الخميس، 22 فبراير 2024

ليلة النصف من شعبان عند المذاهب الأربعة:

 ليلة النصف من شعبان عند المذاهب الأربعة:

1-السادة الحنفية:
قال ابن نجيم من السادة الحنفية في كتابه البحر الرائق56/2:
( ومن المندوبات إحياء ليالي العشر من رمضان وليلتي العيدين وليالي عشر ذي الحجة وليلة النصف من شعبان كما وردت به الأحاديث وذكرها في الترغيب والترهيب مفصلة، والمراد بإحياء الليل قيامه وظاهره الاستيعاب ويجوز أن يراد غالبه ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد).
2- السادة المالكية:
قال شهاب الدين النفراوي من المالكية في كتابه الفواكه الدواني (1/ 275):
(وندب إحياء ليلته وغسل بعد الصبح وتطيب وتزين وإن لغير مصل ومشي في ذهابه وفطر قبله في الفطر وتأخيره في النحر , وإنما استحب إحياء ليلة العيد لقوله ﷺ : [من أحيا ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب]
وفي حديث آخر : [من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة] وهي : ليلة الجمعة وليلة عرفة وليلة الفطر وليلة النحر ومعنى لم يمت قلبه لم يتحير عند النزع ولا على القيامة، وقيل لم يمت في حب الدنيا والإحياء يحصل بالذكر والصلاة ولو في معظم الليل ).
3- السادة الشافعية:
قال الإمام الشافعي (رحمه الله) في كتابه الأُم:
(وبلغنا أنه كان يقال : إن الدعاء يستجاب في خمس ليال في ليلة الجمعة , وليلة الأضحى , وليلة الفطر , وأول ليلة من رجب , وليلة النصف من شعبان).
4- السادة الحنابلة:
قال الإمام صلاح الدين البهوتي في كتابه كشاف القناع أيضا (1/ 444): (وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل وكان في السلف من يصلي فيها،
وفي استحباب قيام ليلة النصف من شعبان ما ذكره الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه اللطائف في الوظائف . ويعضده حديث [من أحيا ليلتي العيدين وليلة النصف من شعبان , أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب] رواه المنذري في تاريخه بسنده عن ابن كردوس عن أبيه قال جماعة وليلة عاشوراء وليلة أول رجب وليلة نصف شعبان.

السبت، 17 فبراير 2024

موقف الٳمام ٲحمد (رحمه الله) من تأويل الآيات وٲحاديث الصّفات؟!

 نماذج من تٲويلات الٳمام ٲحمد (رحمه الله) لآيات وٲحاديث الصّفات.



بقلم : ٲ.د. حسن المفتي
====
سٲلني بعضُ الٳخوة عن عقيدة الٳمام ٲحمد بن حنبل (رحمه الله) فيما يتعلَّق بآيات وٲحادیث الصفات، هل كان يؤولها ٲم يفوضها، فٲجبته بما نقل عن العلماء الٲعلام من فضلاء الحنابلة وغيرهم مع بعض الاستدراكات اللطیفة وكالآتي وبالله تعالی التوفیق:
بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام علی رسول الله وآله واصحابه ومن والاه وبعد:

ٳنه ثبت بالاستقراء في بطون كتب علماء اهل السنة والجماعة من السلف والخلف ٲنه لا يوجد عالم ٳلا وقد اختار مذهب تٲويل آيات الصفات عند تفسيره لبعض لآيات الصفات ٲو شرحه لٲحادیث الصفات، بشكل ٲو بآخر، قلَّ ٲو كثُر، ٲو فوَّض المعنی جملة وتفصيلا الیه تعالی من غير تفصيل، ومنهم الامام احمد بن جنبل (رحمه الله).
فقد كان التنزیه منطلقه في نفي الجسمية عن الله تعالی، وكان ينفي الجهة والحد والمكان عنه تعالی، ونراه كذلك قد ٲوَّل ما جاء ما ظاهره مجيئ الله تعالی، بمجيئ قدرته تعالی دون ذاته العلية، كما ٲول ما ورد من مجيئ سُور القرآن الكريم يوم القیامة بمجيئ ثوابه الی صاحبه، وكل ذلك عین التٲويل الذي علیه جُل ٲهل السنة من الاشاعرة والماتريدية.
وٳليك ما يثبت من النقول الصحیحة الثابتة والموثقة بالمصادر وعلی النحو الآتي:

۱- ما نقله الٳمام الحافظ ٲبو بكر احمد بن الحسين البيهقي الشافعي الٲشعري
المتوفی ٤٥۸هـ في كتابه (مناقب الٳمام احمد) عن الإمام أبي الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي المتوفی ٤۱۰هـ رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها في حينه ٲنه قال : (( وأنكر (ٲي الٳمام أحمد) على مَن يقول بالجِسم، (ٲي لله تعالی) ، وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم (الجسم) على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف ، والله سبحانه خارج عن ذلك، فلم يجز أن يُسمى جسماً ؛ لخروجه عن معنى الجسمية ، ولم يجئ في الشريعة ذلك ، فبطل )) .
ينظر: اعتقاد الٳمام المبجل ابي عبدالله احمد بن حنبل ، لابي الفضل التميمي، مطبوع في آخر طبقات الحنابلة ج۲ ص۲۹۸. ومناقب الامام احمد للبیهقي بتقديم الكوثري ج۱ ص ۲۰.

۲- سئل الإمام أحمد (رضي الله عنه) عن الاستواء فقال : (( استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر )) ذكره الإمام أحمد الرفاعي في (البرهان المؤيد (ص 24) والإمام الحصني في (( دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك على السيد الجليل أحمد )) (ص 17) ، وذكره الامام الرملي في فتاويه والنفراوي في “الفواكه الدواني” والشيخ محمد بن سليمان الحلبي في نخبة اللآلى وغيرهم.

