الأحد، 16 يونيو 2019

هل كان رسول الله ﷺ مجرد إنسان عادي ؟ !

ومن أعظم البدع : اعتبار رسول الله ﷺ مجرد رجل ، كُلِّف بأمرٍ ، فأدّاه ، ثم انتهى أمره ! !
إن الله تعالى وملائكته يصلّون على النبيّ ﷺ !
يقول الله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ( ) .
إن الله تعالى بعظمته ، وجلاله ، وكبريائه ، يصلّي على رسول الله ، سيّدنا محمد ﷺ ، ثم ملائكته الكرام يصلّون عليه ﷺ !
ثم أمر الله تعالى المؤمنين ، أن يُصلّوا عليه ﷺ !
وقال الله تعالى : ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ( ) .
فيجب أن يكون رسول الله ﷺ ، أحب من الآباء ، والأبناء ، والإخوان ، والأزواج ، والعشيرة والأموال ، والتجارة ، والمساكن ، وإلا بعكس ذلك ، يُخشى أن يكون ذاك العبد فاسقاً !
وحبّه ﷺ ليس معناه اتّباعه ، كما يريد البعض أن يضلّ الناس بذلك !
بل الحبّ : شعور وإحساس ، ورابطة قلب ، بين صاحبه وبين المحبّ !
واتّباعه ﷺ دليل من أدلة حبّه ، فالمحب لمن يحبّ مطيع .
فهناك أمران : حبه ﷺ ، واتّباعه .
فلو كان الحب بمعنى الإتباع ، لكان في اتّباع القوانين والإلتزام بها ، دلالة على الحب ! وليس كذلك ، فكم من إنسان يطبق قانوناً ويلتزم به ، وهو لا يحبّه ! 

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
قال الحافظ ابن القيّم ، رحمه الله ، :
[ ودل على أن متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم: هي حب الله ورسوله، وطاعة أمره،
ولا يكفي ذلك في العبودية ، حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما.
فلا يكون عنده شيء أحب إليه من الله ورسوله ،
ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله لصاحبه البتة، ولا يهديه الله ] ( ) .
الآن يا عمر ! !
( عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآنَ يَا عُمَرُ ) ( ) .
و( عَنْ أَنَسِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا
وَأَنْ يُـحِبَّ الْمَـرْءَ لَا يُحِبُّـهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَـكْرَهَ أَنْ يَعُــودَ فِــي الْكُفْـرِ كَمَــا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِــي النَّــارِ ) ( )
لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ﷺ !
ويقول تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ .
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ .
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) ( ) .
قال الحافظ ابن كثير ، رحمه الله :
[ فَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ الله عنه أنه سمع صوت رجلين فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا ،
فَجَاءَ فَقَالَ : أَتَدْرِيَانِ أَيْنَ أَنْتُمَا ؟
ثُمَّ قَالَ : مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا ؟ قَالَا : مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ ،
فَقَالَ : لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًا .
وَقَالَ الْعُلَمَاءُ : يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام، لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ حَيًّا وَفِي قَبْرِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا .
ثُمَّ نَهَى عَنِ الْجَهْرِ لَهُ بِالْقَوْلِ كَمَا يَجْهَرُ الرَّجُلُ لِمُخَاطِبِهِ مِمَّنْ عَدَاهُ ،
بَـلْ يُخَاطَـبُ بِسَـكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَتَعْظِيمٍ ؛ وَلِهَذَا قَــالَ : { وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
لِبَعْضٍ } ، كَمَا قَالَ : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } [النُّورِ: 63] .
وَقَوْلُهُ : { أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ }
أَيْ : إِنَّمَا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَغْضَبَ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَغْضَبُ اللَّهُ لِغَضَبِهِ ، فَيُحْبِطَ اللَّهُ عَمَلَ مَنْ أَغْضَبَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي ] ( ) .
فَخِّموهُ وشَرِّفوهُ مع التوقير والتواضع !
وقال سبحانه : ( لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) ( ) .
[ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ : لَا تَدْعُوهُ بِاسْمِهِ كَمَا يَدْعُو بَعْضُكُمْ بَعْضًا يَا مُحَمَّدُ يا ابن عَبْدَ اللَّهِ
وَلَكِنْ فَخِّمُوهُ وَشَرِّفُوهُ ، فَقُولُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي لِينٍ وَتَوَاضُع ] ( ) .
[ وقيل لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضاً باسمه ورفع الصوت به والنداء من وراء الحجرات، ولكن بلقبه المعظم مثل يا نبي الله، ويا رسول الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت ] ( ) .
[ فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إِعْظَامًا لَهُ وَإِجْلَالًا ] ( ) .
أمر الله تعالى أن يُهاب ويُبَجَّل ويُعَظَّم ويسود !
وقال الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، :
[ قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانُوا يَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجل عن ذلك إعظاما لنبيه صلى الله عليه وسلم ،
قال : فَقُولُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُهَابَ نَبِيُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْ يُبَجَّلَ وَأَنْ يُعَظَّمَ وأن يسود .
وقال مقاتل فِي قَوْلِهِ لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
يَقُولُ : لَا تُسَمُّوهُ إِذَا دعوتموه يا محمد ولا تقولوا يا ابن عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ شَرِّفُوهُ فَقُولُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَالَ : أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُشَرِّفُوهُ ، هَذَا قَوْلٌ ، وَهُوَ الظاهر من السياق ، كقوله تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا [البقرة: 104] إلى آخر الآية .
وَقَوْلُهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُون ] ( ) .
فالمقصـود : أن رسول الله  ليس إنساناً مثله مثل باقي الناس ! بل هو أحب العباد إلى الله تعالى ؛ ربّ السماوات والأرض ، رب العرش ، رب العالمين !
وهو ﷺ رحمة مهداة للعالمين ، وسيد ولد آدم ، عليه الصلاة والسلام !
و أن هذا الدين هو دين ودّ ، ومحبة ، وتوقير ، واحترام ، ولا سيما بين المؤمنين ونبيّهم ﷺ ! وليس مجرد شكليات ، ورسوم ، خاوية من الروح والمحبة ، تنفّذ كالأوامر العسكرية !
وفي أغلب الأحيان لا تنفّذ أوامره ، بل تشوّه !
فأتباعه ﷺ يجب أن يكونوا مثله ؛ رحمة مهداة !
و مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ !
[ عن عبد الله بن المبارك أن امرأة قالت لعائشة اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكشفت لها عنه فبكت حتى ماتت ] ! ( )
هذه هي المحبة !

السبت، 15 يونيو 2019

زيارة القبور آدابها وحكمها وكيفيتها .. وما هو المشروع والممنوع في زيارة القبور !؟ وهل يجوز الصلاة فيها وفي المساجد ذات القبور ؟

زيارة القبور آدابها وحكمها وكيفيتها .. وما هو المشروع والممنوع في زيارة القبور !؟ وهل يجوز الصلاة فيها وفي المساجد ذات القبور ؟
"وزيارة القبور أياً كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة ولكن الاستعانة بالمقبورين أياً كانوا ونداءهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشييد القبور وسترها وإضاءتها والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها ولا نتأول لهذه الأعمال سداً للذريعة".
المغالاة في حب الصالحين إلى حد الانحراف عن الشرع هذا أمر غير مقبول بل منهي عنه، والوقوف على قبر الصالحين وسؤالهم النفع أو دفع الضر لون من ألوان الشرك الذي نستعيذ بالله منه لا يجب أبداً على المسلم أن يقع فيه بل لابد من التحرز منه لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ففي حديث رسول الله ﷺ "وإذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث " فهو العمل الصالح الذي يلقى به العبد المؤمن ربه (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)


