الاثنين، 17 مارس 2025

سُئل الشيخ بن عثيمين في لقاء الباب المفتوح رقم الشريط (س211): ما حكم المشاركة في الانتخابات ؟

 سُئل الشيخ بن عثيمين في لقاء الباب المفتوح رقم الشريط (س211): ما حكم المشاركة في الانتخابات ؟

فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى:
((أنا أرى أنَّ الانتخابات واجبة, يجب أن نعين من نرى أنَّ فيه خيراً, لأنه إذا تقاعس أهل الخير من يحل محلهم؟ أهل الشر, أو الناس السلبيون الذين ليس عندهم لا خير ولا شر؛ أتباع كل ناعق، فلا بد أن نختار من نراه صالحاً.
فإذا قال قائل: اخترنا واحداً لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك؟
نقول: لا بأس, هذا الواحد إذا جعل الله فيه بركة وألقى كلمة الحق في هذا المجلس سيكون لها تأثير ولابد, لكن ينقصنا الصدق مع الله, نعتمد على الأمور المادية الحسية ولا ننظر إلى كلمة الله عز وجل,
ماذا تقول في موسى عليه السلام عندما طلب منه فرعون موعداً ليأتي بالسحرة كلهم, واعده موسى ضحى يوم الزينة -يوم الزينة هو: يوم العيد؛ لأنَّ الناس يتزينون يوم العيد- في رابعة النهار وليس في الليل, في مكان مستوٍ, فاجتمع العالم، فقال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: "وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى" كلمة واحدة صارت قنبلة, قال الله عز وجل: "فَتَنَازَعُوا أمرهُمْ بَيْنَهُمْ" الفاء دالة على الترتيب والتعقيب والسببية, من وقت ما قال الكلمة هذه تنازعوا أمرهم بينهم, وإذا تنازع الناس فهو فشل, كما قال الله عز وجل: "وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا"؛ "فَتَنَازَعُوا أمرهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى", والنتيجة أنَّ هؤلاء السحرة الذين جاءوا ليضادوا موسى صاروا معه, ألقوا سجداً لله, وأعلنوا: "آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى", وفرعون إمامهم, أثرت كلمة الحق من واحد أمام أمة عظيمة زعيمها أعتى حاكم.
فأقول: حتى لو فرض أنَّ مجلس البرلمان ليس فيه إلا عدد قليل من أهل الحق، والصواب سينفعون, لكن عليهم أن يصدقوا الله عز وجل.
أما القول: إنَّ البرلمان لا يجوز، ولا مشاركة الفاسقين, ولا الجلوس معهم؟
هل نقول: نجلس لنوافقهم؟!
نجلس معهم لنبين لهم الصواب.
بعض الإخوان من أهل العلم قالوا: لا تجوز المشاركة, لأنَّ هذا الرجل المستقيم يجلس إلى الرجل المنحرف!, هل هذا الرجل المستقيم جلس لينحرف أم ليقيم المعوج؟!
نعم؛ ليقيم المعوج ويعدل منه, إذا لم ينجح هذه المرة نجح في المرة الثانية))
*
- فتوى للشيخ بن عثيمين حول حكم المشاركة في الانتخابات ؟مسجلة على اليوتيوب

الأحد، 16 مارس 2025

رسالة إلى المتشددين في حكم اللحية: حكم حلق اللحية والأخذ منها :

رسالة إلى المتشددين في حكم اللحية:


حكم حلق اللحية والأخذ منها :
قال ابن عبد البر في الاستذكار 4/317: ( وفي أخذ بن عمر من آخر لحيته في الحج دليل على جواز الأخذ من اللحية في غير الحج لأنه لو كان غير جائز ما جاز في الحج لأنهم أمروا أن يحلقوا أو يقصروا إذا حلوا محل حجهم ما نهوا عنه في حجهم, وابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعفوا اللحى وهو أعلم بمعنى ما روى فكان المعنى عنده وعند جمهور العلماء الأخذ من اللحية ما تطاير والله أعلم ...
وعن مالك : أنه بلغه أن سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم دعا بالجلمين فقص شاربه وأخذ من لحيته قبل أن يركب وقبل أن يهل محرما
قال أبو عمر : هذا أحسن لأنه معلوم أن الشعر يطول ويسمح ويثقل فتأهب لذلك, وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة من أصحابه في الطيب قبل الإحرام ما يدفع عنهم ريح عرق أبدانهم هذا واضح والقول فيه تكلف لوضوحه, وفيه أنه جائز أن يأخذ الرجل من لحيته وذلك إن شاء الله كما قال مالك يؤخذ ما تطاير منها وطال وقبح)اه
وفي الاستذكار أيضا 8/429 :(قال أبو عمر : روى أصبغ عن بن القاسم قال سمعت مالكا يقول: لا بأس أن يأخذ ما تطاير من اللحية وشذ, وقال : فقيل لمالك : فإذا طالت جدا فإن من اللحى ما تطول قال : أرى أن يؤخذ منها وتقصر...
قال أبو عمر : قد صح عن ابن عمر ما ذكرناه عنه في الأخذ من اللحية وهو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى وهو أعلم بما روى ) اه
وقال في التمهيد 24/145 : (اختلف أهل العلم في الأخذ من اللحية : فكره ذلك قوم وأجازه آخرون, وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا يحيى بن إبراهيم قال حدثنا أصبغ عن ابن القاسم قال سمعت مالكا يقول : لا بأس أن يؤخذ ما تطايل من اللحية وشذ قال فقيل لمالك : فإذا طالت جدا فإن من اللحى ما تطول قال : أرى أن يؤخذ منها وتقصر... قال أبو عمر : هذا ابن عمر روى اعفوا اللحى وفهم المعنى فكان يفعل ما وصفنا, وقال به جماعة من العلماء في الحج وغير الحج ) اه
وفي المنتقى شرح الموطأ 7/165 : (فصل) : وقوله صلى الله عليه وآله وسلم أعفوا اللحى قال : أبو عبيد معناه وفروا اللحى لتكثر يقال منه عفا بنو فلان إذا كثروا . وقال القاضي أبو الوليد رضي الله عنه: ويحتمل عندي أن يريد أن تعفى اللحى من الإحفاء ; لأن كثرتها أيضا ليس بمأمور بتركه) اه
وفي شرح الزرقاني على الموطأ 4/426 : (روى الترمذي وقال غريب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها بالسوية
أي ليقرب من التدوير من كل جانب لأن الاعتدال محبوب والطول المفرط قد يشوه الخلق ويطلق ألسنة المغتابين ففعل ذلك مندوب ما لم ينته إلى تقصيص اللحية وجعلها طاقات فيكره أو يقصد الزينة والتحسين لنحو النساء
فلا منافاة بين فعله وأمره لأنه في الأخذ منها لغير حاجة أو لنحو تزيين وفعله فيما احتيج إليه لتشعث أو إفراط طول يتأذى به, وقال الطيبي : المنهي عنه قصها كالأعاجم أو وصلها كذنب الحمام وقال الحافظ : المنهي عنه الاستئصال أو ما قاربه بخلاف الأخذ المذكور ) اه
وفي الثمر الداني 1/683 : (قال مالك ولا بأس بالأخذ) بمعنى يستحب الأخذ (من طولها إذا طالت كثيرا ) والمعروف لا حد للأخذ منها إلا أنه لا يتركها لنحو الشهرة ( و ) ما قاله مالك ( قاله ) قبله ( غير واحد ) أي أكثر من واحد ( من الصحابة والتابعين ) رضي الله عنهم أجمعين ) اه
وفي الفواكه الدواني 2/306 : ( ولا بأس بحلق غيرها أي غير العانة من شعر الجسد كشعر اليدين والرجلين ونحوهما من بقية شعر الجسد حتى شعر حلقة الدبر إلا الرأس واللحية فإن حلقهما بدعة محرمة في اللحية وغير محرمة في الرأس لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يحلق رأسه إلا في التحلل من الحج والظاهر من لا بأس الإباحة ) اه
وفي الفواكه الدواني أيضا 2/307 : (والمتبادر من قوله (وأمر) الوجوب وهو كذلك إذ يحرم حلقها إذا كانت لرجل وأما قصها فإن لم تكن طالت فكذلك, وأما لو طالت كثيرا فأشار إلى حكمه بقوله: قال مالك رضي الله عنه: ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت طولا كثيرا بحيث خرجت عن معتاد غالب الناس فيقص الزائد لأن بقاءه يقبح به المنظر
وحكم الأخذ الندب فلا بأس هنا لما هو خير من غيره, والمعروف لا حد للمأخوذ وينبغي الاقتصار على ما تحسن به الهيئة, وقال الباجي: يقص ما زاد على القبضة ويدل عليه فعل ابن عمر وأبي هريرة فإنهما كانا يأخذان من لحيتهما ما زاد على القبضة والمراد بطولها طول شعرها فيشمل جوانبها فلا بأس بالأخذ منها أيضا...)اه
وفي الفواكه الدواني أيضا 2/308 : (تنبيهان :
الأول : ظاهر كلام المصنف أنه لا يجوز إلا أخذ الزائد على المعتاد فيفهم منه أنه لا يجوز حلق ما تحت الحنك وهو كذلك فقد نقل عن مالك كراهته حتى قال إنه من فعل المجوس ونقل عن بعض الشيوخ أن حلقه من الزينة فتكون إزالته من الفطرة
وأقول: يمكن الجمع بحمل كلام الإمام على ما يلزم على بقائه تضرر الشخص ولا تشويه خلقته وكلام غيره على ما يلزم على بقائه قبح منظر صاحبه أو تضرره به وقد روي أن عليه الصلاة والسلام كان يأخذ من عرض لحيته وطولها وكان يأمر أن يؤخذ من باطن اللحية وأما شعر الخد فالذي اختاره ابن عرفة جواز إزالته ... وأما شعر العنفقة فيحرم إزالته كحرمة إزالة شعر اللحية وقيدنا ذلك بالرجل لما مر من أن المرأة يجب عليها إزالة ما عدا شعر رأسها
الثاني : لم يتكلم المصنف على نتف الشيب من اللحية وقال مالك حين سئل عنه : لا أعلمه حراما وتركه أحب إلي أي إزالته مكروهة على الصواب كما يكره تخفيف اللحية والشارب بالموسى تحسينا وتزيينا وإن قصد بذلك التلبيس على النساء كان أشد في النهي ) اه
وفي كفاية الطالب الرباني 2/580: ( وأمر النبي ) صلى الله عليه وآله وسلم في الموطأ ( أن تعفى ) أي توفر ( اللحية ) وقوله ( وتوفر ولا تقص ) تأكيد وقوله ( قال مالك ) رحمه الله ( ولا بأس بالأخذ ) بمعنى يستحب الأخذ ( من طولها إذا طالت كثيرا ) والمعروف لا حد للأخذ منها إلا أنه لا يتركها لنحو الشهرة ( و ) ما قاله مالك ( قاله ) قبله ( غير واحد ) أي أكثر من واحد ( من الصحابة والتابعين ) رضي الله عنهم أجمعين ) اه
وفي حاشية العدوي عليه 2/580 : (من طولها ) وكذا يندب الأخذ من عوارضها كما قال ابن ناجي, قوله ( إذا طالت كثيرا ) أي لا إن لم تطل أو طالت قليلا وفسر بعض الشراح الكثرة بأن خرجت عن المعتاد لغالب الناس أي فيندب له أن يقص الزائد لأن بقاءه يقبح به المنظر
فإن قلت : وما حكم القص عند عدم الطول أو الطول القليل قلت : صرح بعض الشراح بأنه يحرم القص إن لم تكن طالت كالحلق والظاهر أن محل الحرمة كما أفدناك سابقا إذا كان يحصل بالقص مثلة وهو ظاهر عند عدم الطول أو الطول القليل وتجاوز في القص وأما إذا طالت قليلا وكان القص لا يحصل به مثلة فالظاهر أنه خلاف الأولى وحرر
قوله ( والمعروف لا حد للأخذ منها ) أي أنها إذا طالت كثيرا وقلنا لا بأس بالأخذ منها فاختلف على قولين, المعروف منهما أنه لا حد للأخذ أي فيقتصر على ما تحسن به الهيئة ومقابل المعروف ما قاله الباجي أنه يقص ما زاد على القبضة ويدل له ما روي أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يأخذان من اللحية ما زاد على القبضة إلا أنك خبير بأن هذا المقابل لا يقضي بأن محل الخلاف إذا طالت كثيرا كما هو مفاد شارحنا فتدبر...
واختار ابن عرفة جواز إزالة شعر الخد وندب قص شعر الأنف لا نتفه لأن بقاءه أمان من الجذام ونتفه يورث الأكلة ويحرم إزالة شعر العنفقة كما يحرم إزالة شعر اللحية وإزالة الشيب مكروهة كما يكره تخفيف اللحية والشارب بالموسى تحسينا وتزيينا ) اه
وفي مواهب الجليل1/217 : (وحلق اللحية لا يجوز وكذلك الشارب وهو مثلة وبدعة!! ويؤدب من حلق لحيته أو شاربه إلا أن يريد الإحرام بالحج ويخشى طول شاربه
قال ابن يونس في جامعه: قال مالك فيمن أحفى شاربه يوجع ضربا وهو بدعة!! وإنما الإحفاء المذكور في الحج إذا أراد أن يحرم فأحفى شاربه خشية أن يطول في زمن الإحرام ويؤذيه وقد رخص له فيه وكذلك إذا دعت ضرورة إلى حلقه أو حلق اللحية لمداواة ما تحتها من جرح أو دمل أو نحو ذلك والله تعالى أعلم ) اه
وقال القرطبي في المفهم في شرح صحيح مسلم 1/512: ( لا يجوز حلق اللحية ، ولا قصها ، ولا قص الكثير منها، فأما أخذ ما تطاير منها من المشوه ويدعو إلى الشهرة طولاً وعرضاً فحسن عند مالك وغيره من السلف)اه

الخميس، 13 مارس 2025

حكم دفع القيمة في الزكاة الفطر ؟!