۳- قال الحافظ البيهقي في مناقب احمد أيضاً : (( وأنبأنا الحاكم ، قال : حدثنا أبو عمرو بن السماك ، قال : حدثنا حنبل بن إسحاق ، قال : سمعت عمي أبا عبد الله - يعني : الإمام أحمد - يقول : احتجوا عليَّ يومئذ ـ يعني : يوم نوظر في دار أمير المؤمنين - فقالوا : (تجيء سورة البقرة يوم القيامة ، وتجيء سورة تبارك ) ، فقلت لهم : إنما هو الثواب ، قال الله تعالى : ( وَجَاءَ رَبُّكَ )(سورة الفجر من الآية: ۲۲) ، إنما تأتي قدرته ، وإنما القرآنُ أمثال ومواعظ )) انتهى. قال البيهقي : (( هذا إسناد صحيح لا غبار عليه ))، ثم قال : (( وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب ، والنزول الذي وردت به السنة .. انتقالاً من مكان إلى مكان ؛ كمجيء ذوات الأجسام ونزولها ، وإنما هو عبارة عن ظهور آيات قدرته ؛ فإنهم لما زعموا أن القرآن لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء والإتيان .. فأجابهم أبو عبد الله بأنه إنما يجيء ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ ، فعبر عن إظاهره إيَّاها بمجيئه . وهذا الجواب الذي أجابهم به أبو عبد الله لا يهتدي إليه إلا الحُذَّاقُ من أهل العلم ، المنزهون عن التشبيه )). وينظر كذلك: مقدمة (الٲسماء والصفات) للحافظ البیهقي مع تعلیقات الشيخ محمد زاهد الكوثري ج۱ص۳۱-۳۳ ط۱، دار التقوی، دمشق، ۱٤٤٥هـ ، ۲۰۲٤م. والبداية والنهاية لابن كثير:(٣٢٧/١٠)حيث نقله.

٤- ونقل أبو الفضل التميمي كذلك في كتاب (اعتقاد الإمام أحمد) (ص 38 -39) عن الإمام أنه قال : (( والله تعالى لا يلحقه تغير ولا تبدل ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش ، وكان ينكر- الإمام أحمد – على من يقول إن الله في كل مكان بذاته لأن الأمكنة كلها محدودة )) اهـ

٥- وبين الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه (( دفع شبه التشبيه )) (ص 56) براءة أهل السنة عامة والإمام أحمد خاصة من مذهب المشبهة وقال: (( وكان أحمد لا يقول بالجهة للبارئ ))آهـ.

٦- وقال الحافظ ابن الجوزي فيه ٲيضا: "وكذلك قوله تعالى: (وَجَاء رَبُّكَ )، ذكر القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: في قوله تعالى: (أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ) (سورة البقرة) ، قال: المراد به: قدرته وأمره، قال: وقد بينه في قوله تعالى:(أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ )، ومثل هذا في التوراة، (وَجَاء رَبُّكَ )، قال: إنما هو قدرته.اهـ وقال: " والواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام: جسم عالي وهو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل من علو إلى سفل وهذا لا يجوز على الله عز وجل. اهـ ثم قال: ومنهم من قال يتحرك إذا نزل، وما يدري أن الحركة لا تجوز على الله تعالى، وقد حكوا عن الإمام أحمد ذلك وهو كذب عليه". اهـ

۷- وذكر في صحيفة 144 من الفتاوى الحديثية لإبن حجر الهيتمي المُتوفّى سنة 973 هجرية : عقيدة إمام السُنّة أحمد بن حنبل: هي عقيدة أهل السُنّة والجماعة من المبالغة التامّة في تنـزيه الله تعالى عمّا يقول الظالمون والجاحدون عُلُوّا كبيرا مِن الجهة والجسمية وغيرهما مِن سائر سمات النقص بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مُطْلق، وما اشتُهِرَبين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد مِنْ أنّه قائل بشيء مِن الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه فلَعن اللهُ مَنْ نسبَ ذلك إليه أو رماه بشيء من هذه المثالب التي برّأه الله منها” اهـ.

۸- قال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه (( إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص 108) إن الإمام أحمد كان لا يقول بالجهة للبارئ تعالى ))اهـ.

۹- وقال المحدث الفقيه بدر الدين الزركشي في كتابه (تشنيف المسامع ج٤ص٦٤۸): " ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال عن من قال جسم لا كالأجسام كفر " اهـ.

۱۰- وذكر الإمام بدر الدين محمّد بن عبد الله الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن ج۲ ص۷۹-۸۰): "وممّن نُقل عنه التأويل عليّ وابن مسعود وابن عباس وغيرهم. وقال الغزالي في كتاب “التفرقة بين الإسلام والزندقة”: “إنّ الإمام أحمد أوّل في ثلاثة مواضع”. وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين، قلت: وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى: ( أوْ يَأْتِيَ رَبِّكَ)،قال: وهل هو إلاّ أمره، بدليل قوله: ( أوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ )واختار ابن برهان وغيره من الأشعرية التأويل، قال: ومنشأ الخلاف بين الفريقين: أنه هل يجوز في القرآن شئ لا يعلم معناه؟ فعندهم يجوز، فلهذا منعوا التأويل، واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله.
وعندنا لا يجوز ذلك، بل الراسخون يعلمونه. قلت: وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى" اهـ.