ولذلك فإن هذا الأصل يعالج :
1-المغالاة في حب الصالحين.
2-زيارة القبور السنة المشروعة .
3-الكيفية المأثورة للزيارة.
4-عدم الاستعانة بالمقبورين .
5-الحلف بغير الله.
زيارة القبور :
قبل أن نتكلم عن المقابر التي هي إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار أعاذنا الله منها فإننا نعرّج على الموت الذي أمرنا رسول الله r أن نكثر من ذكره فالموت سنة ماضية وكل نفس ذائقة الموت وعش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزى به فالموت حق لا ينكره جاحد فلقد أنكر الكفار البعث ولم يستطيعوا أن ينكروا الموت لأنهم يرونه رأى العين فهو حقيقة واقعة لا شك في ذلك وكل إنسان له أجل معلوم كما قال ربنا (إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) وهذه الحقيقة من عقيدتنا -نحن المسلمين فإذا مات العبد قامت قيامته وانتهى أمره وأصبح في القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار (فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)، ولذلك فإن من المستحب لكل مسلم أن يكثر من ذكر الموت ليرق قلبه ويخشى ربه، روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله r قال لأصحابه "استحيوا من الله حق الحياء" قالوا إنا نستحى يا نبى الله والحمد لله قال:"ليس كذلك ولكن من استحى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء"
ولقد روى البراء بن عازب رضى الله عنهما أن النبى r أرسل جماعة يحفرون قبراً فبكى حتى بل الثرى بدموعه وقال "إخوانى لمثل هذا فأعدوا"
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله r قال "أكثروا من ذكر هازم اللذات الموت" ويقول عبد الله بن عمر: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" ولقد أكد القرآن أن هذه الحقيقة وأنها تسري على جميع الخلائق بما فيهم أنبياء الله ورسله فقال (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) فهي سنة الله التي تجرى على جميع الأحياء (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ويوم موت رسول الله r قال عمر بن الخطاب t : من قال إن محمداً قد مات قطعت رقبته بسيفي هذا ، فأمسك به أبو بكر t وجذبه إليه وقال : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم قرأ (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) قال عمر : كأني أسمعها لأول مرة.
فالناس جميعاً غنيهم وفقيرهم سيدهم ومولاهم حاكمهم ومحكومهم أنبياؤهم ورسلهم أتقياؤهم وأشقياؤهم لا نفرق بين أحد منهم يذوقون الموت ولكن كثير من الناس كأن الموت على غيرهم قد كتب وكأن الذين يشيعون إلى الأجداث سُفر عما قليل إليهم راجعون يبوؤنهم أجداثهم ويأكلون من تراثهم وكأنهم مخلدون بعدهم.
والحقيقة التي يجب أن يتنبه إليها المربون أن دعوة الرسول r للمؤمنين بأن يكثروا من ذكر الموت منهج تربوى عظيم فحين يقول ﷺ "أكثروا ذكر هازم اللذات" أكثروا منه لأن الإنسان إذا أكثر من ذكر الموت فسوف يستقيم سلوكه فيحذر ضمة القبر، يخاف من نزوله وحده لأنه إذا مات العبد صحبه ثلاث ماله، وأهله، وعمله فإذا تم دفنه رجع المال والولد وبقى العمل ولما كان الموت يأتي بغتة كان توجيه رسول الله ﷺ بالإكثار من ذكر الموت دافعاً لمواصلة العمل (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) وتأمل قوله (فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، من أجل ذلك يقول ابن عمر "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" فالناس جميعاً مساقون إلى ربهم موتا (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ).
من أجل ذلك سن رسول الله ﷺ لنا زيارة المقابر للعظة والاعتبار وترقيق القلوب والتذكير بالقبر وما بعده (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) .
حكم زيارتها:
ينبغى أن يعلم أن زيارة المقابر كانت في أول الإسلام محرمة على الرجال والنساء وحين استقرت العقيدة في القلوب وعرفت أحكامه وأهدافه أبيحت الزيارة وجاءت فيها جملة من الأحاديث الصحيحة تضمنت مشروعيتها وكيفيتها فعن على t أنه r قال :"إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر بالآخرة " ومنها أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقال عبد الله بن أبى مليكة من أين أقبلت يا أم المؤمنين؟ قالت من قبر أخى عبد الرحمن، فقال لها أليس كان نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها..
والذى يدل على أن زيارة النساء للقبور ليست بحرام حديث أنس رضى الله عنه أن النبى ﷺ مر بامرأة عند قبر تبكى على صبى فقال لها :"اتق الله واصبرى" فقالت ما تبالى بمصيبتى، -وكأنها لم تعرفه- فلما ذهب قيل لها إنه رسول الله r فأتت إليه وقالت لم أعرفك يا رسول الله فقال لها :"إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
وموضع الدلالة أنه r وعظها بالصبر ولم ينكر زيارة القبر وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كيف أقول يا رسول الله ؟ يعنى إذا زرت المقابر - قال قولى "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" .
إلا أن الحافظ المنذرى يقول قد كان الرسول ﷺ نهى عن زيارة القبور نهياً عاماً للرجال والنساء ثم أذن للرجال في زيارتها واستمر النهى في حق النساء، فالمسألة كما ترى فيها خلاف فقهى فمن العلماء من حرمها مطلقاً ومنهم من كره الزيارة كراهة تنزيهية ومنهم من فصل بين الشابة وغيرها ومنهم من جوزها أو اعتبرها سنة بإطلاق فقد روى مسلم "زوروا القبور فإنها تذكر بالموت" وبالمناسبة فإن الإمام ابن تيمية منع زيارة قبور الصالحين والأنبياء للتيمن كما منع زيارة قبر الرسول ﷺ بقصد التبرك أو التيمن أو التقرب إلى الله فقال لا يجوز وإن كان القصد العظة والاعتبار فهو جائز بل مندوب إليه.
يقول الشيخ أبو زهرة في كتابه "المذاهب الإسلامية" "ولقد خالف ابن تيمية بقوله جمهور المسلمين، تحداهم في عنف بالنسبة لزيارة قبر النبى r ونحن قد نوافق إلى حد ما على قولهم بزيارة قبور الصالحين والنذر لها ، ولكن نخالفه مخالفة تامة في زيارة الروضة الشريفة وذلك لأن الأساس الذي بنى عليه منع زيارة الروضة بقصد التبرك والتيمن هو خشية الوثنية وأنه إذا كان في ذلك تقديس لمحمد ﷺ فهو تقديس لنبى الوحدانية، وتقديس نبى الوحدانية إحياء لها إذ هو تقديس للمعانى التي بُعث بها ولأن الروضة بها تذكير بمواقف النبى ﷺ في الصبر والجهاد والنضال والعمل على شأن التوحيد .
ولقد قال نافع مولى عبد الله بن عمر: كان ابن عمر يسلم على القبر رأيته مائة مرة أو أكثر يجيئ إلى القبر ورؤى واضعاً يده على مقعد النبى ﷺ من المنبر ثم وضعها على وجهه ولقد كان الأئمة الأربعة كلما قدموا إلى المدينة زاروا قبر النبى ﷺ، يقول والغريب أن ابن تيمية نفسه يروى أن الأئمة الأعلام كانوا يسلمون على النبى r كلما مروا بقبره الشريف وكانوا يذهبون إليه كلما هموا بسفر أو أقبلوا من سفر" ثم يقرر الشيخ أبو زهرة على ذلك أن التبرك بزيارة قبر النبى r مستحسن لأن فيه التذكرة والاعتبار والاستبصار.
وسنحاول أن نوجز حكم زيارة قبر الرسول r وما قاله العلماء فيها .
أورد الشوكانى في نيل الأوطار نبذة صالحة فيما قاله العلماء في زيارة قبر الرسول وحكمها معززاً كل قول بدليله وما قاله المحققون فيه – فليرجع إليه من أراد زيادة بيان.
قال رحمه الله اختلف أقوال العلماء في زيارة قبر النبى r، إلى :
مذهب الجمهور : أنها مندوبة .
بعض المالكية وبعض الظاهرية : ذهبوا إلى أن الزيارة واجبة .
قال ابن تيمية وبعض الحنابلة :إنها غير مشروعة وروى ذلك عن مالك والقاضى عياض ولقد رد الجمهور على هذا الرأى فليرجع إليه في نيل الأوطار.
وقال الإمام النووى : في شرح المهذب "اعلم أن زيارة قبر رسول الله r من أهم القربات وأنجح المساعى فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استُحب لهم استحباباً متأكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته r ".
وينوى الزائر مع الزيارة التقرب بزيارة مسجده وشد الرحال إليه والصلاة فيه فإذا توجه فليكثر من الصلاة والتسليم عليه r في طريقه ثم شرح آداب الزيارة وما يفعل من يريدها.
أما الإمام مالك: فقد روى عنه القول بكراهة الزيارة وأجيب بأنه قال بكراهة زيارة قبره r قطعاًً للذريعة. وقيل إنما كره إطلاق لفظ الزيارة لأن الزيارة من شاء فعلها ومن شاء تركها وزيارة قبره r من السنن الواجبة كذلك قال عبد الحق.
يقول الشوكانى واحتج كذلك من قال بمشروعيتها بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة بقصد زيارته ﷺ ويعدون ذلك من أفضل الأعمال ولم يُنقل أن أحداً أنكر ذلك عليهم فكان إجماعاً. هكذا نقله الشوكانى رحمه الله.
القصد من زيارة المقابر: أباح الرسول ﷺ لأصحابه وعلمهم زيارة القبور ولقد زارها ﷺ وزاروها رجالاً ونساءً ودرج المسلمون الأولون على ذلك للتذكر والتسليم والدعاء.
فالقصد من الزيارة الإحسان إلى الميت بالسلام عليه والدعاء له بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية وحينئذ تسن الزيارة ففى الحديث الصحيح عن بريدة رضى الله عنه أنه r كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا : "السلام عليكم يا أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع نسأل الله لنا ولكم العافية".
ويقصد بالزيارة أيضًا الإحسان إلى نفسه فيتذكر الموت والآخرة والزهد فيها والاتعاظ بحال الميت ويتذكر قول الرسول :"يتبع الميت ثلاث : أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد ، يرجع أهله وماله ويبقى عمله" ولقد كان الربيع بن خيثم إذا وجد غفلة خرج إلى القبور ويبكى ويقول : كنا وكنتم ثم يحيى الليل كله فيصبح كأنه نشر من قبره فيتذكر انقضاء اللذات ويتفكر فيما يصير إليه من ضيق اللحود وصولة الدود ويستشعر ما سيؤول إليه حاله من شدة الحساب وصعوبة الجواب.
والجدير بالذكر أنه يراعى عند زيارة القبور ألا يجلس على المقابر أو يطأها أحد فهذا أمر منهى عنه يقول أبو هريرة قال رسول الله r "لئن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر " وكذلك الاستناد إليه فعن عمرو بن حزام قال رآنى النبى r متكئاً على قبر فقال:" لا تؤذى صاحب هذا القبر".
