الخميس، 7 فبراير 2019

فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة


قضية الغناء والموسيقى قضية قديمة جديدة، ومن أكثر العلماء المعاصرين الذين كتبوا فيها العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، وأهم ما كتبه في الموضوع كتابه: (فقه الغناء والموسيقى) لأنه استقصى الموضوع من معظم أطرافه، وناقشه نقاشا مستفيضا، من حيث نقاش أدلة من حرموه، سواء كانت هذه الأدلة من الكتاب أو السنة، وذكر أدلة المجيزين وهو منهم، والضوابط المهمة لذلك، والكتاب مهم جدا لمن يريد أن يقف على الموضوع دينيا، من فقيه يعتبر رائدا لمدرسة الوسطية الإسلامية المعاصرة.

نقاش لأدلة المحرمين للغناء والموسيقى:
ناقش القرضاوي أدلة المحرمين، والتي استندت لآيات وأحاديث، فقد استند المحرمون للغناء والموسيقى إلى خمسة آيات قرآنية هي: قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين) لقمان:6. فقد صح عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: أن (لهو الحديث) في الآية هو الغناء. وقوله تعالى في مدح المؤمنين: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه). قالوا: والغناء من اللغو، فوجب الإعراض عنه. وقوله تعالى في سورة الفرقان، وفي وصف عباد الرحمن (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما) الفرقان:72. والآية الرابعة التي يذكرها المانعون للغناء، قوله تعالى في سورة الإسراء في خطاب إبليس لعنه الله: (قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا، واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك..) الإسراء:63-64. والآية الخامسة: (أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون، وأنتم سامدون) النجم:59-61.

وقد فند القرضاوي كل هذه الأدلة، وأنها ليست في الغناء والموسيقى، وليست حجة قوية في التحريم، لأنها تفسير لصحابي قال بهذا القول، وأقوال الصحابة ليست حجة ملزمة، لعدة أسباب أهمها: أن الحجة القرآن والسنة، وأن تفسيرات الصحابة هي معينات على فهم النص وليست نصا، كما أن هذه التفسيرات للصحابة خالفها تفسير آخر لصحابة آخرين لم يقولوا بنفس قولهم، كما أن في بعض الآيات ما يدل على أن من يفعل ذلك فقد كفر، كقوله تعالى: (ليضل عن سبيل الله) ولم يقل أحد من الأمة كلها أن الغناء كفر يخرج من الملة، مما يعني أن تفسير الآيات بالغناء لا يسلم من اعتراضات وجيهة وقوية، مفندا هذه الاستدلالات بنقاشات علمية مهمة، انتهى فيها لعدم صحة الاستدلال بهذه النصوص على التحريم.

وأما أدلة المحرمين من السنة النبوي فإن أبرز حديث يذكره المحرمون في هذا المقام هو حديث (المعازف) الذي كثر فيه الكلام، واشتد حوله الخصام. وهو الحديث الذي ذكره البخاري في صحيحه (معلقا) عن هشام بن عمار بسنده إلى أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف" والمعازف: الملاهي، أو آلات العزف.

والحديث وإن كان في صحيح البخاري، إلا أنه من "المُعَلَّقَات" لا من "المسندات المتصلة" ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده، ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب، ودلالته على التحريم غير صريحة. والشرع قد شدد في التحريم حتى لا يتوسع الناس فيه، ويحرموا زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق.

وقد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث، ووصله بالفعل من تسع طرق، ولكنها جميعا تدور على راو تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد، ألا وهو: هشام بن عمار. وهو ـ وإن كان خطيب دمشق ومقرئها ومحدثها وعالمها، ووثقه ابن معين والعجلي ـ فقد قال عنه أبو داود: حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها.

ورغم ما في ثبوت الحديث من الكلام، ففي دلالته كلام آخر؛ فكلمة "المعازف" لم يُتفق على معناها بالتحديد: ما هو؟ فقد قيل: الملاهي، وهذه كلمة مجملة، وقيل: آلات العزف.

ولو سلمنا بأن معناها: آلات الطرب المعروفة بآلات الموسيقى. فلفظ الحديث المعلق في البخاري غير صريح في إفادة حرمة "المعازف" لأن عبارة "يستحلون" ـ كما ذكر ابن العربي ـ لها معنيان: أحدهما: يعتقدون أن ذلك حلال، والثاني: أن تكون مجازا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور؛ إذ لو كان المقصود بالاستحلال: المعنى الحقيقي، لكان كفرا، فإن استحلال الحرام المقطوع به ـ مثل الخمر والزنى المعبَّر عنه بـ"الحِرِ" ـ كفر بالإجماع.

ملاحظات على القائلين بالتحريم:
وبعد أن فند القرضاوي أدلة المحرمين التي استندوا إليها دون عدة ملاحظات مهمة يأخذها على القائلين بتحريم الغناء والموسيقى، وهي:

أولها: إغفالهم للأدلة المبيحة للغناء، سواء كانت من نصوص الشرع، أم من قواعده ومقاصده ـ وقد فصلناها في موضعها ـ واعتمادهم على أدلة أقل ما يقال فيها: إنها لا تثبت على النقد، فليس فيها نص واحد صحيح الثبوت، صريح الدلالة.

كما أن المعاصرين منهم أغفلوا ظروف العصر، وواقع الناس، وتطور حاجاتهم، وعموم البلوى بأمر الغناء والموسيقى، وخصوصا لدى الأمم والشعوب الأوربية، والأمريكية، والأفريقية، وقد جاء الإٍسلام رسالة عامة، لكل العالمين، من شرق وغرب، ومن عجم وعرب.

وثانيتها: أن بعضهم بالغ في التحريم حتى انتهى به إلى درجة (الكبيرة). وهذه مبالغة غير مقبولة في أمر اختلف فيه الفقهاء، حتى قال من قال بكراهته، مجرد كراهته، ومن قال بإباحته، بل من قال باستحسانه واستحبابه.

ومن قال بحرمته، فلا يتصور أن يصل به إلى درجة الكبائر الموبقات، مثل القتل والزنى وشرب الخمر، وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات.

ومن المبالغات في موضوع الغناء: أن بعض المتحمسين لتحريمه، لم يكتف بأن يجعله من صغائر المحرمات، حتى أدخله في الكبائر! بل هناك من حكم على من استحل الغناء بالكفر، والعياذ بالله!

ولو قيل: إنه حرام، ولكنه من الصغائر، لكان الأمر أهون، فإن الصغائر تكفرها الحسنات مثل الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصيام رمضان وقيامه، والصدقة، ونحوها. وفي الحديث الصحيح: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".

أدلة المجيزين للغناء والموسيقى:
بعد تفنيد القرضاوي أدلة المحرمين، بين أنه يكفي الرد بأنه لا دليل على التحريم، فيكون الغناء والموسيقى مباحا بقاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة، ولكنه ذكر نصوصا من القرآن والسنة، من أهمها الآيات التي تتحدث عن حل الطيبات وتحريم الخبائث، وإباحة ما هو من باب الزينة، وأما من السنة النبوية فقد ذكر عدة أدلة من أهمها: حديث عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر دخل عليها، وعندها جاريتان تغنيان بدفين، وتغنيان في أيامهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مستتر بثوبه، فنهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله ثوبه، وقال: "دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد. قالت عائشة: ولما قدم وفد الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا يلعبون في المسجد، فرأيت رسول الله يسترني بردائه، وأنا أنظر إليهم، وهم يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأمه. فاقدروا قدر الجارية حديثة السن، الحريصة على اللهو".

