ، واللباقة ، فمن الطلبة من لا يكلف المعلم أدنى جهد في الانضباط ، وبعضهم تكفيه النظرة العابسة ويرتجف لها قلبه ، والبعض الآخر تكفيه الإشارة ، والبعض الأخر لا يتعظ إلا بالعبارة والتأنيب والتوبيخ ، والبعض الأخر لا بد معه من التهديد والوعيد ، والبعض الأخر لا يفلح معه إلا الطرد والحرمان من الدرس .

العوامل المؤثرة على عمل المعلم تنقسم إلى قسمين :
( عوامل ذاتية ، عوامل خارجية )
القسم الأول : العوامل الذاتية :
وهي شخصية المعلم وتكوينه الخلقي ، وما وهبه الله تعالى من قدرات واستعدادات ومؤهلات طبيعية ، كما يعود بعضها إلى التدريبات والمهارات التي مر بها المعلم لصقل تلك الاستعدادات الفطرية حتى أصبحت مهارات خاصة يمتلكها ويوجهها حسب الحاجة . وحسب مقتضى الحال .
وتعتبر الشخصية القوية من أهم المميزات التي تميز المعلم القدير ... ويتميز شخص ما عن شخص آخر بسبب الاختلاف في تلك الصفات ومن ذلك : الذكاء واللباقة والكياسة ، والنظرة الثاقبة ، والتفكير اللماح والاتصاف بالحزم والقدرة على التأثير والتوجيه ، وكيفية التعامل مع المواقف المختلفة ، والحلم والأناة والتروي والصبر والتحمل وضبط النفس والرفق والرحمة والشفقة والعطف والمحبة ، والعفو والتسامح والإحسان ، والليونة والمرونة والتوسط في الأمور ، والأمانة والديانة والصدق والتقوى وحسن الخلق .
ويصفه الغزالي بقوله : ( يظهر أثر الخشية على هيئته وكسوته وسيرته وحركته وسكونه ، لا ينظر إليه ناظر إلا وكان نظره مذكراً بالله تعالى وكانت صورته دليلاً على عمله )

عوامل خارجية :
ومن العوامل الخارجية التي تؤثر في العملية التعليمية :
1 ـ سعة حجم الفصل .
2 ـ ازدحام الطلبة في الفصل من عدمه .
3 ـ وجود ممرات كافية بين صفوف الماصات أو عدمها .
4 ـ نوعية الكراسي وقابليتها للتحرك من عدمه .
5 ـ الجو الحار جداً أو البارد جداً .
6 ـ حجم السبورة .
7 ـ المساحة التي يتحرك فيها المعلم .
8 ـ التهوية الجيدة أو عدمها .
9 ـ الإضاءة الكافية الجيدة أو عدمها .
10 ـ مناسبة توزيع الطلبة على الصف بحسب أحجامهم وأطوالهم .
11 ـ نوعية الطلبة في الصف ومدى انسجامهم واختلافهم ومن ذلك :
أ ـ وجود الفروق الفردية بين الطلبة ومدى اتساعها .
ب ـ نوعية الطلبة : الراسبون ، المؤدبون ، المشاغبون ، الأذكياء ، الممتازون ،الضعاف ، كبار السن .
ج ـ البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أتى منها الطلبة ، فمن الطلبة من تربى على احترام المعلم وعرفوا فضله وقيمته ومكانته ، وفضله عليهم ، ومن الطلبة من لم يتعود على احترام الآخرين فضلاً عن معلمه خاصة .
12 ـ مدى توفر الأجهزة والأدوات اللازمة للتدريس من عدمه .
13 ـ مدى توفر الأدوات اللازمة للكتابة على السبورة مثل الطباشير الأبيض والملون والمساحة من عدمه .
14 ـ المستوى الدراسي للطلبة ، أي المرحلة التعليمية التي يدرسون فيها ، بل وحتى الصف الدراسي في المرحلة التعليمية .
15 ـ وقت الحصة هل هي الأولى أم الرابعة أم السابعة .
16 ـ المادة الدراسية التي يتم تدريسها والموضوع الذي يدرس .
17 ـ أعمار الطلاب ، ففرق بين طلبة السنة الثالثة الابتدائية في المدارس النهارية وبين طلبة السنة الثالثة في مدارس محو الأمية .