 


#دفع_القيمة_في_الزكاة #الأول
هذا المبحث يتألف من عدة نقاط سأتكلم عن النقطة الأولى
#أولا: إخراج الزكاة من الجنس:
خرّج أبو داود عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فقال: ( خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقر من البقر )". 
إخراج  القيمة في زكاة الفطر
قبل كل شيء ينبغي أن يعلم أن مسألة إخراج قيمة زكاة الفطر مختلف فيه بين الفقهاء، وذهب الأحناف إلى جواز إخراج القيمة على حسب نفعه للفقراء، فإن كان الفقير ينفعه القيمة كما في الغالب في زمننا يعطى القيمة، وإن كان الطعام فيعطى الطعام
أليس أجمع العلماء على جواز الخلاف في الفروع من الفقه؟ وهذا منه.
قال الحنفية تفريعاً على مبدئهم أن الواجب في الزكاة جزء من النصاب إما صورة ومعنى أو معنى فقط: يجوز دفع القيمة في الزكاة، وكذا في العشر والخراج وزكاة الفطر والنذر والكفارة غير الإعتاق، وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند الإمام أبي حنيفة، وعند الصاحبين: يوم الأداء، وفي السوائم يوم الأداء بالاتفاق بينهم، ويقوم الواجب في البلد الذي فيه المال، فإن كان في مفازة ففي أقرب الأمصار إليه.
ورد في كتاب البناية شرح الهداية: ويجوز دفع القيمة في الزكاة عندنا، وهو قول عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وطاووس رضي الله عنهم، وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو مذهب البخاري وإحدى الروايتين عند أحمد، ولو أعطى عرضاً عن ذهب أو فضة، وقال أشهب يجزئه، قال الطرطوشي : وهذا قول بين في جواز إخراج القيم في الزكاة، قال: وأجمع أصحابنا على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزأه، وكذلك إذا أعطى ذهباً عن فضة عند مالك، وقال سحنون : لا يجزئه، وهو وجه عند الشافعية، واختار ابن حبيب  دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين. 
ودليلهم أن الواجب أداء الجزء من النصاب من حيث إنه مال، ولأن في ذلك تيسيراً على المزكي، وتوفيراً لحرية الفقير في التصرف بالمال بحسب الحاجة. 
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء، فغضب على المصدِّق – العامل -، وقال: ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس؟ فقال: أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة )، وفي رواية: ( ارتجعتها، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) 
وقال الجمهور: لا يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكاة، لأن الحق لله تعالى، وقد علقه على ما نص عليه، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره، كالأضحية لما علقها على الأنعام لم يجز نقلها إلى غيرها، وبما أن الزكاة قربة لله تعالى، فلا سبيل إلى ذلك إلا اتباع أمر الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( في أربعين شاة شاة، وفي مائتي درهم خمسة دراهم )، وهو وارد بياناً لمجمل قوله تعالى { وآتوا الزكاة } البقرة ٢٧٧. فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ( خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر ) 
وهو نص يجب التزامه، ولا يتجاوز عنه إلى القيمة، لأنه يكون أخذاً من غير المأمور به في الحديث، ولأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص، فلم يجزئه، كما لو أخرج الرديء مكان الجيد، وهذا كله يدل على أن الزكاة واجبة في العين. 
ومع أن مذهبي شافعي، لكنني أميل مع من رجح رأي الحنفية، لأن المقصود من الزكاة إغناء الفقير وسد حاجة المحتاج، وهذا يتحقق بأداء القيمة، كما يحصل بأداء جزء من عين المال المزكى، ولأن الفقير يرغب الآن في القيمة أكثر من رغبته في أعيان الأموال، ولأن إعطاء القيمة أهون على الناس وأيسر في الحساب. 
أما من حيث الدليل فلكل له دليل ووجهة وفهم للنصوص، ونرى أن  بعض العلماء يحجر الخلاف على رأيه، ليس في هذه المسألة فقط، بل في كل المسائل الفقهية.
#دفع_القيمة_في_الزكاة #الثاني
#بعض_الأدلة
هذه بعض الأدلة على جواز دفع القيمة:
رَوَى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعَاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ زَبِيبٍ.
وفي رواية { كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من زبيب ، أو صاعا من أقط ، فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة ، فقال : إني لأرى مدين من سمراء الشام يعدل صاعا من تمر ، فأخذ الناس بذلك ; قال أبو سعيد : فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه } . رواه الجماعة ، لكن البخاري لم يذكر فيه قال : أبو سعيد فلا أزال . . . إلخ ، . وابن ماجه لم يذكر لفظة أو شيئا منه . وللنسائي عن أبي سعيد قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من أقط ) وهو حجة في أن الأقط أصل .
( عن ابن عمر قال : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر ، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين } . رواه الجماعة . ولأحمد والبخاري وأبي داود وكان ابن عمر يعطي التمر إلا عاما واحدا أعوز التمر فأعطى الشعير . وللبخاري وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين ) .
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من صدقة الفطر بقوله: ( أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا اليَوْمِ )
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم النوع وذكر الغاية، وهي إغناء الفقير، وقد يكون الفقير محتاجاً إلى غير الحنطة، وفي هذا عون للفقير وسد لحاجته.
روى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تُعْطِيَ الدَّرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الفِطْرِ.
وروى كَذَلِكَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ: أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ:
فَيَجُوزُ إِخْرَاجُ القِيمَةِ في زَكَاةِ الفِطْرِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في صَحِيحِهِ، وَعَقَدَ في كِتَابِ الزَّكَاةِ تَرْجَمَةً بِعُنْوَانِ (بَابُ العَرْضِ في الزَّكَاةِ).
وَهَذَا مَا عَمِلَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ كَسَيِّدِنَا عُمَرَ وَوَلَدِهِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
وَبِهِ قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ، وَالإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ؛ هذا أولاً.
ثانياً: بِإِخْرَاجِ القِيمَةِ في زَكَاةِ الفِطْرِ يَتَحَقَّقُ الهَدَفُ مِنْ فَرْضِيَّتِهَا، وَهُوَ إِغْنَاءُ الفَقِيرِ، وَبِهَا يُمْكِنُهُ قَضَاءُ حَوَائِجِهِ.
ثالثاً: في إِخْرَاجِ القِيمَةِ حِمَايَةٌ للفُقَرَاءِ مِنَ اسْتِغْلَالِ التُّجَّارِ.
وَخِتَامَاً: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى بِإِخْرَاجِ القِيمَةِ فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِ البَلَدِ فَلَا حَرَجَ، وَالكُلُّ عَلَى صَوَابٍ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى. هذا، والله تعالى أعلم.
ممن أجازوا ذلك...عللوا أنها شرعت لسد رمق الفقير وإغنائه؛ وإذا كان ذلك.. فإعطاء القيمة لا تخرج عن هذه العلة.
ويعجبني ممن يقول : ننظر ما هو أصلح للفقير إن كان قيمة أو طعاما فذلك حكمه.