۱۱- وذكر ذلك ايضا الٳمام فخر الدين الرازي في (أساس التقديس ج۱ ص٦۸)فقال: "الثالث نقل الشيخ الغزالي (رحمه الله) عن أحمد بن حنبل (رحمه الله) أنه أقر بالتأويل في ثلاثة أحاديث: أحدهما قوله عليه السلام ( الحجر يمين الله في الأرض ) وثانيهما قوله عليه السلام ( إني لاأجد نفس الرحمن من قبل اليمين) وثالثهما قوله عليه السلام حكاية عن الله عز وجل ( أنا جليس من ذكرني ) ...ثم قال الرازي: رُوي عنه عليه السلام أنّه تأتي سورة البقرة وآل عمران كذا وكذا يوم القيامة كأنّهما غمامتان. فأجاب أحمد بن حنبل رحمه الله، وقال: يعني ثواب قارئهما، وهذا تصريح منه بالتأويل".اهـ

۱۲- وورد في الفتوحات الربّانية على الأذكار النووية للمحدث محمد بن علاّن الصدّيقي الشافعي الأشعري المكّي المتوفّى سنة 1057هـ في باب الحثّ على الدعاء والإستغفار في النصف الثاني من كلّ ليلة ما نصّه: "وأنّه تعالى منـزّه عن الجهة والمكان والجسم وسائر أوصاف الحدوث، وهذا معتقد أهل الحقّ ومنهم الإمام أحمد وما نسبه إليه بعضهم من القول بالجهة أو نحوها كذب صراح عليه وعلى أصحابه المتقدمين كما أفاده ابن الجوزي من أكابر الحنابلة ". الفتوحات الربّانية على الأذكار النووية لابن علان الصديقي
ج۲ص۱۹٦.

فثبت بذلك ان الامام احمد (رضي الله عنه) كذلك كان من المؤولة، وٳن كان ٲقل من غيره، لكن حاله حال غيره من ائمة اهل السنة والجماعة من السادة الٲشاعرة والماتريدية في التٲويل في مواطن والتفويض في مواطن وحسب المقام، ونفي كل معنی يؤدي الی التشبیه والتجسيم (رضوان الله علیهم وعلینا ببركاتهم اجمعین).
===
ٲ.د. حسن الشيخ خالد المفتي الشافعي ، اربیل، كوردستان، العراق
٦ شعبان ۱٤٤٥هـ ۱٦-۲-۲۰۲٤م

الجمعة، 16 فبراير 2024

حوار مع صوفي سلفي

 حوار مع صوفي سلفي

يتوهم الكثير أن السلفية لقب يطلق على طائفة محدودة من الناس، والتي تتميز بأفكارها، ومظهرها، وأساليبها الخاصة في التعامل مع الآخر.

وهذا صحيح من جهة التسمية، فلقب السلفية مخصوص بتلك الطائفة، فهي التي رضيته لنفسها، وهكذا عرفها الناس.. لكن ذلك غير صحيح من حيث الواقع.. ذلك أن السلفية كظاهرة نفسية واجتماعية نراها في الواقع أعظم من أن تنحصر في طائفة دون طائفة أو مذهب دون مذهب.. فيمكن أن يكون أكثر الناس حربا للسلفية سلفي ولا يدري، بل قد يكون أشد عنادا منهم، وأكثر عصبية وحدة.. ونحن نرى ذلك في الواقع بوضوح لا يحتاج معه إلى دليل.

فالصوفي الذي يتوهم أنه متحرر من رق السلفية، لا يكون كذلك إلا إذا تحرر عقله من شيوخه وأئمته وسلفه ومن يسميهم أهل الله.. فلا يسلمهم عقله بالمجان، بل ينتظر منهم الحجة والبرهان، وقد قال الإمام الجنيد، وهو من يسمونه [سيد الطائفة]: (إن النكتة لتقع في قلبي من جهة الكشف فلا أقبلها إلا بشاهدى عدل من الكتاب والسنة)، وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادرية: (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة.. طِرْ إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول)

ولذلك فإن كل أولئك الذين يتلقون عقائدهم ومعارفهم الإلهية من ابن عربي أو الجيلي أو القونوي أو الدباغ أو غيرهم من غير تمريرها على محك الكتاب والسنة الموافقة للكتاب، ومن غير تمريره على العقل المقدس الذي أنزله الله على كل إنسان ليعرفه به، لا يختلف عن السلفية إلا في شيء واحد.. وهو أن شيخ السلفية هو ابن تيمية.. وشيخه هو ابن عربي أو غيره من المشايخ.

وقد عجبت لبعض أصدقائي من الصوفية حين ذكر لي أنه لا عذاب في الآخرة، وأن كل أولئك العتاة المتجرين الظلمة الذين قضوا حياتهم في حرب أولياء الله، لن يعيشوا في الآخرة إلا السعادة، مثلهم مثل المؤمنين، ولا فارق بينهم سوى المحل الذين يكونون فيه، فالمؤمنون في الجنة، وغيرهم من العتاة في النار.. وكأن الآخرة مجموعة فنادق راقية: للتقاة فنادقهم، وللفجرة فنادقهم.

لم أستعجل في الرد عليه حتى لا أقع في شباك السلفية المتسرعة، بل رحت أطلب منه أن يدلي بحجته، وأثبت له براءة صدري، وأني مستعد لو أقنعني بالعقل والمنطق أو بالكتاب والسنة الموافقة للكتاب أن أتبنى رؤيته، وأبشر بها في كل محل.

التفت إلي بصلف وكبرياء، وقال: إن بقيت تتبع عقلك، فسيحجبك عن الله..

قلت: لا بأس قد رميت عقلي.. فهلم بالدليل من الكتاب؟

قال: الكتاب أعظم من أن يتنزل فهمه على صدرك الممتلئ بالأغيار، والمشحون بالحجب التي تبعده عن الواحد القهار.

قلت: إن لم أرجع للكتاب.. ولا السنة.. ولا العقل.. فلمن أرجع؟

قال: لأهل الله… العارفين بالله.. أولئك الذين كشفت لهم الأسرار، وزالت عنهم الأغيار.. فشاهدوا الحقائق أوضح من نور النهار.