وفيما يلي بعض الإرشادات المهمة والنصائح على ضبط الصف وسيادة النظام :-
1- لا تبدأ عملاً قبل أن يسود النظام تماماً في صفك ، أي لا تبدأ في التدريس قبل أن يهدأ الجميع ، وينتبه إليك كافة الطلبة .
2- إذا دخلت الصف والفوضى سائدة ، فلا تجلس ولا تثر ولا تغضب ، واتخذ مكاناً مناسباً بحيث ترى ويراك جميع الطلبة وحاول أن يظهر غضبك على وجهك ونبرات صوتك , ثم نادي أحدهم حتى تضمن أنهم قد أحسوا بدخولك ووجودك بينهم . ثم تجول بنظرك بين جميع الطلبة وتفرس في وجوه من أثار الفوضى وأوقفه عند حده بالأسلوب المناسب ، فلكل حالة أسلوبها الخاص وطريقتها المناسبة .
3- يجب أن تفرق بين عدم استطاعة التلميذ القيام بعمل ما ، وبين عدم رغبته في أدائه ، فالنوع الأول من الطلبة يحتاج إلى التوجيه والإرشاد والشرح والتوضيح ، أما النوع الثاني فهو النوع المتمرد الذي يحتاج المعلم إلى تقديم النصح له وقد يحتاج معه إلى الترغيب والترهيب أو الحزم أو العقاب إن لزم الأمر .
4- احرص على الحصول على قائمة بأسماء الطلبة قبل دخولك للصف ؛ واحفظها بأسرع ما يمكن ؛ حتى لا تضطر إلى تعريف الإشارة ، وكل واحد يقول أنا ، أنا ، حتى وإن كانت إشارتك واضحة !!!.
5- عرف الطلبة على نفسك في أول لقاء بإيجاز ومن دون مغالاة أو مبالغة أو تعال عليهم ، أو اكتب اسمك على السبورة بوضوح وعرفهم كيف ينادون اسمك .
6- قم بإعداد درسك إعداداً جيداً ، فالمعلم المتمكن أقدر على ضبط الصف وشد انتباه الطلبة وإثارة اهتمامهم واستقطاب تفكيرهم ، وبالإضافة إلى الكتاب المقرر والاطلاع على المراجع الأصلية ، يحتاج الإعداد إلى هضم المادة واختيار الأمثلة المناسبة ، وكل ما يساهم في ربط المادة بالحياة ، واختيار الوسائل التعليمية المناسبة التي تضفي على الدرس القوة والحيوية . وأيضا تخمين المشكلات والصعوبات التي يحتمل أن تواجهها أثناء التدريس
7- لا تستخدم لغة أو عبارات أو كلمات فوق مستوى الطلبة العلمي قدراتهم العقلية .
8- عند الشرح قف في مكان مناسب ، وتحقق من أن جميع الطلبة يسمعونك بوضوح ، بطرح سؤال على البعيد منهم .
9- يجب على المعلم أن يوزع الزمن على أجزاء الدرس حتى لا ينتهي الدرس قبل فترة طويلة من نهاية الحصة ؛ فلا يدري ما يقول وما يفعل في الجزء المتبقي من الحصة . وقد يختل النظام إذا كانت سرعة التدريس لا تناسب الطلبة ، فإذا أسرع المعلم في عرض الدرس أكثر مما ينبغي ، سرعان ما ينعزل الطلبة عن المعلم بشيء آخر.
10- لا تنغمس في موضوع الدرس بحيث تنسى أنك تدرس بشراً ، ولذلك فإننا ننصح المعلم بأن يجعل الفواصل المنشطة تتخلل درسه ، لأن العقل المجهد المتعب لا يستطيع التركيز ، مما يعوق الانتباه ويحول دون الفهم ، وبالتالي يحصل النفور من المادة والمعلم معا وكثيرا ما يصرح الطلاب أنهم لا يحبون أمثال هؤلاء وذلك للجدية المفرطة .