#دفع_القيمة_في_الزكاة #الثالث
من الذين أجازوا دفع القيمة في زكاة الفطر :
1 _الإمام البخاري ( رحمه الله تعالى ) : وهو الظاهر من مذهبه في صحيحه، قال ابن رشيد: "وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل".
2_مذهب عطاء بن أبي رباح ( رحمه الله ) .
3_الحسن البصري ( رحمه الله ) .
4_عمر بن عبد العزيز ( رحمه الله ) .
5 _سفيان الثوري ( رحمه الله ) .
6_ إسحاق بن راهويه ( رحمه الله ) .
7_مذهب ابن تيمية : أن إخراج القيمة في زكاة الفطر وغيرها يجوز للمصلحة الراجحة، قال في مجموع الفتاوى: "وأما إذا أعطاه القيمة ففيه نزاع: هل يجوز مطلقاً؟ أو لا يجوز مطلقاً؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة، أو المصلحة الراجحة؟ على ثلاثة أقوال ـ في مذهب أحمد وغيره ـ وهذا القول أعدل الأقوال" يعني القول الأخير.
وقال في موضع آخر: "وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد ـ رحمه الله ـ قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على روايتين. والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه... إلى أن قال رحمه الله: "وأما إخراج القيمة للحاجة، أو المصلحة، أو العدل فلا بأس به" أ هـ ,
ورد في الإنصاف: لا تجوز إخراج القيمة، هذا المذهب مطلقاً، أعني سواء كان لحاجة أم لا، لمصلحة أم لا، لفطرة وغيرها، وعليه أكثر الأصحاب، وقيل تجزئ القيمة مطلقاً، وتجزئ في غير الفطرة، وتجزئ للحاجة، نقلها جماعة، منهم القاضي في التعليق، صححها جماعة منهم ابن تميم وابن حمدان، واختاره الشيخ تقي الدين، وقيل لمصلحة أيضاً واختاره الشيخ تقي الدين أيضاً، وذكر بعضهم رواية تجزئ للحاجة.
وقال النووي: زكاة التجارة ربع العشر، فالمذهب الجديد المشهور يخرج من القيمة، والثاني يخرج من العين، والثالث يتخير بينهما.
وقال في موضع آخر: فإذا وجبت شاة عن خمس من الإبل فأخرج بعيراً أجزأه وإن كان قيمته أقل من قيمة الشاة، هذا هو المذهب الصحيح.
فالمشهور عند الشافعية: جواز إخراج القيمة في عروض التجارة، وإن كانوا لا يقولون بالقيمة في غيرها.
وروي عن مالك وجماعة من أصحابه أنه تجزئ القيمة في زكاة الفطر قياساً على جواز فعل الساعي إذا أخذ عن السن غيرها.
8_تنبين مما سبق أن للإمام أحمد ( رحمه الله ) قولاً آخرا بجواز دفع القيمة .
9- أبو إسحاق السبيعي - وهو أحد أئمة التابعين- : قال :" أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام ".
وقد أدرك أبو إسحاق السبيعي ( رحمه الله ) أكثر من ثلاثين صحابياً , ومن بينهم علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) .
من هذا تبين أن غير أبي حنيفة وأصحابه أجاز دفع القيمة , فمنهم أجازها مطلقاً , ومنهم من جعل الحاجة والضرورة شرطاً لجواز دفع القيمة..

#دفع_القيمة_في_الزكاة #الرابع

#تكملة الفقهاء الذين قالوا بالجواز وأدلتهم
جواز دفع القيمة في الزكاة في المذاهب الأربعة:
الذين قالوا بالجواز:
1- يجوز دفع القيمة في الزكاة عند الحنفية والشافعي في الجديد
2- عند المالكية والحنبلية والشافعي في القديم قولان قول بالجواز وقول بالكراهة ، ففي المغني لابن قدامة 3/65 : ظاهر مذهب احمد عدم الجواز وروي عن احمد الجواز ، واما عند المالكية ففي شرح الرسالة لابن ناجي قول الاشهب وابن قاسم : اخراج القيمة مطلقا جائز وقيل بعكسه .
3- ادلة جواز دفع القيمة :
- قوله تعالى في صدقة الفطر (( خذ من اموالهم صدقة )) فالتنصيص هنا على أن المأخوذ مال والقيمة مال
- روى البخاري عن طاووس ، قال : قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ( ائتوني بعرض ثياب خميص - أو لبيس - في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة )
- روى البخاري عن أنس رضي الله عنه حدثه:( أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم: «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما )
- قال ابن قدامة في المغني: روى سعد بن منصور في سننه عن عطاء قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ العروض من الصدقة بالدراهم .
- روى الامام احمد عن الصنابجي قال: ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة ناقة مسنة، فغضب وقال: « ما هذه؟ » فقال: يا رسول الله، إني ارتجعتها ببعيرين من حاشية الصدقة، فسكت ).
- روى البخاري عن ابن عباس انه قال لمعاذ : ((فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس )) فهذا دليل العدول إلى اخذ القيمة لذلك كان يأخذ المال الثياب كقيمة.
- روى ابن ابي شيبة ، عن عمرو بن حماس ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( يا حماس أد زكاتك مالك )) فقال : والله مالي مال إنما أبيع الأدم والجعاب ، فقال عمر : (( قوّمه وادّ زكاته ).
- روى الدار قطني في سننه عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام فرض صدقة الفطر وقال : (( اغنوهم في هذا اليوم )) فدل أن اغناء الفقير ليس فقط بالشعير والتمر لكن بقيمة ذلك لباسا او دراهم .

#دفع_القيمة_في_الزكاة #الخامس

مسألة: حكم إخراج زكاة الفطر بالقيمة :
أ.د. علي محيي الدين القره داغي / الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المســـــلمين