قلت: لا بأس.. فأسمعني كلامهم.. فلعل فيه من الحجة ما يجعلني أنقاد له.

قال: كلهم متفقون على ذلك.. لقد قال شيخنا عبد الغني النابلسي في شرحه على الفصوص، وفي [الفص الإسماعيلي]: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار انقضى يوم القيامة، وجاء يوم الخلود كما قال تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُود} [ق:34]، فإذا زال الحجاب بالتجلي على أهل النار، المكنى عنه في الحديث بوضع القدم، والمشار إليه في قوله تعالى: { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب} [الحديد:13] الآية، فالباطن الذي فيه الرحمة هو التجلي، والعذاب في الظاهر، فعند ذلك ينقلب العذاب عذوبة لهم مع بقائه كما كان على الأبد، ولهذا قال: (يسمى) أي ذلك العذاب عذاب أهل النار (عذابا) مشتقا (من)العذوبة وهي الحلاوة لأجل (عذوبة طعمه) في أذواقهم وإن بقيت عينه في الظاهر معاقبة وإيجاعا (وذاك) أي ما هو في الظاهر من صورة المعاقبة (له) أي لما في الباطن من اللذة والعذوبة (كالقشر) الذي يكون للبوب والحبوب (والقشر صائن)، أي حافظ ساتر لما في داخله من اللب، وذلك بعد استيفاء مدة ما هم فيه من استيلاء الأوهام على خيالاتهم الفاسدة حتى يتحققوا بالواحد الحق في كل ما التبس عليهم فيه، ويشهدونه في الظواهر والبواطن، ويرجهون إلى ما كانوا فيه من البواطن) ([1])

قلت له: هذا كلام خطير، وهو يتنافى تماما مع ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة من وصف العذاب والألم والشدة التي يعانيها أهل جهنم، فقد قال تعالى في وصف عذاب أهل النار، وعظم ما هم فيه: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [الأحزاب:64-65]، فهل هذه اللعنة التي أخبر الله عن تنزلها عليهم رحمة؟

وقال تعالى في وصف حالهم وألمهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة:36-37]، فهل يمكن لمن ينزل فندقا ممتلئا بالعذوبة أن يطلب مغادرته؟

وقال تعالى في وصف طعامهم: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ} [الغاشية:6-7]، وقال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [الواقعة:51-56]، وقال: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [المزمل:12-13]، فهل هذا وصف لعذاب أم لنعمة؟ وهل هو وصف لسجن ممتلئ بزنزانات التعذيب، أم هو وصف لفنادق ممتلئة باللذة والعذوبة؟

وقال تعالى في وصف آلامهم وصياحهم وعذابهم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [فاطر:36-37]، وقال: { إِنا أَعْتَدْنَا لِلظالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29]، فهل يمكن لمن نزل الفنادق الممتلئة بالعذوبة أن يندم أو يطلب الخروج منها؟

بعد أن ذكرت له هذا وغيره، قال لي: أنت تقرأ القرآن بعقلك، وفي منزلتك.. لكن عندما ترقى إلى المنازل العليا، وتكشف لك الحقائق.. فستفهم من هذه الآيات التي كنت تقرؤها خلاف ما تفهم الآن.

قلت: لا بأس.. فهل وصلت أنت إلى تلك المحال، واكتشفت بنفسك تلك الحقائق؟

قال: أنا لا أحتاج لكل ذلك، فحبي لأهل الله وأوليائه، وتصديقي المطلق لهم، يجعلني أرى الحقائق بعيونهم، وأسمعها بآذانهم.. لقد قال الإمام الجنيد: (لو علمتُ أن لله عِلماً تحت أديم السَّماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا، لَسَعيتُ إليه وأخذته)، وقال: (التصديق بعلمنا هذا: ولايَةٌ)، وقال الإمام أبو عبد الرحمن السُّلمي: (إن الصوفية: أمان الله في أرضه، وأخدانُ أسراره وعِلمِه، وصفوته من خلقِه، وهم ممدوحون بلسان النبوة.. فمن أنكر هذا المذهب فلقلة معرفته، وقِلة الاهتداء لحقائقه.. قال تعالى: { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيم} [الأحقاف:11])

قلت له: لا بأس.. أليس الإمام علي من أهل الله، ومن العارفين به؟

غضب، وقال: ومن قال خلاف ذلك.. إننا معشر الصوفية نحب أهل البيت، ونعظمهم، بل إنه لا يوجد في الدنيا من يعظمهم مثلنا، وكل أسانيدنا لمشايخنا ترجع للإمام علي.

قلت: أعرف ذلك منكم، ولكن ليس الشأن في أن تحبه بقلبك، ثم تخالفه بفعلك حتى لا تصير كمن قال فيهم الفرزدق: (قلوبهم معك، وسيوفهم مع بني أمية)

قال: أولئك هم الروافض الكذبة أدعياء محبة أهل البيت.. أما نحن فنحبهم بصدق.

قلت: فقد قال الإمام علي خلاف ما قال أهل الله الذين نسبت لهم تلك الأقوال.. لقد قال مخاطبا أصحابه: (اعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار فارحموا نفوسكم، فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا، أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والعثرة تدميه، والرمضاء تحرقه؟ ! فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيع حجر، وقرين شيطان؟ !) ([2])

وقال مخاطبا الأحنف بن قيس: (فلو رأيتهم يا أحنف ! ينحدرون في أوديتها ويصعدون جبالها، وقد ألبسوا المقطعات من القطران، واقرنوا مع فجارها وشياطينها، فإذا استغاثوا بأسوأ أخذ من حريق شدت عليهم عقاربها وحياتها)

قال صاحبي الصوفي: ما ذكرته صحيح..وكلام الإمام علي كان مع العوام، لا مع الخواص.. فهذه العلوم أسرار.. ولا تباح لكل الناس.

قلت: فكيف أباحها هؤلاء ونشروها، ولم يستنوا فيها بسنة إمامهم الذي يزعمون انتسابهم إليه؟

نظر إلي نظرة طويلة تصورت أنه قد رجع فيها للحق، وأعمل فيها عقله وكلام ربه وكلام أهل الله الذي لا يقدم بين يدي الله.. لكني فوجئت به يصيح في وجهي صيحة شديدة، ويقول: لن أجادلك أكثر من هذا.. فأنت محجوب بعقلك.. وأنت أبعد الناس عن معاني أهل الله.. وأنت.. وأنت..

وبقي يردد ذلك، والزبد يتطاير من فمه كما يتطاير من أفواه من نراهم يطلقون على أنفسهم لقب السلفية.

([1]) الفصوص (1/333)

([2]) نهج البلاغة: الخطبة 183.


د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

أخطاء منهجية في التعامل مع مصطلحي (السلفية) و(الصوفية)

 أخطاء منهجية في التعامل مع مصطلحي (السلفية) و(الصوفية)

.
يختلف بعض الإخوة ومنهم حتى بعض طلبة العلم -مع الأسف- في مسألة من مسائل الفقه، فتراهم ينحاز أحدهم لطرف (السلفية) والآخر لطرف (الصوفية) ويعلو بينهما الجدل، وكل يحاول دعم (مذهبه) بما استطاع من الإدلة والأقيسة والقرائن، وهذا كله ليس من العلم في شيء.
.
الخطأ المنهجي القاتل؛ أن السلفية والصوفية في الحقيقة ليس مذهبين فقهيين، ولا ينبغي لهما ذلك.
فالسلف هم الصحابة والتابعون -رضي الله عنهم أجمعين- وقد اتفق المسلمون على تعظيمهم وتقديمهم على من سواهم (خير القرون قرني)، وفيهم الفقهاء المعروفون كعمر وعلي وعائشة وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وهؤلاء قد اجتهدوا فاتفقوا في مسائل واختلفوا في مسائل، وقد أخذ عنهم من جاء بعدهم حتى تأصّلت المذاهب الفقهية المعروفة كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، فادّعاء أن السلف لهم مذهب موحّد ادعاء باطل، وجعل هذا المذهب المدّعى في مقابل المذاهب الأربعة ادعاء باطل كذلك وهو خطير جدا، لأن فيه اتهاما صريحا أو مبطّنا لأئمة المذاهب الأربعة ونحوهم أنهم ابتدعوا فقها جديدا يخالف ما كان عليه السلف.
.
أما الصوفية فلم يقل أحد من رجالهم المعروفين بأن التصوف مذهب فقهي، بل هم يعظمون المذاهب الأربعة ويأمرون الناس باتباعهم، وقد استمر هذا -والحمد لله- في كل المدارس الشرعية ذات الطابع الصوفي إلى اليوم، وقد تخرجت من مدرسة الآصفية العريقة فما قرأت فيها سطرا واحدا يقول: مذهب الصوفية في هذه المسألة الفقهية كذا أو كذا، ثم اطلعت على مناهج المدارس الصوفية النقشبندية في مناطق مختلفة من تركيا، فوجدتهم متمسكين غاية التمسك بالمذهب الحنفي أو الشافعي، ولا يذكرون للتصوف قولا في الفقه أبدا.
.
هذا هو الوضع الطبيعي، فالتصوف هو علم التزكية والتربية الروحية، ولا يمكن أن يكون بديلا عن أي علم شرعي آخر كالعقيدة أو التفسير أو الحديث أو الفقه، وأما التصوف الفلسفي البعيد عن نور الوحي والبعيد عن معاني التزكية فهو تصوّف آخر لا شأن لنا به، وهو الذي ذمه أئمة التصوف الموثوقون، يقول السيد الإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد: "قال الحارث قال أبو يزيد لا ينقص ولا يزيد، قال الشافعي قال مالك أنجح الطرق وأقرب المسالك... صموا أسماعكم عن علم الوحدة (وحدة الوجود ) وعلم الفلسفة، وما شاكلهما، فإن هذه العلوم مزالق الأقدام إلى النار... أي سادة إن نهاية طريق الصوفية نهاية طريق الفقهاء، ونهاية طريق الفقهاء نهاية طريق الصوفية... والطريقة هي الشريعة والشريعة هي الطريقة"
.
نعم ربما يلتبس على غير طلبة العلم الجادّين بعض الأقوال الفقهية لرجالات التصوّف، والصحيح أن هذه الأقوال تعبر عن شخصية العالم الفقهية وليست شخصيته الصوفية، فحجة الإسلام الغزالي مثلا كان فيلسوفا وفقيها وصوفيا، فإذا ناقش الفلاسفة كان ذلك من شخصيته الفلسفية وإذا اجتهد في الفقه كان ذلك من شخصيته الفقهية وإذا تكلم في التزكية كان ذلك من شخصيته الصوفية. فلا ينبغي أن نخلط في ذلك.
.
وقد رأيت من بعض الصوفية من يشنّع على قول لسلفي غاية التشنيع وهو في الحقيقة قول لمالك أو أحمد إن لم يكن قولا لواحد من الصحابة، ورأيت كذلك من بعض السلفية من يشنّع على قول لصوفي غاية التشنيع وهو في الحقيقة قول للشافعي أو أحمد إن لم يكن قولا لواحد من الصحابة أيضًا.
.
لقد نسي هؤلاء وهؤلاء أن كثيرا من أئمتنا المتفق على إمامتهم كانوا يجمعون بين الطريقتين؛ طريقة الفقهاء وطريقة الصوفية ومنهم الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني الذي كان فقيها حنبليا وكان إمامًا من أئمة الدنيا في التزكية والتربية، أفلا تعجب من صوفي قادري يهزأ بقول لأحمد بن حنبل ظنا منه أن هذا قول خصمه (السلفي)! وفي المقابل ترى سلفيا تيميا يطعن بالشيخ عبد القادر وما علم أن الشيخ الإمام ابن تيمية كان حينما يذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني يقول: (قدّس الله روحه) وقد حصل لي موقف في أحد مساجد قطر أني استشهدت بقول للشيخ عبد القادر فقام شاب معترضا فأفهمته والحمد لله أنه تفهم.
.
فيا إخواني ويا أخواتي نصيحتي العلمية والمنهجية أنه إذا عرضت لكم مسألة فقهية فارجعوا فيها إلى المذاهب المعتبرة في الفقه، وإذا أراد أحدكم التوسّع فلينظر في فقهاء الصحابة والتابعين، كما فعل شيخنا العلامة هاشم جميل في كتابه الرائع (فقه سعيد بن المسيّب)، وإذا عرضت لكم مسألة في التفسير فابحثوها في كتب التفسير المعتبرة، وفي الحديث في كتب الحديث، وهكذا، واتركوا التنابز بالألقاب فإنما هو حيدة عن طريق الحق وعن منهج العلم، وفيه ما فيه من ظلمة الروح وقساوة القلب.
.
هذه نصيحتي وهي التي ألقى بها ربي
والله يغفر لنا ويجعلنا من المقبولين عنده
وصلى اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
.
د . محمد عياش الكبيسي
دكتوراه في العقيدة الاسلامية
قد يكون رسمًا توضيحيًا لـ ‏‏‏شخص واحد‏، و‏‏بانر‏، و‏بوستر‏‏‏ و‏نص‏‏
عرض الرؤى والإعلانات
أعجبني
تعليق
مشاركة

الأربعاء، 14 فبراير 2024

ما حكم احتفال بعضهم في كل 14 شباط من كل سنة بعيد الحب ولبس اللون الأحمر والتهادي في هذا اليوم؟

  

حكم الاحتفال بعيد الحب💥

السؤال: شيخنا ما حكم احتفال بعضهم في كل 14 شباط من كل سنة بعيد الحب ولبس اللون الأحمر والتهادي في هذا اليوم؟ فقد انتشر مع الاسف بين المسلمين في وقتنا الحاضر! . بارك الله فيكم
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه: وبعد:
👈فان اصل ما يسمّى عيد الحب أو (الفالنتاين) روماني جاهلي ، استمر الاحتفال به حتى بعد دخول الرومان في النصرانية ، وارتبط العيد بالقس المعروف بإسم فالنتاين في القرن الثالث الميلادي، وفي تلك الفترة كان حكم الإمبراطورية الرومانية لكلايديس الثاني الذي قام بتحريم الزواج على جنوده، بحجة أن الزواج يربطهم بعائلاتهم فيشغلهم ذلك عن خوض الحروب وعن القتال، فقام فالنتاين بالتصدي لهذا الأمر، وكان يقوم بتحرير عقود الزواج سرًا، ولكن افتضح أمره وقبض عليه، وحكم عليه بالإعدام .
وفي سجنه وقع في حب ابنة السجّان، وقد نفذ فيه حكم الإعدام في 14 شباط –فبراير- عام 270م، ومن هذا اليوم أطلق عليه لقب قديس وكان قسيساً قبل ذلك، لأنهم يزعمون أنه فدى النصرانية بروحه وقام برعاية المحبين.
👈ويقوم الشبان والشابات في هذا اليوم بتبادل الورد، ورسائل الحب، وبطاقات المعايدة، وغير ذلك مما يعد مظهرا من مظاهر الاحتفال بهذا اليوم.
وأهل الغرب يجعلون من هذا العيد مناسبة نادرة لممارسة الجنس على أوسع نطاق، ويشيعون فيه الفاحشة والمنكر والعياذ بالله.
ومع الأسف انتقل هذا إلى بعض المسلمين، فأخذوا يحتفلون به جهلا منهم بحقيقته، فإن الإحتفال بيوم عيد الحب والإحتفاء به واتخاذه مناسبة لتبادل الحب والغرام وإهداء الهدايا الخاصة فيه ، والتهنئة به ، بدعة ليس له أصل في الشرع ، وفاعله آثم مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب ، لما فيه من الدعوة إلى العشق والغرام والحب المحرم ، واشتغال القلب بما يضعف إيمانه ويقوي داعي الشهوة فيه وإشاعة الفاحشة والرذيلة وإقامة العلاقات غير الشرعية بين أبناء المسلمين من خلال الحفلات المختلطة والبرامج والسهرات المشبوهة.
👈ويَحرُم إنفاق المال في سبيل ذلك ، ولا يجوز لمسلم المشاركة أو إجابة الدعوة ، ويحرُم على الأسواق بيع الأدوات التي تستخدم في ذلك ، فلا يجوز الاحتفال بهذا العيد ولا بشيء من أعياد الكفار ؛ لأن العيد من جملة الشرع الذي يجب التقيد فيه بالنص .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم [ص 207]: (الأعياد من جملة الشرع والمنهاج والمناسك التي قال الله سبحانه عنها :  لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا  [المائدة:48]، وقال تعالى : لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ [الحج:67]، كالقبلة والصلاة والصيام ، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد ، وبين مشاركتهم في سائر المناهج ؛ فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر ، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر ، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع ، ومن أظهر ما لها من الشعائر ، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره ، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة) .
👈قد دلت الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ أن الأعياد في الإسلام اثنان فقط هما: عيد الفطر وعيد الأضحى، وما عداهما من الأعياد سواء فهي أعياد مبتدعة، لا يجوز لأهل الإسلام فعلها ولا إقرارها، ولا إظهار الفرح بها، ولا الإعانة عليها بشيء، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى، ومن يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه.
فعن أنس -رضي الله عنه- قال: قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال:(( ما هذان اليومان؟ )) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر )) رواه أبو داود وأحمد، وصححه الشيخ الألباني.
اذا انضاف إلى العيد المخترع كونه من أعياد الكفار؛ فهذا إثم إلى إثم، لأن في ذلك تشبهاً بهم، ونوع موالاة لهم ، وقد نهى الله سبحانه المؤمنين عن التشبه بهم وعن موالاتهم في كتابه العزيز، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((من تشبّه بقوم فهو منهم)) رواه أبو داود وأحمد وصححه الشيخ الألباني .
👍فيجب على شباب المسلمين وفتياتهم أن يتقوا الله تعالى ويلتزموا بشرعه ويتركوا هذه البدعة والاحتفالات السيئة، وأن يلجأوا إلى الله تعالى بطلب هدايته، والثبات عليها، فإنه لا هادي إلا الله تعالى ، ولا عاصم من مضلات الهوى إلا هو سبحانه، وعليهم الاعتصام بالكتاب والُسنّة في جميع أحوالهم، لاسيما في أوقات الفتن وكثرة الفساد، وأن يحذروا من الوقوع في ضلالات المغضوب عليهم والضالين والفاسقين، الذين لا يرجون لله وقاراً. والله تعالى اعلم.
✍️د. ضياء الدين عبدالله الصالح ----
عيد الحب وهويتنا الضائعة !
قد يستغرب البعض هذا الربط , فيقول , وما علاقة عيد الحب بالهوية والشخصية ؟
نعم هناك علاقة وثيقة لو تأملنا حالنا جيدا !
منذ متى ونحن نحتفل بعيد الحب ولماذا هناك أصلا عيد للحب ؟
هل الحب هو ذكرى موسمية او مناسبة فلكلورية مثلا !
ام ان الحب حالة إنسانية ملازمة للإنسان لا يمكن الفكاك منها !
اعتقد لا يختلف انسان عاقل على ان الإجابة هي الثانية ؟
اذا فلماذا يُراد للعالم ان يقف على رجل واحدة في يوم محدد ليستقبل عيد الحب !
هنا ينبغي ان نقف وننظر الى ما وراء الاكمة ,
يعيش العالم كله اليوم بما فيه (الامة الإسلامية ) حالة ضعف وانهزام امام العولمة الغربية التي تريد فرض نفسها على كل شيئ في هذا العالم من ادغال افريقيا وصولا الى سواحل اليابان !
كل شيء ينبغي ان يصطبغ بالصبغة الغربية ,
الوجوه والاجساد والشعر والدور والاسواق !
الثقافة والادب والفن والعلوم والمعارف وكل شيئ وصولا الى الدين !
حتى الفكرة والخيال والمشاعر يريدون ان يصبغوها بثقافاتهم !
اصبح كل شيئ خارج دائرة نمط الحياة الغربية تخلفا ورجعية وتأخرا عن مواكبة العصر !
وبالعودة الينا كمسلمين .. فإن الله تعالى ميّز هذه الامة عن غيرها من الأمم ان جعلها خير امة أخرجت للناس – بشروطها – واوجد فيه الطاقة الكامنة لتغيير العالم وصبغه بالصبغة الإلهية
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة : 138]
فجاء الإسلام ليخرج البشرية من جاهليتها – في كل وقت – ويرتقي بها الى النور المبين .
وقد ميّز الله هذه الامة بهوية جامعة مانعة ذات ركائز ثابتة لا ينبغي الحيد عنها وهي بذلك استحقت ان تكون الامة الأعلى {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
فكانت هي الامة الغالبة التي تتبعها الأمم ولكن لما اضاعت الامة ايمانها وهويتها نزلت من سلم الحضارة وأصبحت امة منقادة الى غيرها !
ولكن هل ينبغي ان نبقى في دائرة التبعية للاخر والانبهار به ؟
هنا يأتي دور الاخيار في هذه الامة لانتشالها من دائرة الضياع والتبعية والانبهار وتفجير الطاقة الكامنة في جسد وروح هذه الامة لدخولها دائرة التدافع من جديد ..
الامة اليوم بحاجة الى رجال صادقين ينقذونها ويرتقون بها من جديد .
نحن اليوم بحاجة الى فهم الإسلام فهما صحيحا كما فهمه الصحابة الأوائل الذين حملوا الدين الى مشارق الأرض ومغاربها ..
ان الفهم الصحيح للدين هو الخطوة الأولى في طريق الإصلاح وذلك لان مشكلتنا الحقيقية اليوم مشكلة فهم قبل أي شيئ آخر .
كثير من المسلمين لم يفهموا الدين بعد , بعضهم فهمه دينا مشاعريا والأخر فهمه دينا تاريخيا والأخر يفهمه دينا دمويا وهكذا !!
وقلّما تجد الفهم الصحيح المستقيم لهذا الدين ..
نحن بحاجة الى أخذ الإسلام جملة واحدة وفهمه فهما واحد لا مجتزئا ولم يجني علينا سوى اجتزائنا للدين وتحريفنا له !
تصحيح التصور للدين هو المفتاح لتفجير الطاقة الكامنة في الإسلام لتغيير العالم .
والقفز عبر المراحل لتحصيح السلوكيات قبل التصورات جعلنا ندفع ثمنا كبير ..
الإسلام جاء ليبني الانسان من الداخل أولا فاذا اكتمل ذلك كان بناءه من الخارج سهلا متيسرا .
هذا وان الامة معقود باجيال جديدة من الشباب تنفض عن روحها غبار الهزيمة امام الحضارة المادية الغربية وتنفض عن روحها مرة ثانية مزالق التحزبات والعصبيات المذهبية والطائفية والقومية والقطرية لتثب من جديد الى ريادة العالم وان غدا لناظره قريب .
والحمد لله رب العالمين
كتبه :
محمد الحسيني السامرائي
قد تكون صورة ‏قلب‏