فلا بد من ترويح القلوب ساعة بعد ساعة ، لأنها إذا كلت عميت ، والمعلم القدير هو الذي يفسح المجال في خطة الدرس لإشباع نشاط الطلبة ..
11- يجب على المعلم إشاعة روح المحبة والمودة والألفة والوئام بينه وبين الطلبة ، وهذا من شأنه إزالة التوتر والخوف العصبي والانقباض العقلي ، ويشيع في الصف الشعور الفياض بالسعادة الغامرة ؛ لأن حب المعلم يستدعي بالضرورة حب المادة التي يعلمها ، والمحبة أساس النجاح والتوفيق في أي عمل .
12– حاول ما أمكن توزيع الطلاب والمقاعد بشكل مناسب حتى تسهل الرؤية ، أو مرور الطلبة عند وجود طارئ يتطلب إخلاء الصف بأقصى بسرعة
13- عود الطلبة على عدم الخروج من الصف إلا بإذن منك ، وأن يكون ذلك لسبب مقبول ومعقول ..
14- يجب أن يشعر التلميذ أنه معرض للسؤال في كل لحظة من لحظات الدرس ، وبذلك يركز الطلبة تفكيرهم في الدرس لا في أمور خارجية تستدعيهم الخروج عن فروض الأدب .
15- عود الطلبة الاستئذان وآدابه عند طلب الجواب ، أو تبديل أماكن جلوسهم أو غير ذلك مع رفع اليد في هدوء عند الجواب وعدم قول أنا .. أنا .. أنا
16- اطرح السؤال بأسلوب لا يستدعي أن يقول الطلبة : أنا .. أنا .. أنا ، ولا تقبل الجواب إلا من الطالب المسئول فقط ولا تقبل الأجوبة الجماعية .
17- لا تنصرف تماماً للطالب المجيب أو جانب معين من الصف بالنظر أو السؤال وتهمل بقية الطلبة فينصرفوا عن الدرس ، ولكن نقل نظرك واهتمامك بين الطلاب جميعا حتى يشعر كل طالب بأنه موضع اهتمامك وعطفك وعنايتك ورعايتك ومراقبتك ، وأنه معرض في أي لحظة لسؤالك أو أوامرك .
18- لا تنشغل عن الطلبة بأمور ثانوية ، فتترك فراغ أو فترة صمت طويلة وذلك كأن تضبط جهاز العرض السينمائي أو أي عمل آخر فتولد مرتعاً خصباً للشغب وإثارة الفوضى .
19- عند حدوث الفوضى ، حاول أن تفرق بين السلوك الفردي والسلوك الجماعي ، فلا توجه اللوم للصف بأكمله فتخلق تجاهك كرهاً من الجميع ، وتكون عرضة للعداء الجماعي ، فلا ترمهم جميعاً بالإهمال أو قلة الأدب ، أو قلة الذوق ... الخ ؛ لأن ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان وتشجيعاً لأهل الإساءة على الإساءة .
20– قم بإثارة انتباه الطلبة وترغيبهم في الدرس ، واسعَ إلى استقطاب اهتمامهم ، وذلك بجعلهم المحور الذي تدور حوله العملية التربوية .
21- أحضر جميع مستلزماتك من وسائل وأدوات وطباشير حتى لا تضطر إلى إرسال طالب أو أكثر للخروج من الصف ليحضروا لك ما تريد ، فتفوّت عليهم سماع الدرس ، أو أنك تنتظر عودتهم فتترك مجالاً للفوضى .
22- إذا أمرت بشيء فتأكد من أن تجاب إلى طلبك ؛ حتى تجد لأمرك القادم التجاوب المطلوب مستقبلاً .