اختلف فيه الفقهاء قديماً وحديثاً على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: عدم جواز دفع القيمة مطلقاً، بل يجب دفع صاع من غالب قوت البلد ، او نصف صاع من القمح عند جماعة منهم ، وهذا هو المذهب المعتمد عند المالكية، والشافعية ، والحنابلة على المذهب.
وهو رأي الظاهرية أيضاً ، بل ذكر بأنه لا يصح إلاّ التمر والشعير. يراجع المحلى لابن حزم.
المذهب الثاني: جواز دفع القيمة مطلقاً في جميع الأحوال، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف ، واختاره الفقيه المحدث أبو جعفر الطحاوي وهو المعتمد عند الحنفية ، وهو مروي عن سفيان الثوري ، وعمر بن عبدالعزيز ، والحسن البصري ، وغيرهم ، ورواية عن أحمد للحاجة أو مصلحة راجحة ، وهو رأي معظم المعاصرين اليوم، والهيئة العالمية لقضايا الزكاة المعاصرة ، وشيخ الأزهر السابق الشيخ محمود شلتوت والشيخ القرضاوي . يراجع المصادر الفقهية السابقة
فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن قرة : قال : ( جاءنا كتاب عمر بن عبدالعزيز في صدقة الفطر نصف صاع - أي من بُرّ - عن كل إنسان ، أو قيمته نصف درهم)، وعن الحسن قال : لا بأس أن تعطى الدرهم في صدقة الفطر ، وأبو اسحاق قال : (أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام.
وذكر الإمام السرخسي : ( أن الفقيه أبا جعفر رحمه الله يقول : أداء القيمة أفضل ، لأنه أقرب إلى منفعة الفقير ، فإنه يشتري بها ما يحتاج إليه ، والتنصيص على الحنطة والشعير كان ، لأن البياعات في ذلك الوقت بالمدينة يكون بها ، فأما في ديارنا البياعات تجري بالنقود ، وهي أعز الأموال فالأداء بها أفضل) ، بل إنه أسند هذا القول السابق إلى أبي يوسف فقال : ( والدراهم أولى من الدقيق ، لأنها أدفع لحاجة الفقير ، وأعجل به ، كما أن الدقيق أفضل من القمح).
المذهب الثالث : هو أن الأصل دفع صاع من الطعام ، ولكن يجوز للمصلحة الراجحة، او الحاجة دفع القيمة، أو بعبارة أخرى أن يكون النقد أنفع للفقراء من الطعام .
وهذا رأي أبي اسحاق بن راهويه وأبي ثور، فقد جاء في موسوعة فقه سفيان الثوري: ( لو أخرج قيمتها مما هو أنفع للفقير جاز، لأن المقصد منها إغناء الفقراء عن المسألة ، وسدّ حاجتهم في هذا اليوم)
أدلة المذاهب الفقهية :
أولاً - استدل المانعون من دفع القيمة في زكاة الفطر بما يأتي :
1- الأحاديث الصحيحة الدالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر ... الخ ، حيث لم يذكر القيمة وأنها لو جازت لبيّنها ، وبالتالي فإنه من يدفع القيمة لم ينفذ ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم به .
2- إن الزكاة عبادة وقربة إلى الله ، فالأصل والواجب فيها الاتباع دون الابتداع ، وبعبارة فقهية فهي تعبدية لا تخضع للقياس والاجتهاد.
تلك هي أهم الأدلة التي استدل بها المانعون قديماً وحديثاً، ولكن يمكن أن يناقش ذلك بما يأتي:
أ- أن ما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة من أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرض صاعاً من تمر...الخ ، هو تعبير الصحابي عما فرضه الرسول صلى الله عليه وسلم وليس قوله صلى الله عليه وسلم بصيغة تدل على منع ما سواه ، حيث لا يوجد نص صحيح صريح ثابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على حصر هذه الفريضة في صاع مما ذكر في جميع الأحاديث الواردة في هذا الشأن ، وبالتالي فلا تدل على منع ما سواه ، وأكبر دليل على ذلك هو أن جمهور المانعين يجيزون دفع صاع من القمح زكاة فطر ، وهو لم يرد في الأحاديث الصحيحة الصريحة بالاتفاق ، كما أن جمهورهم أيضاً يجيزون دفع صاع ما لأرز صدقة فطر، وهو لم يرد في أي حديث لا صحيح ولا صريح.
فإذا كان القياس هنا صحيحاً ومقبولاً فما الفرق بينه وبين الاجتهاد بجواز دفع القيمة بل إن دفع قيمة التمر، أو الشعير الوارد في النص أقرب من إلحاق أنواع أخرى من حبوب لم ترد في نصوص الشريعة.
ب- إن الزكاة بصورة عامة، وزكاة الفطر بصورة خاصة ليست من الشعائر التعبدية المحضة ، وإنما من العبادات التي تدخل في المعقولة المعاني التي يمكن الاجتهاد فيها ، وقد رأينا أن جمهور المانعين اجتهدوا وقاسوا فيها بالنسبة لدفع القمح ، أو الأرز ، أو نحوهما ما دام يمثل غالب قوت البلد.
وبذلك قلب دليلهم عليهم فأصبح حجة عليهم ، ولم يلتزموا بكونها تعبدية محضة لا قياس فيها ، فإذا كان هذا القياس المجتهد فيه جائزا فلماذا لا يكون الاجتهاد بدفع القيمة جائزاً؟
ج- ثم إن ما ذكر في حديث ابن عمر من التمر والشعير والأقط كان من أنواع طعام ذلك العصر بدليل أنه لما دخلت أنواع أخرى اعتمدت ، كما قال أبو سعيد الخدري في شأن القمح.
#ثانياً - واستدل المجيزون لدفع قيمة صدقة الفطر بما يأتي :
1- الأصل في صدقة الفطر ، ومقاصد الشريعة منها إغناء الفقراء في يوم العيد ، وإدخال السرور والفرح في قلوبهم من خلال توفير احتياجاتهم الأساسية ، وهذا بلا شك إنما يتحقق في عصرنا الحاضر في الغالب بدفع النقود إليهم ليشتروا بها حاجياتهم الأساسية التي لا تنحصر في التمر ، والقمح ، والشعير ، والأرز ونحوها .
وهذا ما فهمه الصحابة الكرام حيث لم يكتفوا بما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم في عصره من التمر والشعير ، والأقط بل جعلوها قمحاً ، بل إن معظمهم جعل نصف صاع منه يعدل صاعاً من تمر أو شعير - كما سبق-
2- إن من أقوى الأدلة : ما رآه معاوية رضي الله عنه وعرضه على الصحابة الكرام في حجته أو عمرته ، من أن نصف صاع من سمراء الشام (القمح) يعدل صاعاً من التمر ، ووافقه الصحابة كما قال الصحابي الجلي أبو سعيد الخدري ، ما عداه .
فهذا الاجتماع لجمهورهم دليل قوي على جواز دفع القيمة لأن معادلة نصف صاع من القمح بصاع لا تتحقق إلاّ من خلال القيمة ، وهذه المعادلة مروية عن عمر رضي الله عنه - كما سبق.