وحديث آخر ذكره الجد ابن تيمية في (المنتقى) باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه ذكر فيه حديث بريدة قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت ـ إن ردك الله سالما ـ أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، قال لها: إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت إستها، ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب؛ فدخل أبو بكر وهي تضرب؛ ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب؛ فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف" رواه أحمد والترمذي وصححه.

واستدل بمقاصد الشريعة كذلك التي تدل على إباحة الغناء والموسيقى.

تعقيبات وملاحظات:
كما وضع القرضاوي تعقيبات وملاحظات مهمة بعد بيانه للأدلة التي تدل على جواز الغناء والموسيقى، وهي:

1ـ ليس في تحريم الغناء نص صحيح صريح.

2ـ لا يحرم الله طيبا في الإسلام.

3ـ مراعاة أنواع الناس واتجاههم والفوارق بينهم.

4ـ مراعاة تحسين صورة الإسلام في أعين الآخرين.

5ـ وجوب النظرة الموضوعية بعيدا عن العاطفة والانفعالية.

6ـ مراعاة المخففات في الموضوع، مثل: عموم البلوى، ودخول الموسيقى والغناء في جل حياة الناس.

هل وجد في عصر النبوة والصحابة مغنون أو مغنيات؟
وقد أجاب القرضاوي عن السؤال، بأن من مجموع النصوص والآثار التي وردت في الغناء، أنه وجد مغنون ومغنيات في عهد النبوة والصحابة، وهن كالتالي:

الأولى: ما يتبين مما سبق ذكره من رواية النسائي: أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة: هل تعرفين هذه؟ قالت: لا. قال: إنها قينة بني فلان. تحبين أن تغني لك؟ فغنت لها.

والثانية: (أرنب) وقد ترجم لها الحافظ ابن حجر في (الإصابة في تمييز الصحابة) حيث قال: (أرنب) المدنية المغنية... روينا ـ في الجزء الثالث من أمالي المحاملي،رواية الأصبهانيين من طريق ابن جريج:أخبرني أبو الأصبع:أن جميلة المغنية أخبرته أنها سألت جابر بن عبد الله عن الغناء،فقال:نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة،فأهدتها إلى قباء،فقال النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم:أهديت عروسك؟قالت:نعم.قال:فأرسلت معها بغناء،فإن الأنصار يحبونه؟ قالت: لا. قال: فأدركيها بأرنب: امرأة كانت تغني بالمدينة.ومعنى هذا: أن هذه المرأة كانت معروفة لدى الرسول صلى الله عليه وسلم.

والثالثة: حمامة. ذكرها في الإصابة أيضا. قال: (حمامة) المغنية من جواري الأنصار. ذكرت في حديث عائشة: لما دخل أبو بكر عليها، في يوم عيد، وعندها جاريتان تغنيان سمى منهما (حمامة) في رواية فليح لابن أبي الدنيا عن هشام عن أبيه عن عائشة.

والرابعة: (سيرين) جارية حسان بن ثابت شاعر الرسول المعروف، وقد ترجم لها ابن حجر في (الإصابة) كذلك، وقال: إنها أم ولد حسان. وأن أمير القبط أهدى لرسول الله جاريتين أختين، إحداهما: (مارية) التي تسراها الرسول الكريم وولدت له ابنه إبراهيم، والثانية (سيرين) أعطاها حسانا فولدت له ابنه عبد الرحمن.

موقف القرضاوي من الغناء المشتمل على عري:
ولقد أشاع بعض الناس عني أني أبيح الغناء بإطلاق، فهذا محض افتراء، وما قلت ذلك قط، لا مشافهة ولا تحريرا.

ومن قرأ ما كتبته من قديم في كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) أو ما كتبته في كتابي (فتاوى معاصرة) أو ما كتبته في فصل (اللهو والفنون) من كتابي (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده) وكذلك في رسالة (الإسلام والفن) من رسائل ترشيد الصحوة الإسلامية.. من قرأ ذلك كله، فسيرى بوضوح أني لم أطلق الإباحة يوما ما، بل قيدت الإباحة بقيود، وضبطتها بضوابط، من حيث الكم، ومن حيث الكيف، ومن حيث المضمون، ومن حيث الشكل والأداء. ومن حيث ما يصحب الغناء من أمور قد تنقله من الحل إلى الحرمة، ومن الجواز إلى المنع.

وبهذا أعلن من أول الأمر أن الغناء بصورته التي يقدم بها اليوم في معظم التليفزيونات العربية والقنوات الفضائية، مما يصحبه من رقص وخلاعة وصور مثيرة لفتيات مائلات مميلات، كاسيات عاريات، أو عاريات غير كاسيات، أصبحت ملازمة للأغنية الحديثة.. الغناء بهذه الصورة قد غدا في عداد المحرمات بيقين، لا لذاته، ولكن لما يصحبه من هذه المثيرات والمضلات. فقد تحول الغناء من شيء يسمع إلى شيء يرى، وبعبارة أخرى: تحول من غناء إلى رقص خليع.

قيود وضوابط لا بد من مراعاتها:
وقد وضع القرضاوي ضوابط وقيود مهمة في قضية سماع الغناء والموسيقى، وهي:

1ـ سلامة مضمون الغناء من المخالفة الشرعية.

2ـ سلامة طريقة الأداء من التكسر والإغراء.

3ـ عدم اقتران الغناء بمحرم.

4ـ تجنب الإسراف في السماع.

لا إنكار في المسائل الاجتهادية:
وختم القرضاوي كتابه بمبحث مهم، وهو أن قضية مختلف فيها كقضية الغناء والموسيقى، على من يقتنع برأي فيها ألا ينكر على المخالف له، فكل دليله، ويكفي النقاش العلمي الهادئ، هذا فضلا عن أن يكون عنيفا في تناوله للمخالف. وقد دلل القرضاوي على ذلك بنقول مهمة من التراث عن ابن رجب وابن تيمية ابن القيم والسيوطي وغيرهم.

الأربعاء، 6 فبراير 2019

الغناء والموسيقى: حلال في مطلق الأوقات، مستحبان في الأفراح والمناسبات

الغناء والموسيقى: حلال في مطلق الأوقات، مستحبان في الأفراح والمناسبات

إن الغناء والموسيقى من القضايا التي عني بها الفقهاء قديما وحديثا، وتباينت فيها الأنظار بين مبيح ومحرم وكاره، وألفت حولها المصنفات المطولة، والرسائل المختصرة.
فألف في ذلك، ابن قتيبة الدينوري، وأبو منصور البغدادي، وابن طاهر المقدسي، والغزالي، والأدفوي، وابن دقيق العيد... رحمهم الله، وكلهم من المبيحين.
وصنف في التحريم أو الكراهة: أبو الطيب الطبري، والطرطوشي، وابن الجوزي، والقرطبي المحدث، وابن القيم... رحمهم الله.
وفي العصر الحديث ظهرت مؤلفات كثيرة في الموضوع، فكتب العلامة القرضاوي حفظه الله من المبيحين، والعلامة الألباني رحمه الله من المحرمين.
ورغم كثرة المصنفات في الموضوع، فإنها توقع قارئها في الحيرة والاضطراب، وتترك أسئلة من غير جواب، وقد لاحظت عليها هذه الملاحظات:
أولا: يستند كل فريق إلى أدلة ضعيفة أو بعيدة عن موضوع الغناء، فترى الأولين يستدلون بنصوص قرآنية وحديثية لا علاقة لها بالقضية، وتلحظ الطرف الآخر يحتج بآيات وأحاديث لا مناسبة بينها وبين المسألة، والظاهر أن التطويل والحشو يدفع الفريقين إلى ذلك، أو هو العجز عن إقامة الأدلة، أو شيء آخر.
ثانيا: رأيت أكثر المبيحين يحتجون على الجواز المطلق، بأحاديث مقيدة بالعرس ونحوه، وبالمقابل يستند المانعون إلى نصوص خاصة بالغناء الفاحش أو غناء المشركين، فيعممون الحكم.
ثالثا: يجتهد كل فريق في عرض أدلة مذهبه، ويتعمد الإعراض عن مناقشة حجج مخالفه، وذلك قصور وإن كان له ما يبرره، وفيه إيهام بعدم وجود مستند لدى المخالف.
رابعا: إذا تعرض أحد الفريقين لحجج المعارضين، فإنه يقتصر على ذكر ما هو ضعيف، أو على ما يسهل رده بالتقييد والتخصيص ونحوهما، وذلك تدليس وتغرير!
خلاصات حول موضوع الغناء والموسيقى:
*بعد رحلة بحثية في مسألة الغناء والموسيقى، توصل العبد الفقير إلى جملة من النتائج، قلبت موقفه المتشدد من الغناء والموسيقى، وكانت كالآتي:
أولا: الغناء الطيب المقترن بآلات الموسيقى كالدف والطبل، سنة في الأعراس والأعياد والختان وقدوم الغائب، مباح في سائر الأيام والمناسبات.
ثانيا: الدف والطبل والعود والزمارة أي الناي واليراع والشبابة، آلات ثبت جوازها بأدلة خاصة، وغيرها من الآلات لم يرد بشأنه نص صحيح بالحظر أو الإباحة، فالجواز هو الأرجح، قياسا على الآلات المباحة صراحة، ولأن الأصل في غير الأمور التوقيفية هو الإباحة، وبدليل بعض الأحاديث العامة.
ثالثا: إن احتراف الغناء الهادف الخالي من المنكرات، ثم التكسب به أمر مشروع، فقد اشتهر كثير من النساء والرجال بذلك في عصر السلف الصالح، ولم يصح عن أحد منهم أي إنكار، وبعضهم كان معروفا به في أيام النبوة، كأرنب وسيرين.
رابعا: الغناء مباح للرجال والنساء على السواء، ولا يشترط فيه صغر السن، فإنه لم يثبت دليل واحد يخص قوما بالإباحة دون غيرهم، بل توفرت أحاديث وآثار صحيحة، تصرح بجوازه للجميع.
خامسا: إن أدلة المحرمين لا تنفع شيئا، فهي قسمان: قسم ضعيف أو موضوع، وقسم صحيح لكنه بعيد عن محل النزاع لأنه ينهى عن الغناء الفاحش الماجن أو الغناء الشركي.
والواقع أن أدلة الإباحة غالبها مخرج في الكتب الصحاح، أما أدلة التحريم فسائرها من المصنفات المتساهلة في الأسانيد.
سادسا: إن الغناء في المناسبات وغيرها، كان محل قبول في أيام الصحابة وكبار التابعين، فإنه لم يثبت عن أحد منهم ما يدل على منعه، بل وصلتنا عنهم أخبار صحيحة تقطع بالإباحة.
وإنما ظهر الخلاف حول الغناء في عصر أتباع التابعين، وكان ذلك نتيجة الجهل بأدلة الجواز، أو سدا للذرائع، فإن بعض الأئمة، رأوا شيوع غناء المجان، وتكاثر المخنثين، فأفتوا بحظر الغناء وآلاته حماية للمجتمع من الانحلال، حسب اجتهادهم القاصر.
سابعا: جواز الغناء بالدف في الأفراح، مذهب جماهير الفقهاء من جميع المذاهب، وإنما الخلاف القوي في غير مناسبات السرور، وهذه مسألة لا ينتبه لها الذين يتصدون للتحريم، فتراهم ينسبون إلى الأئمة التحريم المطلق، وهم مدلسون أو كاذبون أو جاهلون مقلدون.
ثامنا: لا يصح عن أحد من الأئمة الأربعة نص بتحريم الغناء الخالي من الكلام الفاحش، ولم يثبت عن أحد منهم تحريم شيء من آلات الموسيقى، إلا الطنبور وهو العود، فمحرم عند الإمام أحمد وحده.
فالأئمة الأربعة بريئون من التحريم الذي ينسبه إليهم بعض المؤلفين والخطباء!
تاسعا: إباحة الغناء الخالي من المجون والشرك، وجواز آلات الموسيقى جميعها، اختيار عشرات الأئمة المجتهدين من كل المذاهب، وهو اختيار تعضده نصوص الشريعة وقواعدها.
عاشرا: جواز الإنشاد من غير استعمال آلات الطرب، محل اتفاق الأئمة، وإنما شذ بعض المتأخرين فقيدوا الإباحة ببعض المناسبات، ونصوص الشريعة ترد عليهم بقوة.
وأخيرا: كل الفنون الغنائية مباحة، ما لم تقترن بمحرم كالمجون والعري، أو تتضمن دعوة للشرك والكفر والفجور، فالتحريم أو الكراهة يكونان لذلك، لا للغناء في حد ذاته.
إن الغناء الديني والعسكري والسياسي والاجتماعي والوطني والعاطفي العفيف...، كل ذلك مباح في الشريعة السمحة.
والأنواع الغنائية كالطرب الأندلسي، والراي، والهيب هوب، والراب، وما لم نذكر، كلها فنون مباحة ما كان كلامها خاليا من الشرك والدعوة للفجور، ولو خلت أغنية "اعطيني صاكي" من بعض الكلمات المستفزة للحياء، وأدتها المغنية باحتشام، لما كان فيها حرج شرعا، والجهل المكعب بروح الشريعة يدفع أصحابه للهيجان، فيعلنون النفير العام لأغنية تافهة شكلا ومضمونا.
والإنسان حر في ذوقه، فمن كانت موسيقى الراب أو الهيب هوب مزعجة بالنسبة إليه، فمن حقه أن يستقبحها من غير القطع بتحريمها أو كراهتها، لأن الشريعة لم توضع على حسب الأمزجة الشخصية.
ومن كان كثيف الطبع، لا يطرب لأي لون موسيقي، فله أن ينفر من الغناء، ولا يفتئت التحريم على رب الأرض والسماء.
حب الغناء فطرة ربانية في عمق النفس الإنسانية:
لقد فطر الله الإنسان على التعبير عن فرحه وسروره، وأباح له ذلك ما لم يلجأ إلى الوسائل المخلة بالدين والخلق.
وغرز الحق سبحانه في فطرة البشر الترويح عن نفوسهم، ولم يأمرهم أن يظلوا في جد وعبادة مستمرين.
ويعتبر الغناء من أقدم وسائل بني آدم للتعبير عن أفراحهم، والتخفيف من أتعابهم.
ولما جاء دين الحق، وكان من فطرة الإنسان ما تقدم، فإنه لم يصادمها، بل أكدها وأقرها، لذلك نراه يبيح للمسلمين أن يطربوا ويغنوا في مناسبات الأفراح، بل إنه يعتبر ذلك في العرس والعيد من المستحبات والقربات!
وعندما نتحدث عن الغناء هنا، فنحن نقصد الغناء البعيد عن التغني بالفحشاء، والتحريض على الفجور والموبقات.
فأغاني الشرك والمجون والفسق، محرمة قولا واحدا.
ومحل الخلاف هو الغناء الملتزم: كالأغاني الدينية، والوطنية، والسياسية، والعسكرية.
هذا النوع من الغناء هو محل مناقشة هذا المقال، وهو الذي نرفض تحريمه دفاعا عن الشريعة الوسطية، ورحمة بعموم الأمة المحمدية.
شهادات سلفية تقطع الطريق على أولي النفوس المرضية:
نحن مسبوقون إلى ما نقرره في الموضوع بأئمة الدين الكبار، فلا نخشى صراخ الأصوات المتعالية بالشتم والإنكار، بل نشفق على أصحابها من سخط العزيز الجبار، فإنه يغضب من تشديد وتشويه دين المصطفى المختار.
ونضع بين يدي المقال أقوال سلفنا تعليما وتحذيرا، واستفزازا لروح البحث والتحقيق، فمصيبتنا أننا لا نقرأ تراثنا، وإذا قرأنا انتقينا، وإذا عرفنا كتمنا، وإذا كتمنا للحق ضيعنا، وإذا ضيعنا الحق ضعنا فتضعضعنا:
ــــ التابعي الجليل أبو يوسف يعقوب بن دينار الماجشون، وهو إمام محدث ثقة من رجال الستة، سمع ابن عمر رضي الله عنهما، وكان من جلساء الخليفة عمر بن عبد العزيز، يقول الحافظ الذهبي في ترجمته من سير النبلاء5/370: قال مصعب بن عبد الله: كان يعلم الغناء، ويتخذ القيان، ظاهر أمره، وكان يجالس عروة ويجالس عمر بن عبد العزيز بالمدينة، ثم وفد عليه فقال: إنا تركناك حين تركنا لبس الخز. ثم قال الذهبي في ترجمة الإمام أبي الزناد5/445: قال أحمد بن أبي خيثمة: عن مصعب بن عبد الله قال: كان أبو الزناد فقيه أهل المدينة... وكان أبو الزناد معاديا لربيعة الرأي، وكانا فقيهي البلد في زمانهما، وكان الماجشون يعقوب ابن أبي سلمة يعين ربيعة على أبي الزناد، وكان الماجشون أول من علم الغناء من أهل المروءة بالمدينة، قال أبو الزناد... مالي وللماجشون! والله ما كسرت له كبرا ولا بربطا. هـ
ـــ وهذا الإمام إبراهيم بن سعد الجوهري الزهري، الحافظ الإمام الثقة الحجة، أخرج له الجماعة، وهو من شيوخ الإمام الشافعي، قال عنه الحافظ الذهبي في ترجمته من السير8/304: كان ثقة صادقا صاحب حديث... وكان ممن يترخص في الغناء على عادة أهل المدينة.
وقال الحافظ الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7/563: كان تعاطيه الغناء وسماعه، أمرا مشهورا عنه، لم يختلف النقل فيه، وحكاه عنه الفقهاء في كتبهم، ونصبوا الخلاف معه، وحكاه عنه الشافعي في كتابه، وأجمع أهل الأخبار على نسبة ذلك إليه، وكان لا يسمع الطلبة حتى يسمعهم الغناء نشيدا ونشيطا. اهـ
قلت: قال سعيد بن كثير بن عفير: قدم إبراهيم بن سعد الزهري العراق سنة 184، فأكرمه الرشيد وأظهر بره، وسئل عن الغناء فأفتى بتحليله، وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري، فسمعه يتغنى، فقال: لقد كنت حريصا على أن أسمع منك، فأما الآن فلا سمعت منك حديثا أبدا! فقال: إذن، فلا أفقد إلا شخصك! علي وعلي إن حدثت ببغداد ما أقمت حديثا حتى أغني قبله! وشاعت هذه عنه ببغداد، فبلغت الرشيد، فدعا به، فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها النبي صلى الله عليه وسلم في سرقة الحلي، فدعا بعود! فقال الرشيد: أعود المجمر؟ قال: لا، ولكن عود الطرب، فتبسم، ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعله بلغك يا أمير المومنين حديث السفيه الذي آذاني بالأمس، وألجأني إلى أن حلفت! قال: نعم، ودعا الرشيد بعود فغناه:
يا أم طلحة إن البين قد أفدا قل الثواء إن كان الرحيل غدا
فقال الرشيد: من كان من فقهائكم يكره السماع؟ قال: من ربطه الله! قال: هل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شيء؟ قال: لا والله! إلا أن أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة، كانت في بني يربوع وهم يومئذ جلة، ومالك أقلهم من فقهه وقدره، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون، ومع مالك دف مربع وهو يغنيهم:
سليمى أجمعت بينا فأين لقاؤها أينا
وقد قالت لأتـراب لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طـاب لنا العيش تعالينا
فضحك الرشيد! ووصله بمال عظيم.
روى هذه القصة الخطيب في تاريخ بغداد6/84، وابن عساكر في تاريخ دمشق7/9، وسندها حسن، فيه عبيد الله بن سعيد بن عفير، تكلم فيه بعضهم بما لا يوجب الجرح، وهذه قصة وتاريخ وليست حديثا، فلا يجوز التشدد والتعنت في إسنادها.
وقد رواها أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني 2/238 عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي بإسناد صحيح.
وفي الإتحاف للزبيدي7/563 بعدما أورد رواية الخطيب: وقد ساقها ابن قتيبة بأتم من هذا السياق [وذكرها]، وكذلك ساقها الفضل بن سلمة في كتاب "ملاهي العرب". هـ
فالقصة ثابتة صحيحة رغم أنف المتنطعين.
وقال صاحب العقد الفريد 6/11: قال إسحاق: وحدثني إبراهيم بن سعد الزهري قال: قال لي أبو يوسف القاضي: ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني! ما منكم من شريف ولا دنيء يتحاشى عنها! فغضبت وقلت: قاتلكم الله يا أهل العراق! ما أوضح جهلكم، وأبعد من السداد رأيكم، متى رأيت أحدا سمع الغناء، فظهر منه ما يظهر من سفهائكم هؤلاء الذين يشربون المسكر [يقصد النبيذ المباح عند الأحناف]؟ فيترك أحدهم صلاته... فأين هذا من هذا؟ من اختار شعرا جيدا، ثم اختار له جرما حسنا، فردده عليه، فأطربه وأبهجه، فعفا عن الجرائم، وأعطى الرغائب! فقال أبو يوسف: قطعتني، ولم يحر جوابا!
قلت: إسحاق هو الموصلي المغني الفقيه المحدث، له مؤلفات عدة في الغناء والموسيقى، وابن عبد ربه ينقل منها مباشرة، فالقصة صحيحة، ونستنتج منها وسابقتها ما يلي:
أولا: تؤكدان ما تواتر عن إبراهيم بن سعد من تعاطي الغناء وإباحته.
ثانيا: تثبتان أن إباحة الغناء وآلاته هو مذهب أهل المدينة.
ثالثا: تعضدان إباحة العود والمعازف عند السلف الأول، فإن أبا إبراهيم أدرك جماعة من الصحابة، وهذا يعني أن جماعة من التابعين كانوا حاضرين المدعاة.
رابعا: ترد القصة الأولى على من ينسب إلى الإمام مالك تحريم الغناء مطلقا.
خامسا: تبين القصة الثانية أن كثيرا من الفقهاء الكبار يمنعون أشياء بلا حجة، فأبو يوسف لم يكن لديه دليل على الإنكار، ولذلك تراجع عنه رحمه الله.
ـــ والإمام الكبير أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم الأندلسي، الحافظ المجتهد الأصولي المتفنن في العلوم النقلية والعقلية، وأحد أركان العلم بالأندلس، كان يجيد الغناء والعزف على العود، وقد دافع عن جواز الغناء وآلاته، وضعف كل حديث يحتج به المحرمون بما في ذلك حديث المعازف المعلق في صحيح البخاري، وتجد كلامه الصارم في الجزء التاسع من موسوعته "المحلى"، وفي تأليفه المستقل بعنوان: رسالة في الغناء الملهي، أمباح هو أم محظور؟
وفي ختام هذه الرسالة: قال أبو بكر عبد الباقي بن بريال الحجاري [الحجاري محدث إمام توفي سنة502] رضي الله عنه: ولقد أخبرني بعض كبار أهل زمانه أنه قال: أخذت النسخة التي فيها الأحاديث الواردة في ذم الغناء، والمنع من بيع المغنيات، وما ذكر فيها أبو محمد [ابن حزم] رضي الله عنه، ونهضت بها إلى الإمام الفقيه أبي عمر بن عبد البر، ووقفته عليها أياما، ورغبته في أن يتأملها، فأقامت النسخة عنده اياما، ثم نهضت إليه فقلت: ما صنعت في النسخة؟ فقال: وجدتها فلم أجد ما أزيد فيها وأنقص!
قلت: هذا إقرار من الإمام الحافظ الفقيه المتفنن ابن عبد البر بصواب رأي ابن حزم، وكان متأثرا به في كثير من المسائل، خالف فيها أهل مذهبه، ومنها مسألة الغناء.
ـــ وقال الإمام أبو بكر ابن العربي المعافري المالكي[ت543] في "أحكام القرآن"3/1035: أما الغناء، فإنه من اللهو المهيج للقلوب عند أكثر العلماء، منهم مالك بن أنس، وليس في القرآن ولا في السنة دليل على تحريمه، أما إن في الحديث الصحيح دليلا على إباحته، [ثم ذكر حديث عائشة وقال]، وتعليل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يوم عيد يدل على كراهية دوامه ورخصته في الأسباب كالعيد والعرس وقدوم الغائب، ونحو ذلك من المجتمعات التي تؤلف بين المفترقين والمفترقات عادة، وكل حديث يروى في التحريم أو آية تتلى فيه، فإنه باطل سندا، باطل معتقدا، خبرا وتأويلا.
ثم قال في 3/1494: فأما طبل الحرب فلا حرج فيه، لأنه يقيم النفوس ويرهب العدو، وأما طبل اللهو فهو كالدف، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح، يجوز استعمالها فيه، لما يحسن من الكلام ويسلم من الرفث. وأما سماع القينات، فقد بينا أنه يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته، إذ ليس شيء منها عليه حراما، لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها، ولم يجز الدف في العرس لعينه، وإنما جاز لأنه يشهره، فكل ما أشهره جاز. هـ
ندع أقوال الأئمة، وندخل في صحيح الأدلة عن نبي الأمة، وأصحابه أولي الفهم والحكمة، فتريثوا رزقتم الصبر والرحمة.
تنبيه وإيقاظ:
أيها المتلذذون بمناجاة الله وتلاوة كتابه، استمروا على ذلك، ولا تحرموا طيبات ما أحل الله على عموم الأمة، فأحكام الشريعة وضعت لهم لا لكم، واشتغلوا بالدعاء لعامة المسلمين بالرحمة والهداية.
وأنتم أيها الشباب، استمتعوا بطيبات ما أباح الله لكم، شنفوا أسماعكم بالهادف والنظيف من الغناء والموسيقى، لكن لا تنسوا كلام ربكم وتهجروه بالكلية، فالموت حق والدنيا فانية.
إن الجنة درجات ومراتب، إذا حاز السابقون المتغنون بالقرآن أعلاها، فاز المسلمون الملوثون بالخطيئات بأدناها، وذي حقيقة قرآنية ينكرها الغلاة، فيشددون الدين، ويضيقون على الفطرة والغرائز المودعة من قبل الحكيم العليم.

::::::::


ضوابط إباحة الغناء عند الشيخ القرضاوي والشعراوي والمسير
قال الشيخ القرضاوي -وفقه الله-: اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش، أو فسق، أو تحريض على معصية، إذ الغناء ليس إلا كلامًا، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكل قول يشتمل على حرام فهو حرام، فما بالك إذا اجتمع له الوزن، والنغم، والتأثير؟ واتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات، والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيام الأعياد، ونحوها بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها.
ويقول: ليس كل غناء مباحًا، فلا بد أن يكون موضوعه متفقًا مع أدب الإسلام وتعاليمه. اهـ.
وأما الشيخ الشعراوي -رحمه الله- فيقول في تفسيره: ثم يقول تعالى: {فاستمع لِمَا يوحى} [طه: 13]. استمع أنْ تتكلَّف السماع، والمتكلم حُر في أنْ يتكلم أو لا يتكلم. وتسمَّع. أي: تكلّف أشدّ تكلّفاً لكي يسمع. لذلك؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم حين يخبر أنه ستُعم بلوى الغِنَاء، وستنتشر الأجهزة التي ستشيع هذه البلوى، وتصبها في كل الآذان رَغْماً عنها يقول: «مَنْ تسمَّع إلى قَيْنة، صب الآنك في أذنيه» . أي: تكلَّف أنْ يسمع، وتعمَّد أن يوجه جهاز الراديو أو التلفزيون إلى هذا الغناء، ولم يقُل: سمع، وإلاّ فالجميع يناله من هذا الشر رَغْماً عنه. اهـ.
وقال في تفسير قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) لقمان: لا تقُل الغناء، لكن قُلْ: النص نفسه إنْ حثَّ على فضيلة فهو حلال، وإنْ أهاج الغرائز فهو حرام وباطل، كالذي يُشبِّب بالمرأة ويذكر مفاتنها، فهذا حرام حتى في غير الغناء، فإذا ما أضفتَ إليه الموسيقى والألحان، والتكسر والميوعة ازدادت حرمته وتضاعف إثمه. أما ما نراه الآن وما نسمعه مما يُسمُّونه غناء، وما يصاحبه من حركات ورقصات، وخلاعات، وموسيقى صاخبة، فلا شكّ في حرمته. فكل ما يُخرج الإنسان عن وقاره ورزانته، وكل ما يجرح المشاعر المهذبة فهو حرام، ثم إن الغناء صوت فإنْ خرج عن الصوت إلى أداء آخر مُهيّج، تستعمل فيه الأيدي، والأرجل، والعينان، والوسط. . الخ فهذا كله باطل ومحرم. ولا ينبغي للمؤمن الذي يملك زمام نفسه أن يقول: إنهم يفرضون ذلك علينا، فالمؤمن له بصيرة يهتدي بها، ويُميز بين الغثِّ والسمين، والحق والباطل، فكُنْ أنت حكماً على ما ترى وما تسمع، بل ما يرى وما يسمع أهلك وأولادك، وبيدك أنت الزمام إنْ شئتَ سمعتَ، وإنْ شئتَ أغلقتَ الجهاز، فلا حجة لك؛ لأن أحداً لا يستطيع أنْ يجبرك على سماع أو رؤية ما تكره.....
وأما الشيخ المسير فقال في مقاله حول الأعياد، بعد ذكر الخلاف في الغناء..،: ولكن تكمن حرمته في فحش القول، أو إثارة الغرائز، أو إظهار المفاتن ..، أو إسراف بحيث يتخذه ديدنه، ويقصر عليه أكثر أوقاته.
ثم قال: وليكن معلوماً أن الغناء المعاصر قائم على الدنس، والابتذال، وهو معول هدم للقيم، وتفتيت لبناء المجتمع ...".انتهى.
وعليه؛ فإن عامة الغناء المعاصر هو مما يأخذ حكم التحريم حتى عند المشايخ المذكورين.
ولا تعني حرمة الغناء الحكم على مستمعه، أو منشده بالنار؛ وإنما هو مستحق للوعيد، وقد تُرفع عنه العقوبة بعدة أسباب
والله أعلم.

ارجو الرد على من يقول :

 السؤال:

ارجو الرد على من يقول : تدين الشخص واتباعه للديانه أمر خاص به فقط وليس إجباراً، ربنا ما بيامر على جبر الناس على الدخول في الدين من أصله فما بالك يجبرهم على
اتباع جميع تعاليمه, واستدل بقوله تعالى: {وهديناه النجدين}

اعتقد انه يتكلم في مجال الحرية في الاسلام         

الجواب:

الرد يختلف باختلاف منطلقات الشخص, إن كان مسلما - كما يبدو من السؤال- فنصحح له فهمه وندلل له على أن الإسلام يتضمن في جوهره الانقياد لله تعالى والتسليم لأمره, وأنه دين شامل ينظم الحياة على المستوى الفردي والجماعي والدنيوي والأخروي, والأدلة على ذلك لا تحصى, ومن هنا فإن إقامة الدين كما أمر الله يجب أن تكون شمولية, فأحكام الله تعالى يجب أن يعمل بها ويدعى إليه وينهى عما يخالفها, ولا يعني ذلك أننا سندخل بيوت الناس ونجبرهم على ما يخفونه, لكن علينا واجب ومسؤولية في دعوتهم ونصحهم وأمرهم بالمعروف والتواصي معهم على الحق ونهيهم عن المنكر, ومن مسؤولية الإمام أن يقوم بدوره في ذلك فيمنع ظهور المعاصي وينشر الخير, وفي هذا رحمة للعباد والبلاد وسبب في كل خير

أما استدلاله بالآية, فالآية فيها امتنان من الله تعالى بتعليم الإنسان التمييز بين طريق الهدى وطريق الضلالة, وليس يلزم من ذلك التسوية بينهما, فقد بين الله تعالى سوء عاقبة طريق الضلالة في الدنيا والآخرة وحذر منه وجعل بين أهل الطريقين الخصومة والدعوة والمجاهدة, كما لا يلزم من خلق الله للإنسان بإرادة حرة وإعطائه القدرة على أن يختار في الدنيا ما سيلاقي جزائه أن تتعطل الأحكام, ولا يعني أن ينتفي التأثير بالنصح والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وإلا لما أنزلت هذه الأحكام وأرسل بها الرسل وعملوا بها هم وعمالهم وخلفاؤهم, وهذا واقع قطعا لا يمكن إنكاره, فالحرية الشخصية موجودة لكن التأثير فيها من المحيط والكيان الإسلامي الحاكم موجود أيضا, وهذا من طبيعة كون الإسلام دين شاملا لا دينا فرديا فحسب, وأي نظام شامل يحكم وينظم حياة الناس سيكون هكذا كما هو حال البشرية دوما, وإنما يختلف مقدار تقييد الحرية ومرجعه, وفي نظام يلتزم العبودية لله ويجعل كلمته هي العليا فإن المرجع هو الوحي والمقدار هو ما يحده الوحي نفسه, وهذه المرجعية الحاكمة مرجعية مبرهنة متفقة مع دلائل العقل, بخلاف المرجعيات الاعتباطية غير الحقيقية الأخرى.

وأخيرا بالنسبة لقضية عدم الإجبار على دخول الدين, فالمقصود عدم الإجبار على اعتناقه والدخول فيه, لا عدم الإجبار على الخضوع لنظامه بحيث تعلو كلمة الله ويدخل الناس مسلمهم وكافرهم تحت أحكامه, فهذا مما جاءت به الشريعة, وفيه رحمة وخير وبسط للعدل وإزالة للفتنة التي تصد الناس عن الهدى


الاثنين، 4 فبراير 2019

الرد على من يسأل ؟ "لما لانعطي اليهود والنصارى حرية الاديان مثلما نبني مساجد ويعطون حرية لديننا هناك؟"



لجواب هذا السؤال أرى أنه من الأفضل أن نفرق بين المستهدف من الجواب, فعندما نخاطب من مسلم موقن أن هذا الدين حق وعنده تسليم بأحكام الله ويعلم أن الله عدل وأحكامه كلها حكمة, فهذا نفول له: الإسلام حق وما سواه باطل, ولا مساواة بين الحق والباطل, فمنعنا لاستحداث كنائس وما شابه هو لأنها باطل وأماكن يرتكب فيها أعظم ذنب وأكبر ظلم وهو الشرك بالله, والله أمرنا أن نحكم بما أنزل وأخبر أن كلمته هي العليا, فلا يصح في دولة تعلي كلمة الله وتدين بحكمه أن تأذن لظهور الشرك وتخصيص أماكن لممارسته

أما إذا كنا نخاطب من لديه خلل في التصديق أو التسليم, أو كان غير مسلم أصلاً, فإن الجواب السابق يصلح له مع القول بأنّ كوننا على حق وما سوى ديننا باطل هو قضية مبرهنة لها أدلة, ومن يخالفنا فيها فنحتج عليه بأدلة صحة ديننا وبطلان غيره, ويمكن أن يضاف لذلك جواب آخر, وهو أن لكل مجتمع قيم عليا يتحاكم لها ولا يقبل المساس بها, وهذا القدر أنتم تسلّمون به, فتلك المجتمعات الغربية قيمها علمانية ومنها الحرية وعدم التفريق بين الأديان, ونحن قيمتنا العليا هي الدين وأنه حق ولا يستوي مع غيره, فأنتم إذا احتكمتم لقيمكم يلزمكم أن تسمحوا لنا ببناء المساجد وإظهار شعائرنا لكي لا تتناقضوا مع قيمكم التي اخترتموها أنتم, أما نحن فقيمنا تلزمنا بأن لا نسوي الأديان ببعضها, وقد أمرنا بأن نوفي بالعهود ونعدل ولا نظلم, لكن العدل هو التفريق بين ما يستحق التفريق, ولذلك نحن نحفظ العهود ونصون الدماء وفقا لها, ولكن لا نسمح بظهور الشرك وشعائره وتسويته مع الحق.. فإن قلتم نحن قيمنا تتعارض مع قيمكم ويجب أن تكونوا مثلنا تسوون بين الأديان وتجعلون الحرية الدينية مطلقة, فنقول ولماذا لا تتبعون أنتم قيمنا, لماذا قيمكم هي التي تتبع وليس قيمنا, في حين أن قيمنا مبنية على المصدر الإلهي الرباني, وقيمكم ليس لها أي برهان بل هي مجرد اتفاق علماني اعتباطي لا يستند لحجة عقلية قطعية صحيحة ولا شرعية, فلا يوجد في العقل ما يوجب التسوية بين حق وباطل بل العكس هو الصحيح

هذا مجمل الجواب

وفقكم الله ﷻ


بين البلاء والتمكين اسرار ........مقال رائع جدا جدا .. يستحق أن يقرأ 100 مرة !

بين البلاء والتمكين اسرار ........مقال رائع جدا جدا
المقال رائع بلا مبالغة _ يستحق أن يقرأ 100 مرة !
مقال بعنوان : مغزى الحياة
خاصة في هذا الوقت ..
المقال :
تدبرت كثيرًا في مسألة قيام الأمم، فلاحظت أمرًا عجيبًا،
وهو أن فترة الإعداد تكون طويلة جدًّا قد تبلغ عشرات السنين،
بينما تقصر فترة التمكين حتى لا تكاد أحيانًا تتجاوز عدة سنوات!!
فعلى سبيل المثال..
بذل المسلمون جهدًا خارقًا لمدة تجاوزت ثمانين سنة؛
وذلك لإعداد جيش يواجه الصليبيين في فلسطين،
وكان في الإعداد علماء ربانيون، وقادة بارزون،
لعل من أشهرهم عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي
رحمهم الله جميعًا، وانتصر المسلمون في حطين،
بل حرروا القدس وعددًا كبيرًا من المدن المحتلة،
وبلغ المسلمون درجة التمكين في دولة كبيرة موحدة،
ولكن -ويا للعجب- لم يستمر هذا التمكين إلا ست سنوات،
ثم انفرط العقد بوفاة صلاح الدين، وتفتتت الدولة الكبيرة بين أبنائه وإخوانه،
بل كان منهم من سلم القدس بلا ثمن تقريبًا إلى الصليبيين!!
كنت أتعجب لذلك حتى أدركت السُّنَّة، وفهمت المغزى..
إن المغزى الحقيقي لوجودنا في الحياة ليس التمكين في الأرض وقيادة العالم،
وإن كان هذا أحد المطالب التي يجب على المسلم أن يسعى لتحقيقها،
ولكن المغزى الحقيقي لوجودنا هو : عبادة الله ..
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]..
وحيث إننا نكون أقرب إلى العبادة الصحيحة لله في زمن المشاكل والصعوبات،
وفي زمن الفتن والشدائد، أكثر بكثير من زمن النصر والتمكين،
فإن الله -من رحمته بنا- يطيل علينا زمن الابتلاء والأزمات؛
حتى نظل قريبين منه فننجو، ولكن عندما نُمكَّن في الأرض ننسى العبادة،
ونظن في أنفسنا القدرة على فعل الأشياء،
ونفتن بالدنيا، ونحو ذلك من أمراض التمكين..
قال تعالى:
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
ولا يخفى على العقلاء أن المقصود بالعبادة هنا ليس الصلاة والصوم فقط،
إنما هو في الحقيقة منهج حياة..
إن العبادة المقصودة هنا هي :
صدق التوجه إلى الله، وإخلاص النية له، وحسن التوكل عليه،
وشدة الفقر إليه، وحب العمل له، وخوف البعد عنه،
وقوة الرجاء فيه، ودوام الخوف منه..
إن العبادة المقصودة هي أن تكون حيث أمرك الله أن تكون،
وأن تعيش كيفما أراد الله لك أن تعيش،
وأن تحب في الله، وأن تبغض في الله، وأن تصل لله، وأن تقطع لله..
إنها حالة إيمانية راقية تتهاوى فيها قيمة الدنيا
حتى تصير أقل من قطرة في يمٍّ، وأحقر من جناح بعوضة،
وأهون من جدي أَسَكَّ ميت..
كم من البشر يصل إلى هذه الحالة الباهرة في زمان التمكين!!
إنهم قليلون قليلون!
ألم يخوفنا حبيبي من بسطة المال، ومن كثرة العرض، ومن انفتاح الدنيا؟!
ألم يقل لنا وهو يحذرنا:
"فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ
وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ"؟!
ألا نجلس معًا، ونأكل معًا، ونفكر معًا، ونلعب معًا،
فإذا وصل أحدنا إلى كرسي سلطان، أو سدة حكم،
نسي الضعفاء الذين كان يعرفهم،
واحتجب عن "العامة" الذين كانوا أحبابه وإخوانه؟!
ألم يحذرنا حبيبي من هذا الأمر الشائع فقال:
"مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ"؟!
هل يحتجب الفقير أو الضعيف أو المشرد في الأرض؟
لا.. إنما يحتجب الممكَّن في الأرض، ويحتجب الغني، ويحتجب السلطان.
إن وصول هؤلاء إلى ما يريدون حجب أغلبهم عن الناس،
ومَن كانت هذه حاله فإن الله يحتجب عنه،
ويوم القيامة سيدرك أنه لو مات قبل التمكين لكان أسلم له وأسعد، ولكن ليس هناك عودة إلى الدنيا، فقد مضى زمن العمل، وحان أوان الحساب.
إن المريض قريب من الله غالب وقته، والصحيح متبطر يبارز الله المعاصي بصحته..
والذي فقد ولده أو حبيبه يناجي الله كثيرًا، ويلجأ إليه طويلاً، أما الذي تمتع بوجودهما ما شعر بنعمة الله فيهما..
والذي وقع في أزمة، والذي غُيِّب في سجن، والذي طُرد من بيته،
والذي ظُلم من جبار، والذي عاش في زمان الاستضعاف،
كل هؤلاء قريبون من الله..
فإذا وصلوا إلى مرادهم، ورُفع الظلم من على كواهلهم نسوا الله،
إلا من رحم الله، وقليل ما هم..
هل معنى هذا أن نسعى إلى الضعف والفقر والمرض والموت؟
أبدًا، إن هذا ليس هو المراد..
إنما أُمرنا بإعداد القوة، وطلب الغنى، والتداوي من المرض،والحفاظ على الحياة.. ولكن المراد هو :
أن نفهم مغزى الحياة.. إنه العبادة ثم العبادة ثم العبادة.
مغزى الحياة والتمكين في الأرض
ومن هنا فإنه لا معنى للقنوط أو اليأس في زمان الاستضعاف،
ولا معنى لفقد الأمل عند غياب التمكين،
ولا معنى للحزن أو الكآبة عند الفقر أو المرض أو الألم..
إننا في هذه الظروف -مع أن الله طلب منا أن نسعى إلى رفعها- نكون أقدر على العبادة، وأطوع لله، وأرجى له،
وإننا في عكسها نكون أضعف في العبادة، وأبعد من الله..
إننا لا نسعى إليها،
ولكننا "نرضى" بها.. إننا لا نطلبها، لكننا "نصبر" عليها ..
إن الوقت الذي يمضي علينا حتى نحقق التمكين ليس وقتًا ضائعًا،
بل على العكس،
إنه الوقت الذي نفهم فيه مغزى الحياة،
والزمن الذي "نعبد" الله فيه حقًّا،
فإذا ما وصلنا إلى ما نريد ضاع منا هذا المغزى،
وصرنا نعبد الله بالطريقة التي "نريد"، لا بالطريقة التي "يريد"!..
أو إن شئت فقُلْ نعبد الله بأهوائنا،
أو إن أردت الدقة أكثر فقل نعبد أهواءنا!!
قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [الفرقان: 43].
ولذلك كله فإن الله الحكيم الذي يريد منا تحقيق غاية الخَلْق، الرحيم الذي يريد لنا الفلاح والنجاح قد اختار لنا أن تطول فترة الإعداد والبلاء والشدة،
وأن تقصر فترة التمكين والقوة، وليس لنا إلا أن نرضى،
بل نسعد باختياره، فما فعل ذلك إلا لحبه لنا، وما أقرَّ هذه السُّنَّة إلا لرحمته بنا.
وتدبروا معي إخواني وأخواتي في حركة التاريخ..
كم سنة عاش نوح -عليه السلام- يدعو إلى الله ويتعب ويصبر، وكم سنة عاش بعد الطوفان والتمكين؟!
أين قصة هود أو صالح أو شعيب أو لوط -عليهم السلام- بعد التمكين؟! إننا لا نعرف من قصتهم إلا تكذيب الأقوام، ومعاناة المؤمنين، ثم نصر سريع خاطف، ونهاية تبدو مفاجئة لنا.
لماذا عاش رسولنا إحدى وعشرين سنة يُعِدُّ للفتح والتمكين، ثم لم يعش في تمكينه إلا عامين أو أكثر قليلاً؟!
وأين التمكين في حياة موسى أو عيسى عليهما السلام؟! وأين هو في حياة إبراهيم أبي الأنبياء ؟!
إن هذه النماذج النبوية هي النماذج التي ستتكرر في تاريخ الأرض، وهؤلاء هم أفضل من "عَبَدَ" الله ،
{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90].
والآن بعد أن فقهت المغزى لعلك عرفت لماذا لم يعش عمر بن عبد العزيز إلا سنتين ونصف فقط في تمكينه،
وأدركت لماذا قُتل عماد الدين زنكي بعد أقل من عامين من فتح الرُّها،
وكذلك لماذا قُتل قطز بعد أقل من سنة من نصره الخالد على التتار في عين جالوت، وكذلك لماذا قُتل ألب أرسلان بعد أقل من عامين من انتصار ملاذكرد التاريخي، ولماذا لم "يستمتع" صلاح الدين بثمرة انتصاره في حطين إلا أقل من سنة
ثم سقطت عكا مرة أخرى في يد الصليبيين،
ولماذا لم يرَ عبد الله بن ياسين مؤسس دولة المرابطين التمكين أصلاً،
ولماذا مات خير رجال دولة الموحدين أبو يعقوب يوسف المنصور بعد أقل من أربع سنوات من نصره الباهر في موقعة الأرك.
إن هذه مشاهدات لا حصر لها،
كلها تشير إلى أن الله أراد لهؤلاء "العابدين" أن يختموا حياتهم وهم في أعلى صور العبادة،
قبل أن تتلوث عبادتهم بالدنيا، وقبل أن يصابوا بأمراض التمكين.
إنهم كانوا "يعبدون" الله حقًّا في زمن الإعداد والشدة،
"فكافأهم" ربُّنا بالرحيل عن الدنيا قبل الفتنة بزينتها..
ولا بد أن سائلاً سيسأل:
أليس في التاريخ ملك صالح عاش طويلاً ولم يُفتن؟!
أقول لك: نعم، هناك من عاش هذه التجربة، ولكنهم قليلون أكاد أحصيهم لندرتهم! فلا نجد في معشر الأنبياء إلا داود وسليمان عليهما السلام،
وأما يوسف -عليه السلام- فقصته دامية مؤلمة من أوَّلها إلى قبيل آخرها، ولا نعلم عن تمكينه إلا قليل القليل.
وأما الزعماء والملوك والقادة فلعلك لا تجد منهم إلا حفنة لا تتجاوز أصابع اليدين، كهارون الرشيد وعبد الرحمن الناصر وملكشاه وقلة معهم..
إنني بعد أن فهمت هذا المغزى أدركت التفسير الحقيقي لكثيرٍ من المواقف المذهلة في التاريخ..
أدركت لماذا كان عتبة بن غزوان يُقْسِم على عمر بن الخطاب
أن يعفيه من ولاية البصرة!
وأدركت لماذا أنفق الصديق ماله كله في سبيل الله،
وأدركت لماذا حمل عثمان بن عفان وحده همَّ تجهيز جيش العسرة دون أن يطلب من الآخرين حمل مسئولياتهم،
وأدركت لماذا تنازل خالد بن الوليد عن إمارة جيش منتصر،
وأدركت لماذا لم يسعد أبو عبيدة بن الجراح بولايته على إقليم ضخم كالشام، وأدركت لماذا حزن طلحة بن عبيد الله عندما جاءه سبعمائة ألف درهم في ليلة، وأدركت لماذا تحول حزنه إلى فرح عندما "تخلَّص" من هذه الدنيا بتوزيعها على الفقراء في نفس الليلة!!
أدركت ذلك كله..
بل إنني أدركت لماذا صار جيل الصحابة خير الناس!
إن هذا لم يكن فقط لأنهم عاصروا الرسول ،
بل لأنهم هم أفضل من فقه مغزى الحياة،
أو قل: هم أفضل من "عَبَدَ" الله ؛
ولذلك حرصوا بصدق على البعد عن الدنيا والمال والإمارة والسلطان،
ولذلك لا ترى في حياتهم تعاسة عندما يمرضون،
ولا كآبة يُعذَّبون، ولا يأسًا عندما يُضطهدون،
ولا ندمًا عندما يفتقرون..
إن هذه كلها "فُرَص عبادة" يُسِّرت لهم فاغتنموها، فصاروا بذلك خير الناس.
إن الذي فقِه فقههم سعِد سعادتهم ولو عاش في زمن الاستضعاف!
والذي غاب عنه المغزى الذي أدركوه خاب وتعس ولو ملك الدنيا بكاملها.
إنني أتوجه بهذا المقال إلى أولئك الذين يعتقدون أنهم من "البائسين"
الذين حُرموا مالاً أو حُكمًا أو أمنًا أو صحة أو حبيبًا..
إنني أقول لهم:
أبشروا، فقد هيأ الله لكم "فرصة عبادة"!
فاغتنموها قبل أن يُرفع البلاء، وتأتي العافية، فتنسى الله،
وليس لك أن تنساه......