23- لتكن أوامرك معقولة ومحدودة ، واطلبها بحزم يعرف من مظهرك ونبرات صوتك ، لا تكن متشدداً في أمورك ولا تهدد كثيراً أو تكثر من الوعيد في أمور لا تستطيع أن تقوم بها ، أو تقول ما لا تفعل ، فيصبح تهديدك من سقط الكلام ؛ فتسقط هيبتك ولتكن سياستك مع الطلبة حزم من غير عنف ، وعطف من غير ضعف.
24- كن واثقاً من نفسك وليظهر ذلك على كلامك وأسلوبك ولهجتك ، فإن ذلك مدعاة لأن يثق بك الطلبة ويقبلون على ما تقوله .
25- كن عادلاً في تعاملك مع الطلبة ، فلا تفرق بين صغير وكبير وأسود وأبيض ، ولا تميز بين غني وفقير ، وقبيح ووسيم وقذر ونظيف ، فالعدل في المعاملة أساس التقارب بينك وبين الطلبة حتى لا تثير سخط بعض الطلبة وتذمرهم ، مما يؤدي إلى انفعالهم وعقوقهم وحقدهم .
26- قف وأنت تكتب على السبورة بزاوية تمكنك من رؤية الصف أو جانب منه على الأقل حتى يشعر الطلبة أنهم تحت الملاحظة ، أما إذا أعطيتهم ظهرك لمدة طويلة أو أطلت الالتفات إلى السبورة ، فإن ذلك مدعاة للهرج والمرج والعبث واللهو والقيل والقال .
27– عود الطلبة على أن يحترموا ويقدروا آراء بعضهم البعض ، وإذا وجدت وجهات نظر مختلفة ، أو أراد أحدهم تقديم اعتراض وجيه ، فعليه تقديم ذلك بكل أدب وبدون تهكم أو سخرية أو سوء نية ، وبالمقابل ، فإن المعلم القدير هو الذي يعلم المخطئ شكر زميله الذي دله على الصواب ، وأن يعلم الجميع كيف يغبطون المتفوقين ويهنئونهم .
28- لا تلجأ إلى الطريقة الإلقائية إلا عندما لا تجد طريقة أخرى لعرض المادة أفضل منها ؛ لأن الإلقاء الطويل يؤدي إلى انصراف الطلبة عن الدرس ويدفعهم إلى المشاغبة والخروج على النظام ، أما إذا اضطررت إلى استخدام الطريقة الإلقائية ، فيجب أن تراعي استخدام الوسائل التعليمية المناسبة ، واستخدم التلميحات غير اللفظية ، كالإشارات والإيماءات وتعبيرات الوجه واستعمال طبقات الصوت ونبراته في تمثيل المعاني والمشاعر والأحاسيس المختلفة ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنه يستحسن أن يقوم المعلم بالتنويع بين استعمال الإلقاء والمناقشة بين الحين والآخر .
29- لا تتبع طريقة واحدة في العرض ، بل نوع من طرق العرض لإبعاد الرتابة والسأم والملل من نفوس الطلبة .
30– صن نفسك ودرسك عن اللغط والجدل والكلام الفارغ ، فإن ذلك يؤدي إلى العداوة والبغضاء والتنافر والشحناء وعدم التآلف ..
31- تحدث مع الطلبة المشاغبين خصوصاً كبار السن منهم ، وحثهم على الالتزام بالنظام وطالبهم بأن يكونوا هم المسؤولين عن النظام ، وحاول أن تقنعهم بأن مشاغبة بقية الطلبة يؤثر على تحصيلهم ، فيكونون سبباً لرسوبهم فيتضرروا هم أكثر ؛ لأن أعمارهم أكبر من الباقين .
32 - إذا حدث واختل نظام الصف ، فعلى المعلم أن يتخذ بعض الإجراءات المؤقتة التي تحفظ النظام المطلوب ، وليس معنى ذلك أنه توجد بعض الأساليب الثابتة التي تصلح لكل حالة ، وإنما يستطيع المعلم استعادة ضبط الصف من خلال خبراته ومعرفته بالأساليب المناسبة للوضع الذي هو فيه