3- ثبت في نصوص شرعية صحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءَهُ الراشدين قبلوا القيمة في زكاة بعض الأعيان في حالات متعددة ، مثل قبول الدراهم أو الدنانير مكان الفارق في العمر المطلوب في زكاة الابل ، حيث قدر الجبران بشاتين أو عشرين درهماً .
4- كما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن لجمع الصدقات المفروضة قال لهم : (ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار) رواه البخاري معلقاً في باب العرض في الزكاة ، وقال طاوس : ( قال معاذ لأهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم.... ).
ولهم أدلة أخرى لا يسع المجال لذكرها .
ثالثاً - وأما أدلة المذهب الثالث ، فهي نفس أدلة المذهب الثاني ( المجيزين) مع التقييد بالمصلحة الراجحة ، وبما هو أنفع للفقراء ، وبالتالي فهو راجع إليه مع هذا القيد المذكور ، وهو الراجح.
الرأي الراجح :
بعد استعراض ما أمكن من الأدلة ، والمناقشات العلمية الكثيرة حول هذه المسألة التي لم يسعفنا الوقت لسردها كلها ، يتبيّن لي رجحان القول الثاني مع ضبطه بما قاله أصحاب القول الثالث من أن يكون دفع القيمة أنفع للفقراء ، وبالتالي فإذا كان دفع الطعام والحبوب أنفع لهم فيبقى هو الأصل والله أعلم ، في ضوء ما يأتي :
أولاً - أنه لا خلاف بين الفقهاء أبداً في جواز الأخذ بظاهر هذه النصوص ودفع صاع من غالب قوت البلد أو مما ذكره الحديث الشريف (حسب التفصيل السابق) .
ثانياً - بما أن الخلاف في دفع القيمة في صدقة الفطر خلاف قوي جداً ، فلا يجوز الاعتراض عليه ، ولا إبطال من يأخذ بهذا الرأي ولا التشنيع على أحد الرأيين ، فهو خلاف مشروع يجوز لكل مسلم أن يستفتي قلبه في الأخذ برأي المانعين او المجوزين ، ولا يجوز للوعاظ وخطباء المساجد إثارة هذا الموضوع في الوعظ والخطب حتى لا تحدث مشكلة أو بلبلة بين المسلمين ، فالمنابر ليست مكاناً لإثارة النزاعات ، وهذا هو منهج علمائنا الربانيين من القبول بالخلاف المشروع واحترامه حتى ولو كان مخالفاً لرأي الآخر.
ثالثاً- إن هذا الدين يقوم على اليسر ورفع الحرج في الدفع والأخذ والعطاء وفي الدعوة والفتاوى ، وبالتالي فإن دفع صدقة الفطر نقداً أيسر للطرفين من دفع التمور ، والشعير ، والقمح ونحوها ، وأن هناك حرجاً وعسراً في جميع صدقات الفطر من التمور أو القمح أو الأرز في المدن الكبيرة في عصرنا الحاضر ، بالإضافة إلى أننا لو أعطيناهم اليوم للفقراء لتوجه معظمهم إلى بيعها بثمن قليل لسد حاجاته الأخرى ، ومن جانب آخر نرى أن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الزكاة وغيرها يقوم على التيسير على الناس ، فمن لم يكن لديه الأصل الواجب في الزكاة يأخذ منه بدله ، أو الفارق كما في زكاة الابل .
رابعاً - أن مقاصد الشريعة في صدقة الفطر واضحة وهي إغناء الفقير عن حاجياته ومما لا شك فيه أن الاحتياجات اليوم لا تنحصر في أكل التمر ، والخبز من القمح ، أو الرز فهي أكثر ومتنوعة ، ولذلك فالنقود تحقق هذه الأغراض بصورة أفضل ، إذن فهي جديرة بقبولها إن لم يكن دفعها أفضل ، ومن المعلوم أن الشريعة مبنية على رعاية المصالح بجميع أنواعها .
خامساً - أن هذا القول ليس للحنفية فقط على الرغم من أن هذا يكفي وزيادة ، بل هو رأي جماعة من الصحابة والتابعين ، فجميع الصحابة أو التابعين الذين قالوا بجواز دفع نصف صاع من القمح بدل صاع من شعير أو تمر ، لا يتأتّى إلاّ من خلال القول بالقيمة والتقويم بالقيمة ، وبالتالي فهذا رأي عمر ، وابن عباس ، ومعاوية ، وجميع من أخذوا برأيه عندما عرضه عليهم في حجته أو عمرته .
والقول بدفع القيمة صراحة ثابت عن عمر بن عبدالعزيز ، وعن الحسن البصري ، وأبي اسحاق ، والثوري ، وهو قول جماعة من المالكية كابن حبيب وابن أبي جازم ، وابن دينار ، وابن وهب .
وقد ترجم الإمام الحافظ ابن أبي شيبة باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر، فروى عن عمر بن عبدالعزيز والحسن البصري ، وأبي اسحاق ، حيث قال : ( أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام) وهذا القول من هذا التابعي الذي أدرك علياً وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً ، يدل على أن دفع النقود (أي القيمة) كان شائعاً في ذلك العصر ، وفي خير القرون قرن الصحابة.
وقد ألف في هذه المسألة أحد علماء اليمن - وهو الحافظ أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري - في القرن الرابع عشر كتاباً رائعاً سماه : تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال ، نشره الشيخ نظام يعقوبي ، حيث ذكر آراء كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء في مختلف العصور مع الأدلة المعتبرة ، فقال: (فمن كان مقلداً فحسبه تقليد هؤلاء الأئمة ولو من غير مذهبه .. ، فهذا جائز في كل المذاهب ، وأما من كان من أهل العلم والنظر وقبول الحجة والدليل فليعلم أن استدلالنا لهذه المسألة من وجوه) ثم سردها ، ومنها : (أن أخذ القيمة في الزكاة (أي في زكاة المال) ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من الصحابة في عصره ، وبعد عصره) ثم سرد الأسانيد المقبولة لاثبات ذلك .
ثم إن هذا الرأي إذا كان بعض العلماء المعاصرين لم يأخذوا به مثل الشيخ ابن باز ، وابن عثيمين ، ومعظم علماء السعودية ، فإن جمهور المعاصرين أمثال شيوخ الأزهر السابقين في القرن السابق ، ومعظم علماء العراق والشام ، وفلسطين قد قالوا به ، واختاره بقوة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة ، بل إنه صدرت فتوى جماعية من الندوة السادسة لقضايا الزكاة المعاصرة التي عقدت في الشارقة عام 1996 نصت على أنه : ( ويجوز إخراج زكاة الفطر نقداً بقيمة الواجب، ويمكن للجهات المعنية تقدير هذه القيمة سنوياً). هذا والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه الفقير إلى ربه: أ.د. علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المســـــلمين.