وبالمناسبة فإنه لا يكره المشى في المقابر بالنعلين والخفين ونحوهما كما يقول البعض بالكراهة بل لا كراهة إن مشى بهما وهذا مذهب أكثر العلماء إلا أن الإمام أحمد يكره ذلك فأصبح بذلك خلاف فقهي معتبر شرعاً لا إنكار فيه.
أمور خلافية تتعلق بالجنائز:
1-النعي للميت: وهو أن يبعث منادياً ينادي في الناس إن فلاناً قد مات ليشهدوا جنازته ، روى حذيفة t قال :"سمعت الني r ينهى عن النعي" رواه الترمذي وقال حديث حسن . قال ابن قدامة الحنبلي في المغني : استحب جماعة من أهل العلم ألا يعلم الناس بجنائزهم ، قال : وقال كثير من أهل العلم لا بأس أن يعلم الرجل إخوانه ومعارفه وذوو الفضل من غير نداء، قال إبراهيم النخعي: لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه وإنما كانوا يكرهون أن يطاف في المجالس: أنعي فلاناً كفعل الجاهلية . وممن رخص في هذا : أبو هريرة وابن عمرو وابن سيرين . وروى عن ابن عمر أنه نعى إليه رافع بن خديج قال: كيف تريدون أن تصنعوا به ؟ قالوا نحبسه حتى نرسل إلى قباء وإلى من بات حول المدينة ليشهدوا جنازته . قال : نعم ما رأيت.
وقال النبي ﷺ في الذي دفن ليلاً "ألا أذنتموني؟" وقد صح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشى في اليوم الذى مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات" رواه البخاري ومسلم. ولأن في كثرة المصلين عليه أجراً لهم ونفعاً للميت فإنه يحصل لكل مصل منهم قيراط من الأجر. وقال الإمام النووى في المجموع: والصحيح الذى تقتضيه الأحاديث الصحيحة وغيرها أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه ، بل إن قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر والتطواف بين الناس بذكره بهذه الأشياء ، وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه، فقد صحت الأحاديث بالإعلام فلا يجوز إلغاؤها، وبهذا الجواب أجاب بعض الأئمة فى الفقه والحديث المحققين.
2-وأما الندب: فهو تعداد محاسن الميت وما يلقون بفقده بلفظ النداء، مثل قولهم : وارجلاه واجبلاه وانقطاع ظهراه ، وأشباه ذلك. وأما النياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب وضرب الخدود والدعاء والويل والثبور .
قال ابن قدامة في المغني : قال بعض أصحابنا : هو مكروه، ونقل حرب عن أحمد كلاماً فيه احتمال إباحة النوح والندب اختاره الخلال وصاحبه لأن واثلة بن الأسقع وأبا وائل رضي الله عنهما كانا يستمعان النوح ويبكيان وقال أحمد بن حنبل : إذا ذكرت المرأة مثل ما حكى عن فاطمة رضي الله عنها في مثل الدعاء لا يكون مثل النوح ، يعنى لا بأس به روى عن فاطمة رضي الله عنها أنها قالت :"يا أبتاه ، من ربه أدناه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه، يا أبتاه أجاب ربًا دعاه" قال ابن قدامة : وظاهر الأخبار تدل على تحريم النوح، قالت أم عطية :"أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة أن لا ننوح" متفق عليه، وعن أبي موسى t قال : قال رسول الله r :"ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" متفق عليه. وقد صح عن النبي r أنه قال :"إن الميت يعذب في قبره بما يناح عليه" انتهى.
3-وأما تلقين الميت عند دفنه : قال ابن تيمية في الفتاوى (مجلد 24 صفحة 296 وما بعدها) تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه نُقل عن طائفة من الصحابة أنهم أمروا به كأبي أمامة الباهلي وغيره، وروى فيه حديثاً عن النبي r مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثيراً من الصحابة يفعل ذلك، فلهذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء : إن هذا التلقين لا بأس به ، فرخصوا فيه ولم يأمروا به واستحبه طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وكرهه طائفة من العلماء من أصحاب مالك وغيرهم.
وقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن وأنه يؤمر بالدعاء له، فلهذا قيل أن التلقين ينفعه فإن الميت يسمع النداء كما ثبت في الصحيح عن النبي r أنه قال:" إنه ليسمع قرع نعالهم" وأنه أمرنا بالسلام على الموتى فقال :"ما من رجل يمر بقبر الرجل الذي يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله روحه حتى يرد عليه السلام" انتهى.
وقال ابن قيم الجوزية الحنبلي في كتابه الروح (صفحة 14) ويدل على أن الميت يعلم من حال الأحياء وزيارتهم له وسلامهم عليه ما جرى عليه عمل الناس قديماً وإلى الآن : من تلقين الميت في قبره ، وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى فاستحسنه واحتج عليه بالعمل . ويروى فيه حديث ضعيف ذكره الطبراني في معجمه من حديث أبى أمامة قال: قال رسول الله r :"إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول : يا فلان بن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب ، ثم ليقل : يا فلان بن فلانة الثانية فإنه يستوي قاعداً ثم ليقل : يا فلان بن فلانة، يقول أرشدنا رحمك الله ولكنكم لا تسمعون، فيقول اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبيًا وبالقرآن إماماً ، فإن منكراً ونكيراً يتأخر كل واحد منهما ويقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته؟ ويكون لله ورسوله حجيجه دونهما" فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى أمه حواء: يا فلان ابن حواء" قال ابن القيم : فهذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار: كاف في العمل به. انتهى ، وأقول وعلى هذا القول فإن ترك التلقين هذا يعتبر بدعة تركية.
4-الوقوف على القبر بعدما يدفن ويدعى للميت: قال ابن قدامة الحنبلي في المغني 2/505 : سئل عن ذلك أحمد فقال : لا بأس به، قد وقف علىّ والأحنف وروى أبو داود عن عثمان قال :"كان النبيﷺ إذا دفن الرجل وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل" وروى السرِّي قال "لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة قال اجلسوا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم فإني أستأنس بكم"رواه البخاري ومسلم قال ابن تيمية في الفتاوى (24/298) القراءة على القبر كرهها أبو حنيفة، ومالك وأحمد في إحدى الروايتين ولم يكن يكرهها في الأخرى، وإنما رخص فيها لأنه بلغه أن ابن عمر أوصى أن يقرأ عند قبره بفواتح البقرة وخواتيمها. وروى عن بعض الصحابة قراءة سورة البقرة فالقراءة عند الدفن مأثورة في الجملة ، وأما بعد الدفن فلم ينقل فيه أثر، وأما المستحب الذي أمر به وحضَّ عليه النبي r فهو الدعاء للميت.
5-العزاء والتعزية: وهما الصبر على ما به من مكروه وعزاه أى صبره وحثه على الصبر، وأصلها التصبير لمن أصيب بمن يعز عليه. عن ابن مسعود t قال : قال رسول الله ﷺ :"من عزى مصاباً فله مثل أجره" رواه الترمذي وعن أبي برزة t قال : قال رسول الله ﷺ:"من عزى ثكلى كُسي برداً في الجنة" رواه الترمذي. وعن عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده t عن النبي r أنه قال :" ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة " رواه ابن ماجة. قال ابن قدامة في المغني : والمقصود بالتعزية تسلية أهل المصيبة وقضاء حقوقهم والتقرب إليهم، والحاجة إليها بعد الدفن كالحاجة إليها قبله، ويستحب تعزية أهل المصيبة كبارهم وصغارهم ويُخص خيارهم والمنظور إليه من بينهم. قال : ولا نعلم في التعزية شيئًا محدوداً إلا أنه يروى أن النبي ﷺ عزى رجلاً فقال "رحمك الله وآجرك" رواه أحمد. وعزى أحمد أبا طالب فوقف على باب المسجد فقال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك. وأن الرد من المعزى فيقول : استجاب الله دعاك ورحمنا وإياك. قال ابن قدامة أيضًا : وتوقف أحمد بن حنبل عن تعزية أهل الذمة وهي تخرج على عيادتهم وفيها روايتان : إحداهما لا نعودهم فكذلك لا نعزيهم، لقول النبي ﷺ "لا تبدؤهم بالسلام" وهذا في معناه والرواية الثانية : نعودهم لأن النبي ﷺ :"أتى غلاماً من اليهود كان مرض يعوده فقعد عند رأسه فقال له أسلم ، فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال له : أطع أبا القاسم، فأسلم فقام النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار" رواه البخاري، فعلى هذا نعزيهم، وقال ابن بطة يقول : أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحد من أهل دينك، وقال النووي في المجموع: يعزى الكافر فيقول : أخلف الله عليك. قال النووي وتجوز التعزية قبل الدفن وبعده، ولكن بعد الدفن أحسن وأفضل لأن أهله قبل الدفن مشغولون بتجهيزه، ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، فكان ذلك الوقت أولى.
ويكره الجلوس للتعزية فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة، ولكن ثبت في البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: "لما جاء النبي r قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة رضى الله عنهم جلس يعرف الحزن وأنا أنظر من شق الباب" أقول : وذلك جاء فى فقه المالكية (المجلد الأول من بلغة السالك للصاوي وشرحه للدردير) : يجوز أن يجلس الرجل للتعزية ما فعل النبي r حين جاء خبر جعفر وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ومن قتل معهم يوم مؤتة، والأولى عند رجوع الولى إلى بيته من الدفن. انتهى
6-قال في المغنى : يستحب إصلاح طعام لأهل الميت يبعث به إليهم إعانة لهم وجبراً لقلوبهم، فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم.وروى أبو داود عن عبد الله بن جعفر قال " لما جاء نعي جعفر قال رسول الله ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم أمر شغلهم" قال وهل يجتمعون عند أهل الميت ويجعلون طعاماً ؟ قال إذا دعت الحاجة إلى ذلك جاز، فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة ويبيت عندهم ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه.انتهى . وأقول وهذا ما عليه الناس في القرى الآن من صنع الطعام وتقديمه لمن حضر للعزاء. وقال الشافعي في المختصر: وأحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعاماً فإنه سنة.
7-إقامة السرادقات: لأخذ العزاء من العادات وليست من العبادات، والحكم عليها من قِبَل المصالح أي النفع والضرر ، والحسن والقبيح ، فإن احتيج إليها للإيواء من الشمس والبرد وللجلوس لعدم وجود مكان يتسع لمن يجئ للعزاء، فهى من المصالح المرسلة يفعلها الناس عادة ولا يتقربون بها إلى الله يفعلها البر والفاجر، والمسلم وغير المسلم وقد ثبت في البخارى ومسلم أن النبيﷺ جلس لأخذ العزاء في قتلى مؤتة. قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين : فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد قال: هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة ، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف مالا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهى كلها عدل ورحمة ومصالح وحكمة ، فكل مسألة خرجت عن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل .انتهى.
ويقول الإمام الشاطبي في الموافقات: إن مثل هذا النوع ينظر فيه على ضوء الشريعة ويجري الحكم فيه على ما تقرر في كلياتها ، ومن أمثلة ذلك ما أحدثه السلف الصالح من تدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكراً في زمن الرسول ﷺ ولم تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها وأن القصد الشرعي في مثل هذه الأمور معروف من الجهات التى ثبت لها الحكم بالنص، وعلى ذلك فمثل هذا القسم يشرع له أمر زائد يلائم تصرفات الشرع في مثله وهو المصالح المرسلة. انتهى.
المغالاة في قبور الصالحين: من المغالاة اتخاذ الناس المقابر والأضرحة موسماً من مواسمهم وعيداً من أعيادهم يشدون إليها الرحال كما تُشد لزيارة بيت الله الحرام ويبيتون عندها الليال ذوات العدد وهناك تصنع ألوان الأطعمة وتذبح الذبائح وتنصب ملاعب الصبية وتقام أسواق الباعة وفي زماننا هذا سكنوا القبور وأقاموا فيها الأفراح والليالي الملاح يأكلون ويشربون ويشاهدون التلفاز فقست القلوب ودست النفوس، وأما بعض الصوفية فأحيوا أعياد المقابر الأسبوعية ويسمونها الحضرة فمثلاً ليلة الثلاثاء ويومه للإمام الحسين ، وليلة السبت ويومه للإمام الشافعى وهكذا وبالرغم من أنه ورد النهى عن ذلك فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله "لا تجعلوا بيوتكم مقابر ولا تجعلوا قبرى عيداً وصلوا علىّ أينما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم".
والغريب أنك ترى في هذه الأعياد والاجتماعات مفاسد لايرضاها الله ورسوله فترى النساء يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ويختلطن بالرجال وترى الهزل والعبث والغناء والمداعبة وكثرة الضحك بل والقمار والميسر بأنواعه وكل الموبقات في موضع الخشية والاعتبار ويذهب الحياء ويتأذى بذلك الأموات أنفسهم في قبورهم.
ومن المفاسد أيضًا المبيت في المقابر وإيقاد السرج والشمع ونحوه على القبور فعن ابن عباس رضى الله عنهما إنه r لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج.
ومن المفاسد أيضًا تقبيل واستلام قبور الأولياء والأنبياء والعلماء والطواف حول الأضرحة فإنه لم يعهد عبادة إلا بالبيت وكذا لم يشرع التقبيل والاستلام إلا للحجر الأسود فكيف بمن يرفعون أكف الضراعة للضريح ويناجون صاحبه ويقبلون جوانبه ويتمسحون بحديده أو خشبه ويشرحون له القضايا والمهام وتقدم له العرائض وطلب الفصل فيها فهل هذا عمل مشروع يرضاه الله والرسول؟ لا والله إن أصحاب الأضرحة أنفسهم يغضبون لذلك إن كانوا من أولياء الله حقاً ولو بعثوا لنهوا عنه وأنكروا ذلك بكل وسائل الإنكار.
وأضف إلى ذلك وضع الستور على القبور وتجصيصها والبناء عليها في حريم القبر أو خارجه فيتناول البناء على نفس القبر أو بناء تحويطه وقبة عليه أو مقصورة فعن جابر رضى الله عنه أن النبى r نهى عن تجصيص القبر وأن يبنى عليه إلا إذا دعت ضرورة للبناء كأن يخشى نبش القبر من نحو آدمى أو سبع قال الإمام الشافعى في "الأم" وأحب أن لا يزاد في القبر تراب من غيره وإنما أحب أن يشخص على وجه الأرض شبراً أو نحوه وأحب أن لا يبنى ولا يجصص فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء وليس الموت موضع واحد منهما ولم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة "فأين نحن اليوم من تزيين القبور حتى تستطيع أن تفرق بين الغنى والفقير والخفير والوزير حتى أن بعضهم يكتب على القبر صفة صاحبه في الدنيا فهو الرئيس والباشا واللواء إلى غير ذلك من الألقاب والصفات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
النذور للموتى : قال العلماء لا يجوز النذر للقبور لا شمع ولا زيت ولا غير ذلك فإنه نذر معصية لا يجوز الوفاء به بالاتفاق. جاء في الدر المختار وحواشيه من كتب الحنفية ما ملخصه : "اعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقرباً إليها كأن يقول يا سيدى فلان إن رُد غائبى أو عُوفى مريضى أو قُضيت حاجتى فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا فهو بالإجماع باطل حرام لوجوه منها:
1-أنه نذر لمخلوق والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة وهى لا تكون إلا لله .
2- أن المنذور له ميت -والميت لا يملك .
3-إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى فاعتقاده ذلك كفر والعياذ بالله.
بناء المساجد على القبور : عن عائشة رضى الله عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله r كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرت ما رأته فيها فقال رسول r :"أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" .
يقول ابن القيم : اعلم أن الشيطان أول ما كاد للناس وهم على الهدى ودين الحق عبادة الأصنام والأوثان فتارة أدخلها عليهم من جهة تعظيم الموتى وتصويرهم الصور التي ينصبونها كما قص الله تعالى عنهم في كتابه في قوله (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا على مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى هلك هؤلاء القوم ونُسخ العلم فُعبدت من دون الله تعالى فأرسل الله لهم نوحاً لعبادة الله وحده فكذبوه فأهلكهم الله بالطوفان.
وهذا الذي أدى بهم إلى الشرك بالله وأنت ترى في أيامنا هذه من يقف على باب هذه المساجد التي أقيمت على القبور بخشوع وتذلل كأنه يستأذن ثم يدخل وهذا مسلك الشيعة فهم عند زيارتهم للأئمة ينادى أحدهم أدخل يا أمير المؤمنين ؟ ويقولون إن علامة الإذن رقة القلب ودمع العين.
ولذلك قال ابن حجر في الزواجر :"ويجب المبادرة لهدم المساجد والقباب التي على القبور المشرفة وتجب إزالتها وإزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ونذره" ولا شك أنه يقصد الإزالة بالطرق الشرعية التي لا يترتب عليها مفسدة وإلا قام بها الإمام ولى أمر المسلمين فيأمر أصحابها بذلك.
الصلاة في المساجد ذات القبور : شرعت الصلاة لتكون رباطاً بين العبد وربه ليستشعر عظمته مستحضراً جلاله فتخشع له جوارحه ويخلص له قلبه ويستعين به في أمره كله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
ولذلك لا يجوز للمسلم أن يكون في نفسه شيء من تعظيم غير الله ولهذا كان من أحكام الإسلام فيما يختص بأماكن العبادة تطهيرها من هذه المشاهد يقول ربنا (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ويقول (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ويقول (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) .
ولسد ذرائع الفساد قالﷺ "إن من قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إنى أنهاكم عن ذلك"، فشدد رسول الله r النهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد لأن هذا سبب انحراف الأمم السابقة عن إخلاص العبادة لله وحده.
قال العلماء: إنه لما كثر المسلمون وفكر أصحاب رسول الله r في توسيع مسجده وامتدت الزيادة إلى أن أدخلت في بيوت أمهات المؤمنين وفيها حجرة عائشة مدفن الرسول r وصاحبيه أبى بكر وعمر فبنوا على القبر حيطاناً مرتفعة تدور حوله مخافة أن تظهر القبور في المسجد فيصلى إليها الناس ويقعوا في الفتنة والمحظور.
ولذلك وجب إخفاء الأضرحة من المساجد وألا تتخذ لها أبواب ونوافذ فيها خاصة إذا كانت جهة القبلة فيجب أن تفصل عنها فصلاً تاماً بحيث لا تقع أبصار المصلين عليها ولا يتمكنون من استقبالها وهم بين يدى الله ومن باب أولى يجب منع الصلاة في نفس الضريح وقاية لعقائد المسلمين .
ولذلك رأى العلماء أن الصلاة إلى القبر أياً كان محرمة ومنهى عنها واستظهر بعضهم بحكم النهى بطلانها.
وفى المسألة كلام للعلماء إن كان القبر خلف القبلة – أى خلف المصلين – أو أمامها ومعزول عن مكان الصلاة كل ذلك له أحكامه ليس هنا مجال التفصيل فيها.
وأخيراً فإن بعض العامة يحلفون بسيدى فلان أو الولى فلان ولقد نهى عن ذلك كله فعن عمر رضى الله عنه عن النبى قال :"إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت"
والسر في النهى عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضى تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده ولذلك يروى لنا ابن عمر رضى الله عنهما أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة فقال ابن عمر لا تحلف بغير الله فإنى سمعت رسول الله r يقول:" من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" وفسر ذلك بعض العلماء قوله "كفر أو أشرك" على التغليظ كما روى أن النبى قال الرياء شرك.
كبائر يجب محاربتها: هذه كلها كبائر لا يشك في ذلك مسلم ولكن يجب أن نبين بالتى هي أحسن لنجمع ولا نفرق ونؤلف ولا ننفر فلا نقسو باسم الدين ولا نلقى الناس بالطين ونتطرف في الحكم ونغالى فيه باسم الدعوة إلى الله ويحكم بالشرك وعبادة الأصنام على الزائرين لهذه الأضرحة كيف ونحن نعلم أن هؤلاء الزائرين – كما تنطق به أحوالهم – مؤمنون بعقائد الدين كله وبفرائضه كلها ، ومؤمنون بأن النبى والولى من عباد الله خلقهما كما خلق العباد وأمدهما بأسباب الحياة وأماتهما كما يميت العباد وأنه سيبعثهم وتلك عقيدة الإيمان الحق التي لم يكن يؤمن بها عُباد الأصنام فالواجب علينا ألا نصف أصحاب القبور بالأصنام وقد يكونون من عباد الله الصالحين وما ذنبهم؟
علينا أن نبذل الجهد في تعليم من لا يعلم لا تكفيره ولا الإساءة إلى تلك الأرواح الطاهرة ثم نحى فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بقواعدها الشرعية.

ما هو التبرك .. وماذا تعرف عنه .. وما هو التبرك بين المشروع والممنوع وبمَ يكون التبرك؟

 التبرك يكون  بما عُلم شرعاً أن فيه بركة وأذن الشارع في طلبها منها والتماسها فيه، وذلك كبيت الله الحرام ، وزمزم والمساجد الثلاثة وكالأرض المقدسة ،وكمجالس العلم والذكر وقراءة القرآن ومجالسة الصالحين، وطلب دعائهم ومرافقتهم، ويقول الإمام الشاطبى "فى الاعتصام" : التبرك بغير آثار النبى ﷺ بدعة إضافية، لأن الصحابة كانوا يتبركون بآثار النبى ﷺ فقد ثبت أن الصحابة كانوا يتمسحون بفضل وضوءه ﷺ بل ويدلكون وجوههم بنخامته ﷺ بل وشربوا دم حجامته وشربت خادمة بوله عليه السلام وتبركوا بشعره وثوبه وغيرهما .
فعن أبى جحيفة قال خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة فأتى بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوءه ويتمسحون به.
 وعن السائب بن يزيد قال ذهبت بى خالتى إلى النبى ﷺ فقالت يا رسول الله إن ابن أختى وجع فمسح رأسى ودعا لى بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوءه.
وحكى القاضى عياض أن مالك بن سنان مص دم النبى ﷺ يوم أحد فقال ﷺ "لن تصيبه النار". وأن عبد الله بن الزبير شرب دم حجامته ﷺ فلم ينكر ذلك منه وأن امرأة شربت بوله ﷺ فقال لها :"لا تشتكى وجع بطنك أبداً"
قالوا إن الصحابة تبركوا بآثار الرسول ﷺ ولكنهم لم يتبركوا بآثار غيره وتركهم لذلك لسببين: 
1-أن يعتقدوا في التبرك بالرسول الله ﷺ خصوصية له ومرتبة النبوة تتسع لذلك كله فكما اختص بأشياء دون غيره اختص بالتبرك بآثاره ﷺ ولا يشاركه في ذلك أحد.
2-ألا يعتقدوا الاختصاص ولكنهم تركوا ذلك من باب سد الذرائع خوفاً من أن يجعل ذلك سنة أو لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود وقد قطع عمر  الشجرة التي بويع تحتها النبى ﷺ فقد يبالغ قوم في التبرك بالصالحين إلى حد الاعتقاد الفاسد بأنهم ينفعون ويضرون كما يحدث في زيارة أضرحة بعض الصالحين ولقد بالغ أصحاب الحلاج في التبرك به حتى ادعوا فيه الألوهية.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فالولاية وإن ظهر لها في الظاهر آثار قد يخفى أمرها فإنها في الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله فربما ادعيت الولاية لمن ليس بولى أو ادعاها لنفسه أو أظهر خارقة بطريق السحر أو الشعوذة ونحو ذلك فبهر من ذلك الجاهلون وخدعوا وظنوا في ذلك الظنون واعتقدوا فيهن اعتقاد يوشك أن يهلكهم وكل هذا لا يمنع من التبرك بالصالحين.
ولقد رد العلماء على خصوصية التبرك فقالوا:"لا دليل عليها" أما قولهم لسد الذريعة فإن اعتبار سد الذرائع في بعض الأمور لا يدل على اعتبارها في كل أمر فالشارع لم يعتبر سد الذرائع في المنع من زراعة العنب خشية استخراج الخمر منه ونحو ذلك وكذلك لم يعتبر سد الذريعة في وأد البنات وقتل الأولاد خشية الإملاق أو خشية العار.
ولو أن الشارع اعتبر مثل هذا سداً للذريعة لمنع منه بالنسبة إلى التبرك بالنبى ﷺ بالأولى لأن الأمر الذي يخشى من ترتبه على مثل هذا التبرك أقرب منه حينئذ بالنسبة إلى من عداه.
وخلص أصحاب هذا الرأى إلى أنه لا بأس بهذا التبرك في حدود الشريعة لأنه من باب حب الصالحين وهو الحب في الله وقد أمرنا بهذا الحب وورد ما يدل عليه من آثار فلا يتبرك بدم أو بول مثلاً للحكم بأنه غير طاهر ولا يمكن تسليم الخروج عن طريق هذا التبرك إلى ما يخالف الشرع كما حدث مع اتباع الحلاج فهذه عبادة وليست بالتبرك وقد ورد في الحديث الشريف ما يفيد التبرك بالأرض وريق المؤمن في قوله ﷺ "تربت أرضنا بريق بعضنا يشفى سقمنا" حديث لرسول الله ﷺ وفى الأثر "سؤر المؤمن شفاء".
وأما التمسك بما وقع من عمر  من قطع الشجرة فلا يدل على الإطلاق لأنه واقعة حال – أي حالة معينة- وعلى هذا إذا كان التبرك في حدود الشرع فلا مانع يمنع منه ولا دليل من الشرع على خصوصيته للرسول ﷺ ولم يرو عن الرسول ﷺ ما يمنع من مثل هذا التبرك وقد صح عن الربيع بن سلمان أن الإمام الشافعى  كان يتبرك بغسالة ثوب الإمام أحمد  كما ذكره صاحب الطبقات الكبرى في قصة طويلة.



الحكم على الظواهر:
وهذا التبرك نفعله على أساس ما نراه من ظاهر سلوك الصالحين لأن التعامل في نظر الشارع إنما يقوم على أساس ما نراه من الظواهر ولسنا مطالبين بالكشف عن السرائر أو التنقيب عما في القلوب فظهور الصلاح كاف في استحقاق صاحبه ما يترتب عليه من المحبة والرعاية والتوقير والمؤمن كيِس فطن (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ) ولما رواه البخارى ومسلم من قوله ﷺ "إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق عن بطونهم" ولما رواه البخارى عن عمر قال : إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحى في عهد رسول الله ﷺ "وإن الوحى قد انقطع وإنما نأخذكم بما ظهر من أعمالكم" فليس لنا أن نحكم بعد انقطاع الوحى إلا بما ظهر لنا من أعمال صالحة تدل على الإيمان والتقوى فيصبح ذلك في عداد الصالحين وهذا بحكمنا البشرى ولا شأن لنا بحكم الله فيه.
فمن هو الولى؟ الأولياء هم أهل الإيمان والتقوى (الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) في دنياهم وهم الذين تبشرهم الملائكة عند موتهم (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) فهم لا يخافون ولا هم يحزنون (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) من هم ؟ (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) .
يقول أبو هريرة: قال ﷺ "من عادى لى ولياً فقد آذنته بالحرب"، "وما تقرب إلىّ عبدى بشيء أحب إلى مما افترضته عليه وما زال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجلاه التي يمشى بها، وإن سألنى لأعطينه وإن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره إساءته" هؤلاء أولياء الله الذين يحافظون على الفرائض في أوقاتها والذين لا يقصرون في السنن الراتبة ثم يكثرون من النوافل صوماً وقياماً وإنفاقاً وعطاءاً من أموالهم هؤلاء هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فكل من آمن واتقى فهو ولي.
معنى الولاية : هي كلمة تجمع بين الخير والشر معاً (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) ولقد استعملها رسول الله ﷺ في الغالب الأعم في جانب أولياء الله كما في الحديث "من آذى لى ولياً " وقد فهمها الصحابة بهذا المعنى وهى في اللغة تعنى المحبة أو القرب أو الحماية والنصرة فالولى هو النصير.
ولقد خصصتها الصوفية والشيعة لأشخاص معينين إما من آل البيت وإما من شيعة آل البيت وإما من المتصوفة وأصبحت في الغالب والأعم عند الناس تطلق على رجل من المتصوفة أو الشريف المنتسب إلى آل البيت الذي يدعى ذلك ربما ليتكسب من وراء هذا الادعاء .
إلا أن البعض أوقفهما على الصحابة بنص القرآن لأنه وصف لمن نال محبة الله وهى غاية يسعى إليها كل مؤمن ولكن ولا ندرى من وصل إليها إلى أن يأتى اليوم التي تجادل فيه كل نفس عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ويدلنا عليها حديث رسول الله ﷺ الذي رواه عمر بن الخطاب  قال : قال رسول الله ﷺ "إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله قالوا : يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فإنا نحبهم لذلك؟ قال : هم قوم تحابوا في الله بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فو الله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ هذه الآية (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) والذي نريد أن نؤكد عليه أن للولاية شروطًا كي تتحقق في العبد الصالح.
شروط الولاية :
1-التمسك بكتاب الله والسنة .
2-الاقتداء بأقوال رسول الله ﷺ وأفعاله .
3-أن تزن الأفعال والأقوال بميزان الكتاب والسنة.
أما العلم اللدنى، الوصاية من الشيخ عند الشيعة، والعصمة والفناء وخوارق الأمور كل هذه ليست من الولاية في شيء، وصدق من قال:" إذا رأيت الرجل يمشى على الماء ويطير في الهواء ويترك ما أمر الله ورسوله فاعلم أنه ساحر أو شيطان" .
فبعض المشعوذين يترك الفرائض ويقول " وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ "ولقد آتانىاليقين فسقطت عنى الفرائض بينما اليقين هنا هو الموت يقول ربنا (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) أي الموت واسمع إلى أبى هريرة  يقول قال رسول الله  قال الله تعالى "من عادى لى ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدى بشيء أحب إلى مما افترضته عليه وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره إساءته "
هؤلاء هم الأولياء الذين يحافظون على النوافل حفاظهم على الفرائض ويتقربون إلى الله بالطاعات فيرزقون الفراسة والإلهام فلقد قال رسول الله "لقد كان فيما قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى فهو عمر" والمحدث هو الملهم.
الكرامات: الكرامة الاسم من كَرم والجمع كرامات وهى ما يكرم الرب تبارك وتعالى به عباده من أنواع الإفضالات وهى عامة لبني آدم وتتمثل فيما كرم الله به بنى آدم كلهم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) وتتمثل فيما يكرم الله تعالى به بعض عباده من هدايتهم إلى الإيمان وتوفيقهم إلى طاعته فهذه الاستقامة على الإيمان والطاعة من أعظم الكرامات وأهلها من أصحاب اليمين .
والكرامة نفاها المعتزلة وأثبتها أهل السنة وقالوا إن القرآن أثبتها فهؤلاء هم أهل الكهف مكثوا في كهفهم (ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)، وهذه مريم يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فتقول (هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ ) وقصة الخضر مع موسى عليه السلام وإن كان يرجح أنه نبى وليس ولياً ويرجح ذلك قوله تعالى (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) فهي منّة من الله ومنحة للذين آمنوا وكانوا يتقون.
سقوط الكرامة:
وتسقط المنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه بالذنوب والمعاصى لأن المولى يقول (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فعلى قدر طاعة العبد تكون منزلته عنده فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينيه فأسقطه من قلوب العباد فأصبح ساقط القدر وسقوط القدر والجاه جالب كل غم وهم وحزن لأن (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) [سورة محمد]
ذلك لأن من أعظم نعم الله على العبد أن يرفع له بين العالمين ذكره ويعلى قدره ولهذا خص أنبياءه ورسله بما ليس لغيرهم فقال تعالى (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) أى خصصناهم بخصيصة وهى الذكر الجميل الذي يذكرونه في هذه الدار وهى لسان الصدق الذي سأل إبراهيم عليه السلام (وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) ولقد قال لنبينا (ﷺ) (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) فأتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم وكل من خالفهم فإنه بعيد من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم.
ولقد قرر الإمام ابن تيمية أن لبعض الناس كرامات وأن بعضهم يجرى الله على يديه خوارق العادات ولكنهم غير معصومين من الخطأ ويقول إن الكرامة ليست أفضل من الاستقامة ولذلك كان بعض الصالحين يطلب من الله تعالى أن يهبه الاستقامة ولا يهبه الكرامة يقول أبو على الجرجانى : كن طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة، فإن نفسك منجبلة على الكرامة وذلك يتطلب منك الاستقامة.
كرامات للصحابة والتابعين : وكم للصحابة والتابعين من كرامات
* فهذا عمر على منبره ينادى سارية يقول : "يا سارية الجبل" والقصة معروفة لدرجة أن سارية سمع صوت عمر رضي الله عن الجميع.
* وهذا أسيد بن حضير روى البخارى عن أنس قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء فتحدثا عنده حتى إذا خرجا أضاءت لهما عصا أحدهما فمشيا في ضوءها فلما تفرق بهما الطريق أضاءت لكل منهما عصاه فمشيا في ضوئها.
* وهو نفسه -أُسيد بن حضير - الذي كان يقرأ سورة الكهف فنزلت عليه السكينة من السماء مثل الظلة فيها أمثال السَرَج وهى الملائكة فأخبر بذلك النبى  فقال:"لو استمر على تلاوته لاستمرت تلك السكينة واقفة عليه باقية عنده".
* وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين، وكان أبو الدرداء يأكل من صحفة فسبحت وسبح ما فيها وكان الصديق رضى الله عنه يأكل هو وأضيافه من القصعة فلا يأكلون لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها فشبعوا وهى أكثر مما كان فيها قبل أن يأكلوا.
* وأما خُبيب بن عدى رضى الله عنه لما أسره المشركون كان يؤتى إليه بقطف من العنب في غير وقته فيأكل منه.
* أما سُفَيّنة فكان في سفينة فكسرت فنزل الشاطئ على خشبة فأخذته الريح إلى غابة فوجد أسداً أمامه فخاطبه قائلاً له: أُقسم عليك أنا مولى رسول الله  فلا تقترب منى، فماذا حدث؟ فمشى معه الأسد حتى أوصله إلى مقصده ولم يصبه بأي أذى.
* وهذه امرأة من الصحابيات عُذبت حتى ذهب بصرها فقال المشركون ما أصابها هذا العمى إلا من اللات والعزى فقالت كلا والله كذبتم فعاد بصرها إليها.
 وأما التابعون فكان لبعضهم كرامات مشهودة منهم أبو مسلم الخراسانى أُلقى في النار فوجد قائماً يصلى فقال عمر بن الخطاب الحمد لله الذي لم يُمتنى حتى أرى في أمة محمد  من فُعل به كما فُعل بإبراهيم ، .
وهذا عامر بن قيس وضع رجله على رقبة الأسد فاستسلم له حتى مرت القافلة ولم يصب أحد من القافلة بسوء.
وأما مطرف بن الشِخّير كان إذا دخل بيته سبحت معه آنيته.
والكرامات التي أثبتها التاريخ الصحيح كثيرة واسألوا المجاهدين الأفغان في زماننا هذا في جهادهم الإسلامى مع الملاحدة وما رآه المجاهدون من كرامات سجلت في كتب ببركة الجهاد.
لا يملكون نفعاً ولا ضراً:
ومع هذا كله فنحن لسنا مطالبين بأن نصدق بهذه الكرامات لفرد بعينه ولا يخدش إيماننا إن سمعنا عن كرامة لفلان فلم نصدقها أو نؤمن بها فنحن نؤمن بالكرامات وإن كنا غير مطالبين بالإيمان بإسنادها لفرد بعينه.
فكم من مشعوذ دجال يستطيع أن يسحرنا بلعبه ودجله فهذا أحدهم كان يركب مركباً فسرقت لؤلؤة واتهم فيها فقال : يا حيتان البحر أقسمت عليكم أن يأتى الحوت باللؤلؤة فهذا دجل وشعوذة!!
ويحكى الإمام الغزالى عن أحدهم وكان لا يُعرف عليه صلاح ولا عبادة وكان لديه ضيف فتعرض له أسد فقال له لا تتعرض لضيفاى فهز الأسد رأسه فقال الرجل الدجال اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد ولكننا انشغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد.
مثل هذا  الدجل تسمعه ممن يقولون أن للدنيا أقطاباً أربعة السيد البدوى والسيد الرفاعى والسيد الجيلانى والسيد الدسوقى كل واحد منهم له ربع الدنيا ولا يعتدى على ربع صاحبه.فهل مثل هذا الرجل يصدقه عاقل؟
أما الكرامة فتثبت بشرائطها الشرعية كما ذكرنا.
والجدير بالذكر أنه ليس معنى الكرامة أن نعتقد أنهم يملكون الضر والنفع ذلك لأنهم لا يملكون لأنفسهم – فضلاً لغيرهم – لا نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولا يعلمون غيباً فأفضل الخلائق عند الله عز وجل يقول له ربه (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)
وهكذا تبنى العلاقات بين الأفراد على الفهم الدقيق والإيمان العميق والحب الوثيق فتجتمع القلوب وتتوحد الصفوف ويدعو المسلم لأخيه الصالح بظهر الغيب في كل ليلة وعند الغروب فيردد قول الله تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لنا ، ثم يدعو بمثل هذا الدعاء لإخوانه الصالحين "اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك وتوحدت على دعوتك وتعاهدت على نصرة شريعتك فوثق اللهم رابطتها وأدم ودها واهدها سبلها واملأها بنورك الذي لا يخبو واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك وأحيها بمعرفتك وأمتها على الشهادة في سبيلك إنك نعم المولى ونعم النصير .

الجمعة، 14 يونيو 2019

السلف بين الخروج إلى السلطان وعليه!


لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن أي مسألة دينية لم يتم الاتكاء عليها في تدعيم الاستبداد السياسي، والتحذير من معارضته والوقوف في وجهه، كما تم الاتكاء مسألة "الخروج" على "ولي الأمر" وموقف السلف أهل "السنة والجماعة" من السلطان، التي كثيرا ما تم رفعهما في وجه المعارضة السياسية من أجل تجريم فعلها المعارض وتبرير قمعها ومصادرة حقها في الكلام وفي نقد السلطان، في نوع غريب من المغالطة والخلط. 

لهذا فقد بدا لي أن أدون عن موقف السلف من "الخروج" على "ولي الأمر" وعن علاقة العالم بالسلطة، وذلك على شكل ملاحظات ثلاث:
أولها: أن "الخروج على السلطان غير الشرعي" رأي فقهي معتبر، واعتباره بدعة وضلالة ومخالفة لمنهج "أهل السنة" فيه تجن على العلمية والموضوعية وتغيب لنصف الحقيقة، فمن هم أهل السنة، حتى يكون الخروج على الحاكم الظالم الشرعي مخالفا لمنهجهم؟ أليس الصحابة هم أعرف الناس بالسنة وألزمهم لها؟ وهم الأصل الذي يتفرع عنه "أهل السنة"؟
مصطلح "ولي الأمر" تعرض لمستوى كبير من التشويه حتى أصبح يطلق على كل حاكم ولو كان هذا الحاكم تم تنصيبه من طرف أمريكا وإسرائيل، ولا يحوز أي شرط من شروط المشروعية!
إذا كان الأمر كذلك فإن "الخروج" على فاقدي الشرعية هو منهج سبط رسول الله وريحانته سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما وهو منهج ابن حواري النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن الزبير، بل هو مذهب عامة الصحابة، فلم تكن الفتنة التي وقعت في زمن عثمان والنزاع على السلطة بين فريق معاوية وفريق علي رضي الله عنهم أجمعين إلا تعبيرا عن هذا الموقف، فقد كان كل من الفريقين يرى في الآخر أنه فاقد للشرعية، وبالتالي فالموقف الشرعي يقضي بعدم إقراره في الحكم، هذه هي الخلاصة التي أشار لها ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل تلميحا لا تصريحا.

وما يقال عن إجماع فهو غير دقيق، من ناحيتين:
أولهما: أنه لو صح فهو مقابل لرأي عامة الصحابة، ورأيهم في فهم وتفسير الشريعة معتبر لا يمكن أن يلغيه أي رأي مهما كثر قائلوه، وبالتالي فالإجماع من دونهم لا يعتبر إجماعا متوافر الشروط والأركان وله قيمة الإجماع العلمية، ومن ناحية ثانية هذا الإجماع المُدَّعَى غير صحيح، فلم يخلو أي عصر من فقيه يرى القول بالخروج على الحاكم الظالم، ومن ذلك مواقف التابعين وأبرزها ما سمي في كتب التاريخ بـ"ثورة الفقهاء" وذلك لكثرة من شارك فيها من فقهاء التابعين، ومثلها مواقف أئمة المذاهب الأربعة، فموقف مالك معروف بدعم محمد النفس الزكية في الانقلاب الذي كان يعد له ضد العباسيين وفتواه بأنه "ليس على مستكره طلاق" التي فسرت على أنها تحمل في طياتها تَشْكِيْكٌ في شرعية الحكم، وتم سجنه وتعذيبه بسببها حتى انخلعت كتفه.

وموقف الإمام الشافعي وما أشيع عنه من دعم للثورة التي كان يعد لها موسى الكاظم معلوم مشهور، كما أن موقف أبي حنيفة في معارضة السلطة ورفضه تولي القضاء وما أشيع عنه من دعمه للنفس الزكية في ثورته على المنصور شهير معروف.

والصحيح في محنة خلق القرآن أنها كانت تحمل في خفاياها مواقف سياسية غير معلنة، وكان امتحان الإمام أحمد بتهمة فساد عقيدته مجرد غطاء ديني وتضليل للرأي العام عن السبب الحقيقي للمحنة -كما أو ضح ذلك الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه "المثقفون في الحضارة العربية.. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد"-، فقد أشيع أن ابن حنبل كان على صلة بالفقيه المحدث أحمد بن نصر الخزاعي الذي كان يحضر لثورة ضد العباسين فانكشفت خيوطها فتم اعتقاله وقتله، وصلبه لا بتهمة الثورة وإنما بتهمة فساد العقيدة والقول بخلق القرآن!! وقال عنه الإمام أحمد "ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له" (البداية والنهاية، ج10 ص392).

ثانيا: من الخطأ الشائع الذي يروج له علماء السلطان إطلاق مصطلح الخروج على كل فعل معارض "لولي الأمر" حتى ولو كان في أقصى درجات السلمية، والحقيقة أن الخروج في مصطلح الفقهاء يطلق على المعارضة المسلحة، "وأن لا ننازع الأمر أهله" (البخاري ومسلم)، أما المعارضة السلمية فهي تدخل في نطاق الأمر بالمعروف والنصح الذي حَرَّضَتْ عليه النصوص "وأن نقول أو نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" (البخاري ومسلم)، ولهذا نص ابن حجر على مشروعية منازعة الحاكم "في المعصية بأن ينكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف" إذا قدر على ذلك (فتح الباري، ج13 ص8).

وأما مصطلح "ولي الأمر" فقد تعرض هو الآخر لمستوى كبير من التشويه حتى أصبح يطلق على كل حاكم ولو كان هذا الحاكم تم تنصيبه من طرف أمريكا وإسرائيل، ولا يحوز أي شرط من شروط المشروعية!!
لم يكن أبو حنيفة وهو يرفض تولي القضاء في دولة المنصور إلا مُسْتَحْضِراً أن قبوله بذلك سيضفي مصداقية على شرعية المنصور المنقوصة
ليس كل من وصل إلى الحكم بالغلبة، يصبح "ولي الأمر" بالمفهوم الشرعي، ففي حديث البخاري أن من أشراط الساعة "إذا وسد الأمر إلى غير أهله..."، وهذا يدل على أن هناك سلاطين ليسوا من "أهل الأمر" لفقدهم للشرعية أو للأهلية أو لهما معا، ويؤكد هذا ما رواه الإمام أحمد "سيلي أموركم من بعدي رجال يُعَرِّفُونَكُمْ ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله"، وفي لفظ ابن أبي شيبة "فليس لأولئك عليكم طاعة".

ولهذا عَرَّفَ ابن علي الحصفكي من الحنفية البغاة بأنهم "هم الخارجون عن الإمام الحق بغير حق"، وقال ابن عرفة من المالكية في تعريف البغي بأنه "الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا". فدل ذلك على أنهم يرون أنه يوجد إمام حق وإمام غير الإمام الحق، وإمام ثبتت إمامته وإمام لم تثبت إمامته.

ثالثا: لم يكن من سمت علماء السلف وهديهم الخضوع للسلاطين المنقوصي الشرعية ومداهنتهم، بل كان السمت السائد عندهم هو التحذير من الدخول على السلاطين الظلمة ورفض تولي المسؤوليات لديهم، مثل القضاء والفتيا، ولم يكن ذلك بسبب الخوف من "الحكم بين اثنين" أو رهبة من "التوقيع عن رب العالمين" كما تصور ذلك بعض الوعاظ، وإنما كان لأجل ألا يضفي توليهم لتلك المسؤوليات مستوى من الشرعية على حكم أولئك السلاطين المنقوصي الشرعية.

فلم يكن أبو حنيفة وهو يرفض تولي القضاء في دولة المنصور إلا مُسْتَحْضِراً أن قبوله بذلك سيضفي مصداقية على شرعية المنصور المنقوصة، ولم يكن رفض ابن المسيب -قبل ذلك- أن يزوج ابنته للوليد بن عبد الملك ومبادرته بتزويجها من أحد تلامذته استباقا لأي إكراه قد يلجأ إليه عبد الملك لتزويجها من الوليد، لم يكن ذلك إلا مجانبة للسلاطين وبعدا عن أي شيء قد يضفي نوعا من الشرعية والمصداقية عليهم.

إفــلاس " المــدخــلــيــة "

إفلاس "المدخلية"

في الجزائر وبعد عقدين من سطوة "الإصلاحيين" الذين غلبوا على المساجد والأندية والجامعات، وأوشكوا أخيرا أن ينالوا الوزارات والمكاتب الفخمة التي كان يتمترس خلفها خليط من المحافظين التقليديين الذين تحول أغلبهم إلى آلة بيروقراطية متعفنة، واللائكيين المتعطشين لكل ثورة تبدأ من سيقان النساء، وتنتهي إلى علمنة شاملة.. عندما أوشكت "معركة" الصناديق أن تحسم النتائج أطلت فتنة الدماء بقرنها، وحصدت جميع الحصائل، وأحالت أحلام "الحركيين" إلى سراب. 
أبو محمد حبيب
في تلك الساعة لمع فجأة صوت جديد بدأ الناس يتلمسون مفرداته، ويسمعون حسيسه، وتكشف مع الأيام أنه تيار تغذيه أقبية سرية، وتنفخ فيه أجهزة مديدة اليد، وتدر عليه النفقات آبار لا تغور، وبدأ ذلك الهمس يكبر ويعلو، وانتفش ريشه لسببين: أحدهما تلك الدماء التي سالت غزيرة، وصار قليل من الأمن هو مهوى أفئدة الجميع، والثاني كان لافتة الطاعة العمياء التي غلفت بحزمة دينية كثيفة، وربطت البيعة في عنق كل سفاح، وأفاقت النظم المهترئة التي تتوسل الشرعية على فتح لم يكن في الحسبان، وتحالفت أعتى الشموليات السياسية مع أسوأ "بدعة" دينية ظهرت بعد سقوط الخلافة الإسلامية. 
كان الناس على موعد مع ما سمي بـ"الربيع العربي" وهو الحدث الذي أوشك أن يغير وجه المنطقة العربية بأسرها لولا التحالف المدنس بين المدخلية في "ثوبها الجديد" ودول ما يسمى بـ"الاعتدال" العربي
غيتي إيميجز

بدعة "المدخلية" التي صارت العراب الوحيد لأنظمة حكم بالية، وغارقة إلى القاع في جرائم ضد "الإنسان"، من الملكيات المحنطة ذات الصبغة "اللاهوتية" في الخليج العربي، إلى جمهوريات القمع والفساد في المشرق والمغرب، وتخففت هذه الأنظمة من وطأة التعارك مع التيارات الإصلاحية لأنها صنعت على عينها "وكيلا" دينيا مسرفا في التنكيل بالخصوم، بيده سوط رهيب قوامه التبديع والتفسيق والتكفير، والتصنيف والهجر، مستعينا بكل تراث التقاطع والتدابر والتباغض الذي كتب على هامش المعارك المذهبية والكلامية، ونسجت المدخلية شبكة غريبة تتداخل فيها العقيدة "الحدية" التي تدرس بكل مفردات الضلال والشرك والولاء والبراء في حق الخصوم الألداء من الجماعات الدينية ذات المشرب السياسي خاصة، والسمع والطاعة والتزكية والدعاء بالصلاح وتفخيم البيعة، وتحريم الانكار العلني وعده من الكبائر في حق "الولاة" والحكام وأعوانهم.
وتمددت المدخلية تحت خلطة "دينية-سياسية" عجيبة أعطبت أغلب الأفكار الثورية التي نشأت في أرحام الشعوب، وتحولت في أيدي أنظمة القمع إلى "مبيد" سحري يفتك بجميع المعارضين، فهي تخرج ورقة "التكفير" في وجه اليساريين وأشباههم، وتحد شفرة "التبديع" في وجه ما يسمى بـ"الإسلام السياسي"، وخير شاهد على ذلك حدثان كبيران، أولهما "تكفير" صدام حسين وما أتبعه من صدور فتوى جواز الاستعانة بـ"الكفار" في حرب الخليج الأولى، وتبارى يومئذ طيف المدخلية بواجهتيه "العلمية" و"الأمنية" وهو في أقوى مظاهر تماسكه وانسجامه في حشد الأدلة دعما لعاصفة الصحراء، وانتهت حرب "تحرير" الكويت باحتلال "شبه جزيرة العرب" من قبل أمريكا وعملائها، ووقفت المدخلية خانعة أمام القواعد العسكرية الأمريكية التي أحاطت بـ"مكة" و"المدينة" في مشهد لم يحدث منذ تهاوي الجاهلية الأولى.

تحالف "آل سعود" و"آل الشيخ" وبشروا على غير العادة التاريخية ببناء دولة ذات جناحين "سياسي" و"ديني" في ود وانسجام
رويترز

بعد عشرين سنة كان الناس على موعد مع ما سمي بـ"الربيع العربي" وهو الحدث الثاني الذي أوشك أن يغير وجه المنطقة العربية بأسرها لولا ذلك التحالف المدنس بين المدخلية في "ثوبها الجديد" ودول ما يسمى بـ"الاعتدال" العربي (الإمارات والأردن والسعودية ومصر) وأخرجت المدخلية جميع خبثها وشررها، حتى قال أحد عوراتها وأكبر "سبَّابة" أنجبته مدرسة اللعن والفحش المدخلي: "الإخوان المسلمون أنجس خلق الله"، وفتحت الدول الغنية خزائنها وأرصدتها لمرتزقة "العسكر" ليخوضوا ثورات مضادة، وفتح حليفها "المدخلي" ألسنته وأقنيته وجميع ما بين يديه من عدة وعتاد لتشويه "الحركيين والإصلاحيين" بمختلف ألوانهم وتنظيماتهم، وبارك منتشيا مزهوا "مذبحة رابعة" التي نقلت مشاهدها في بث حي تتساقط فيه جثث الأطفال والنساء. وهو العار الذي سيبقى إلى الأبد على جبين المدخلية.

في نهاية المطاف تحول الأمر إلى خليط يجمع كل أصناف التنافر، وصار الحليف "الديني" الذي قدم خدمات كبيرة لأكثر الأنظمة شمولية وتخلفا ورجعية وقهرا يبدو بمظهر "العائق" أمام رياح "العلمنة" التي يبشر بها الحكام "الغلمان" ومكاتب التجريف الديني التي تعمل تحت إشرافهم، ويتخذون من "السلفية" بمختلف أسمائها عدوا لدودا، وخصما لابد من الحاق الهزيمة به حتى ولو كان في صورة "الخنوع" والذلة التي آل إليها التيار المدخلي، ويستعين في ذلك ببعض الوجوه التي اتخذت الميدان الديني سوقا للبيع والشراء، فهي ألوان تالفة من بقايا الطرقية والأشعرية والحداثية يمثلها بعض طلاب الرزق قريبا من آبار النفط.

وتوشك أن تكون الضربة القاضية التي يتلقاها المداخلة في عقر دارهم حيث نبتوا وزرعوا وقويت شوكتهم، وارتفعت عقائرهم تبديعا وتفسيقا وتخوينا، حيث تحالف "آل سعود" و"آل الشيخ" وبشروا على غير العادة التاريخية ببناء دولة ذات جناحين "سياسي" و"ديني" في ود وانسجام لم تنقل له صورة ناجحة من تاريخ الأمة .. وقد آن الأوان أن يفك هذا التحالف الذي عمر بسبب توالي الهوان والخنوع الذي تبرع به بسخاء أصحاب "الحق الديني" إلا أن "القبيلة" السياسية ذات الطبيعة التسلطية -كما هو شأنها تاريخيا- يبدو أنها ضاقت ذرعا بالطيلسان الديني القاتم والمتشدد، وهي الآن تخطو خطوات تسابق بها الزمن لتتخلص من آصار وأغلال "التراث النجدي" بكل أحماله وأثقاله، ونسخته الرديئة التي تجسدت في التيار المدخلي.


صحيح أن تيار العلمنة الجارف يستهدف ما هو أكبر من "المدخلية"، وهو "الإسلام" بشعبه وقطعياته وثوابته وأركانه، وهو شيء لا يخفى على بقية الأطياف الإسلامية
وكالة الأنباء الأوروبية

بل إنها توشك أن تتنكر للقطعيات والثوابت التي ظلت عنوان التميز في هذه المملكة التي تساكن الربع الخالي جغرافيا وفكريا، وكما حدث في كل ثورات "التمدن" مشرقا ومغربا فإن عمود الإنهاك الذي تهزم به أفكار "الدين" هو دائما موضوع "المرأة" حشمتها وحجابها أو عريها وتبرجها هو أعتى المعارك وأقواها عند شيطان "الحداثة". فقد كان الحديث في أوائل القرن الماضي هو "سفور" المرأة ثم تدرج قليلا قليلا ووصل أخيرا إلى مساواتها بالرجل في كل شيء كالميراث والزواج من غير المسلم. وهلم فسقا وحداثة.

وكذلك تطل هذه الأيام هزيمة المداخلة في جزيرة العرب في "قضيتهم" الأولى التي طالما تفاخروا بها، وهي سلة المحرمات التي جعلوها خاصة بـ"المرأة"، ثم انكسرت حدة التحريم فرضوا بمشاركتها في الانتخابات (التي كانت حراما على الرجال والنساء معا) ثم سكتوا عند اختيار الخمس من النساء في عضوية مجلس الشورى. ودوى أخيرا في سماء المملكة خبر سقط كالصاعقة على رؤوس المدخلية وهو السماح للمرأة بقيادة "السيارة" .. وهو الشيء الذي لا يمكن أن يكون الأخير في سلسلة مداهمات لأوكار المداخلة الذين يغطون في هوان لا يحسدون عليه، صحيح أن تيار العلمنة الجارف يستهدف ما هو أكبر من "المدخلية"، وهو "الإسلام" بشعبه وقطعياته وثوابته وأركانه، وهو شيء لا يخفى على بقية الأطياف الإسلامية، ولكنه يمعن في إهانة وعزل أقرب حلفائه وألصقهم به دينيا وتاريخيا، وهو مُصِر هذه المرة أن يدخله متحف الأدوات القديمة من دون رجعة.

التيار المدخلي الذي بذل الفتاوى بسخاء في كسر عظام خصومه، يبدو أنه وقع بين فكي قوة أخرى لا ترحم الجميع، وكما قتل جميع الحركات بآلته الرهيبة التي تسمى "الجرح والتجريح" فهو الآن تحت آلة أشد رهبة ينتظر الناس إفلاسه وتوزيع تركته على ورثة آخرين ..