العوامل التي تعين المعلم على أداء دوره : ـ
إن العوامل التي تعين المعلم على أداء دوره ليست عوامل تختص به وحده ولكن هناك عوامل خارجية تساعده على أداء دوره ومن هذه العوامل :

الإدارة المدرسية : ( أيها المدير أنت القائد والأمير)
الإدارة المدرسية تتحمل عبء تسيير دفة المدرسة ، فهي الموجه الأول وعليها مسئولية عظيمة وجسيمة ، ويقف في الصف الأول مدير المدرسة بما حُمّل من مسئوليات تعليمية وتربوية وإشرافية ... فهي أمانة عظيمة سيسأل عنها في الدنيا والآخرة .
نعم هي أمانة ملقاة على عاتقه ( ابتدأ من المساعد إلى المعلمين وإلى المرشد إلى الطلاب إلى المستخدمين إلى حارس المدرسة ) وكل واحد من هؤلاء مسئول عن واجباته وإحسانها وتقصيرها ...وهو مسؤول عنهم جميعاً أمام الجهات المسؤولة ، وفي الآخرة أمام الله عز وجل .

ومن مسئوليات الإدارة والتي يجب الوفاء بها والحرص عليها لتعين المعلم على أداء دوره : الجمع بين الحزم واللين ، كلٌ في موضعه ، واحترام وتقدير ( المعلمين والإداريين ) وكسب ودهم والبعد عن التجريح وخصوصاً أمام الطلبة ، والتواد والنصح وأخذ المشورة والرأي وعدم الاستبداد بالرأي امتثالاً لأمر الله عز وجل " وشاورهم في الأمر " .
والعدل مع الجميع وتوزيع المسئوليات على أهلها ، دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى ، وعدم التهاون مع المعلم المقصر في عمله ، والاهتمام بتوزيع الحصص بما يلائم المادة .. والتحقق من كل ما يسمع قبل إصدار الأحكام ، وأن لا يلازم المكتب ويوكل أمر المدرسة إلى الوكيل أو المساعد ، وعدم التساهل في الخروج من المدرسة أثناء الدوام لقضاء حوائجه الشخصية مما يؤدي إلى إشاعة الفوضى في أرجاء المدرسة .
وعليه ـ وهو القدوة ـ عدم المبالغة والإسراف في الزينة واللباس ، والقدوة في اللباس والحجاب والمظهر( للمعلمة ) والاهتمام بالطلاب وملاحظتهم وعدم التساهل معهم في المحرمات والممنوعات ، وتشجيع الندوات والمحاضرات والحرص على حضورها مع جميع المعلمين والطلبة .
ومن مسئولية المدير ـ السرية : سواء في العمل ؛ كالامتحانات التي يجب عليه أن يأمر المعلمين فيها بالعدل والقسط في التصحيح وعدم التساهل ولو في علامة واحدة أو كان ذلك في تعامله ، فلا ينشر أسرار الطلاب أو المعلمين الذين يسمح لهم بالتأخر أو الغياب لعذر شرعي .
قال أحد المدراء وقد انتقل لمدرسته طالب يبلغ 15 سنة في الصف الخامس الابتدائي ، قال : عندما انتقل للمدرسة وجدت أنه سليط اللسان وقمت بالتلطف معه والتودد إليه فلاحظت أنه سهل المراس وفي مرة أساء التصرف مع أحد الطلاب ( أخلاقياً ) فقمت بزجره بشدة فبدأ يصد عني ولا يأتي إلى مكتبي بل يذهب إلى الوكيل الذي معي .

ولا بد من التواصل الجيد النافع بين أركان التوجيه الأربعة ( المعلم ، المرشد ، المدير ، ولي الأمر ) والمحافظة على الدوام وضرورة العمل الجماعي ، وإتباع النظم واللوائح والقوانين الرسمية في معاملته مع مدير المدرسة أو الزملاء أو الوزارة.

بين المعلم والموجه : ليست حربا ضروسا يعمل فيها بمبدأ ؛ الحرب خدعة !!!
من المؤسف له جدا أن العلاقة بين الموجه والمعلم لا تكون على خير ما يرام في الغالب فكثير من المعلمين ينظرون للموجه نظرة عدائية يرون أن الموجه يتربص بهم الدوائر لرفع التقارير فيهم ، ولذلك مهما ظهرت على بعضهم صفة الرحابة بالموجه فإنما هي نوع من التزلف والتملق بل والمراوغة كيما تحصل السلامة من بطش تقاريره ، ولذلك يعمد بعض المدرسين إلى الكذب والتدليس والغش عندما يسمع بزيارة الموجه فتجده يشرح للطلاب درسا قد شرح من قبل ليظهر فيه محافظا على جميع الأسس التربوية في أداء الحصة التعليمية .

خاتمة
إن علاقتك بالآخرين عبارة عن علم ودعوة وفن وذوق وأخلاق خالصة لوجه الله ، قائمة على إيصال الخير للآخرين وقصدهم في أماكنهم ، علاقة هداية وتعليم وتحبيب الخير وتبغيض الشر إليهم بأحسن أسلوب ، علاقة قائمة على التذكير بالله واليوم الآخر : وليست علاقة جافة فكرياً وإقناعه ذهنياً دون حركة قلبه . علاقة قائمة على الرحمة والشفقة وليس على التكبر والقسوة والاحتقار.
علاقة قائمة على مراعاة الأولويات ( إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ ) علاقة قائمة على الرفق ( وما كان الرق في شيء إلا زانه )
علاقة مبنية على التدرج والحكمة واجتناب ما يسرع الناس إلى إنكاره من بغرائب العلم ، علاقة أساسها تأليف القلوب بالكلمة الطيبة والفعل الحسن ( ابتسامتك في وجه أخيك صدقة ) ، التبسيط ومراعاة الأحوال لا التعقيد .
علاقة قائمة على الصبر
قائمة على مراعاة المفاسد والمصالح
قائمة على تحمل المدعو والصبر على تغيير واقعه السيء
قائمة على الاحترام المتبادل والمحافظة على المشاعر
علاقة محتفظة بدرجة من الجدية والوقار
علاقة قائمة على نفع المدعو وخدمته وليس انتظار النفع منه
علاقة بعيدة عن العواطف الهوجاء
علاقة قائمة على الأخلاق الحسنة
نسأل الله أن يعيننا وإياكم على شكره وذكره وحسن عبادته إنه قريب مجيب .


والله الموفق