#دفع_القيمة_في_الزكاة #السادس

#القياس_أقوى_من_المفهوم
فإخراج القيمة دليله القياس على زكاة الزروع والعروض والمواشي ، وعدم جواز القيمة دليله المفهوم المخالف
والذي يجيز اخراج الارز مثلا يقيس على الحنطة ، فالارز غير مذكور في الاصناف .

قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة عن زهير قال: سمعت أبا إسحاق يقول: «أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ». رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، ورجاله ثقات.
قوله: "أدركتهم"، أي: الصحابة رضي الله عنهم.
وقد كتب دكتور نزال
إن طريقة إخراج الزكاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ..ليس كما يظن الكثير من طلبة العلم و ممن يتصدرون للفتوى، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك موظفون لجمع زكاة الفطر ، ويجمعونها قبل العيد بيوم أويومين، ويضع عليها حراساً مثل أبي هريرة عندما جاءه شيطان بصورة رجل ليسرق من اموال الصدقة، ثم يقسمها النبي صلى الله عليه وسلم على الفقراء بعد صلاة الفجر فإذا أنهى التوزيع استعد لصلاة العيد .
فهذه طريقة وأسلوب للجمع والتوزيع ليست تعبدية، وإنما حسب اعتبارات عدة منها:
1- طبيعة المجتمع كعدد سكان، والمساحة الجغرافية، وبساطة المجتمع وتخففه من الكماليات والمجاملات و الارتباطات الاجتماعية، وقلة التواصل و المواصلات.
* مثال: سابقاً لم يكونوا ملزمين بعيديات الأولاد والأرحام ...هل سمعتم ان النبي زار اخته من الرضاعة (الشيماء) في ديار بني سعد؟ .لم يثبت . فهل كان النبي قاطعاً للرحم ؟ حاشاه، ولكن كانت هذه طبيعة المجتمع، وعندما زارته في المدينة أكرمها أحسن إكرام وعرض عليها أن تبقى عنده ليستمر في صلتها وإكرامها . لكنها فضلت ان تعود الى ديارها . فحملها بالهدايا والطعام وذهبت، وربما لم تره بعد ذلك . )) .وغيرها الكثير
2- تغير احتياجات الناس ...سابقا كانوا يحتاجون للطعام فقط ، ولا يحتاج أسطوانة غاز و دفع فواتير كهرباء وماء وآجار بيت ومواصلات وقود للتدفئة، دواء و مصروف يومي للأولاد وملابس في الأعياد والمدارس و ملابس الصيف والشتاء .. وغير ذلك.
مثال: جمع محسن طرود مواد التموين الأساسية، ورافقه دليل فقال الدليل للفقير : إذا وجد الطعام والشراب الباقي يهون، فقال الفقير : لكن أقنع هؤلاء، وأشار الى أطفاله.
3- سابقاً كان النقد نادراً وجوده، فلم تكن إلا الدنانير الذهبية الرومية، والدراهم الفضية الفارسية، ولذلك كانوا يعتمدون على المقايضة، طعام بطعام مختلف، أو سلعة أو خدمة بطعام، فكان الطعام يقوم مقام النقد في كثير من الأحيان.
ملاحظة: كان عليها صور ملوكهم ومع ذلك تعامل بها النبي صلى الله عليه وسلم.
4- سابقاً إذا أعطيته نقداً يذهب ليشتري به طعاماً، لأن هذا أهم ما يحتاجه، وفي هذا الزمن إذا أعطيته طعاماً يذهب ليبيعه ليمتلك النقد حتى يقضي به حوائجه والتزاماته العائلية والاجتماعية وأقساطه الشهرية، وأحياناً يقدم بطاقات شحن التلفون على الطعام، لأنها أصبحت حاجة بشرية.
ثالثاً: هناك مذاهب وآراء علماء اعتبرت إخراج النقد بدل الطعام من وجوه إخراج زكاة الفطر، مع التأكيد أن الطعام هو الأصل، والنقد بديل يُلجأ إليه عند الحاجة وحسب الظروف
رابعاً: لا بد من اعتبار مقصد التشريع وعلته وهو سد حاجة الفقير، بغض النظر عن صحة الحديث أو ضعفه ( أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم )
فلا خلاف أن أحد مقاصد تشريع زكاة الفطر هو سد حاجة الفقراء وتحقيق مصلحتهم مع كونها طهرة للصائم، وهذا ما جعل بعض المذاهب تقول بجواز إخراج الزكاة نقداً
خامساً: من يحاكمون الناس بالنص، ويحكمون بعدم جواز إخراج القيمة لعدم وجود النص ويجعلون النص سيفاً مصلتاً يقطعون به أعناق الآراء الأخرى ويردونها قتيلة بإبطالها وعدم جوازها ، وبعد ذلك هم لا يلتزمون بالنص، فيخرجون:(الأرز و العدس والزيوت و المعلبات )
وحجتهم أن هذا من قوت البلد،
والسؤال: هل ((قوت البلد ))نص في الحديث أم هو تأويل وفهم لأحد الصحابة رضي الله عنهم، وليس نصاً للنبي عليه الصلاة والسلام ؟
ومن ألزم نفسه بالنص فعليه ان يخرج الاصناف التي ذكرت بالنص .(تمر . شعير .بر . أقط )
وغير ذلك فهو تأويل واجتهاد كما اجتهد الصحابي ففهم أن المقصود هو قوت البلد ،وهذا الاجتهاد لا ينقض اجتهاد من اجتهد بالنص ففهم منه جواز اخراج القيمة.
دكتور محمد سعيد السلمو

الأحد، 9 مارس 2025

حكم التدخين في الاسلام ؟

 



لاشك أن هناك عدد كبير ابتلى بنقمة التدخين، وتظل تلك العادة السيئة مرتبطة بأسئلة تشغل بال المدخنين خاصة إذا تعلق الأمر بجانب دينى، وفي ذلك التقرير نرصد اسئلة تعلقت بالتدخين تلقتها دار الافتاء وأجابت عنها، وهى كالتالى:
التدخين، وهو: ما يعرف بتعاطي نبات التبغ بالإحراق، وجذب الدخان الناتج عن إشعاله.
والتبغ: لفظ أجنبي دخل العربية دون تغيير، وقد أقره مجمع اللغة العربية. وهو نبات من الفصيلة الباذنجانية يستعمل تدخينًا وسعوطًا ومضغًا، ومنه نوع يزرع للزينة، وهو من أصل أمريكي، ولم يعرفه العرب القدماء، فقد ظهر في أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر، وأول من جلبه لأرض العثمانيين الإنجليز، ولأرض المغرب يهودي زعم أنه حكيم، ثم جُلب إلى مصر، والحجاز، والهند، وغالب بلاد الإسلام.
ومن أسمائه: الدخان، والتتن، والتنباك، لكن الغالب إطلاق هذا الأخير على نوع خاص من التبغ كثيف يدخن بالنارجيلة لا باللفائف.
ومما يشبه التبغ في التدخين والإحراق: الطباق، وهو نبات عشبي معمر من فصيلة المركبات الأنبوبية الزهرية، وهو معروف عند العرب، خلافًا للتبغ، والطباق: لفظ معرب. الطباق: الدخان. يدخن ورقه مفرومًا أو ملفوفًا(1).
ومدار حكم التدخين على الضرر، فإن تحقق الضرر الذي تمنعه الشريعة الإسلامية فيحرم لذلك، وإن لم يتحقق كره أو أبيح، وكان ذلك سبب اختلاف العلماء فيه قديمًا؛ حيث إن الطب ما زال يكشف لنا عن كل جديد، ويخبرنا بأضرار التدخين يومًا بعد يوم، وما وصل إليه الطب الحديث في عصرنا أن التدخين ضارٌّ جدًّا بالصحة الإنسانية، وأنه يحتوي على مادة مفترة.
فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن من قضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(2)، وبنيت عليه قواعد فقهية كلية وفرعية، منها: "الضرر يزال"، ومنها: "دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة"، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ"(3).
وبناءً عليه: يُعلم أن الشرع حرَّم الضرر البالغ، والتدخين يصيب الإنسان بالضرر البالغ كما أقر بذلك الأطباء، ويحرم الشرع كل مادة مفترة، والتبغ وكل النبات الذي يدخن يفتر أعصاب الإنسان، وحرَّم الشرع الشريف إضاعة المال، وهي الإنفاق فيما لا فائدة له، بل فيما فيه ضرر؛ فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ»(4)؛ لذا نرى أن التدخين عادة سيئة محرمة شرعًا، نسأل الله أن يتوب على من ابتلي بها.
التدخين لا ينقض الوضوء، غير أنه يستحب للمسلم أن يطهِّر فمه من رائحة التدخين عند الصلاة حتى لا يؤذي إخوانه المصلين.
ما حكم من يشوش على قراءة القرآن ومن يعرض عن سماعه ويشرب السجائر ويلغو بالكلام الفارغ وقت القراءة؟ وما جزاء كل؟
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
والاستماع للقرآن إذا قرئ أبلغ من سماعه؛ لأنه إنما يكون بقصد ونية وتوجيه الحاسة إلى الكلام لفهمه وإدراك مقاصده ومعانيه، أما السمع فهو ما يحصل ولو بدون قصد، والإنصات السكوت لأجل الاستماع حتى لا يشغله الكلام عن الإحاطة بكل ما يقرأ، فأمر الله تعالى المسلمين بالاستماع للقرآن وبالإنصات يفهم منه الإجابة عما يفعله بعض الناس أثناء تلاوة القرآن في المآتم من الشوشرة على القارئ، والإعراض عن سماع القرآن بلغو الحديث وشرب السجاير فإن ذلك كله مكروه كراهة شديدة لمخالفته للأمر بالاستماع والإنصات الذي هو الوسيلة لتدبر معاني القرآن، وهو أيضا لا يتفق مع جلال القرآن وعظم شأنه.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على عدم وجوب الاستماع والإنصات في غير الصلاة والخطبة؛ لأن إيجابهما على كل من يسمع أحدًا يقرأ فيه حرج عظيم؛ لأنه يقتضي أن يترك المشتغل بالعلم علمه والمشتغل بالحكم حكمه والمتبايعان مساومتهما وتعاقدهما وكل ذي عمل عمله، ولكن من يكون في مجلس يقرأ فيه القرآن ولا يوجد شاغل من عمله يشغله عنه لا يباح له أن يعرض عن الاستماع والإنصات وخاصة إذا رفع صوته بالكلام على صوت القارئ عمدًا؛ لأن الله أدب المؤمنين مع رسوله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]، فرفع أصوات المؤمنين على صوت التالي للقرآن أولى بالنهي والأدب مع الله فوق الأدب مع كلام الرسول.
والواجب على كل مسلم أن يتأدب بآداب القرآن وأن يحرص على استماعه والإنصات إليه، ولعل من أعجب العجب أن تشاهد هؤلاء الذي يلغون بالقول أو يشربون السجاير والقارئ يقرأ كلام الله لا يفعلون ذلك تأدبًا إذا كانوا في مجلس يخطب فيهم واحد منهم، وأولى بهؤلاء القوم أن ينصرفوا عن مجلس القرآن ويدعوا غيرهم يستمع وينصت أو أن يلتزموا أدب سماع القرآن لينفعوا أنفسهم ولا يحولوا بين غيرهم والإفادة من سماع كلام الله.
#هل_يمكن_أن_أسمح_للناس أن يدخنوا في سيارتي أو منزلي؟
هذا أمر يتعلق بالضرر الذي قد يصيبك من التدخين؛ فكما أنّ مِن حقك أن ترفض السماح له بالتدخين في منزلك أو سيارتك لضرر التدخين السلبي خاصةً في الأماكن المغلقة حتى صار مُجَرَّمًا فيها في كثير من قوانين بلدان العالم، بعد أن أثبت الطب ضرر استنشاق دخان السجائر في التدخين السلبي، فكذلك أيضًا لا مانع من سماحك له بالتدخين إذا أخذت احتياطك من حصول الضرر عليك بالحرص على عدم التعرض المباشر لدخان السجائر، ولا تكون بذلك آثمًا شرعًا ولا يكون سماحك له بذلك إذنًا له في فعل الحرام؛ لأن مَحَلَّ استئذانه عُرفًا ليس في فعل الحرام أو تركه حتى تكون مشاركًا له فيه فتأثَمَ معه، بل محل الاستئذان في كون التدخين يضر صحتك أو تجد حرجًا من رائحته الكريهة مثلًا، فإذا أَمِنْتَ مِن ذلك بفتح نوافذ السيارة مثلًا أو بالابتعاد عن دخان السيجارة في المنزل فإن إذنك له حينئذٍ لا علاقة له بكون التدخين حرامًا أو حلالًا، لكن يُستَحَبُّ لك نصحُه في ترك التدخين وضرره ومفاسده على الصحة والمال، ولا يُتَصَوَّرُ كونُه يستأذن في فعل الحرام إلا إذا كانت هناك قرينةٌ؛ كأن يكون المستأذَن منه ممن يُرجَع إلى قولهم في الفتوى والعلم مثلًا بحيث يُفهَم مِن السماح له إباحتُه شرعًا؛ فعليه حينئذٍ أن لا يأذن له إذا كان إذنُه سيُفهَم على الإباحة. والقاعدة المقررة أنه: إنما يُنْكَر المتفقُ عليه، ولا يُنْكَرُ المختلفُ فيه.