حكم الاحتفال بعيد الحب؟

 

حكم الاحتفال بعيد الحب💥

السؤال: شيخنا ما حكم احتفال بعضهم في كل 14 شباط من كل سنة بعيد الحب ولبس اللون الأحمر والتهادي في هذا اليوم؟ فقد انتشر مع الاسف بين المسلمين في وقتنا الحاضر! . بارك الله فيكم
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه: وبعد:
👈فان اصل ما يسمّى عيد الحب أو (الفالنتاين) روماني جاهلي ، استمر الاحتفال به حتى بعد دخول الرومان في النصرانية ، وارتبط العيد بالقس المعروف بإسم فالنتاين في القرن الثالث الميلادي، وفي تلك الفترة كان حكم الإمبراطورية الرومانية لكلايديس الثاني الذي قام بتحريم الزواج على جنوده، بحجة أن الزواج يربطهم بعائلاتهم فيشغلهم ذلك عن خوض الحروب وعن القتال، فقام فالنتاين بالتصدي لهذا الأمر، وكان يقوم بتحرير عقود الزواج سرًا، ولكن افتضح أمره وقبض عليه، وحكم عليه بالإعدام .
وفي سجنه وقع في حب ابنة السجّان، وقد نفذ فيه حكم الإعدام في 14 شباط –فبراير- عام 270م، ومن هذا اليوم أطلق عليه لقب قديس وكان قسيساً قبل ذلك، لأنهم يزعمون أنه فدى النصرانية بروحه وقام برعاية المحبين.
👈ويقوم الشبان والشابات في هذا اليوم بتبادل الورد، ورسائل الحب، وبطاقات المعايدة، وغير ذلك مما يعد مظهرا من مظاهر الاحتفال بهذا اليوم.
وأهل الغرب يجعلون من هذا العيد مناسبة نادرة لممارسة الجنس على أوسع نطاق، ويشيعون فيه الفاحشة والمنكر والعياذ بالله.
ومع الأسف انتقل هذا إلى بعض المسلمين، فأخذوا يحتفلون به جهلا منهم بحقيقته، فإن الإحتفال بيوم عيد الحب والإحتفاء به واتخاذه مناسبة لتبادل الحب والغرام وإهداء الهدايا الخاصة فيه ، والتهنئة به ، بدعة ليس له أصل في الشرع ، وفاعله آثم مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب ، لما فيه من الدعوة إلى العشق والغرام والحب المحرم ، واشتغال القلب بما يضعف إيمانه ويقوي داعي الشهوة فيه وإشاعة الفاحشة والرذيلة وإقامة العلاقات غير الشرعية بين أبناء المسلمين من خلال الحفلات المختلطة والبرامج والسهرات المشبوهة.
👈ويَحرُم إنفاق المال في سبيل ذلك ، ولا يجوز لمسلم المشاركة أو إجابة الدعوة ، ويحرُم على الأسواق بيع الأدوات التي تستخدم في ذلك ، فلا يجوز الاحتفال بهذا العيد ولا بشيء من أعياد الكفار ؛ لأن العيد من جملة الشرع الذي يجب التقيد فيه بالنص .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم [ص 207]: (الأعياد من جملة الشرع والمنهاج والمناسك التي قال الله سبحانه عنها :  لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا  [المائدة:48]، وقال تعالى : لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ [الحج:67]، كالقبلة والصلاة والصيام ، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد ، وبين مشاركتهم في سائر المناهج ؛ فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر ، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر ، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع ، ومن أظهر ما لها من الشعائر ، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره ، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة) .
👈قد دلت الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ أن الأعياد في الإسلام اثنان فقط هما: عيد الفطر وعيد الأضحى، وما عداهما من الأعياد سواء فهي أعياد مبتدعة، لا يجوز لأهل الإسلام فعلها ولا إقرارها، ولا إظهار الفرح بها، ولا الإعانة عليها بشيء، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى، ومن يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه.
فعن أنس -رضي الله عنه- قال: قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال:(( ما هذان اليومان؟ )) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر )) رواه أبو داود وأحمد، وصححه الشيخ الألباني.
اذا انضاف إلى العيد المخترع كونه من أعياد الكفار؛ فهذا إثم إلى إثم، لأن في ذلك تشبهاً بهم، ونوع موالاة لهم ، وقد نهى الله سبحانه المؤمنين عن التشبه بهم وعن موالاتهم في كتابه العزيز، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((من تشبّه بقوم فهو منهم)) رواه أبو داود وأحمد وصححه الشيخ الألباني .
👍فيجب على شباب المسلمين وفتياتهم أن يتقوا الله تعالى ويلتزموا بشرعه ويتركوا هذه البدعة والاحتفالات السيئة، وأن يلجأوا إلى الله تعالى بطلب هدايته، والثبات عليها، فإنه لا هادي إلا الله تعالى ، ولا عاصم من مضلات الهوى إلا هو سبحانه، وعليهم الاعتصام بالكتاب والُسنّة في جميع أحوالهم، لاسيما في أوقات الفتن وكثرة الفساد، وأن يحذروا من الوقوع في ضلالات المغضوب عليهم والضالين والفاسقين، الذين لا يرجون لله وقاراً. والله تعالى اعلم.
✍️د. ضياء الدين عبدالله الصالح