الخميس، 7 يوليو 2022

جمع الصلاة في المطر

 جمع الصلاة في المطر

إنّ الصلاة عهد وميثاق غليظ وهي أمانة ثقيلة ورابطة متينة بحيث إذا حسنت تلك الرابطة انعكست آثارها على سلوكيات الفرد وأخلاقياته وتصرفاته.
وممّا يؤكّد ذلك ما رَواه الطبرانِيُّ بسنده مرفوعاً: “أَوَّل ما يُحَاسَبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصلاة، فإنْ صَلحَتْ صَلحَ لَهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وإِنْ فسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ” أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (1929).
أي أنّ الذي لا يُصلِحُ صَلاَتَهُ من حيث الحفاظ على هيئاتها وآدابها وأركانها وشروطها دَخَلَ الخلل إلى سائرِ أعمالِهِ، ومَن كَانَتْ صَلاتُهُ تامة كاملة فإنّ أنوار وروحانية صلاته تنعكس على تصرفاته الفعلية والقولية على حدّ سواء.
أولاً:حكم الجمع بين الصّلوات بسبب البَرْد بين الظهر والعصر: اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على عدم جواز الجمع بسبب البَرْد بين الظهر والعصر.
ثانيا: الجمع بين الصلوات بسبب البَرْد بين المغرب والعشاء: اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على عدم جواز الجمع بسبب البَرْد بين المغرب والعشاء.
ثالثاً: حكم الجمع بين الظهر والعصر بسبب الرياح الشّديدة والوحل والطين والظلمة: اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على عدم جواز الجمع بين الظّهر والعصر بسبب الرياح الشّديدة والوحل والطين والظلمة.
رابعاً: حكم الجمع بين المغرب والعشاء بسبب الرياح شديدة: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى عدم جواز الجمع بين المغرب والعشاء بسبب الرّياح الشّديدة.
خامساً: حكم الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر: انفرد المذهب الشافعي بجواز الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر ولو كان يوم جمعة بشروط وقيود شديدة يجب الإلتزام بها وعدم التفريط بشرط منها، وإلاّ حرم الجمع وبطلت الصلاة بالإتفاق لأنّها لا تستقر حينئذ على مذهب فقهي،
ومع ذلك نصّ المذهب الشافعي على عدم استحباب الجمع بين الظهر والعصر ولو توفرت الشروط خروجاً من خلاف الجمهور.
حيث قد اشترط الشافعية للجمع بين الظهر والعصر: أن يكون المطر موجوداً عند تكبيرة الإحرام فيهما (أي الظهر والعصر) وعند السلام من الصلاة الأولى حتى تتصل بأول الثانية ولا يضر انقطاع المطر في أثناء الأولى أو الثانية أو بعدهما.
وصفة المطر الذي يبيح الجمع عند الشافعية هو ما يبلّ أعلى الثوب أو أسفل النعل ومثل المطر الثلج والبَرَد.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :
أولاً: يجب أن نعلم أن أوقات الصلوات محددة من قبل الله ورسوله, أما من قبل الله فقد قال الله تعالى: ((إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ))[النساء:103] محدداً, وقال تعالى: { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } [الإسراء:78]، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد بين ذلك بياناً واضحاً صريحاً, فوقت الظهر من كذا إلى كذا، ووقت العصر من كذا إلى كذا، ووقت المغرب من كذا إلى كذا، ووقت العشاء من كذا إلى كذا، ووقت الفجر من كذا إلى كذا، مفصلاً ومبيناً غاية البيان, والأصل وجوب الصلاة في وقتها, فمن صلّى قبل الوقت ولو بتكبيرة الإحرام فصلاته نفل إن كان جاهلاً يظن أن الوقت قد دخل, وإن كان متعمداً فهو متلاعب فصلاته باطلة مردودة عليه, ولو صلّى قبل الوقت بتكبيرة الإحرام فقط, كيف لو صلّى كل الصلاة قبل الوقت؟!! فمن صلّى قبل الوقت فإن كان عالماً أنه لم يدخل الوقت فهو متلاعب وصلاته باطلة مردودة, ومن جهل وظن أنه قد دخل فصلاته نافلة وعليه أن يعيدها بعد دخول الوقت, ومن صلّى بعد الوقت فكذلك, إن تعمد فصلاته باطلة ولا تقبل منه, لو صلّى ألف مرة, وإن كان لعذر كالنسيان والنوم والجهل أيضاً بالوقت؛ يظن أنه لم يخرج فصلاته صحيحة, هذا هو الأصل.
ولا يجوز للإنسان أن يجمع جمع تقديم أو جمع تأخير إلا بعذر شرعي, والعذر الشرعي مبين ضابطه ما أشار إليه عبد الله بن عباس رضي الله عنه حين قال: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء, من غير خوف ولا مطر, قالوا: ما أراد من ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته ) أي: ألا يلحقها الحرج, وعلى هذا فالضابط في الجمع: أن يكون في تركه حرج على الناس, وأن يكون في تفريد الصلاة كل صلاة في وقتها حرج ومشقة, فهذا الضابط، إذا كان هناك حرج ومشقة فإنه يجمع, وإذا لم يكن هناك حرج ولا مشقة فإنه لا يجوز الجمع, ومن جمع تقديماً فعليه إعادة الصلاة التي صلاها قبل الوقت.
وفي بعض البلدان يكون المطر نازلاً بغزارة وفي هذا حرج أن يذهب الناس إلى المسجد, فتبتل ثيابهم, ويتأذون، فهذا حرج, أو يكون المطر واقفاً لكن الأسواق وحلة أي: زلق, أو نقع الماء كثيرة فتؤذي الناس فهذا أيضاً حرج، فيجمع, أما بدون ذلك فلا يجوز, ولهذا نأسف أن بعض الناس الذين يقولون: نتمسك بالسنة يغلطون في هذه المسألة, ويظنون أن الجمع جائز لأدنى سبب, وهذا خطأ, ثم يجب أن نقول: إذا علمنا أنه لا حرج في ترك الجمع صار الجمع حراماً, وإذا علمنا أن في تركه حرجاً صار الجمع جائزاً بل سنة, وإذا شككنا صار الجمع حراماً؛ لأن الأصل وجوب فعل الصلاة في وقتها, فلا نعذر عن هذا الأصل إلا بأمر متيقن . . .
ثم إني أقول لكم يا إخواني: لا تظنوا أن الجمع رخصة عند كل العلماء, حتى الذين يقولون: إنه يجوز، يقولون: تركه أفضل, لكننا نحن نرى أنه إذا وجد السبب ففعله أفضل, وهناك مذهب يمثل ثلاثة أرباع الأمة الإسلامية لما كانت الخلافة في الأتراك وهم على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله وهو يرى أنه لا جمع مطلقاً إلا في موضعين: في عرفة و مزدلفة ؛ لأجل النسك, وإلا فلا جمع في السفر أو المرض أو المطر ولا غير ذلك, فلا تظن أن المسألة سهلة, المسألة صعبة . . .
فخلاصة الجواب: إذا تحقق العذر فالجمع أفضل, وإذا علمنا أنه لا عذر فالجمع حرام,وإذا شككنا فالجمع حرام؛ لأن الأصل هو وجوب فعل الصلاة في أوقاتها. إنتهى
قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه المغني: (والمطر المبيح للجمع هو: ما يبل الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه، وأما الطَّلُّ والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب فلا يبيح، والثلج كالمطر في ذلك؛ لأنه في معناه، وكذلك البَرَد).
قال الإمام النووي الشافعي في كتابه المجموع: (ولا يجوز الجمع إلا في مطر يبل الثياب، وأما المطر الذي لا يبل الثياب فلا يجوز الجمع لأجله)، وقال أيضًا: (والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره: يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بُعد، ويتأذى بالمطر في طريقه).
قال الشيخ الآبي المالكي في كتابه الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني: (فالمطر سبب للجمع بين المغرب والعشاء، على القول المشهور؛ بشرط أن يكون وابلًا؛ أي: كثيرًا، وهو الذي يحمل أواسط الناس على تغطية الرأس، وسواء كان واقعًا أو متوقعًا، ويمكن علم ذلك بالقرينة، ومثل المطر: الثلج والبَرَد).
وقال الشيخ ابن عثيمين: (إذا كان هناك مطر يبل الثياب لكثرته وغزارته، فإنه يجوز الجمع، فإن كان مطرًا قليلًا لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز؛ لأن هذا النوع من المطر لا يلحق المكلف فيه مشقة، بخلاف الذي يبل الثياب، ولا سيما إذا كان في أيام الشتاء، فإنه يلحقه مشقة من جهة البلل، ومشقة أخرى من جهة البرد، ولا سيما إن انضم إلى ذلك ريح، فإنها تزداد المشقة، فإن قيل: ما ضابط البلل؟ فالجواب: هو الذي إذا عصر الثوب تقاطَرَ منه الماء).
سئل كذلك الشيخ ابن عثيمين: إذا كان مطر ولكن شككنا هل هو مطر يبيح الجمع أو لا؟ فأجاب فضيلته: (لا يجوز الجمع في هذه الحال؛ لأن الأصل وجوب فعل الصلاة في وقتها، فلا يعدل عن الأصل إلا بيقين العذر، فاتقوا الله عباد الله، والتزموا حدود الله، ولا تتهاونوا في دينكم، واسألوا العلماء قبل أن تُقدِموا على شيء تحملون به ذممكم مسؤولية عباد الله في عبادة الله، واعلموا أن الأمر خطير، وأن الصلاة في وقتها أمر واجب بإجماع المسلمين، وأما الجمع فرخصة حيث وجد السبب المبيح: إما مباح وفعله أفضل، أو مباح وتركه أفضل، وما علمت أحدًا من العلماء قال: إنه واجب، فلا تعرضوا أمرًا أجمع العلماء على وجوبه - يقصد أداء الصلاة في وقتها - لأمر اختلف العلماء في أفضليته - يقصد الجمع - اللهم وفِّقْنا للعمل لما يرضيك عنا، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، وصالحين مصلحين، إنك جَوَاد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين).
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (ولا يجمع إلا والمطر مقيم في الوقت الذي يجمع فيه، فإن صلى إحداهما ثم انقطع المطر لم يكن له أن يجمع الأخرى إليها، وإذا صلى إحداهما والسماء تمطر ثم ابتدأ الأخرى والسماء تمطر ثم انقطع مضى على صلاته؛ لأنه إذا كان له الدخول فيها كان له إتمامُها).
وقد قالوا عن حديث ابن عباس ، رضي الله عنهما ، والذي جاء فيه أنّ النّبيّ  جمع بين صلاتين من غير عذر :
أن أبا الشعثاء وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال بالجمع الصوري، وتفسير راوي الحديث مقدم على غيره، فعن سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا»، قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ، قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ . وهذا الأثر نص في حمل الحديث على الجمع الصوري باعتبار أن أوقات الصلوات أوقات موسعة وليست مضيقة، ففي أي أجزائها أوقع الفعل برئت الذمة، وإنما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يحرج أمته في التزامها بوقت محدد، وفي ذلك من المشقة ما لا يطيقه الإنسان، والشريعة جاءت لرفع المشاق والأغلال.
- كذلك مما يعضد ذلك أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعيين وتحديد لوقت الجمع، فإما أن تحمل على ظاهرها فيقتضي منها تجويز إخراج الصلاة عن وقتها وهو لا يجوز، أو نحمل الحديث على صفة مخصوصة تقتضي الجمع بين الأحاديث وهو أولى؛ ولن يكون ذلك إلا بالجمع الصوري.
وهناك أحاديث صريحة نصت على عدم إخراج الصلاة عن وقتها، وأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخر صلاة عن وقتها من غير عذر؛ قال الإمام الشوكاني رحمة الله عليه:" ومما يدل على تعيين حمل حديث الباب على الجمع الصوري ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء» فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري...
ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري ما أخرجه مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود قال: « مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا » فنفى ابن مسعود مطلق الجمع وحصره في جمع المزدلفة، مع أنه ممن روى حديث الجمع بالمدينة...وهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة صوري، ولو كان جمعا حقيقيا لتعارض روايتاه، والجمع ما أمكن المصير إليه هو الواجب.
ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري أيضا ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال:« خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما» وهذا هو الجمع الصوري، وابن عمر هو ممن روى جمعه - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه".
فليتق الله أناس في تساهلهم العظيم في أمر الصلاة ، والتي هي أعظم ركن الإسلام بعد الشهادتين .
فهذا التساهل المفرط – ولاسيما في أمر الصلاة – يدل دلالة واضحة على خواء القلب من التقوى وخشية الله تعالى .
وقد قال الله تعالى : ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) .

الثلاثاء، 5 يوليو 2022

الاضحية بغير بهيمة الانعام ؟

 

💥الاضحية بغير بهيمة الانعام 🐏🐄🐪🐃
السؤال: شيخنا في ظل تفشي مرض الحمى النزفية بين المواشي، فهل تجوز الأُضْحِيَّة بغير بهيمة الأنعام من الابل والبقر والغنم ؟ بارك الله فيكم
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
👈فقد اتفق جمهور الفقهاء على أن الأُضْحِيَّة لا تكون الا من بهيمة الأنعام، وهى الإبل سواء كانت عربية أو غير ذلك من أصناف الإبل، والبقر والجواميس الأهلية بأنواعها، والغنم: ضأنا كانت أو معزا، ويجزئ من كل ذلك الذكور والإناث، فمن ضحَّى بحيوان مأكول غير الأنعام، سواء أكان من الدواب أم الطيور، لم تصح تضحيته به، فيكون صدقة من الصدقات.
قال الامام برهان الدين المرغيناني الحنفي في بداية المبتدي [1/220]:(والأضحية من الإبل والبقر والغنم).
وفي كتاب الاصل للإمام محمد بن الحسن الشيباني [5/411] : (أرأيت الرجل يضحي بالبقرة من بقر الوحش أو بظبي وحش أو حمار وحش؟ قال: لا يجزئ شيء من هذا في الأضحية ولا في غيرها، قلت: ولمَ؟ قال: لأن الوحش لا يضحى بها ولا تجزئ).
قال الامام أبو حامد الغزالي في الوسيط [7/132] : (الركن الأول الذبيح النظر في جنسه وصفته وقدره، أما الجنس فلا يجزىء إلا النعم وهو الإبل والبقر والغنم).
وقال الإمام النووي في المجموع [8/392]: (ولا يجزئ في الأضحية إلا الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم لقول الله تعالى: { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } ...... ونقل جماعة إجماع العلماء عن التضحية لا تصح إلا بالإبل أو البقر أو الغنم فلا يجزئ شيء من الحيوان غير ذلك).
وقال الامام ابن قدامة المقدسي في المغني [9/440] : (ولا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام، وإن كان أحد أبويه وحشيا، لم يجزئ أيضا. وحكي عن الحسن بن صالح أن بقرة الوحش تجزئ عن سبعة، والظبي عن واحد).
👈وقد حكي الإجماع على ذلك الإمام ابن عبد البَّر القرطبي المالكي في الاستذكار [5/321] فقال: (وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية إلا من شذ ممن لا يعد خلافا).
وحكى الاجماع كذلك الامام ابن رشد في بداية المجتهد [2/193] : (وكلهم مجمعون على أنه لا تجوز الضحية بغير بهيمة الأنعام إلا ما حكي عن الحسن بن صالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، والظبي عن واحد).
واستدل الفقهاء على أن الأضحية لا تكون إلا ببهيمة الأنعام بما يأتي:
1- قال الله تعالى : { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } [الحج : 27- 28].
و(بهيمة الأنعام) هي: كل أصناف الأنعام ، من الإبل والبقر والغنم التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا .
قال الامام القرطبي في تفسيره : (وأما "النعم" فإنها عند العرب ، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة ، كما قال جل ثناؤه: { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [ سورة النحل : 5 ] ، ثم قال: { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} [سورة النحل : 8 ] ، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان) .
2- وقوله تعالى : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ } [الحـج:34 ].
وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم من ضأن ومعز ، وجزم به ابن كثير وقال : قاله الحسن وقتادة وغير واحد ، قال ابن جرير الطبري : وكذلك هو عند العرب.
3- وعن البراء بن عازب -رضي الله عنهما-- قال: (خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: "من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فإنه قبل الصلاة ولا نسك له»، فقال أبو بردة بن نيار خال البراء: يا رسول الله، فإني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي وتغديت قبل أن آتي الصلاة، قال: "شاتك شاة لحم" قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقا لنا جذعة هي أحب إلي من شاتين، أفتجزي عني؟ قال: "نعم ولن تجزي عن أحد بعدك") متفق عليه.
ففهم الرجل من أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بالذبح أنها بهيمة الأنعام, وكل حديث فيه ذكر الأضحية يأتي المفهوم منها أنها بهيمة الأنعام، وهو الذي نصت عليه الآية الكريمة.
وفيه ايضا دلالة أن تغير سن الأضحية من بهيمة الأنعام يجعلها لا تجزئ. فكيف بمن ذبح غيرها من الحيوانات.
4- وعن جابر بن عبدالله-رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ((لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن)) رواه مسلم. ولو كان هناك شيء آخر لذكره الرسول صلي الله عليه وسلم.
👈وذهب الامام ابن حزم الظاهري إلى أن الأضحية يجزئ فيها كل ما يحل أكله من طائر وذي أربع مباح.
فقال في المحلى[ 6/30 ]: (والأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع، أو طائر، كالفرس، والإبل، وبقر الوحش، والديك، وسائر الطير والحيوان الحلال أكله، والأفضل في كل ذلك ما طاب لحمه وكثر وغلا ثمنه). واستدل بآثار ضعيفة عن بعض الصحابة والتابعين.
ويمكن توجيه ما ذهب اليه ابن حزم لمن يعيش في بلاد تعد الحيوانات التي تعيش في بيئتهم ومناخهم من جنس بهيمة الأنعام فيجوز أن يضحى به ، مثل حيوان اللاما وهو حيوان له شعر كثيف ورقبة طويلة ويشبه الجمل الصغير، ولكن ليس له سنام يعيش في امريكا الجنوبية.
او يكون الحيوان الذي عندهم ليس من جنس بهيمة الأنعام مثل سكان الاسكيمو والقطبين عندهم البطريق او مما يعد من فصائل الغزلان كالرنة والأيل والموظ، ولا يجدون غيرها ، فيضحي بها المسلمون هناك خيرا من عدمها.
ويمكن ان يقال ان هؤلاء الناس الذين لا يجدون بهيمة الانعام معذورون وتسقط عنهم الاضحية، ولهم اجرها مع النية الصادقة .
👍المفتى به:
هو ما اجمع عليه الفقهاء من السلف والخلف من أن الأُضْحِيَّة لا تكون الا من بهيمة الأنعام، وهى الإبل سواء كانت عربية أو غير ذلك من أصناف الإبل، والبقر والجواميس الأهلية بأنواعها، والغنم: ضأنا كانت أو معزا، ويجزئ من كل ذلك الذكور والإناث، ولم يثبت بحديث صحيح صريح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أو أحد من الصحابة الكرام التضحية بغير بهيمة الأنعام ، وعليه فلا يجوز العدول عن التضحية ببهيمة الانعام الى غيرها بسبب الخوف من انتشار مرض الحمى النزفية او باي سبب أخر كعدم توفرها أو نُدرت وجودها.
والمسلمون الذين يعيشون في مناطق لا توجد فيها بهيمة الانعام فهم معذورون وتسقط عنهم الاضحية، ولهم اجرها مع النية الصادقة . والله تعالى اعلم
✍️د. ضياء الدين عبدالله الصالح

الجمعة، 1 يوليو 2022

حكم حج المرأة بلا محرم؟

 حج المرأة بلا محرم


السؤال: امرأة وجب عليها الحج، وهي صحيحة الجسم، ولديها المال الكافي لنفقات حجها، ولكن لم يتيسر لها زوج أو محرم تحج معه. فهل يجوز لها أن تحج في رفقة بعض المسلمين أو المسلمات، مع ملاحظة أن الطرق الآن أصبحت آمنة، ولم يعد في السفر مخاطرة كما كان من قبل؟ أم يجب عليها تأخير الحج إلى أن يتهيأ لها المحرم؟
الفتوى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
الأصل المقرر في شريعة الإسلام ألا تسافر المرأة وحدها، بل يجب أن تكون في صحبة زوجها، أو ذى محرم لها.
ومستند هذا الحكم ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم".
وعن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم". وعن أبي سعيد عنه صلى الله عليه وسلم: "لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذى محرم". وعن ابن عمر: "لا تسافر ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم".
والظاهر أن اختلاف الروايات لاختلاف السائلين وسؤالهم، فخرجت جوابًا لهم، غير أن أبا حنيفة رجَّح ابن عمر الأخير، ورأى أن لا يعتبر المحرم إلا في مسافة القصر. وهو رواية عن أحمد. وهذه الأحاديث تشمل كل سفر، سواء كان واجًبا كالسفر لزيارة أو تجارة أو طلب علم أو نحو ذلك.
وليس أساس هذا الحكم سوء الظن بالمرأة وأخلاقها، كما يتوهم بعض الناس؛ ولكنه احتياط لسمعتها وكرامتها، وحماية لها من طمع الذين في قلوبهم مرض، ومن عدوان المعتدين من ذئاب الأعراض، وقطّاع الطرقات، وخاصة في بيئة لا يخلو المسافر فيها من اجتياز صحار مهلكة، في زمن لم يسد فيه الأمان، ولم ينتشر العمران.
ولكن ما الحكم إذا لم تجد المرأة محرمًا يصحبها في سفر مشروع: واجب أو مستحب أو مباح؟ وكان معها بعض الرجال المأمونين، أو النساء الثقات، أو كان الطريق آمنًا.
لقد بحث الفقهاء هذا الموضوع عند تعرضهم لوجوب الحج على النساء. مع نهي الرسول صلى الله عليه وسلم أن تسافر المرأة بغير محرم..
(أ) فمنهم من تمسك بظاهر الأحاديث المذكورة، فمنع سفرها بغير المحرم، ولو كان لفريضة الحج، ولم يستثن من هذا الحكم صورة من الصور.
(ب) ومنهم من استثنى المرأة العجوز التي لا تُشتهى، كما نقل عن القاضي أبي الوليد الياجي، من المالكية، وهو تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، كما قال ابن دقيق العيد، يعني مع مراعاة الأمر الأغلب.
(ج) ومنهم من استثنى من ذلك ما إذا كانت المرأة مع نسوة ثقات. بل اكتفى بعضهم بحرة مسلمة ثقة.
(د) ومنهم من اكتفى بأمن الطريق. وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. ذكر ابن مفلح في "الفروع" عنه قال: تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال: إن هذا متوجه في كل سفر طاعة.. ونقله الكرابيسي عن الشافعي في حجة التطوع. وقال بعض أصحابه فيه وفي كل سفر غير واجب كزيارة وتجارة.
ونقل الأثرم عن الإمام أحمد: لا يُشترط المحرم في الحج الواجب. وعلّل ذلك بقوله: لأنها تخرج مع النساء، ومع كل من أمنته.
بل قال ابن سيرين: مع مسلم لا بأس به.
وقال الأوزاعي: مع قوم عدول.
وقال مالك: مع جماعة من النساء.
وقال الشافعي: مع حرة مسلمة ثقة. وقال بعض أصحابه: وحدها مع الأمن.
قال الحافظ ابن حجر: والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات. وفي قول: تكفي امرأة واحدة ثقة. وفي قول نقله الكرابيسي وصححه في المهذب تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنا.
وإذا كان قد قيل في السفر للحج والعمرة، فينبغي أن يطرد الحكم في الأسفار كلها، كما صرح بذلك بعض العلماء؛ لأن المقصود هو صيانة المرأة وحفظها وذلك متحقق بأمن الطريق، ووجود الثقات من النساء أو الرجال.
والدليل على جواز سفر المرأة من غير محرم عند الأمن ووجود الثقات:
أولًا: ما رواه البخاري في صحيحه أن عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن، فقد اتفق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم ينكر غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك. وهذا يعتبر إجماعًا.
ثانيًا: ما رواه الشيخان من حديث عدي بن حاتم، فقد حدثه النبي صلى الله عليه وسلم عن مستقبل الإسلام وانتشاره، وارتفاع مناره في الأرض. فكان مما قال: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة (بالعراق) تؤم البيت لا زوج معها، لا تخاف إلا الله… الخ". وهذا الخبر لا يدل على وقوع ذلك فقط، بل يدل على جوازه أيضا؛ لأنه سيق في معرض المدح بامتداد ظل الإسلام وأمنه.
هذا ونود أن نضيف هنا قاعدتين جليلتين:
أولًا: أن الأصل في أحكام العبادات والمعاملات هو الالتفات إلى المعاني والمقاصد بخلاف أحكام العبادات، فإن الأصل فيها هو التعبد والامتثال، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد. كما قرر ذلك الإمام الشاطبي ووضحه واستدل له.
الثانية: إن ما حُرِّم لذاته لا يباح إلا للضرورة، أما ما حُرِّم لسد الذريعة فيباح للحاجة. ولا ريب أن سفر المرأة بغير محرم مما حُرِّم سدًا للذريعة.
كما يجب أن نضيف أن السفر في عصرنا، لم يعد كالسفر في الأزمنة الماضية، محفوفًا بالمخاطر لما فيه من اجتياز الفلوات، والتعرض للصوص وقطاع الطرق وغيرهم، بل أصبح السفر بوساطة أدوات نقل تجمع العدد الكثير من الناس في العادة، كالبواخر والطائرات، والسيارات الكبيرة، أو الصغيرة التي تخرج في قوافل. وهذا يجعل الثقة موفورة، ويطرد من الأنفس الخوف على المرأة؛ لأنها لن تكون وحدها في موطن من المواطن.
ولهذا لا حرج أن تحج مع توافر هذا الجو الذي يوحى بكل اطمئنان وأمان. وبالله التوفيق

هل يجوز افراد يوم الجمعة بصوم لسبب؟!

 

افراد يوم الجمعة بصوم لسبب
السؤال: شيخنا سيوافق بإذن الله تعالى يوم عرفة هذا العام يوم الجمعة ، فهل يجوز صومه منفردا؟ جزاكم الله خيرا
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
👈فقد أجمع العلماء على أن صوم يوم عرفة لغير الحاج من السُنّة ومن أفضل الاعمال في هذه الأيام، لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم : (( صيام يوم عرفه أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)).
وقد بينتُ في فتوى سابقة خلاف العلماء في افراد يوم السبت او الجمعة بصيام مع ذكر ادلتهم وهي منشورة ويمكن ان تراجع. وسأذكر هنا مختصرا المفتى به في هذه المسألة الخلافية :-
👈وهو ما ذهب اليه جمهور العلماء بجواز افراد يوم الجمعة بصيام بلا كراهة ،اذا كان بسبب أو مناسبة ، وكراهة ذلك من غير مناسبة خاصة ، بان يوافق يوماً يعتاده، مثل ان يصوم يوماً ويفطر يوما، أو وافق يوم عرفة، أو عاشوراء ، فيصومه بنيّة عاشوراء أو عرفة وليس بنيّة أنه يوم الجمعة أو السبت، وكذا إن وجد سبب آخر كمن نذر أن يصوم يوماً يقدم فيه غائبه أو يشفى فيه مريضه، فوافق يوم السبت مثلا أو جمعة فإن له صومه.
لقوة ما استدلوا به من أحاديث، وورود الاستثناء في الرخصة في صيام مثل هذه الأيام ، التي ثبت النهي عن تخصيصها بالصيام بأحاديث في غاية الصحة ، مثل افراد يوم الجمعة بصيام ، كحديث أبي هريرة – رضي الله عنه-في النهي عن إفراد يوم الجمعة بصيام ، قوله عليه الصلاة والسلام : ((لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)) ،متفق عليه وهذا لفظ مسلم ، كما ورد مثل هذا الاستثناء في حديث النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين ، فقال عليه الصلاة والسلام :(( إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم)) متفق عليه .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى- في الفتح [4/233 ]: ( أنه يستثنى من النهي عن صوم يوم الجمعة من له عادة بصوم يوم معين ، كعرفة ، فوافق الجمعة ، فمثله يوم السبت).
👈ولكن من المهم التأكيد على وجاهة ما ذهب اليه بعض الفقهاء من عدم جواز إفراد يوم الجمعة بالصيام بمفرده، الا ان يصوم قبله يوما أو بعده، والاخذ به من باب الاحتياط وخروجا من الخلاف .
👈وكذلك يجب التنبيه على احترام أقوال بقية العلماء وتقديرها وعدم التنازع والشحناء مع من يتبنون اقوال مخالفة لما ذهبت اليه من الاقوال ، لأنه كلاً يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- .
ويجب أن نعلم أن هذا الاختلاف ليس بجديد ، بل وقع في عصر الصحابة –رضي الله عنهم- ومن بعدهم من التابعين والفقهاء. والله تعالى أعلم
د. ضياء الدين عبدالله الصالح

حكم الأضحية عن الميت

 مسألة فقهية (( حكم الأضحية عن الميت )) ..

يرد سؤال : هل يجوز اﻷضحية عن الميت واشراكه في ثوابها ؟
ج :
المسالة على ثلاثة أقوال :
القول الأول:
جائزة ويصل ثوابها وإن لم يوص بها الميت ، وهو مذهب جمهور العلماء من الحنفية والحنابلة وقول للشافعية ..
القول الثاني:
جائز مع الكراهة وهو مذهب المالكية ..
القول الثالث :
لا تصح إلا إذا أوصى بها الميت وهو المعتمد من مذهب الشافعية ..
الأمر فيه سعة ، وكل له دليله ، والمفتى به عند علمائنا هو القول الأول ..
من أراد المزيد يجدها في التعليقات ..

هل يجوز الاضحية عن الميت؟

 


💥الاضحية عن الميت
السؤال: شيخنا هل يجوز الأضحية خصوصا عن الميت فقط ؟ وهل يجوز أن اشرك والداي المتوفين في أضحيتي؟ بارك الله فيكم.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعـد:
فقد اتفق الفقهاء على جواز الاضحية عن الميت اذا أوصى بذلك، أو وقف وقفا لذلك، لما روي عن سيدنا علي بن ابي طالب –رضي الله عنه- انه كان يضحِّي بكبشَين، فقيل له: ما هذا؟ فقال: ((إن رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- أوصاني أن أُضحِّي عنه، فأنا أُضحِّي عنه)). ابو داود والترمذي والامام احمد.
ولكنهم اختلفوا في جواز الأضحية عن الميت بغير وصية منه على ثلاثة اقوال:
👈القول الاول: الجواز، وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية [ اجازوها مع الكراهة] وهو مذهب الحنابلة بل عندهم افضل من الاضحية عن الحي لاحتياجه للثواب وانقطاع عمله .
وقد نص الجمهور على أن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به قياساً على الصدقة عنه ، وإنما أجازوه لأن الموت لا يمنع التقرب عن الميت كما في الصدقة والحج.
واستدلوا بما يأتي:
1-ما رواه الإمام مسلم عَنْ ام المؤمنين عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِيَ بِكبش لِيُضَحِّيَ بِهِ، فأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ)). وفي سنن ابن ماجة عن جابر-رضي الله عنه- بلفظ : ((اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ)). ووجه الدلالة في الحديث : أنه -صلى الله عليه وسلم- قد جعلها لكل أمته، ومن المعلوم أن منهم حي ومنهم ميت فدل على جوازها عن الميت.
2- لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم :(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) وذبح الأضحية عنه من الصدقة الجارية؛ لما يترتب عليها من نفع المضحي والميت وغيرهما.
قال الامام الكاساني الحنفي –رحمه الله تعالى- في بدائع الصنائع [5/72 ]: (وجه الاستحسان أن الموت لا يمنع التقرب عن الميت بدليل أنه يجوز أن يتصدق عنه ويحج عنه، وقد صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عمن لا يذبح من أمته ، وإن كان منهم من قد مات قبل أن يذبح فدل أن الميت يجوز أن يتقرب عنه فإذا ذبح عنه صار نصيبه للقربة فلا يمنع جواز ذبح الباقين).
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى- في الفتاوى الكبرى [5/150 ]: (وتجوز التضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه والصدقة عنه).
وقال الامام منصور البهوتي الحنبلي –رحمه الله تعالى- في شرح منهى الارادات [1/612 ] : (والتضحية عن ميت أفضل منها عن حي... لعجزه واحتياجه للثواب ويعمل بها، أي الأضحية عن ميت كأضحية عن حي من أكل وصدقة وهدية).
👈القول الثاني : لا تجوز إلا إذا أوصى بها الميت ، وهو مذهب الشافعية.
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في منهاج الطالبين وعمدة المفتين ص 147 : (ولا تضحية عن الغير بغير إذنه، ولا عن ميت إن لم يوص بها ).
👈القول الثالث: تكره وهو مذهب المالكية. وإنما كره أن يضحي عن الميت لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف، وأيضا فإن المقصود بذلك غالبا المباهاة والمفاخرة
وفي شرح مختصر خليل للخرشي المالكي – رحمهما الله تعالى- [3/42 ]: ( يُكْرَهُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ الْمَيِّتِ خَوْفَ الرِّيَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ وَلِعَدَمِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ وَهَذَا إذَا لَمْ يَعُدَّهَا الْمَيِّتُ وَإِلَّا فَلِلْوَارِثِ إنْفَاذُهَا).
وفي مواهب الجليل في شرح مختصر خليل [3/247 ]: (قال مالك: "في الموازية، ولا يعجبني أن يضحي عن أبويه الميتين". قال الشارح في الكبير: إنما كره أن يضحي عن الميت؛ لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من السلف، وأيضا، فإن المقصود بذلك غالبا المباهاة والمفاخرة).
وقد سُئل العلامة ابن باز –رحمه الله تعالى- في مجموع فتاويه عن الاضحية للميت فقال: (النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- ضحى عنه وعن أهل بيته ولم يفرق بين الحي والميت، فدل ذلك على أنه إذا ضحى تكون الضحية عنه وعن أهل بيته؛ يدخل فيهم أبوه الميت، أو أمه الميتة، أو زوجته، أو أولاده يدخلون في ذلك؛ ... بل هو أمر مشروع لما فيه من الصدقة، والإحسان، والتقرب إلى الله بالنحر، والإحسان إلى الميت بالصدقة، والإحسان إلى الناس باللحوم للفقراء والمحاويج والهدية إلى أصدقائه وأقاربه وجيرانه، لكنها عن الحي آكد، فالسنة ألا يدع الضحية عنه، وإن ضحى عن أهل بيته فهو أفضل، وإن ضحى عن أمواته فحسن، ولا بأس كله طيب، أما إنكار من أنكر الضحية للميت فلا وجه لذلك، هذا الإنكار الذي يفعله بعض الناس عن الميت لا وجه له، إذا ضحى عن الميت فهي قربة وطاعة وخير عظيم).
👍المفتى به:
الأصل في الأضحية أنها مشروعة في حق الأحياء، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه يضحون عن أنفسهم وأهليهم .
ولكنها تجوز عن الميت ايضا كما ذهب اليه جمهور العلماء اصحاب القول الاول، الذين نصوا على أن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به قياساً على الصدقة عنه التي يصل ثوابها للميت بالإجماع، ولأن الموت لا يمنع التقرب عن الميت كما في الصدقة والحج.
ولصحة ما استدلوا به من احاديث، وقد ثبت بالاحاديث الصحيحة الدالة على وصول ثواب الأعمال للأموات، ومنها جواز الحج عنه -وهو عبادة بدنية مالية- يصل ثوابهما إلى الميت؛ فوصول ثواب الأضحية عن الميت من باب أولى.
وعليه يجوز لك اخي السائل أن تذبح أضحية مستقلة بنية أن يكون الثواب لوالديك المتوفَينِ، ويصح كذلك أن تشركهما في ثواب أضحيتك التي تذبحها عن نفسك واهلك، وهو من البر والإحسان بهما، والله تعالى اعلم
✍️د. ضياء الدين عبدالله الصالح

الأربعاء، 29 يونيو 2022

التكبير ايام العشر من ذي الحجة














السؤال: شيخنا؛ متى يشرع التكبير المطلق والجهر به في عشر ذي الحجة والتكبير المقيد في الاضحى ؟ جزاكم الله خيرا
الجواب : الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين وبعد:
👈فقد ذهب العلماء الى ان التكبير في العشر من ذي الحجة وفي العيدين على ثلاثة اقسام:
1- التكبير المطلق: وهو الذي لا يتقيد بشيء ، فيُسن دائماً ، في الصباح والمساء ، قبل الصلاة وبعد الصلاة ، وفي كل وقت ويكون من أول العشر إلى نهاية أيام التشريق وهو غروب شمس الثالث عشر من ذي الحجة.
2- التكبير المُقيَّد : فيبدأ من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق على الصحيح ، وهو مقيد بأدبار الصلوات المكتوبة، وهو خاص بعيد الأضحى وهذا لغير الحاج ، وأما الحاج فيشتغل في حال إحرامه بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر ، وبعد ذلك يشتغل بالتكبير ، ويبدأ التكبير عند أول حصاة من رمي الجمرة المذكورة ، وإن كبر مع التلبية فلا بأس ، لقول أنس رضي الله عنه في صحيح البخاري : ( كان يلبي الملبي يوم عرفة فلا ينكر عليه ، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه ) ، ولكن الأفضل في حق المُحرِم هو التلبية ، وفي حق غير المُحرِم هو التكبير في الأيام المذكورة.
والتكبير المطلق والمقيد يجتمعان في أصح أقوال العلماء في خمسة أيام، وهي: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق الثلاثة، وأما اليوم الثامن وما قبله إلى أول الشهر فالتكبير فيه مطلق لا مقيد.
3- التكبير غير المُقيَّد : هو التكبير في عيد الفطر، حيثُ يبدأ من غروب الشمس من ليلة الفطر، وحتى خروج الإمام إلى الصلاة.
👈وقد ذهب أكثر اهل العلم الى مشروعية التكبير المطلق والجهر به في الايام العشر من ذي الحجة، واحتجوا بما ياتي:
1- قوله تعالى: { لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ }. الحج :28. وهذه الأيام هي الأيام العشر عند جمهور المفسرين.
2- قوله تعالى: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ }. البقرة: 203. وهذه الأيام هي أيام التشريق الثلاثة .
3- قول النبيّ عليه الصلاة والسلام : ((أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل )) رواه مسلم .
4- ما روى الامام البخاري في صحيحه تعليقا عن ابن عمر وأبي هريرة -رضي الله عنهما-: (أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما) وكان عمر بن الخطاب وابنه عبدالله -رضي الله عنهما- : (يكبران في أيام منى في المسجد وفي الخيمة ويرفعان أصواتهما بذلك حتى ترتج منى تكبيرًا).
وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن جماعة من الصحابة التكبير في أدبار الصلوات الخمس من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم الثالث عشر من ذي الحجة.
5- حديث ابن عمر -رضي الله عنهما – قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ؛ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَ التَّحْمِيدِ)).رواه الامام احمد.
قال القاضي أبو يعلى الحنبلي:( التَّكْبِيرُ فِي الْأَضْحَى مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ؛ فَالْمُقَيَّدُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ. وَالْمُطْلَقُ فِي كُلِّ حَالٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَفِي كُلِّ زَمَانٍ. وَأَمَّا الْفِطْرُ فَمَسْنُونُهُ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ) [المغني لابن قدامة المقدسي2/273 ].
قال الحافظ ابن رجب : (وروى جعفر الفريابي، من رواية يزيد بن أبي زياد، قال: رأيت سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهدا - أو اثنين من هؤلاء الثلاثة - ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد". وروى المروزي، عن ميمون بن مهران، قال: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها، ويقول: إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير. وهو مذهب أحمد، ونص على أنه يجهر به"( . [فتح الباري 6/112].
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 24/20 : ( أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة ) .
👍الخلاصة:
التكبير المطلق والمقيد والجهر به من افضل العبادات والقربات في الايام العشر من ذي الحجة، ويكون التكبير المطلق الذي لا يختص بوقت ومكان من أول العشر إلى نهاية أيام التشريق وهو غروب شمس الثالث عشر من ذي الحجة.
واما التكبير المقيد، فيبدأ من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق على الصحيح ، وهو مقيد بأدبار الصلوات المكتوبة، وهو خاص بعيد الأضحى وهذا لغير الحاج.
والأمر في صيغ التكبير واسع، وذلك لعدم وجود نص ثابت عن النبيّ عليه الصلاة والسلام يحدد صيغة معينة، وما دام الأمر كذلك فللمسلم أن يكبر بأي صيغة من صيغ التكبير التي وردت عن السلف الصالح ومنها : ((اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ)). والله تعالى اعلم
✍️د. ضياء الدين عبدالله الصالح




 

الاثنين، 27 يونيو 2022

حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء..

 حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء....(01).

قد كانت المناوشات العلمية بين الأطراف الثلاثة جزءا من منهج يضرب بجذوره في التراث الإسلامي، والإرث الحضاريّ للأُمّة في إدارة الخلافات الفكرية والسلوكية، مما يدفعنا اليوم لبحث كيفية استلهام تلك السوابق المنهجية والتاريخية لتوحيد متنافرات الساحة العلمية والإصلاحية اليوم ، إن الحديث عن الصراع الدائر اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء ، حديث يبتعد كثيرا عن منهج العدل و الإنصاف ذلك أن أي عمل لإصلاح فكرة ما لا بد أن يبدأ من النظر إلى نشأتها ومسيرتها وإعادة رسم حضورها في الذاكرة ، كيف نظر الفقهاء والمحدِّثون إلى تبلور التصوف تاريخيا وكيف قاموا بتقسيم مراحله وأنماطه تقسيما منهجيا؟
يمدَّنا ابن تيمية (ت 728هـ/1328م) بنص ثمين يساعدنا -ولو بالتقريب- في رسم المنحنى الزمني لتحقيب أجيال الصوفية منذ نهاية القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي ، فنجده يقول في كتابه «الصفدية» : "الشيوخ الأكابر -الذين ذكرهم أبو عبد الرحمن السُّلَمي (ت 412هـ/1023م) في ‘طبقات الصوفية‘ وأبو القاسم القُشيري (ت 465هـ/1074م) في ‘الرسالة‘- كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل الحديث، كالفُضْيل بن عياض (ت 187هـ/803م) والجُنيد بن محمد (البغدادي ت 297هـ/910م) وسهل بن عبد الله التُّـسْتَري (ت 283هـ/896م) وعمرو بن عثمان المكي (ت بعد 300هـ/912م) وأبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي (ت 371هـ/982م) وغيرهم، وكلامهم موجود في السنة وصنفوا فيها الكتب".
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق الإسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ الأستاذ الدكتور محمد صياد.» --
حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء(02)
ويبني الذهبي (ت 748هـ/1348م) على استقراء ابن تيمية التحقيبي لبيان شِقِّ العلاقة الثانية بين معسكريْ الفقه والحديث، الذين سمح التفاهمُ بينهما باستيعاب الظاهرة الصوفية ودمجها في النسيج المعرفي العام لـ"أهل السنة والجماعة"؛ فنجد أن الذهبي أحسن رصْدَ ووصْف وضعية الساحة العلمية حتى مطلع القرن الرابع/العاشر الميلادي، وقيمة هذا الوصف أنه قدَّم لنا طبيعة الأرضية التي تأسس عليها اللقاء بين علماء الأمة من مختلف التخصصات.
فقد ذكَر -في ‘سير أعلام النبلاء‘- طائفةً من الأئمة الجامعين بين الفقه والحديث، ثم قال: "فكان المحدِّثون إذْ ذاك أئمةً عالمين بالفقه أيضا، وكان أهل الرأي بُصَراءَ بالحديث، قد رحلوا في طلبه وتقدموا في معرفته. وأما اليومَ 😊 القرن الثامن/الرابع عشر الميلادي) فالمحدثُ قد قنع بالسكة والخطبة فلا يفقه ولا يحفظ، كما أن الفقيه قد تشبث بفقه لا يُجيد معرفته ولا يَدري ما هو الحديث"!!
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق الإسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ الأستاذ الدكتور محمد صياد.»-

حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و الحدثون و الفقهاء(03)
وقبل ابن تيمية والذهبي؛ زوّدنا -في ‘حِلْيَة الأولياء‘- الإمامُ الحافظ أبو نُعَيم الأصبهاني الشافعي (ت 430هـ/1040م) بلمحة مهمة تعين على استكمال تصوُّر المخطط التاريخي للإصلاح الصوفي، ومدَّ الخيط -بأثر رجعي- إلى عهد الصحابة من أهل الصُّفَّة جاعلا التصوف مذهبا اتباعيا مسنودا ومتسلسلا من الصحابة إلى مَنْ سمَّاهم "الأوائل من السلف"، ونابذاً دخلاء التصوف غير المقبول أو مذهب "المتخرِّمين المتهوِّسين من جهال الصوفية"؛ وفق تعبيره.
وفي ذلك يقول: "قد أتينا على مَن ذكرهم الشيخ أبو عبد الرحمن السُّلَمي (في ‘طبقات الصوفية‘) ونسَبَهم إلى توطُّن الصُّفَّة ونزولها، وهو أحد من لقيناه وممن له العناية التامة بتوطئة مذهب المتصوفة وتهذيبه على ما بينه الأوائل من السلف، [فهو] مقتدٍ بسيمتهم ملازمٌ لطريقتهم متَّبع لآثارهم، مفارقٌ لما يُؤْثَر عن المتخرِّمين المتهوِّسين من جهال هذه الطائفة، منكِرٌ عليهم؛ إذ حقيقة هذا المذهب عنده متابعةُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فيما بلّغ وشرع وأشار إليه وصدَع، ثم [أهلِ] القدوة المتحققين من علماء المتصوفة ورواة الآثار وحكام الفقهاء..، [ثم أتينا على] ما ذكره الأغرُّ الأبـْلَج أبو سعيد ابن الأعرابي (البصري ت 340هـ/951م).. وكان أحد أعلام رواة الحديث والمتصوفة، وله التصانيف المشهورة في سيرة القوم وأحوالهم..، إذْ هو شَرَع في تأليف ‘طبقات النُّسّاك‘".
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق الإسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ الأستاذ الدكتور محمد صياد.» -
حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء(04).
لقد قام العلماء باستيعاب المقبول شرعا من التصوف وفرز واستبعاد الدخيل، وهنا يحسن التنبيه بشكل خاص إلى دور الغزالي الحاسم في فتح طريق الالتقاء بين الفقهاء والمتصوفة، ونظيره الإسهام المفصلي للشيخ الجيلي بتمهيده مسار التواصل بين المحدّثين والمتصوفة.
فعلى أساس هذين الإنجازيْن التصالحييْن التاريخييْن بين الاتجاهات الثلاثة (الفقه والحديث والتصوف)؛ نشأت أرضية جديدة جمعت سواد الأمّة وبلورت نسقها الفكري العام المتجانسَ والمُـصالِـحَ بين أصحاب الاتجاهات الثلاثة، فكان في ذلك تلطيفٌ لـ"جفاف" الفقهاء، وتليينٌ لـ"حَدِّيّة" المحدّثين، وضبطٌ لـ"جموح" المتصوفة!
وفي الحديث عن عملية غربلة التصوف الإصلاحية؛ يمكن القول إن الغزالي -بعد ترسخ نزعته التصوفية بدءا من عزلته سنة 488هـ/1095م وحتى وفاته- قاد جهود المصالحة بين التصوف وعلوم الشريعة، وإن كان حقيقةً لم يؤسس لتلك المصالحة لأنّ الفقهاء والمحدثين قبله كان كثير منهم صوفية كما تقدم ذكره وسيأتي بيانه، وكانت لهم جهود واضحة في تتبع الغُلاة، بيد أنّ الغزالي توسع في ذلك النقد الإصلاحي للتصوف وصنّف فيه عدة مصنفات.
ففي نقده للمتصوفة الذين يُسقِطون التكليفات الشرعية بدعوى بلوغ درجة اليقين والمكاشفة؛ يقول الغزالي في ‘إحياء علوم الدين‘: "وأما الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدَثَه بعض الصوفية: أحدهما الدعاوي الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى، والوصال المُغْني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا كذا وقلنا كذا..، وهذا فنٌّ من الكلام عظيم ضرره في العوام..، فإن هذا الكلام يستلذّه الطبع إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال، فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم"!!
وينتقد الغزالي الاكتفاء بالمَظهر دون الجوهر عند كثير من المتصوفة وخاصة صوفية زمانه نهاية القرن الخامس ومطلع السادس: "الصنف الثالث المتصوفة وما أغلب الغرور عليهم، والمغترون منهم فرقٌ كثيرة: ففرقة منهم -وهم متصوفة أهل الزمان إلا من عصمه الله- اغتروا بالزِّي والهيئة والمنطق، فساعدوا 😊 قلّدوا) الصادقين من الصوفية في زيّهم وهيئتهم، وفي ألفاظهم وفي آدابهم ومراسمهم..، ولم يُتعِبوا أنفسَهم قَطُّ في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية..، [بل] يتكالبون على الحرام والشبهات وأموال السلاطين"!!
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق الإسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ الأستاذ الدكتور محمد صياد.» -
حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء(05)
لم يكن انتقاد الفقهاء والمحدثين لبعض الصوفية -في أكثره- انتقاداً من الخارج، أو بين فِرَقٍ وتيارات متباينة ومتنافسة، وكأنه خلاف بين المعتزلة والحنابلة، أو الأشعرية والشيعة ، بل كان عملاً إصلاحياً من داخل البيت الصوفي، فكثيرٌ من المحدِّثين والفقهاء كانوا من أهل التصوف كما سنرى، وكثير منهم -حتى من غير متصوفتهم- كان يتبع منهجاً علميا دقيقا في النقد والاستدراك، بعيداً عن العاطفة والأهواء. ولكن إذا كان الفقهاء والمحدثون انتقدوا بشدة -كما رأينا- التصوفَ المُتفلِّت من الضوابط والتكاليف الشرعية، فإنهم دافعوا عن قسيمه المنضبط بنصوص الشرع.
فابن الجوزيّ مثلا مرّ بأطوارٍ وتحولات نفسية وروحية عميقة أوصلته إلى تلك القناعة، فنراه -في ‘صيد الخاطر‘- يقرر أنه توصل -عندما حدثتْه نفسه بالعزلة وترك مجالس الوعظ خشية الرياء- إلى أنه "ينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير..، وأما تعليم الطالبين وهداية المريدين فإنه عبادة العالم. وإن من تغفيل بعض العلماء إيثاره للتنفل بالصلاة والصوم عن تصنيف كتاب أو تعليم علم ينفع، لأنّ ذلك بذر يكثر رَيْعُه ويمتد زمان نفعِه". ورغم شدته على المتصوفة؛ فإننا نجد ابن الجوزي يلخص كتابين من أعمدة تعاليم التصوف، هما: ‘حِلْيَة الأولياء‘ للأصفهاني الذي اختصره في كتابه ‘صفة الصفوة‘، و‘إحياء علوم الدين‘ للغزالي الذي أوْدع خلاصته في كتابه ‘منهاج القاصدين‘...
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق الإسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ -
حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء (06)
من طالع بإنصاف و فهم و بعد عن الإيحاء و التعصب يجد ابن تيمية نفسه يصحَّح على طريقته النظرةَ إلى الصوفية حين وضَعَها في سياقها الطبيعي بوصفها إحدى فرق التديُّن المجتهدة في الدِّين تصيب وتخطي كغيرها؛ فقال -في ‘مجموع الفتاوى‘- إنه "لأجل ما وقع في كثير منهم 😊 الصوفية) من الاجتهاد والتنازع فيه: تنازع الناس في طريقهم، فطائفة ذمَّت الصوفية والتصوف وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة..، وطائفة غلتْ فيهم وادّعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميمٌ؛ والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل الطاعة لله، ففيهم السابقُ المقرَّب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين..، ومن المنتسبين إليهم مَن هو ظالم لنفسه عاصٍ لربه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن عند المحققين من أهل التصوف [أنهم] ليسوا منهم".
وفي مقام من مقامات النفس السوية الكبيرة التي تراعي رحابة الأخوة الدينية والإنسانية ، فرَّق المحدثون بين خلافهم العلميّ مع غلاة المتصوفة وفهم مقام البشرية وعوارضها، وتقلبات النفس وأحوالها وما تمرّ به من مقامات وإلهامات ونحو ذلك؛ فدافعوا عن المتصوفة حتى بعض من رأوهم غلاةً وأمروا بتحسين الظنّ بهم والتأول لهم بما يسوغ، إلا أنهم في نفس الوقت حذّروا من مقولاتهم وتصرفاتهم غير المبرهنة بنصوص الشرع.
وهذان مستويان مهمان تجب التفرقة بينهما؛ فالذهبيّ يحكم -في ‘ميزان الاعتدال‘- على ابن الفارض (ت 632هـ/1234م) بأنه "ينعق بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة! فتدبَّرْ نَظْمَه ولا تستعجل، ولكن حَسِّن الظنَّ بالصوفية" في مجمل أقوالهم وأحوالهم.
ويدافع الذهبي عن كرامات الأولياء وينكر على من أنكرها حتى ولو كان من أكابر أئمة الفقهاء والمحدثين؛ فيقول -في ‘السِّيَر’- مترجما للإمام أبي إسحق الإسفراييني الشافعي (ت 418هـ/1028م) إنه "أحد المجتهدين في عصره..، ومن المجتهدين في العبادة المبالغين في الورع..، وكان ثقة ثبْتاً في الحديث..؛ كان ينكر كرامات الأولياء ولا يُجوِّزها، وهذه زلَّة كبيرة"!
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق الإسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ -
حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء (07).
ونطالع ترجمات الذهبيّ لعدد كبير من أعلام المتصوفة فنراه ينصفهم، ويُثني عليهم بتصوفهم المنضبط بالشرع وبمعارفهم غير التصوفية؛ فها هو يقول -في ‘تاريخ الإسلام‘- عن إدريس الخَوْلاني الزاهد (ت 211هـ/826م) -مستخدما دون تحرُّج بعض المصطلحات الجدلية للصوفية- إنه "كان يقال: إنه من الأبدال، وكان يشبَّه ببشرٍ الحافي (ت 226هـ/841م) في فضله وعبادته".
ويصف أبا البقاء التَّفْليسي الصوفي (ت 631هـ/1234م) بأنه "كان صوفيا جليلا معظما نبيلا، له معرفة بالفقه والأصول والعربية والأخبار والشعر والسلوك، وكان صاحب رياضات ومجاهدات". كما ترجم لأبي المحامد الزَّنْجاني الصوفي الشافعي (ت 674هـ/1275م) فقال إنه "كان فقيها إماما، صالحا زاهدا، كبير الشأن".
ويتحسر الذهبي على فوات لقائه بأحد أكابر مشايخ الصوفية هو أبو الفضل ابن الدَّمِيري اللخمي (ت 695هـ/1296م)؛ فيقول عنه: "الشيخ الإمام المُسنِد..، ولَبِسَ الخِرقةَ من الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي (أبو حفص ت 632هـ/1235م) وكان من كبار المُسْنِدين، فاتني لُقِـيُّه 😊 لقاؤه) وقد سمع منه خلق". بل إن الذهبيّ نفسه تصوَّف ولبِس خِرقة الصوفية؛ فقد قال في ترجمة الشيخ ضياء الدين السَّبتي الصوفي (ت 696هـ/1297م): "كان مليح القراءة للحديث..، ألبسني الخِرقةَ وذكر لي أنه لبسها بمكة من الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي..، وكان متواضعا بسّاما مُتنسِّكا بِزِيِّ الصوفية والفقهاء"....يتبع...
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق الإسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ -
حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء (08).
ويؤكد الذهبيّ أنّ العالم الشرعي لا بد أن يكون متصوفا مربِّيا، وأن المتصوف لا بد له من علم الشرع الصحيح؛ فوضع -في السِّيَر‘- قاعدةً كلية يلخِّص بها منهج المحدثين تجاه الفريقين: "والعالم إذا عَرِي من التصوف والتألُّه فهو فارغ، كما أن الصوفي إذا عَرِي من علم السُّنة زلَّ عن سواء السبيل"!!
ويبدو أن الذهبيّ سار على نفس نهج شيخه ابن تيمية الذي فرّق بين الصالحين والطالحين من الصوفية، وينقل عنه الذهبيّ روايته بالسند عن أبي حفص السُّهْرَوَرْدي؛ فيقول في ‘تاريخ الإسلام‘: "سمعتُ شيخنا ابن تيمية يقول: سمعتُ الشيخ عز الدين أحمد الفاروثي (ت 694هـ/1295م) يقول: سمعتُ شيخنا شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي يقول: عزمتُ على الاشتغال بالكلام وأصول الدين فقلت في نفسي: أستشير الشيخ عبد القادر الجيلاني أو كما يعرف في تصانيفهم [بالجِيلِي]، فأتيته فقال قبل أن أنطِق: يا عمر، ما هو من عُدَّة القبر..! قال: فتركته".
وكان الشيخ عبد القادر الجِيلاني "شيخ الحنابلة" في عصره، وهو -في الوقت نفسه- "شيخ شيوخ" المتصوفة المؤسِّس لكُبْرَى طُرِق التصوف وأوسعها انتشارا في العالم الإسلامي؛ وفيه يقول الذهبيّ في ‘تاريخ الإسلام‘: "هو صاحب الكرامات والمقامات وشيخ الحنابلة..، سمع الحديث.. وكان إمام زمانه وقطب عصره، وشيخ شيوخ الوقت بلا مدافعة".
كان سيدي عبد القادر الجيلاني رجل إصلاح صوفي من الداخل، وجهوده في إصلاح البيت الصوفيّ ومحاولة تسنينه لا تقلّ عن جهود الغزاليّ؛ بل ربما كانت جهود الجيلي أهمَّ باعتباره حنبلي الانتماءيْن الفقهي والعَقَدي، فقرّب بين الحنبلية والمتصوفة وليَّن قلوب متشددي الحنابلة ببغداد على الزهاد وأهل الورع من الصوفية، ووسّع الأفق الشرعي لهؤلاء بمخالطة أولئك. ومن هنا تعززت مدرسة "صوفية أهل الحديث"؛ كما يسميها ابن تيمية.
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق إسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ الأستاذ الدكتور محمد صياد.» -
حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء (09)
ومن صوفية الحنابلة الكبار أيضا الذين ساهموا في ترسيخ التصوف الحديثي داخل المدرسة الحنبلية؛ شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي (ت 481هـ/1088م)، فحين ترجم له ابن رجب قال إنه "الفقيه المفسر الحافظ الصوفي الواعظ شيخ الإسلام"، وذكر أنه كان شديد الولاء للمذهب الحنبلي فقال: "كان شيخ الإسلام مشهورا في الآفاق بالحنبلة والشدة في السنة"، بل إنه كان يقول لتلامذته: "مذهبُ أحمدَ أحمدُ مذهبٍ"، ثم صاغ ذلك شعرا سَيّاراً فكان "ينشد على المنبر في يوم مجلسه بهَـراة:
أنا حنبليٌّ ما حييتُ وإن أمُتْ ** فوصيتي للناس أن يتحنبلوا"!
وقد نقل ابن رجب شهادة ابن تيمية بإمامة الهروي في التصوف والحديث: "وقال شيخ الإسلام أبو العباس 😊 ابن تيمية) في كتاب ‘الأجوبة المصرية‘: شيخُ الإسلام 😊 الهروي) مشهور معظَّم عند الناس، هو إمام في الحديث والتصوف والتفسير، وهو في الفقه على مذهب أهل الحديث، يعظِّم [الإماميْن] الشافعيَّ (ت 204هـ/820م) وأحمدَ".
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق إسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ -
حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء (10)
وإذا جئنا إلى حافظ محدّث كبير آخر هو الإمام ابن حجر العسقلاني فسنجد أنه لم يكن من مناهضي المتصوفة بإطلاق، بل ثناؤه ومديحه للصوفية المنضبطة بالشرع أشهَرُ من أن يُشْهَر. وهذا الخطّ في الحقيقة نجده متواصلا منذ الإمام الشافعيّ الذي يقول عن فضل صحبتهم: "صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين، سمعتهم يقولون: الوقت سيف فإن قطعتَه وإلا قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل"! فقال ابن القيم -في كتابه الصوفي ‘مدارج السالكين‘- معلقا على كلمة الشافعي: "قلت: يا لهما من كلمتين ما أنفعهما وأجمعهما، وأدلهما على علوّ همة قائلهما ويقظته! ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلامهم".
وفي هذا التوجه الدفاعي عن التصوف المنضبط؛ تدخل سلسلة مصنفات وضعها فقهاء ومحدثون لتقديم بديل صوفي معرفي يستبعد المكونات الدخية في مناهجه، إذ صنّف الإمام المحدّث أبو نُعَيم الأصبهاني الشافعي كتابه ‘حِلْيَة الأولياء‘ فترجم فيه لأعيان الصوفية وكبارهم، وألّف الإمام المحدّث محمد بن طاهر القيسراني الظاهري (ت 507هـ/1113م) كتابه ‘صفة التصوف‘، ثم جاء الإمام المحدِّث أبو بكر ابن العربي المالكي فقدّم كتابه ‘سراج المريدين‘ الذي سماه بعضهم "تصوف المحدِّثين"؛ كما في ‘قواعد التصوف‘ للإمام أحمد زرّوق الفاسي (ت 899هـ/1494م).
ويجدر هنا التنويه بأنّه حتى النساء المتصوفات حُزْنَ ثناءً عطِرا عليهن من المحدّثين الكبار كثنائهم على رجال التصوف وربما أكثر. ففي ترجمة سيدة بنت عبد الرحيم السُّهْرَوَرْدي (ت 640هـ/1242م) قال الذهبيّ في ‘تاريخ الإسلام‘: "زوجة الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي..، وحدَّثتْ وأجازتْ.. جماعةً، وكان فيها صلاح وخير وتعبُّدٌ".
وترجم -في ‘السِّيَر’- لرابعة العدوية البصرية (ت 180هـ/796م) فوصفها بأنها "الزاهدة العابدة الخاشعة أم عمرو رابعة بنت إسماعيل..، وحكى عنها: سفيان (الثوري ت 161هـ/778م) وشعبة (بن الحَجّاج ت 160هـ/777م) وغيرهما ما يدل على بطلان ما قيل عنها". فالذهبيّ يستدلّ على صحة معتقد رابعة واستقامة سيرتها بشهادة محدثِين كبار أمثال سفيان وشعبة أخذوا عنها. وأنكر الذهبيُّ بشدّة على من اتَّهموها بالحلول ووصفهم بـ"الغلوّ والجهل".
كما يُثني -في ‘العِبَر‘- على سَمْتِ وتعبُّد الشيخة المتصوفة فاطمة البغدادية (ت 714هـ/1314م) ذاكرا أنه زارها؛ فيقول: "العالمة الفقيه الزاهدة القانتة، سيدة نساء زمانها الواعظة..، انتفع بها خلق من النساء وتابوا. وكانت وافرة العلم…، انصلح بها نساء دمشق ثم نساء مصر، وكان لها قبول زايد ووقْعٌ في النفوس..، زُرْتها مرّة"، ويضيف في ‘السِّير‘: "وقد زرتها وأعجبني سمتها وتخشعها"!
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق إسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ -
حقيقة الصراع المفتعل اليوم بين الصوفية و المحدثون و الفقهاء (11)
ومن اللافت فعلا أننا نلاقي بين أعلام الصوفية أنصارا للإمام ابن تيمية الذي يظنّ كثيرون أنه هو وتلامذته منابذون للصوفية ومنبوذون منهم دائما؛ فابن حجر يقول -في إنباء الغُمْر‘- إن علي بن غريب البُرْجُمي (ت 777هـ/1376م) كان "أحد المشايخ المُعتقَدين 😊 المتصوفة)، وكان بزِيّ الجند، وكان كثير التعصب لابن تيمية وأتباعه"!! وفي ترجمة شمس الدين الدَّبَاهيّ البغدادي (ت 711هـ/1311م) يقول الذهبي -في ‘العِبَر‘- إنه "الإمام القدوة الشيخ الحنبلي الصوفي..، وكان ذا تألُّه وصدق وعِلْم".
ويضيف الحافظ ابن رجب مُبْرِزا تلمذة الدَّبَاهي لابن تيمية: "صحب بقايا الصوفية واقتفي آثارهم وحفظ كثيرا عنهم وعن مشايخ الطريق، وأنفق كثيرا من الأموال من ميراثه على الفقراء 😊 المتصوفة)، وقرأ الفقه في شبيبته على مذهب أحمد، فلما لمعت له أنوار شيخنا 😊 ابن تيمية) وظفر بأضعاف تطلبه: ارتحل إلى دمشق بأهله واستوطنها".
ولم يقتصر وجود الصوفية الفقهاء على المذاهب الأربعة، بل كان لهم حضور في المذهب الظاهري الذي يعدّ نظيرا للحنابلة في الأثرية إن لم يَفُـْقهم فيها؛ ومن فقهائه المتصوفة الإمام القيسراني السابق ذكره، ورُوَيْمٌ بن محمد البغدادي (ت 303هـ/915م) الذي كان "شيخ الصوفية ومن الفقهاء الظاهرية، تفقّه بداود (الظاهري الأصبهاني ت 270هـ/884م)"؛ وفقا للذهبي في ‘السير‘. ومنهم أيضا محمد بن إبراهيم الشيرازي الكاغَذى (ت 474هـ/1082م)؛ فقد قال عنه الذهبي -في ‘ميزان الاعتدال‘- إنه "الداودي الظاهري الصوفي.. كان له حانوت ببغداد يبيع الكتب".
«...نقلا عن قراءات طويلةجماعات وفرق إسلامية
كيف تصالح المتصوفة مع المحدّثين فتتلمذوا لابن تيمية ولبس الذهبي الخرقة وأسس شيخ الحنابلة ببغداد أكبر طريقة صوفية؟ -