#وقفة_مع_أخي_المبتلى_بالتدخين..

كم أحزنُ - والله - لما أراك تعصي الله في #أشرف_الأوقات! وفي #أقدس_الأماكن!! بل وأثناء قيامك #بأَجَلِّ_الطاعات!!
وما ذاك إلا لأنك رضيت أن تكون #أسير_سيجارتك..
يؤلمني جدًا منظر ذاك #المؤمن الذي يحرص على صلاة التهجد في رمضان، يناجي ربه، ويدعوه، ويرجوه، ويتوسل إليه، ثم إذا بي أراه يبدأ - أول ما يبدأ به - بعد هذه العبادة العظيمة بأن يشعل سيجارته بمجرد أن يغادر المسجد!
يا #عبد_الله... كيف تقبل أن يكون أول ما تبدأ به بعد هذه الطاعة العظيمة هو أنت تعصي الله؟!!
أيُّ أَسْرٍ أعظمُ من #هذا_الأَسْر؟
وإنه ليحزنني جدًا منظر ذاك #الحاج لبيت الله الحرام، المنيب إلى ربه، الواقف بعرفة طيلة يومه، لا يوقفُه إلا الطمع في عفو الله ومغفرته، في موقف مهيب، تتنزلُ فيه الرحمات، وتُقالُ فيه العثرات، ثم ما إن ينتهي هذا الموقف العظيم الذي قد لا يتكرر له في حياته مرة أخرى، إلا وتراه يبادر إلى سيجارته التي هي في الحقيقة #سجّانته!
بل إن بعضهم لا يصبر على البعد عنها، فيشعلها وهو لا يزال واقفًا بعرفة!!
فأي #ذُلٍّ هذا الذي جعلك ذليلًا أمام سيجارة لا تقوى على تركها - ولو مؤقتًا - في المكان المقدس والموقف المهيب والزمان الشريف!
وكم أُشفِقُ على من تحمل الجوع والعطش في نهار رمضان - ابتغاء وجه الله - ثم إذا به يختم عبادته العظيمة الجليلة بأن يفطر على معصية الله، فتكون #سجانته هي أول ما يدخل جوفه بعد هذه العبادة الجليلة!!
وكم هو مؤسف مشهد أولئك #المؤمنين الذين يتبعون الجنازة لدفنها، في موقف ينقطع فيه كل تعلق بالدنيا، لكن للأسف لا ينقطع فيه تعلق #أسير_السيجارة بسجّانته، فما إن ينتهي من الدفن والتشييع حتى يبادر إلى إشعال #سجانته!
بل إن بعضهم يترك المشيعين يؤدون حق أخيهم الميت في تشييعه ودفنه، بينما هو ينسحب ليخلو مع #سجانته في زاوية من زوايا المقبرة، وكأنه نسي أن أمامه يومًا سيدخل فيه المقبرة - ولو بعد حين - محمولًا على الأعناق .. ليسكُنَها.. ولكن بدون #سجانته!!
أخي أيها #المؤمن_الصادق.. ليست المشكلة فقط في كون التدخين #معصية لله، بل المصيبة هي في أنها معصية لا تنفك عنك بحال! فتقارفها وتتلوث بدرنها في أشرف الأحوال التي لا يليق فيها إلا التجرد لطلب رضوان الله وعفوه ومغفرته..
#أخي_الحبيب.. والله إني أحب لك ما أحب لنفسي.. ألا فلتُعلِنْها من اليوم توبة.. فالعمر قصير.. والأجل قريب.. والكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت..