في ميزان الوعي (3): عواقب التقليد الأعمى وضريبة غياب العقل
إن أخطر ما يُصاب به طالب العلم أو الشاب المستقيم هو أن يُسلّم مفاتيح عقله وركائز وعيه لغيره، ليصبح مجرد صدىً يردد مواقف الآخرين دون فقه أو تمحيص. هذا المسلك الذي يتجلى بوضوح في "التيار المدخلي"، حيث يُساق الأتباع نحو التبعية المطلقة لأقوال واجتهادات الشيخ ربيع المدخلي، هو مسلك ذمه الله في كتابه وحذر منه نبينا ﷺ.
التقليد الأعمى للأشخاص ليس مجرد خطأ علمي عابر، بل هو مرض منهجي يعود على صاحبه وعلى الدعوة بآثار تدميرية خطيرة.
مآلات الغلو والتبعية في الخطاب المدخلي:
تفتيت الأخوة الإيمانية وتمزيق الصفوف: لقد تحولت المجالس والدورات بفضل هذا الغلو إلى ساحات للامتحان والتصنيف؛ فبسبب كلمة أو موقف اجتهادي خالف فيه أحدهم الشيخ ربيع، يُهجر الأخ، وتُقطع أواصر الرحم، وتُنشر الأحقاد بين أبناء المنهج الواحد.
تغييب العقل السلفي المحقق: السلفية الحقة قامت على الدليل والبرهان وإعمال العقل في فهم النصوص، بينما التقليد الأعمى للشيخ ربيع حوّل الأتباع إلى مقلدة يكتفون بعبارة "قال الشيخ" و"أبطل الشيخ"، دون فقه للمسألة أو معرفة بمدى موافقتها لأصول المتقدمين.
الوقوع في التناقض والاضطراب: حين يربط الشاب دينه بشخص غير معصوم، فإنه يضطر للدفاع عن مواقفه المتناقضة وتبرير سقطاته العلمية بالتمطيط والتأويل، مما يُفقد الدعوة مصداقيتها أمام عامة المسلمين والمثقفين.
دعوة إلى التحرر والوعي
إن نقد أخطاء وأباطيل خطاب الشيخ ربيع المدخلي ليس دعوة للتمرد على العلماء، بل هو دعوة للعودة إلى المنهج السوي الذي يعطي كل ذي حق حقه دون غلو أو جفاء. الشيخ ربيع عالم أصاب في مواضع وأخطأ في مواضع أخرى كغيره من البشر، والتعامل معه بوعي يقتضي قبول ما وافق الحق ورد ما خالفه.
يا طالب الحق ويا أتباع الشيخ ربيع:
دين الله أوسع من الأشخاص، والمنهج السلفي ليس حكراً على أحد. لا تكن إمعة إن أحسن الشيخ أحسنت، وإن أساء أو أخطأ بررت له خطأه. تفقهوا في دينكم، واقرأوا لمحققي الأمة الأعلام لتعرفوا حجم الفجوة بين الأصول الشرعية الراسخة وبين واقع الغلو والتقليد الذي تعيشونه.
في ميزان التحقيق العلمي (2): مسألة "من لم يُبدّع المبتدع فهو مبتدع" عند الشيخ ربيع
من أشد المسائل التي أحدثت شروخاً وفرقة في الساحة الدعوية هي تلك القاعدة المنهجية التي توسع الشيخ ربيع المدخلي وأتباعه في تطبيقها عملياً، وهي إلزام العوام وطلاب العلم بتبديع كل من صدر بحقه حكم بالتبديع من الشيخ، واعتبار من يتوقف أو يطلب الدليل خارجاً عن المنهج.
هذه المقولة والمسلك العملي يضع الشيخ في مقام "المشرّع أو المعصوم" الذي لا يُرد قضاؤه، وهو ما يخالف صريح ما قرره أئمة التحقيق في تاريخ الإسلام.
أين يكمن الوهم؟ (المقارنة مع المحققين من أهل العلم):
1. الإمام ابن تيمية: التفريق بين المسائل الاجتهادية والقطعية
يرى الشيخ ربيع أن أحكامه في الأشخاص هي أحكام قطعية يجب على الجميع التسليم بها. ولكن لو عدنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، لوجدناه يقرر أصلاً يناقض هذا الغلو تماماً، حيث يقول في مجموع الفتاوى:
"وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها غير النبي ﷺ، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة".
فابن تيمية يرى أن جعل مواقف الأشخاص واجتهاداتهم في تقييم الرجال معياراً للولاء والبراء والتبديع هو عين البدعة والافتراق.
2. الإمام الغزالي: خطورة التسرع في التكفير والتفسيق بالظن
بينما يتسم خطاب الشيخ ربيع بالشدة البالغة وتعميم الأحكام بناءً على لوازم الأقوال، نجد الإمام الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة" يضع ضابطاً رصيناً لحماية بيضة المسلمين، مؤكداً أن الخطأ في ترك ألف كافر (أو مبتدع) في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم أو تبديعه وتفسيقه بغير يقين. ويرى الغزالي أن المسائل التي تحتمل التأويل أو التي يدخلها الاجتهاد لا يجوز أن تكون ساحة لإخراج الناس من الملة أو السنة.
3. منهج متقدمي أهل العلم: احتدام الخلاف بين الأقران
يقوم خطاب الشيخ ربيع على إسقاط المخالف تماماً بمجرد صدور حكم الجرح فيه. بينما منهج متقدمي أهل العلم من المحدثين والفقهاء كان قائماً على أن "كلام الأقران بعضهم في بعض يُطوى ولا يُروى" إذا كان دافعه الهوى أو الاجتهاد المحض الذي لم يقم عليه دليل قطعي يوجب الإجماع. فلم يُلزم الإمام أحمد الناس بترك كل من تكلم فيهم يحيى بن معين، ولم يُلزم البخاري الأمة بموقفه من الذهلي، بل بقيت المساحة العلمية تتسع للاجتهاد والتمحيص.
خلاصة الدليل وعين البصيرة:
إن إلزام الشباب وأتباع التيار المدخلي بامتحان الناس بموقفهم من أحكام الشيخ ربيع في الرجال، هو وهم منهجي أدى إلى تصنيف الأمة وهجر الفضلاء.
رسالة إلى التابع اللبيب:
إذا كان ابن تيمية والغزالي ومتقدمو الأمة قد جعلوا الأحكام على الآخرين قضايا اجتهادية ظنية تحتمل الخطأ والصواب، فكيف يتحول خطاب الشيخ ربيع إلى سيف مسلط يُلزمك بالتبديع دون وعي أو برهان؟ اتبع الحجة، واعلم أن الرجال يُستدل لهم ولا يُستدل بهم.
في ميزان الحجة.. خطاب الشيخ ربيع المدخلي وأوهام العصمة العملية
لقد قرر علماء الأمة قاطبة قاعدة أثرية عظيمة: "كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُرَدّ، إلا صاحب هذا القبر ﷺ". غير أن المتأمل في واقع "التيار المدخلي" يرى مفارقة صارخة بين هذا الشعار النظري، وبين الممارسة العملية التي تُضفي سياجاً من "العصمة الواقعية" على مواقف واجتهادات الشيخ ربيع المدخلي.
إن الهدف من مراجعة هذا الخطاب وتفنيده ليس الطعن لمجرد الطعن، بل هو دعوة لأتباعه لإعمال الوعي وتتبع الدليل لا الأشخاص، وبيان أن الشيخ بشر يخطئ ويصيب، وأن في أطروحاته أباطيل ومغالطات علمية ومنهجية لا يجوز السكوت عنها.
مظاهر "العصمة العملية" عند أتباع الشيخ ربيع:
التقليد الأعمى في أحكام الجرح والتعديل: التعامل مع أحكام الشيخ ربيع في تبديع المخالفين أو إخراجهم من السلفية وكأنها صكوك غفران أو وحي قاطع، دون تطلب الحجة والبرهان الشرعي من الأتباع.
جعل الشيخ ميزاناً للولاء والبراء: امتحان طلاب العلم والشباب بموقفهم من شخص الشيخ ربيع؛ فمن وافقه في كل قضاياه واجتهاداته فهو السلفي الناجي، ومن خالفه في مسألة أو انتقد مقولة له نُبذ وأُقصي وأُلحق بالمبتدعة.
إغلاق باب المراجعة والتصحيح: توهم الأتباع أن نقد خطاب الشيخ أو بيان أوهامه يعد هدماً للمنهج، مما أدى إلى تغييب الوعي العلمي وسيطرة التبعية المطلقة للأشخاص.
الحق أحق أن يُتبع
إن تتبع خطاب الشيخ ربيع ومقارنته بأقوال المحققين من أعلام الأمة -كابن تيمية، والغزالي، ومتقدمي علماء الإسلام- يكشف بوضوح عن فجوات منهجية وأخطاء علمية تستوجب المراجعة. فالخطأ البشري لازم لكل مجتهد، والجرأة في تصحيح المسار هي صيانة لجناب الشريعة أولاً.
رسالة إلى كل تابع بصير:
إن التقليد الأعمى بدون وعي هو الذي أودى بالعديد من الشباب إلى الغلو والفرقة. تذكروا أن الرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال، وأن نقد الشيخ ربيع في مواضع خطئه ليس إسقاطاً للدين، بل هو تفعيل للقاعدة الشرعية التي تحمي العقول من التبعية غير الواعية.
التنكيـــل بما في خطاب الشيخ ربيع المدخلي من الأباطيل
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيد ولد آدم أجمعين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، أما بعد:
فقد وعد الشيخ ربيع - كما نقلت ذلك بصوته في الأشرطة التسعة: «البديع، في نصح الشيخ ربيع» - أنَّ من أظهر له أخطاءه؛ فإنه يعطيه جائزة، فإنْ عجز عن ذلك؛ أخلَصَ له في الدعاء!! ولكنَّ الأمر كما قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3].
وكما قيل:
إذا لم تُوَافِقْ قولةٌ منك فِعْلــةً ... ففي كلِّ جزءٍ مِنْ حديثك تُفْضَحُ
ورغبة مني في سلوك منهج الصادقين - لا رغبة في جائزته المزعومة!! فإني أعلم حقيقته من قبل - وقد قال تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام:90]؛ من أجل ذلك سارعت بإرسال الأشرطة التسعة التي تحمل جزءًا كبيرًا من أخطائه، فأرسلتها إليه، بطريقة الناصحين لا الشامتين، حتى إنني - والله - لقد منعتُ أقرب الناس إليّ من استماعها، معلِّلاً نفسي، قائلاً: لعل الشيخ يكون قد أدرك وهو في هذا السن، أن الأمر جلل، وأن الرجوع إلى الحق - ولو جاء من الخصم - أحب إلى الصادقين من التمادي في الباطل، ولعله يُذكِّر نفسه - على أسوأ الأحوال - بقول القائل:
ولربَّما انتفَع الفتى بعـدوِّه ... كالسُّمِّ أحيانًا يكونُ دواءا
ولعل الشيخ يدرك أن هذه الأشرطة لو نُشِرَتْ؛ سيكون لها شأن آخر، فيسارع باستماعها، وإصلاحِ ما أفسده، ولم أطلب منه أن يذكُرَ في تراجعه أنني السبب في إيقافه على أخطائه – كما قد فعل ذلك مع كثير من خصومه من أهل السنة !! - بل صرَّحْتُ له في الأشرطة؛ بأنني لا أرغبُ في ذلك.
ولكنَّ الشيخ تجاهل كل هذا، ورفض قبول النصيحة، واستمرَّ هو وكثير ممن حوله في حملتهم الشعواء، وطريقتهم الشوهاء!! فكان هذا جزاء الناصحين عند هذه الطائفة المنصورة - على حد قولهم -!! وصدق من قال:
ولم أر في عيوبِ الناس عيبًا ... كَنَقْصِ القادرينَ على التمامِ
فما كان مني إلا أن فرَّغْتُ شريطين - فقط - من الأشرطة التسعة، ونشرتُ جلَّ ما فيهما - مع زيادة ظهرتْ لي عند الرجوع للسياق والسباق - فأقضَّ ذلك مضاجع القوم، واشتطوا غضبًا، واحمرت أنوفهم، ونادَوْا: خُذُوا على يد هذا الظالم الملبِّس، الذي فاق جميع خصوم أهل السنة عبر التاريخ!! فذكَّرني ذلك - بوجه ما من الشبه - بما قاله فرعون في موسى: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]، وبقوله: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29]، مع أنَّ موسى وأخاه - عليهما السلام - لم يقولا له إلاَّ قولاً لينًا، وطلبا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل؛ لتكون طاعتهم لخالقهم، ويكون ولاؤهم وبراؤهم لرازقهم، لا لبشر مثلهم، لا يملك نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا!!
فلما أحس الشيخ - هداني الله وإياه للحسنى - بانفراط نظم الغلو، وطَيِّ فراش الجور والبغي، وظهرت عودة صادقة من طلاب العلم لمنهج العلماء الأكابر، من السلف والخلف، وعرفوا أنَّ عروشَ صرح الغلو عروشٌ خاوية، وحبالَ أهِلهِ حبالٌ بالية، وأحكامَهُمْ أحكامٌ طاغية!! لما أحس الشيخ بذلك؛ أنزل رسالة تلو أخرى، في ذم العبد الضعيف المسكين، ورميه بتهمٍ ما رمَى بها أحدًا قط - فيما أعلم - فإني لا أعلمه تكلَّم في أحد، كما تكلم في سيد قطب، وهاهو يجعلني أشر منه بمراحل!!!! بل جعلني أشر من كل خصوم أهل السنة عبر التاريخ!!!! لكنه بهذا كله ما يضر إلا نفسه، كما قيل:
قضى اللهُ أنَّ البغي يصرَعُ أهلَهُ ... وأنَّ على الباغي تدورُ الدوائرُ
وكان من آخر ما اطلعت عليه من ذلك؛ ما كتبه الشيخ بتاريخ (9/11/1423هـ) تحت عنوان: «إلى المنافح عن أهل الأهواء»، فلما قرأتُ هذا المقال مساء (13/11/1423هـ)، زادتْ قناعتي بأن الشيخ هو ذاك الرجل المتهور!! وأن صاحب الحق لا يجوز له بحال أن يتنازل - لهؤلاء الظلمة وأشباههم – بالسكوت عن قِيدِ أنملة منه، فالمصلحة الراجحة في المضيِّ في كشف عُوَارِ هذه الأفكار؛ فإنَّ هذه الأفكار الدخيلة، يزاحمون بها الدعوة المباركة الأصيلة، وهيهات هيهات أيها الغلاة، أن تتحقق آمالكم، أو ينتصر فكركم؛ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 81-82].
واستمرارًا في رفع لواء الحق في وجه مناوئيه - إن شاء الله تعالى - رأيتُ أن أرد على هذا المقال، بما يسَّره الله سبحانه وتعالى، راجيًا من الله عزوجل أن يجعلني مباركًا أينما كنت، وأن ينفع بهذا الجواب الذي ما قصدت به إلا الانتصارَ لمنهج الحق، ولما عليه العلماء الكبار -حقًا لا ادعاءً -:
فما كلُّ مخضوبِ البنان بثيـنةً ... ولا كلُّ مصقول الحديدِ يماني
أسأل الله العلي القدير أن يقيم بهذا الجواب حقًا، وأن يزهق به باطلاً، وأن يزيل به شبهة، وأن ينصر به مظلومًا، ويخذل به ظالمًا، وأن يفتح له قلوب المسلمين، إنه على كل شيء قدير.
[1]- لقد صَدَّر الشيخ المقال - كعادته -بعنوان مثير، فقال: «إلى من ينافح عن أهل الأهواء»، فأريد من الشيخ أن يعرِّف المنافحة لغةً واصطلاحًا، ثم يطبق هذا التعريف اللغوي أو الاصطلاحي عليّ، ويُبْرِزَ أدلته على ذلك؛ لننظر صدق دعواه!!!
ففي «اللسان» (2/623): «قال ابن الأعرابي: النَّفْحُ: الذبُّ عن الرجل . . . ونافحتُ عن فلان: خاصمتُ عنه ... وفي الحديث: «إِنَّ جبريل مع حسان؛ ما نافح عني»، أي: دافع، والمنافحة والمكافحة: المدافعة والمضاربة...». اهـ.
فهل يستطيع الشيخ أن يثبت هذا عنني مع أهل الأهواء؟!! فإذا كان ذلك قد وقع مني - وأنا محق في ذلك - لأني أرد عنهم الظلم الذي لا يجوز مع كافر، فضلاً عن غيره؛ فلا عيب حينئذ، وإن كنتُ مخطئًا في ذلك؛ فليذكر الشيخ مثالاً واحدًا لذلك، والحق ضالة المؤمن!! وأنا له من الشاكرين!!!
ثم مَنْ هم أهل الأهواء الذين يقصدهم الشيخ بهذا الوصف؟!! فإنه يرمي كثيرًا من أهل السنة الصادقين بذلك أيضًا!!! فإن كان يعني بذلك الشيخ المغراوي أو غيره من أهل السنة؛ فقد أخطأ سهمه، وضلَّ حُكْمه، وأبعد النُّجْعة!! وإن كان يعني بعض مناهج الجماعات الدعوية المعاصرة؛ فالجعجعة لا تغطي الحقائق، بل الشيخ نفسه يعلم ذلك عني؛ وما وَصْفُهُ لي بالمجاهد السلفي، والنابغة، وغير ذلك، مما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى- عنه وعن غيره ببعيد، ومتى كان جحدُ الحقائق، وتغييرُ المواقف- لحظوظ نفسية - سبيلًا مؤتمنًا عند أهل الدين والعلم؟!! وصَدَقَ من قال:
الحقُّ شمسٌ والعيونُ نواظرٌ ... لكنَّها تخفى على العُمْيانِ
أليس هناك من جحد عبد الله بن سلام - رضي الله عنه- بعد مدحه والثناء عليه؟!! هل اعتد رسول الله ﷺ بهذا الموقف القبيح، الذي أصبح عارًا على أهله إلى قيام الساعة، وهم يوصفون بالبهت، وتحريف الكلم عن مواضعه؟!!
وهل من يرد الغلو والظلم عن أهل السنة أولاً، وعن المخالفين- مبتدعة كانوا أو كفارًا- ثانيًا، يكون منافحًا عنهم منافحة مذمومة؟!! هل الدفاع عن الحق لا يكون إلا بالظلم والتجاوز والافتراء بالبهتان؟! أليس قد دافع شيخ الإسلام عن الحلاج، الذي نُسبت له مقالات لم يقلها -، وإن كان أهلًا لها -؟!! فقد قال شيخ الإسلام في «الاستقامة» (1/119) ط/دار الفضيلة، وقد نقل كلامًا يُنْسَبُ للحلاج، ثم قال: «هذا الكلام - والله أعلم - هل هو صحيح عن الحلاج، أم لا؟ فإن في الإسناد من لا يُعرف حاله، وقد رأيت أشياء كثيرة منسوبة للحلاج: من مصنفات، وكلماتٍ، ورسائل، وهي كذب عليه، لا شك في ذلك، وإن كان في كثير كلامه الثابت عنه فساد واضطراب، لكن حَمَّلُوه أكثر مما حمله، وصار كل من يريد أن يأتي بنوع من الشطح والطامات، يعزوه إلى الحلاج، لكون محله أقبل لذلك من غيره...» . اهـ .
فهاهو شيخ الإسلام يدفع كلامًا كثيرًا لم يصح عنده عن رجلٍ صاحب شطحات، ولم يسوغ له دينه وورعه، أن يجمع لهذا الرجل كل ما دب ودرج، ويرميه بكل حجر ومدر!! ولم يَعُدَّ هذا أحد - فيما أعلم - دفاعًا بالباطل من شيخ الإسلام، عن رجلٍ ضالٍّ!!
وقد قال شيخ الإسلام - أيضًا - في «منهاج السنة» (5/ 126-131): «ومعلوم أنا إذا تكلمنا فيمن دون الصحابة، مثل الملوك المختلفين على الملك، والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين؛ وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل، لا بجهل وظلم؛ فإنَّ العدل واجب لكل أحد، على كل أحد، في كل حال، والظلم محرم مطلقًا، لا يباح قط بحال، قال الله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة:8]، وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمور به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به، قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه؛ فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس؟!! فهو أحق ألاَّ يُظْلَم، بل يعدل عليه...»، إلى أن قال: "والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه ومحبته، والثناء على أهله ومحبتهم، والظلم مما يتفقون على بغضه وذمه، وتقبيحه وذم أهله وبغضهم...» إلى أن قال: «ولكن المقصود أن العدل محمود محبوب باتفاق أهل الأرض، وهو محبوب في النفوس، مركوز حبه في القلوب، تحبه القلوب وتحمده، وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب، والظلم من المنكر الذي تنكره القلوب، فتبغضه وتذمه، والله تعالى أرسل الرسل، ليقوم الناس بالقسط، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]... إلى أن قال: «والمقصود أن الحكم بالعدل واجب مطلقًا، في كل زمان ومكان، على كل أحد، ولكل أحد». اهـ.
فهل كلام شيخ الإسلام هذا من التمييع - يا صاحب الفضيلة!! - ومن المنافحة عن أهل الأهواء؟!! إن لازم قولك قبيح وشنيع، وفيه اتهام صريح لكثير من الأئمة بالتمييع والانحراف عن منهج السلف - حسب فهمك - لكن لازم القول ليس بقول مطلقًا!!!
وتأمل - أخي القارئ الكريم - كلام الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - كما في «بدائع التفسير» (2/105) ط/ دار ابن الجوزي، وهو في «بدائع الفوائد» (2/165-166)، فقد قال - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة: 8]، قال: «فإذا كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضهم لأعدائهم؛ على ألا يعدلوا عليهم - مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم، وتكذيبهم لله ورسوله - فكيف يَسُوغُ لمن يدعي الإيمان، أن يحمله بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول ﷺ، تصيب وتخطئ، على ألا يعدل فيهم؟! بل يجرد لهم العداوة، وأنواع الأذى؟!! ولعله لا يدري أنهم أولى بالله ورسوله ﷺ، وما جاء به منه علمًا وعملاً ودعوةً إلى الله على بصيرة، وصبرًا من قومهم على الأذى في الله، ولإقامة الحجة لله ومعذرة لمن خالفهم بالجهل!! لا كمن نصب معالمه، صادرة عن آراء الرجال، فدعا إليها، وعاقب عليها، وعادى من خالفها بالعصبية، وحمية الجاهلية، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله». اهـ .
فهل هذا من التمييع أو المنافحة عن أهل الأهواء يا صاحب الفضيلة؟!! إن كلام ابن القيم هذا حريٌّ بأن يُوَجَّهَ إليك وإلى مقلِّديك حذو القذة بالقذة، فعسى أن ينفعكم الله بهذا، وعسى أن يسلم هؤلاء الأئمة من رميكم إياهم بالتمييع والقول بالموازنات، وعسى أن تسلم الدعوة من شركم!!!!
والذي يعرف هذه الطائفة؛ يجدهم إذا رأوا رجلاً يمشي مع آخر؛ رَمَوْهُ بعقيدة ذلك الآخر، وأطلقوا ذلك دون النظر إلى أمور: هل هذا الرجل يعرف ما عند الآخر من معتقد سيِّء، أم لا? وإذا كان قد أُخبر بذلك؛ فهل ثبت ذلك عنده، أم لا؟ ومن الذي أخبره بذلك؟ هل هو من الغلاة المسرفين، الذين لا يقيمون دليلًا على أقوالهم، إلا مجرد التشهير، أم لا؟!! وإذا ثبت ذلك عنده، فهل هو من الذين يُرجى بقربه من ذاك الرجل أن يؤثر عليه بالخير، ولا يتأثر به، أم لا؟ وهل هناك ظروف وقرائن عامة أو خاصة ألجأت هذا الرجل إلى الاقتراب من ذاك الآخر، أم لا؟ وهل هي قرائن معتبرة شرعًا، أم لا؟!! كل هذه الأمور لا يقيمون لها وزنًا، ويطلقون القول بتضليل الأول بمجرد لقائه بالآخر، أو ما يقوم مقام ذلك، كأن يتناول عنده وجبة طعام، أو يتناول معه طعامًا ولو في بيت رجل آخر ….!! هذا إذا كان الآخر - حقًا - ضالاً مبتدعًا، وإلا فهم يبدِّعونه أيضًا؛ لأنه مشى مع فلان، وفلان ذلك يُبدَّع؛ لأنه مشى مع فلان، وهكذا، جعلوا أمر التبديع كالتيار الكهربائي، من لمسه؛ صُعِق، ومن لمس المصعوق؛ صُعق، ومن لمس المصعوق الثاني؛ صعق، وهكذا!! مع أن السلف الصالح كان بعضهم قد يحسن الظن ببعض أهل الأهواء، وذلك فرع عن عدم معرفتهم لحقيقة كلامهم، ولوازم إطلاقاتهم، ولم يكن ذلك مسوغًا للطعن في هؤلاء الفضلاء، الذين يذبون عن الحق حسب معرفتهم، وإن كان يؤخذ عليهم عدم معرفتهم بهذه المزالق الخطيرة، إلا أن العلماء ما كانوا يلحقونهم - لما يرونه من صدقهم في البحث عن الحق - بهؤلاء الضالِّين:
جاء في «ذيل سير أعلام النبلاء» ترجمة نصر بن سلمان بن عمر المنبجي، المتوفَّى سنة (719) هـ قال الذهبي: «وكان يتغالى في ابن العربي - في الجملة - ولا يخوض في مزمناته، وقد لَحِقْتُ جماعة من الفضلاء بهذه الصفة، يبالغون في تعظيم كبير فوق الحاجة، وله مضلعات ومزمنات لا يفهمونها، ولا يخوضون في لوازمها، أو قد لا يعرفون أنه عَمَّقَ في ذلك، ولا دَقَّقَ، كما أن طوائف وعلماء يذمون الكبير بشناعة قيلت عنه، قالها، أو لم يقلها، أو تاب منها، أو له فيها عذر عند الله؛ لحسن قصده، واستفراغ وسعه في اجتهاده، وله أعمال صالحة، وعلوم نافعة، تدفن وتُنسي!! فما أحسن الإنصاف، وما أجمل الورع، ولقد جلست مع الشيخ نصر بزاويته، وأعجبني سمته وعبادته، ونقل إليه أوباش عن شيخنا ابن تيمية، أنه يحط على الكبار، فبنى على ذلك!! فهلا اتعظت في نفسك بذلك؟! ولم تحط على ابن تيمية، فإنه والله من كبار الأئمة، وبعد: فكلام الأقران لا يقبل كله، ويقبل منه ما تبرهن، والله الموفق، وقَلَّ أن ترى العيون مثل نصر». اهـ .
وقد ذكر شيخ الإسلام - كما في «مجموع الفتاوى» (2/464-465) - أنه كان ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظِّمه، هو ومجموعة من إخوانه، ولم تظهر لهم حقيقة مذهبه، إلا بعد أن قرأوا كتابه «الفصوص» ونحوه، فلما ظهرت لهم حقيقته؛ حذروا منه، وهذا هو الواجب على أهل العلم، إذا عرفوا الحقيقة، أما قبل أن يعرفوا ذلك، مع حرصهم على الحق، فمن الذي يحكم على هؤلاء الأفاضل بالبدعة والضلالة - وإن كانوا لا يُقّرُّون على إحسانهم الظن بأهل الأهواء -؟!! هذا لا يتمشى مع مذهب أهل العلم، أما المذهب الربيعي المخترع المُفْسِدُ؛ فحدِّث ولا حرج!!
ولو استرسلْتُ في حشد وجمع أمثلة لذلك؛ لطال بي المقام، وانظر كتابي «قطع اللجاج».
ومن نظر في حال الشيخ ربيع، وما يريده من غيره؛ فكأنه يريد من الناس أن ينـزلوه منـزلة المعصوم؛ فإذا جرح أحدًا، ورَدَّ ذلك عليه أحدٌ أعلَمُ بالمجروح منه؛ كأنما رد كلام معصوم!! وكأنه قدم بين يدي معصوم!! فإنا لله وإنا إليه راجعون، أما كان السلف يختلفون في ذلك كثيرًا؟!! ومن عرف قدره، وأنزل نفسه منـزله، دون وكس أو شطط؛ فقد أراح واستراح!!!
ولقد وفَّقني الله عز وجل، فرددت على الشيخ هذه النقولات في عدة كتب، فولَّى ولم يُعقِّب، والآن يعيد كلامه - هو هو وزيادة - عاريًا عن الدليل، جائرًا عن سواء السبيل!!
أتظنُّ - أيها الشيخ - أن أراجيفك هذه تجعلني أتردَّد أو أشك فيما هداني الله إليه من الحق المبين؟!! أتظن أن تهاويلك هذه، تكون حائلًا بين طالب الحق وبين أهله القائمين به على بصيرة من أمرهم؟!! والله إنَّ في الحق هدايةً وكفاية، وصدق من قال:
أأترك ما علمتُ لجهل غيري ... فليس الرأي كالعلم اليقين
فأمَّا ما علمتُ فقد كفانـي ... وأمَّا ما جهلتُ فجنِّبوني!!!
[2]- وصف الشيخ منافحتي - حسب زعمه - بأنها طرق ماكرة!!
فأقول: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64] فالبينة على المدعي.
يقولون أقوالاً ولا يُثْبِتونها ... وإنْ قيل هاتوا حَقِّقُوا لم يحقِّقوا
وهل استطعت - أيها الشيخ - أن ترد على «قطع اللجاج» الذي وفَّقني الله عز وجل فيه، فأجبتُ على كثير من تهاويلك؟! ثم ذهبْتَ توهم أتباعك بأنك رددتَّ على الكتاب بما تزداد به تعرية، ولو سلَّمنا بأنك أصبتَ في كل ما ذكرتَ؛ فأين ما لم تذكره مما في الكتاب من مسائل تعدُّها أنت العمود الفقري لمذهبك العاطل؟!! فإما أن تعترف بعجزك عن الرد عليّ فيها، وإما أن تعلن توبتك، وإمَّا أن تزداد تعرية!! وهل استطعت أن ترد على «القول المفحم»، و «الجواب الأكمل»، و «تحذير الجميع»، و «إعلان النكير»، وغير ذلك؟!! لم أجد منك جوابًا إلا الإمعان في السب والطعن!! فهل نفد ما في جعبتك من أدلة، فلم تجد غير هذا الحال الذي أنت عليه، من الخزق والبهت وسوء المقال؟!! وقد يسر الله لي احتمال كل هذا الأذى، والفضل في ذلك لله عز وجل وحده، وكما قيل:
ووسَّع صَدْرِي للأذى كثرةُ الأذى ... وقد كان أحيانًا يَضِيقُ به صدري!!
لكن هذه الترهات والأباطيل، لا يقر لها قرار أمام الحق وبراهينه:
إذا جاءَ موسى وألقَى العَصَا ... فقد بطَلَ السِّحْرُ والساحرُ!!
[3]- قال: «ومؤصِّل الأصول الكثيرة الفاسدة، التي بلغت عشرين أصلًا، أو تزيد»!!
قلت: سَمِّ لي هذه الأصول، يافحل الفحول!! فإنَّ أصحابك هنا لما تابعوك على ذلك؛ كُشِفُوا، وفُضِحوا عند العوامِّ - فضلاً عن طلاب العلم - وأصبح نجمهم في أفول، وطالبوك آنذاك بإلحاح، لتسعفهم بهذه الأصول المزعومة فمجْمجْتَ، وهكذا الباطل يخذل أهله!!
هذا وأنا مستعدٌّ أن أتراجع عن أي فرع - فضلًا عن أصل - يخالف ما عليه البرهان، أو الإجماعُ المتيقَّن، فأين هو؟!! فإنَّ لكم نحو سنة، وأنتم تدندنون بهذه الشقاشق، فما أفلحتم ولا ربحتم!! {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].
وإن مما علمه طلاب العلم عنكم، وعن أتباعكم هنا: أنَّ الأصول التي تزعمونها هي:
(أ) المجمل والمفصل: وقد رددت عليك في ذلك بكتاب «الجواب الأكمل على من رد حمل المجمل على المفصل والظاهر على المؤول» فنسفت فيه شبهاتك، التي أجلبت بها على طلاب العلم - والفضل في ذلك لله وحده - ونقلت عن أكثر من خمسين من أهل العلم، ما يؤكِّد قولي، بل نقلتُ عنك وعن بعض خريجي مدرستك الجائرة عن قصد السبيل؛ ما ينقض هذه الدعاوي العاطلة، فهل صدر منك جواب علمي على ذلك؟!! أما الشتم والطعن؛ فليس جوابًا عند طلاب الحقيقة، فقد قيل:
إذا شئتَ يومًا أنْ تَسُودَ عشيرةً ... فبالحِلْم سُدْ لا بالتسرُّعِ والشَّتْمِ!!
وقد قال شيخ الإسلام - كما في «مجموع الفتاوى» (4/186-187) - رادًا على من سلك شيئًا من مسلكك هذا: «إن هذا الكلام، ليس فيه من الحجة والدليل، ما يستحق أن يخاطب به أهل العلم، فإنَّ الرد بمجرد الشتم والتهويل؛ لا يعجز عنه أحد، والإنسانُ لو أنه يناظر المشركين، وأهل الكتاب، لكان عليه أن يذكُرَ من الحجة ما يبيِّن به الحق الذي معه، والباطل الذي معهم؛ فقد قال الله عز وجل لنبيه: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125]، وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، فلو كان خصم من يتكلَّم بهذا - سواءٌ كان المتكلِّمَ به أبو الفرج أو غيره - من أشهر الطوائف بالبدع، كالرافضة، لكان ينبغي أن يذكر الحجة، ويعدل عما لا فائدة فيه؛ إذْ كان في مقام الرد عليهم ... ومن يرد على الناس بالمعقول، إنْ لم يبيِّن حجة عقلية؛ وإلا كان قد أحال الناس على المجهولات؛ كمعصوم الرافضة، وغوث الصوفية». اهـ.
فالشيخ ربيع ما أحالنا على منقول ولا على معقول، بل أحال على مجهول، ومنهج سقيم معلول!! فهذا خطابه الذي ملأه بالطعن والإفك على العُبيد المُسَيْكين؛ لم يستدل فيه بآية واحدة، أو حديث واحد على صحة ما يقول!! بل لم يُحِلْ القارئ إلى موضع واحد من كتبي وأشرطتي، مستدلاً بذلك على دعاويه الفارغة!! فأي حجة في هذا عند أولي النهي والأبصار؟!!
(ب) خبر الآحاد: وكلامي فيه السابق واللاحق؛ موافق لمذهب جماهير أهل السنة، وهو أنَّ خبر الآحاد - في الأصل - يفيد غلبة الظن، إلا إذا حفته قرينة، فإنه يفيد العلم النظري، وقد ذكرت هذا في كتب وأشرطة منذ سنوات، وقبل وبعد طبع «إتحاف النبيل»، وذكرتُ في «قطع اللجاج» وغيره أن أيَّ كلمة يوقف عليها في كلامي المقروء أو المسموع، بخلاف هذا؛ فلا يعتمد عليها، ولا تُنْسَبُ إلي، وهذه كتبي وأشرطتي، وهؤلاء طلابي، فهل من أحد منهم يقول بخلاف هذا التفصيل؟!!
وسترى هذا - إن شاء الله تعالى - مفصَّلاً في الطبعة الثالثة للكتاب، وعسى أن يكون قريبًا - وسأوضِّح ما يؤكِّد موقفي في هذه المسألة، من خلال ما كتبت في «الإتحاف» نفسه- فضلاً عن غيره - وإن كنتَ قد أهملت هذا كلَّه وأهدرتَهُ!!
ثم ألستَ كنتَ تعرف ما قررتُهُ في هذا الكتاب منذ طبع 1414هـ؟ فلماذا لم توضح أن هذا مذهب المعتزلة والخوارج والجهمية من ذلك الوقت، كما تدَّعي الآن، وتشنِّع بذلك؟!! بل شهدت الساحة مبالغاتك - الفارغة - في الإطراء والمدح لي!! إن هذا كله يدل على أن الإنصاف عزيز، وأنه لا يكون إلا بورع تام، وقد قيل:
وقد كانوا إذا عُدُّوا قليلاً ... فقد صاروا أَقَلَّ من القليلِ!!
وكلُّ هذا فيما يفيد خبر الآحاد، وإلا فيُعْمَلُ به في العقائد والأحكام، وفاقًا لأهل السنة، وخلافًا لأهل البدع، فلو وافق هذا الكلام قلبًا متجردًا، وعقلًا منصفًا؛ لكان الحال غير الحال، ولكننا نحمد الله على كل حال، ونعوذ به من حال أهل الزيغ والفتنة والضلال.
(ج) قولي: «نصحِّح ولا نهدم»: وقد حاول الشيخ وأذنابه أن يشنِّعوا عليَّ بهذه المقالة، فيسَّر الله عز وجل ببياني ذلك في أشرطة: «القول الأمين، في صد العدوان المبين»، وقد بين ذلك أيضًا بعض مشايخ المدينة في بيانهم الأول، وفصَّلت القول في هذه المسألة بكتاب مستقل، سميته: «القول المفحم، بالرد على من أبطل مقالة نصحح ولا نهدم»، فماذا كان جوابك - أيها الشيخ - على هذا الكتاب الذي نقلتُ فيه كلامك، وأنت تسمي - آنذاك - المنهج الذي أنت عليه الآن بأنه منهج الخوارج، والمذهبُ الحدَّادي النجس؟!! ماذا عليّ أكثر من أن أستدل عليك بكلامك السابق، لبيان فساد حالك اللاحق؟!! أيُّ إنصاف أكثر من أن أورد عليك قولك وقول الأئمة، ومنهم بعض مشايخك، وكثير ممن تنتحلهم، وتفتخر بأنك على منهجهم في هذه المسائل، وهيهات هيهات!! إنما هذا من قلبك للحقائق، حتى توهم الرعاع بأنك على طريقة العلماء {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة:9].
(د) منهج الموازنات: وقد وضَّحت موقفي من ذلك منذ سنوات، ولا زلت - ولله الحمد - على ذلك، وزدت ذلك وضوحًا في أشرطة «القول الأمين، في صد العدوان المبين»، ووعدت بإخراج كتاب مستقل في ذلك، فأسأل الله أن ييسر بوقت مبارك لتبييض مادته المجموعة عندي، لكني أرى شطحات كثيرة، فأرى أن الجواب عليها مقدم على ذلك، فأبشر أيها الشيخ بجواب علمي في ذلك، يقلم أظفار الغلو، ويكسر مخالب الغلاة، إن شاء الله تعالى!!!.
ومن ضيق الوقت، وكثرة الترهات التي تحتاج إلى رد وتفنيد؛ يصدق قول من قال:
تكاثرت الظباء على خراشٍ ... فما يدري خراشٌ ما يصيــد
(هـ) التثبت: ودعواك أنني أخالف أهل السنة في هذا الأصل؛ دعوى عارية عن الدليل، بل بترتَ فيها كلامي، الذي هو حجة عليك، وراد لدعواك – وقد كنتُ أنزّهك عن هذا !! - وقد وضَّحْتُ ذلك في أشرطة «إقامة البرهان، على تخبط أصحاب البيان»، ولعل الله عز وجل يمدني بوقت وتوفيق من عنده، فتقر عيون أهل السنة برسالة خاصة في ذلك.
فهذا ما بلغنا من هذه الأصول العشرين المزعومة!! وهاهي كتبي في الرد عليك فيها، فما هو جوابك عن ذلك؟!! «ثم ما هي بقية العشرين أصلًا وزيادة»؟!! فما كان فيها من حق؛ فمقبول، وجزاك الله خيرًا، وما كان فيها من باطل، فمردود، وغفر الله لي ولك!!.
[4]- قال: «والمدافع عنهم - أي عن أهل الأهواء في زعمه - بكل وسيلة قذرة يخجلون منها».
أقول: لا جواب عندي على هذا الكلام الهابط، فكل إناء بما فيه ينضح!! إلا أنني أنبه على أنَّ قولـه: «كل وسيلة قذرة...إلخ» يشملُ بعمومه الوسائل المكفِّرة – على أسلوب الشيخ ربيع - !!! وهذا يدل على أن الشيخ مسرفٌ غالٍ، ولا يُعْتَذَرُ عنه في ذلك، بأن هذا من العموم، الذي يراد به الخصوص؛ فإنه لا يحمل المجمل على المفصَّل، ولا العامَّ على الخاصِّ، وقد رددتُّ على هذا الأسلوب أيضًا فيما كتبته مؤخرًا باسم «إعلان النكير، على منهج الشيخ ربيع في التكفير»، فأحذرك ثم أحذرك أيها الشيخ من مغبة الغلو الذي تسلكه، وتنافح عنه، فإن عاقبته وخيمة، وقد قيل:
دخولُكَ في بابِ الهَوَى إنْ أردتَّهُ ... يَسِيرٌ ولكنَّ الخروجَ عسيرُ!!!
وأذكِّرك بلزوم الفضائل - حتى في الخصومات - فإنَّ ذلك أدعى لقبول قولك، وهزيمة خصمك إذا كان مبطلاً، وقد قيل:
قَاتِلْ عدوَّكَ بالفضائل إنَّها ... أعدى عليه مِنَ السهامِ النُّفَّذِ
[5] - قال: «والمهاجم للمنهج السلفي في شخص علمائه وطلابه، بكل وسيلة قذرة، يخجل منها غلاة أهل الباطل، ومنها الكذب والخيانات والتلبيس في حوالي خمسين شريطًا، وعددٍ لا يُحْصَى من المقالات».
والجواب عليه من وجوه - إن شاء الله تعالى:
(أ) يدخل في عموم كلامه هذا – بناءً على مذهبه في مثل هذه العبارة-: أنني أدافع بكل وسيلة قذرة، حتى الوسائل الكُفْرية، وإنَّ لك أن تتصور: ما هي هذه الوسائل التي يخجل منها غلاة أهل الباطل؟!! ألا يدخل في ذلك الوسائل المكفِّرة?!! إنَّ عموم أهل الباطل يدخل فيهم الكفَّار، وغلاتهم الذين يخجلون من بعض الوسائل - وهم غلاة الكفار الذين فعلوا كل قبيح - لا تكون الوسائل إلا أقذر وسائل الكفر!!
قد يتعجَّب القارئ من إلزامي هذا إياه، ويقول: لازم القول ليس بقول!! إلا أنني أقول له: هذا هو أسلوب الشيخ الذي يتصيد به أخطاء مخالفيه، فمعاملته بأسلوبه - ليرتدع عنه، ويقلع عنه - ليست ظلمًا، والرجل يُعْرَفُ بقواعده التي يحاكم بها الغير، فيحاكم هو بها أيضًا؛ لأنَّ بقواعده تعرف مقاصده!!! وأضرب لك في ذلك مثالًا مما كتبه الشيخ، لتعرف هل هذا - على مذهبه - معناه التكفير، بل أخسُّ أنواع التكفير، أم لا؟!!
فقد جاء في كتابه: «النصر العزيز» (ص 89) ط/ مكتبة الغرباء/ ط/ الأولى 1417 هـ، أنه نقل عن الدكتور الشايجي طعنه في الشيخ ربيع ومن معه، فقد قال الدكتور الشايجي: «هذه المجموعة التي اتخذت التجريح دينًا، وجمع مثالب الصالحين منهجًا، جمعوا شَرَّ ما في الفرق». اهـ. فقال الشيخ معلقًا على ذلك - وبه نعرف منهجه، ونعامله به هنا ليرتدع فقط - : «وهذا الكلامُ من أكذب ما سمع الناس، وتكفير؛ لأنَّ شر ما عند الفرق؛ قد لا يجتمع عند أكفر الكافرين». اهـ. فها هو يعد كلمة الدكتور الشايجي: «جمعوا شر ما في الفرق» تكفيرًا قد لا يجتمع عند أكفر الكافرين!!! مع أنه يعلم أن الشايجي لا يكفِّره بذلك!! فماذا يقول في قوله: «والمدافع عنهم بكل وسيلة قذرة، يخجلون منها، والمهاجم للمنهج السلفي... بكل وسيلة قذرة، يخجل منها غلاة أهل الباطل...»؟!! فهل يجتمع في أكفر الكافرين كل وسيلة قذرة؟!! بل كل وسيلة قذرة يخجل منها غلاة أهل الباطل؟!! اللهم إني أدَّخر أجر الصبر على هذا البهتان عندك، في يوم تبيض فيه وجوه، وتسودُّ فيه وجوه!! لكني أردت أن أشير إلى الغلو الذي وصل إليه الشيخ، وهذا حال لا يُحْسَدُ عليه، إلا عند الجهال، وسترى منهجه في التكفير عما قريب - إن شاء الله تعالى - وعند ذلك:
ستعلمُ ليلى أيّ دَيْنٍ تداينَتْ ... وأيَّ غريمٍ في التقاضِي غريُمهَا!!!
(ب) وأما قوله: «... في شخص علمائه وطلابه»، فهذا كلام فيه تمويه!! فمن هم علماء المنهج السلفي هؤلاء الذين أهاجمهم؟!! هل هاجمت سماحة الشيخ ابن باز، وفضيلة الشيخ ابن عثيمين، ومحدث العصر الألباني، وعلامة اليمن الوادعي، وأئمة هذا الزمان من كبار العلماء، وفقهاء الأمة علماء لجنة الإفتاء، والعالم الموفَّق، والمربي المحنك، وزير الشؤون الإسلامية، الشيخ صالح آل الشيخ، وعلاَّمة الحجاز العَبَّاد، وبقية علماء أرض الحرمين ونجد، والشام ومصر وإفريقيا وغير ذلك، ممن سلكوا سبيلهم في نصرة الدين بتعقُّل ورزانة، وإدراك للمصالح والمفاسد، واعتبار للحال والمآل، والقوة والضعف، ونحو ذلك - ومع ذلك فليسوا بمعصومين -؟!! ألا فلتُسمِّ لي أيها الشيخ شيئًا من ذلك، إن كان عندك دليل على ذلك، وأحلني إلى نص كلامي من كتاب، أو شريط، أو شهادة عدل، ودون ذلك خرط القتاد!! فإن كان عندك شيء من ذلك، وإلا فدع عنك التهاويل والأراجيف!! فمتى كان الرد على من ينحرف عن السلفية؛ حربًا على السلفية؟!!
ومتى كان المفرِّقون للصفوف، المضيعون للجهود، الحريصون على الزعامة، من كبار علماء السلفية؟!!
ولا أذهب بعيدًا، فإنِّي لا أعلم أحدًا ظلمني، وتجاوز الحد معي، أكثر منك!! فما هو جوابي عليك، وما هو هجومي ضدك؟ أتريد أن تنسُبَ إليَّ الباطل، وأنا أسكت عنك، حتى أكون محترمًا عندك، بعيدًا عن كل وسيلة قذرة يخجل منها غلاة أهل الباطل؟!! هل مَنْ رَدَّ باطلك؛ حارب السلفية؟!!
ألم تكتب ما أسميته بـ «جناية أبي الحسن على الأصول السلفية»، و«الانتقاد العقدي والمنهجي على السراج الوهاج»، وما أسميته بـ «إبطال مزاعم أبي الحسن حول المجمل والمفصل»، وكذا ما تدعي أنه «النصوص النبوية السديدة، تدك قواعد الحزبية الماكرة الجديدة»، وغير ذلك، وأنا لم أرد عليك بكتاب واحد طيلة هذا الوقت؟!! إلا بعد أن زاد ظلمك، وقلَّ حلمك، وطاش لسانك وقلمك!! فإذا رددتُ عليك - بدون اعتداء، بل دون استيفاء لحقي- أكون مهاجمًا لعلماء الدعوة السلفية، طاعنًا في دعوتهم، من خلال مهاجمتي لشخصك؟!! أليس الله عز وجل يقول: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى: 41-42]؟!!
ومع ذلك فقد صبرتُ كثيرًا، وتنازلتُ عن كثير من حقوقي، وإنما رددتُّ عليك انحرافاتك عن المنهج السلفي، وكشفتُ بعض البلايا التي بثثتها في أشرطتك، بعد أن حاولتُ نصحك بها، فأأبيتَ، ولعل الخير في ذلك - إن شاء الله تعالى - حتى تبلُغَ هذه الأمور مسامع أهل العلم، فيكون ذلك سببًا في تراجعك وتواضعك، أو حتى تبلغ الأجيال؛ فيعرفوا قدرك!! فهل يقال لمن نقدك ونقد من كان على شاكلتك: أنت تهاجم المنهج السلفي في شخص علمائه؟!!
فَمَنْ أنت حتى تكون بهذه المنـزلة؟!! إنَّ هذه منـزلة من مدحتهم الأمة؛ كالصحابة والأئمة المهتدين، أما من بلغ مبلغك من الظلم والاعتداء فكَشْفُ مكنونه ليحذر الناس من هذه الأفاعي القاتلة - مما يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 88].
وقد مَرَّ أن أحمد بن حنبل، سأل بعض المحدِّثين: من أين قدمتم؟ فقالوا: من عند أبي كريب، فقال: عليكم به، فقالوا: إنه يطعن فيك!! فقال: ما حيلتي؟ رجل صالح بُلِيَ بي!! ولم يقل أحمد - كما تزعم معظمًا نفسك - : إنَّ الطعن فيّ طَعْنٌ في السلفية، وإسقاطٌ للسلفية، عن طريق إسقاطي!!
(ج) قوله: «وفيها الكذب والخيانات والتلبيس في حوالي خمسين شريطًا، وعدد لا نحصيه من المقالات».
أقول: لم تستطع - والفضل في ذلك لله عز وجل وحده - أن تثبت عليَّ واحدة من هذه التهم، وهذه شنشنة عُرِفْتَ بها منذ زمن!! وأما الأشرطة فهي - الآن - نحو الثمانين وزيادة - ولله الحمد - لكنَّ الأشرطة والمقالات منشورة - ولله الحمد - فليسمعها أهل الفضل والعقل، فإن قالوا: هي مخالفة للحق، وبينوا لي ذلك؛ رجعت عنها شاكرًا لهم، وأما أنت فمتى تعترف بخطئك؟!! لقد عُرفت في هذه القضية باللجاج، وإصرارك على خطئك، وإعراضك عن البراهين والحجج!! لقد نُشِرَ عنك - حتى الآن - ما يزيد عن ثلاثين خطأ، ومن ذلك أمور خالفت فيها معتقد أهل السنة وطريقتهم، فهل اعترفت بشيء من ذلك؟!! وهلا استحييت من العلماء وطلاب العلم الذين يقفون على كلامك هذا، وينتظرون منك موقفًا يدل على ورعك وتورعك؟!!! أم قابلت هذا كله بتجاهل عجيب، وسكوتٍ مريب، ثم تطالعنا بعد سكوت فاضح بهذا الافتراء الواضح؟!!! أتظن أن هذه الجعجعة ستنسي طلبة العلم هذه الطوام؟!!.
وأما المقالات والكتب التي عَجَزْتَ عن إحصائها؛ فهي عند كثير من أهل العلم من علماء وطلاب، فما هو انتقادهم عليها؟!!! أما أنت فلست بالحكم الذي تُرْضَى حكومته؟!!
[6] - ثم تساءل الشيخ: هل جهود أبي الحسن هذه للدفاع عن سبيل الله، أو للصد عنه، وَوَصَفَ هذه الجهود، بأنها معارك عنيفة فاجرة هوجاء!!
أقول: هذه الجهود أرجو بها الثواب العظيم من الله عز وجل، والنفع العميم لعباد الله سبحانه وتعالى، وهي وإنْ سميتها أنت أو وصفتها بتلك الأوصاف؛ فهكذا الحق يُدَوِّخ الباطل وأهله، فتنطلق ألسنتهم بسبه، وسبِّ من تصدى لهم بوضوح وقوة لمعرفته حقيقتهم {وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ} [ص: 6-7]، لكن صدق الله عز وجل القائل: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120].
ثم إن هذا السؤال أنت أولى بتوجيهه إليك، فيقال لك: هذه الجهود التي تبذلها، والتي شَتَّتَّ بها صفوف الدعوة، وخَلَفْتَ العلماء بهذه الأمور على دعوتهم وثمرتهم بشرٍّ وسوء، وتسببت في نزع هيبة كثير من طلبة العلم والدعاة من قلوب إخوانهم - فضلًا عن خصومهم – وأشعلت نار الفتنة، وسوء الظن، والتربص، والكيد بين طلاب العلم، ومراكز الدعوة، وفرَّقْتَ بين المرء وزوجه، وجعلت الأخ يهجر أخاه، وبذرت بذور الغلو المبيرة في الصف ... إلخ، كل هذه الجهود الجائرة البائرة: أهي للدفاع عن سبيل الله، أو للصد عنه؟!!
وكما قيل:
ولو كان (جَهْلاً) واحدًا لاحتملتُهُ ... ولكنَّه (جَهْلٌ) وثانٍ وثالثُ!!!!
ولو كان طعنك الجائر في أمر يُسْكَتُ عنه؛ لسكتُّ وأعرضتُ عن الجواب عنك، ولكن الأمر كما قيل:
وجُرْحُ السيـفِ تُدْمِله فَيَبْـرَا ... ويبقي الدَّهْرَ ما جَرَحَ اللسانُ!!!
هذا، وليس طلاب العلم بنادمين على تنحية هذا الغثاء عن دعوتهم، وإن حزنوا من جهة أخرى من الفرقة والفتنة بين الأحبة، وكذا من جهة ما أصابهم بسبب هجمتك الظالمة - انتصارًا لنفسك - عليهم وعلى إخوانهم؛ لأنَّ هذه سنة الله عزوجل في الدعوة؛ قال الله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17]، وقال سبحانه: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179].
فمن أراد الله عزوجل به خيرًا؛ عرَفَ الزُّخْرُف والبَهْرَج، ورجع إلى قافلة السالكين إلى الله تعالى، ومن لا؛ فلسنا بأرحم من الله عز وجل الذي رحمته وسعت كل شيء، وهو العليم الحكيم؛ {وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة 41]، {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور:40].
[7] - ثم تساءل الشيخ قائلاً: «أَخْبِرْناكَمْ وقتًا بذلته في التنقيب عن ضلالات سيد قطب...» وذكر معه آخرين من الأشخاص، والأحزاب، والكتب، والضلالات التي وقع فيها هؤلاء، كما تساءل: «هل أخذتْكَ الغَيْرة على القرآن الكريم الذي جعله سيد قطب مَسْرحًا لأنواع الملاهي والمراقص، وطعنه في جماعة من الصحابة، وبعض الأنبياء، ودعوته إلى بعض المبادئ الغالية كالاشتراكية، وغير ذلك...» ثم قال: «علام يدل هذا التجاهل المريب طول عمرك لهذه الضلالات؟! بل علام يدل دفاعك المرير عنه، ورمي من ينتقده من كبار العلماء بالغلو، وعلى رأسهم الألباني، والعثيمين، والفوزان، والدويش، والأنصاري، ومحمد أمان؟!»، وتساءل الشيخ - أيضًا - عن نشاطي ضد أتباع هذا الفكر القطبي... وسمَّى جماعة منهم، وقال: «بل علام يدل دفاعك عنهم، واعتبارهم من أهل السنة؟» وذكر أن هذا النشاط - حسب فهمه - إنما هو لإسقاط العلماء؛ لتخلُوَ الساحة لي، وللقطبيين، ولسائر أهل الأهواء، لنقود الأمة إلى الضياع والمتاهات المهلكة - «كل هذا حسب زعمه»!!! -. اهـ. ملخصًا.
أقول: ليس هذا بغريب عن الشيخ، أن يعصر ذهنه، حتى يعثر على أشد كلمة جارحة لخصمه، وإن كان ذلك بعيدًا عن الصواب!!! وما أحراه بهذه النصيحة:
وَزِنِ الكلامَ إذا نطقْتَ فإنَّما ... يُبْدِي عقولَ ذوي العقولِ المَنْطِقُ!!!
وقول القائل:
زِنِ القولَ من قبلِ الكلامِ فإنَّما ... يَدُلُّ على قدرِ العقولِ التكلُّم!!!
وقد جمع الشيخ هنا عدة مجازفات، وجوابي عنها من وجوه - بمشيئة الله تعالى -:
(أ) ما هو القدر الذي يلزمني من البيان تجاه هذه الأمور التي ذكرها الشيخ؟!!
هل يلزمني أن أؤلف كتابًا في سيد قطب والجماعات، على وِزَانِ ما ألفه الشيخ ربيع؟!!
فإن قال: نعم، هذا لازم لك!! قلت: فأين ما ألَّفه في ذلك - بهذا القدر، وعلى وزان كتب الشيخ ربيع - من هم أعلم منه، وأغير على هذه الدعوة؟!! كسماحة الشيخ ابن باز، وإخوانه وأبنائه العلماء، الذين سبق ذكرهم؟!! ألا يسعني ما وسعهم؟! فهم قد أصدروا فتاوى، بقدر ما سئلوا عن ذلك، أمَّا أنا فلابتلائي بكثير من حملة هذه الأفكار؛ قد أصدرت فتاوى، وسجلت أشرطة، وتناولت شبهات كثيرة للمخالفين بالرد العلمي عليها، وأجوبتي في دار الحديث بمأرب وغيرها لطلاب العلم شاهدة لذلك، والفضل في ذلك لله عز وجل، والأجر على الله تعالى في هذا وغيره.
ثم لماذا كنتَ تمدحني - أيها الشيخ - بالمجاهد العلامة السلفي؛ كما في (ص 1) من ملاحظاتك على «السراج الوهاج»؛ فقد قلتَ: «فهذه الملاحظات أبديتها على ما قرره أخونا العلامة الفاضل السلفي المجاهد أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل المأربي»، إلى أن قلتَ: «ووالله! لو كان عندي شيء من المجاملة؛ لبذلته لأخي أبي الحسن؛ لما له من المنـزلة عندي...» . اهـ .
ولماذا كنت تصفني بنابغة اليمن في الجرح والتعديل، وتستشهد وتستكثر بي، وتحشرني مع العلماء الذين يؤيِّدونك على منهج النقد الذي تسلكه؟!! وأنت تدَّعي هنا أنني لم أفعل هذا طول عمري، فتقول: «وعلام يدل هذا التجاهل المريب لهذه الضلالات؟!!»، فإذا كنتُ طول عمري متجاهلاً لهذه الضلالات؛ فكيف مدحتني، ورفعتني، وحشرتني في زمرة العلماء الكبار، سنة1417هـ - كما سيأتي»؟!!! أكنت في ذلك غاشًا للأمة آنذاك؟!! أم صرتَ جاحدًا للخير الذي عند خصمك؟!! والحق أنني دون ما ذكرتني بالأمس، وفوق ما تجعلني اليوم، و{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54].
(تنبيه) الشيخ هاهنا يجحد دفاعي عن السنة، وردِّي على من خالفها، مع أنه في كتابه: «الانتقاد»قد أشاد بجهودي هذه فقال الشيخ: «وفَّقك الله يا أبا الحسن، ألا ترى أن أهل الأهواء، سوف يتعلقون بهذا الكلام، بل هم يقولونه، ويردِّدونه، ويحاربون أهل السنة به، ويحاربون منهج النقد الذي لا يقوم الإسلام إلا به، ذلك المنهج العظيم الذي دل عليه الكتاب والسنة، وقامت عليه علوم الإسلام من تفسير، وحديث، وفقه، وكتب رجال، وكتب عقائد، وكتب النقد والموضوعات والعلل، وأنت بحمد الله من الذاِّبين عن هذا المنهج العظيم، والداعين إليه».
فلا يدري المنصف أيُّ الكلامين يُصدَّقُ فيه الشيخ؟!! أم أنها الأهواء التي تجعل الحق باطلاً، والممدوح مذمومًا؟!! لا لشيء إلا لمجرد الانتصار للنفس، والإشادة بها ولو على حساب الأبرياء؟!!
(ب) وهل تأليف الكتب والتسجيل في أشرطة، لبيان ما عليه الجماعات المنحرفة عن منهج السلف - بالضوابط الشرعية لا بالفوضى الربيعية - فرض عين على كل أحد، أم فرض كفاية؟.
فإذا قال: فرض عين، فبماذا يحكم على العلماء الذي اكتفوا بمجرد الفتاوى في بيان الخطأ الذي عند هذه الجماعات دون جحد ما عندهم من الخير؟!! بل بماذا يحكم على العلماء الذين لا زالوا يزكُّون بعض هؤلاء القادة، ويشكرون لهم جهودهم- دون ذكر شيء من أخطائهم -؟!!
ولاشك أنَّ هذا باعتبار ما بلغهم من العلم عنهم، بل بعضهم لم يقبل الطعن في هؤلاء، ولا زال إلى الآن يثني عليهم، ويشكر جهودهم!! وهم أئمة مجتهدون في ذلك، وهم بين أجر أو أجرين، فهل سيحكم الشيخ وأتباعه بخروجهم من أهل السنة؟!! وبمنافحتهم عن أهل الأهواء؟!! وأنهم طعنوا السلفية طعنات خبيثة، أو هم والحزبيون في خندق واحد، ضد السلفيين؟!! مع أن هذا أو بعضه قد وقع من بعض كبارهم، في بعض العلماء الكبار!!! ثم بعد هذا كله يرمون مخالفهم بأنه يريد إسقاط علماء السنة!! وهل كلامكم هذا - بل أكثر منه - ليس إسقاطًا لهم؟!! {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران:118] والله المستعان.
وإذا قال: إن هذا البيان فرض كفاية، وهاهو يرى من نفسه أنه قد بذل عمره أو جُلَّه في كشف ما عند هؤلاء، وينتحل آخرين من العلماء، حاشرًا أسماءهم في جملة من يؤيده من العلماء، على هذا الدرب المظلم!! ألا يسقط بهذه الجهود الفرض عن البقية؟!! فلماذا يطلب مني بعد ذلك أن أكتب وأسجل، وإلا رماني بهذه البوائق؟!!
وهذا على فرض أنني لم أفعل، فكيف وقد فعلت ما أراه يقرِّبني إلى الله عز وجل؟!! فكيف وقد اعترف هو بذلك من قبل؟!! فكيف وهو قد بالغ في المدح والثناء عليّ في ذلك؟!! فكيف وقد استكثر بي، وعدَّني من جملة من يقتدي بهم، كما في كتابه «النصر العزيز» (ص 94)؛ حيث قال تحت عنوان: العلماء المعاصرون يؤكدون منهج النقد، قال: «إن علماء السنة المعاصرين، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والمحدث الناقد الشيخ ناصر الدين الألباني، وتلاميذه، والشيخ صالح الفوزان، وعلماء السنة في اليمن، ولا سيما نابغتهم، المتخصص في الجرح والتعديل، أبو الحسن المصري المـأربي، كلُّهم يسيرون على هذا المنهج في حياتهم، وفي مؤلفاتهم، وفتاواهم، بل علماء الإسلام على امتداد تاريخهم سائرون على هذا المنهج إلى يومنا هذا». اهـ.
فها أنت قد اعترفتَ بقولك: «كلُّهم يسيرون على هذا المنهج في حياتهم، وفي مؤلفاتهم، وفتاواهم...»، ثم ترجع وتقول هنا: «أَخْبْرنَاكَمْ وقتًا بذلته...؟! وهل دفعتك الغيرة الإسلامية يومًا من الأيام...؟! وهل استنكرت في يوم من الأيام دعوة سيد قطب إلى الاشتراكية الغالية...؟! هل استنكرت شيئًا من ضلالات تضمنتها كتبه الأخرى...؟! علام يدل هذا التجاهل المريب طول عمرك لهذه الضلالات؟! بل علام يدل دفاعك المرير عنه، ورمي من ينتقده من كبار العلماء بالغلو ...؟!».
فلا ندري أي القولين منك نصدِّق، أقَوْلُكَ: «كلهم يسيرون على هذا المنهج في حياتهم ...» إلخ، أم قولك: «وهَل استنكرتَ في يوم من الأيام ...؟!»
إن هذا التباين ليُظهر بجلاء أثر النفوس على شخصية هذا الرجل!! والإنصاف عزيز، لكنه يحتاج إلى مزيد من الديانة والورع والعلم، وصدق الله القائل: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24]، {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116].
(ج) إن طالب العلم يدعو إلى الحق، ويحذِّر من الباطل - بقدر استطاعته، مراعيًا في ذلك ما تَؤُولُ إليه الأمور، من مصالح ومفاسد، وذلك كله بميزان الشرع المنـزل - ويريد الجزاء الموفور على ذلك من الله عز وجل، وأما الشيخ ربيع فلا يلزمني أن أطلعه على جهودي في هذا وغيره، فإنه لا يملك جنة ولا نارًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، هذا إذا كان لم يعلم بجهودي، فكيف وقد علم؟! بل كيف وقد مدح وأثنى؟! لكن نعوذ بالله من كتمان الحق، والتشبه بمن قال الله فيهم: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:146]. وبمن قالوا في ابن سَلاَمٍ: «شرُّنا وابن شرِّنا»، بعد أن قالوا: «سيِّدنا وابن سيِّدنا»!!
(د) دعواه أنني رميتُ العلماء الكبار الذين سماهم بالغلو؛ دعوى عارية عن الدليل، بل مصادمة لواقعي مع هؤلاء الأفاضل، فإن كان عنده قدرة على إثبات ذلك تصريحًا أو تلميحًا- لا من خلال فهمه هو - فليسارع بذلك، لكنْ والله لو كان عنده أدنى دليل على ذلك؛ لما تردد في العزو إليه، كما هو معروف من عادته في التصيد والتشهير، ولكنه قد يسمع كلامًا عامًّا، يُرَدُّ به عليه وعلى بعض الشباب المتهورين، الذين هم صرعى أفكاره وأقواله؛ ثم ينـزِّل هذا الكلام على من شاء، وشايةً وتحريشًا!! فالحمد لله على ظهور الحق، ودحض الباطل: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
والحق أن فكر الشيخ ربيع - في هذه المسائل - قد فرَّخ سلفيين مشوَّهين!! يَسْلُكُون مسالك أهل البدع {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:104]، ويُشْمِتُونَ بالدعوة الأعداء، {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 37]، ويبذرون بذور الغلوِّ والطيش في شباب الأمة، ويظنون أنهم على جادَّة الطريق سائرون، وهم في هذا تبع لشيخهم، والأمر كما قيل: تلك العصا من العُصَيَّة، وهل تلد الحية إلا حُوَيَّةْ؟!!!.
(هـ) دعواه أنني أسعى لإسقاط العلماء؛ فجوابي: «رمتني بدائها وانسلَّتْ»!!!
فلو كنتُ أسعى لذلك؛ فلماذا أستشهد بهم في كتبي، وأدافع عنهم وعن طريقتهم في كل وادٍ؟!! أمَّا مدرستك - يا هذا - فهي التي خَرَّجَتْ من يقول: «ابن جبرين مبتدع، وبكر أبو زيد سروري، والفوزان نُصّْ ونُصّْ، أي: نصف سلفي، ونصف مبتدع أو حزبي، وابن قعود إخوانيٌّ بَنَّائي على الخط العام، والمفتي ما يفقه المنهج، وابن باز عنده من يلبِّس عليه، ولا يعرف أمور المنهج، والألباني: سلفيتنا أقوى من سلفيته، وهو مع الحزبيين في خندق، وابن عثيمين حوله سروريون، ولا يدري بهذه الأمور، والعّبَّاد ما قرأ، ونظره ضعيف، وكبير في السن، وتكلَّم في أمور ما يعرفها، والسديس عالم سياسي، والشريم سروري، وحسين آل الشيخ مميِّع، وما في الرياض سلفي إلا فلان بن فلان، ولا يوجد ثلاثة سلفيون في جامعة الإمام، والشيخ ربيع: معصوم في المنهج، أو ما يخطئ في المنهج، وهو أعلم من ابن باز والألباني وغيرهما بالمنهج، ومن خالفه؛ سقط ومات، وأبو زيد وابن جبرين ماتا، وماتت كتبهما، عندما تكلَّم فيهما الشيخ ربيع، وابن تيمية فتح الباب أمام الإخوان المسلمين بمنهج الموازنات...إلخ هذه الافتراءات، فيا سبحان الله، ترمون الناس بأدوائكم الكريهة، وتتظاهرون بأنكم على منهج العلماء؟!! فهلا أتيتم عن هؤلاء العلماء بما يوافق مقالاتكم في مخالفيكم من أهل السنة؟!! وهلاَّ أجبتم عن فتاوى هؤلاء العلماء التي ملأتُ بها كتبي في الرد عليكم؟!! أَبَعْدَ هذا كله ترميني بما فيك وفي أذنابك؟!! ولقد قلت في موضع سابق: مَنْ قَصُرَ برهانه؛ طال لسانه!! لكنَّ الحق كاللبن، يخرج من بين فرث ودم.
وأما هؤلاء العلماء الذين سماهم الشيخ ربيع – وإنْ كنتُ لا أعرف بعضهم - ومن سلك سبيلهم في الحق والهدى، فإنني أُشْهد الله ومن حضرني من الملائكة، ومن وقف على هذا من المسلمين، أنني أحبهم في الله – بقدر ما عندهم من نصرة الدين - وأدافع عنهم - بالحق وفي الحق - وأقبل الحق بدليله منهم، وأشكُرُهُمْ، وأردُّ الخطأ منهم ومن غيرهم، وأعذرهم، وأستر عورتهم، وأقيل عثرتهم، وأَسُدُّ خَلَّتهم، كل هذا بميزان الشرع، لا بالهوى والتملق بالباطل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(و) أما القطبيون ومن جرى مجراهم في مخالفة منهج أهل السنة في عدة مسائل، وفي انحرافهم عن منهج الفرقة الناجية؛ فموقفي من هؤلاء واضح، لكنه موقف قائم على علم وحلم، لا على جهل وظلم، وأتعامل معهم ومع غيرهم بالشرع لا بالهوى، وتحذيري العامُّ من أخطائهم؛ ليس معناه أنني أعلن الحرب على أفرادهم، فردًا فردًا، بل كل إنسان يُعامل بما يستحق، والأسوة الحسنة في رسول الله ﷺ، لا فيك -أيها الرجل- ولا في مدرستك، وتحذيري هذا منهم مقيَّدٌ بتفاصيل كثيرة، ولا يمنعني كون منهجهم منهجًا ثوريًا بعيدًا عن منهج أهل السنة؛ من الإقرار بما عندهم من الخير، والتعاون معهم عليه، إذا كان كل ذلك يعود على الإسلام وأهله بالخير الراجح أو الخالص - على تفاصيل في ذلك - والله أعلم.
(ز) وأما دعواك أنني أحكُمُ على من اغترف من فكر سيد قطب المخالف لعقيدة ودعوة أهل السنة، بأنهم من أهل السنة والجماعة - هكذا دون تفصيل- ففرية بلا مرية، وإنما أنا أحكم على هذا المنهج القائم على هذه الفواقر - من الدعوة للخروج على حكام المسلمين لجورهم وظلمهم، وتكفير كثير من الناس، وتضليل أو تكفير العلماء، وإثارة الفتن في البلاد، من تفجيرات واغتيالات ونحو ذلك - هذا المنهج أحكم بانحرافه وضلاله ومروقه عن دعوة أهل السنة، وأما الأفراد: فأحكُمُ على كل رجل بما يستحق، ففرق بين المستبصر والجاهل، وبين الباحث عن الحق، وصاحب الهوى، وبين من مصلحته للإسلام أكبر من مفسدته، والعكس، وبين من يعرف أخطاءهم، لكنَّه يسعى لتعطيل الشر أو تقليله - بالميزان الشرعي، أو بفتوى الأكابر له بذلك - وبين من ليس كذلك، فهذه نظرتي في التعامل مع الأفراد، مع نصحي للجميع برفض هذه الحزبيات التي فرقت الأمة.
إلا أن هناك حالات اختيار، وحالات اضطرار، وحالات ندعو فيها لرفض الشيء بكليته، وأخرى نضطر إلى التعامل معه بقدر ما يؤدي إلى مقصود شرعي، والعبرة في هذا وذاك بميزان الشرع، لا بالهوى والشهوة، وهذا ما تعلمناه من هذه الدعوة السلفية المباركة، وانظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، وغيرهما من فتاوى اللجنة الدائمة، وقد نقلت طرفًا مباركًا من ذلك في كتابي «قطع اللجاج»، وذكرت ضوابط هذا كله، فارجع إليه، وهذا كله بخلاف حال الَجزَّارين الذين تخرَّجوا في هذا المجزرة العصرية الربيعية؛ فإنهم لا يعرفون نظرة شرعية للمصالح والمفاسد، بل يتهمون علماء الأمة الذين يراعون ذلك، بالتمييع، والجهل بالمنهج السلفي!! فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما قاله الشيخ هنا: ضرب من التهويل الذي لا قيمة له، فإياك وإياه، والله أعلم.
[8]- قوله: «لماذا جعلت الشيخ ربيعًا أعظم هدفك، وجعلته محورًا لهذه المعارك الشرسة التي تديرها؟!».
ثم قال: «الأسباب واضحة جدًا، ومنها: أنه يدعو إلى التوحيد، ويحارب الشرك والضلال... ومنها: تصديه لنقض ضلالات سيد قطب المهلكة، التي سبق ذكر بعضها، فهذا الذي أقض مضجع أبي الحسن وسادته القطبيين، الذين يمولون هذه المعركة، ويقبعون وراءها في الظلام، وأحيانًا في العراء، وفي وضح النهار...» . اهـ.
والجواب من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
(أ) لماذا تمدح نفسك أيها الشيخ؟! وتسميِّ نفسك: «الشيخ ربيع»، وتكثر من هذا، فقد وصفت نفسك في هذا الخطاب الذي لا يتجاوز ورقتين، بهذا الوصف عدة مرات؟!! هل هذا هدي العلماء الناسكين، والقدوة العابدين؟! أم أن هذا نهج الآخرين الشامخين بأنوفهم، الناظرين في أعطافهم؟! وصدق من قال:
وما حَسَنٌ أن يَمْدَح المَرْءُ نفسَهُ ... ولكنَّ أعمالاً تَذُمُّ وتَمْدَحُ!!
ألم تُنْصَحْ أكثر من مرة في هذا؟! وطُلِبَ منك أن تقلل من هذا؟!! أيشق عليك -كثيرًا- أن تقول عن نفسك: «ربيع» بدون «الشيخ»؟!! إن هذا ليذكِّرني بمواضع كثيرة تمدح فيها نفسك، بما يخرجك عن منهج أهل العلم - في هذا الأمر - !!
فلقد وجدتُّكَ في كتاب: «منهج الإمام مسلم» (ص133)ط/مكتبة الدار بالمدينة، تقول بعد حديث قمت بدراسته: «ولو درسه أبو حاتم أو غيره من الأئمة، حتى البخاري، دراسةً وافية؛ لما تجاوزا- في نظري- النتائج التي وصلتُ إليها؛ لأني -بحمد الله - طبقت قواعد المحدِّثين بكل دقة، ولم آل في ذلك جهدًا». اهـ. فلما اعترض عليك المعترض، بأنه لا داعي لمدحك نفسك؛ أوسعته سبًا وطعنًا، فواعجباه من صنيعك يا هذا!! مَنْ طَلَبَ منك أن تتواضع، وتَكُفَّ عن مدح نفسك؛ ترميه بالبواقع؟!! فمن ذا الذي سيقبل قولك هذا من طلاب العلم؟! الذين عرفوا أن الأَّولين من الأئمة، لهم علم بالعلل، يُعَدُّ ذلك كهانة عند غيرهم، وأن العلم بالعلل إلهام، أما المعاصرون فهم باحثون فقط!! أين الأوائل الذين إذا سمعوا الحديث؛ قالوا: هذا أشبه بكلام الحسن البصري، ولم يبرزوا سببًا لذلك، أو هذا أشبه بفلان، وليس من حديث فلان، وفلان لم يدخله في كتبه، أو احتج بما هو دونه، ولو كان عنده؛ لصاح به... إلى غير ذلك من العلل التي لا يعرفها الباحثون في هذا الزمان- إلا من رحم ربك - وكم سمعنا شيخنا الوادعي – رحمه الله - يقول: «نحن مجرَّد باحثين، ولسنا حُفَّاظًا»، ثم كيف تجزم بأمر غيبي، فتقول: «لو درس أبو حاتم أو غيره من الأئمة، حتى البخاري، دراسة وافيه؛ لما تجاوزا- في نظري - النتائج التي وصلت إليها...إلخ»؟! حقًا إنك لجريء أيها الرجل!!!
أترى أن علم أبي حاتم وغيره من الأئمة، حتى البخاري، لا يتجاوز معرفتك بقواعد المحدِّثين، فضلاً عن سلامة تطبيقك لها، أم لا؟!! أليس هذا من الجهل بحقيقة فضل علم السلف على علم الخلف؟!! فالشيخ الألباني محدِّث العصر، هل فاه بهذه الكلمة؟!! وهل قالها غيرك من الأئمة المعاصرين أحد؟!! بل هل قالها الحافظ ابن حجر؟!! بل هل قالها الدارقطني، القائل- مفضَّلاً للسلف، وهو هو - : «من أراد أن يعرف فضل علم السلف على علم الخلف؛ فليقرأ الزهريات للذُّهلي»؟!! إنَّ هذا التجرؤ ليقوِّي عزائم بعض طلاب العلم، لدراسة الحديث نفسه مرة أخرى، وقد يظفر بما فاتك من فهارس للحديث، قد طبعت بعد ذلك، أو كتب كانت مخطوطة أثناء دراستك للحديث، ثم طبعت بعد ذلك، وكل أو جُل هذه الكتب المخطوطة والمطبوعة من محفوظات الأئمة الذين سميتهم، أو أبهمتهم!!! فإن قولك: «أو غيره» يشمل جميعهم، أو جلهم، أو بعضهم، فماذا أنت صانع لو أوقفك طالب فطنٌ بهذا الباب على خلاف ما وصلت إليه؟!! أما تخاف أن يكون قد فاتك طريق آخر للحديث؟! أو يكون نظرك قد انتقل من ترجمة لأخرى؟! أو يكون جهدك الذي لم تَدَّخره في دراسة الحديث، دون جهد هؤلاء الأئمة - وهذا كائن لا محالة -؟!! أو تكون معرفتك بالحديث مثلهم - من باب التسليم الجدلي - إلا أنك أخطأت في تطبيق هذه القواعد?!! أو تكون علومك في هذا الشأن – لاسيما هذه السنوات – قد اضمحلت، ولم تعد عميقة في هذا الشأن - إن هذا كله ليدل على أنك رجل جريء في الجزم بأمور غيبية، أو أن هذه الجرأة متأصِّلة فيك، وليست طارئةً عليك، فإلى الله المشتكى!!
ألم تسمعْ بقول أبي عمرو بن العلاء - رحمه الله تعالى -: «ما نحن فيمن مضى، إلا كَبَقْلٍ في أصول نخلٍ طوالٍ». اهـ.؟! انظر: «موضح أوهام الجمع والتفريق» للخطيب (1/9).
ثم ألم تسمع بقول العلائي: «وهذا الفنُّ – يعني: العلل الخفية - أغمض أنواع الحديث، وأدقها مسلكًا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهمًا غائصًا، واطلاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفة تامة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم؛ كابن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأمثالهم» أهـ من «النكت» (2/ 777)؟!!
ثم إن أسلوب الإرجاف قديم معك - أيضًا - فعندما نبَّهك المعترض على هذه الجرأة؛ رميته بأن هذا أسلوب الصوفية، الذين فاقوا الروافض في الغلو في الأشخاص، وألزمتَهُ بأن هذا معناه: أنهم قد أحاطوا بكل شيء علمًا... إلخ!! ولو أنك ادعيتَ أنَّ إمامًا معينًا لا يتجاوز نقده نقدك؛ لما بَرَّأْتُكَ من الجرأة أيضًا في هذا، وليس ذلك لأن الإمام منهم قد أحاط بكل شيء علمًا، كما تُهَوِّلَ به على المعترض عليك!! ولكن لما سبق ذكره من احتمالات تردع أهل الورع عن هذه الجرأة - إي والله - فكيف وأنت تقول: «أبو حاتم أو غيره من الأئمة، حتى البخاري»؛ فالغير هؤلاء قد يكونون كثيرين، ولو اجتمع البخاري وأبو حاتم وكثير من الأئمة على قولٍ بصحة حديث ما؛ لقبلتُهُ، وإن كانت علته واضحة عندي، فمن أنا ومن أنت أمام هؤلاء؟!! ولو اجتمعوا على ضعفه؛ لقلتُ بقولهم، وإن كان إسناده كالشمس ظهورًا، لما سبق أيضًا!! وانظر «النكت» (2/726) .
فليس ذلك من باب الغلو فيهم يا صاحب الفضيلة ويا محدِّث العصر!!! ولكنه من باب وضع كل أحدٍ في مكانه!! ويا لله العجب: فلو رد أحد قولك اليوم، لقلت: إنه يريد إسقاط العلماء، ويدير الحروب الشرسة ضد السلفيين، بكل وسيلة قذرة!!!! أمَّا هؤلاء الأئمة فما أحاطوا بهذا الحديث إلا بقدر إحاطتك، ولن يزيدوا عن معرفتك لقواعدهم، وتطبيقك لها؟!! هل هذا كلام من يعرف قدر نفسه؟!! فافهموا يا أولي الألباب!!!.
(ب) ثم إني لم أجعل الشيخ ربيعًا أعظم أهدافي كما يدعي - ولله الحمد – ولو فعلتُ مع لزوم العدل؛ لما أخطأتُ، ذبًّا عن السنة، ودفْعًا لافتراءاته علىَّ، والحق أني إنما أُعطيه وقتًا ما – وقد يطول ذلك أحيانًا - أبيِّن فيه حاله التي وصل إليها، وما ذاك إلا للدفاع عن دعوة الحق، وَرَدِّ غلوه وجوره عن سواء الصراط، وهذا مما يُتقرَّبُ به إلى الله تعالى، لكن من دافع عن نفسه ودعوته بحقٍّ؛ اتُّهِمَ بأنه يدير المعارك الشرسة - على مذهب الشيخ ربيع -!!
فاللهم اغفر!!!
(ج) ثم تأمل الأسباب التي جعلتني - في نظر الشيخ ربيع - أُدِيُر المعارك الشرسة ضده: «أنه يدعو إلى التوحيد، ويحاربُ الشرك والضلال»!!! والسؤال الموجه لفضيلته!! هنا:
أفتونا مأجورين عن حكم رجلٍ يحاربُ بشراسة دعاة التوحيد، والمحذِّرين من الشرك والضلال، وهو مع هذا ليس بجاهل، بل هو ماكر وملبس، وخائن وكذَّاب - حسب ما ورد في كلام صاحب الفضيلة!! - وأنه ما يحاربهم هذه الحرب الشرسة؛ إلا لأنهم يدعون إلى التوحيد، ويحذِّرون من الشرك!!! أهو مسلم بعد هذا كله، أم كافر؟!! ويضاف إلى ذلك: أنه ينافح ودافع عن دعاة وحدة الوجود، وخلق القرآن، وحرية الأديان...إلخ ما هو معروف من الأحكام الصادرة قبل؟!!
فإن قلتم: إنه مسلم؛ فمتى يكون فاعل ذلك مشركًا؟!! وإن قلتم: هو مشرك؛ فلماذا تنفون - وبشدة - عن أنفسكم أنكم بذرتم بذور التكفير، وأنكم مضطربون في هذا الأمر الخطير؟!! وعما قريب - إن شاء الله تعالى - سيقف المنصفون على منهج الشيخ ربيع في التكفير!!! والمراد من هذا كله بيان الحالة التي وصل إليها الشيخ في هذه الخصومة، التي كشفت الكثير مما كان مخبوءًا؟
(د) وأما تصدِّيك لنقض ضلالات سيد قطب؛ فقد شكرتُكَ على ما أصبتَ فيه، وأنكرتُ عليك ما تجاوزتَ فيه الحد، والبعضُ الآخرلم أنظر فيه بعدُ، فلم أعرفْ صحة نقدك من عدمها، فما أصبتَ فيه؛ دَعَوْنَا الله لك بالجزاء الموفور، وما جانبت فيه الصواب؛ لا نتخذك قدوة في ذلك، وندعو الله لك بالمغفرة والهداية، هذا موقفي من كل من يدافع عن السنة: أقبل الحق منه، وأشكره، وأرد الباطل عليه، وأعذره، وأنت تعرف أنَّ خلافي معك من أجل ظلمك لجماعة من أهل السنة، وتجاوزك الحد الشرعي مع المخالف، وتهاويلك التي ما علمتها عمن انتسب لعلم وسنة قط قبلك!! وسترى ذلك موسعًا - إن شاء الله تعالى - في «تحذير الجميع، من أخطاء الشيخ ربيع وأسلوبه الشنيع»، فلا تعجل؛ فـ «العجلة من الشيطان»؛ كما قال رسول الله ﷺ.
(هـ) قولك: «فهذا الذي أَقَضَّ مضجع أبي الحسن وسادته القطبية»؛ فهذا من الافتراء على الأبرياء!! متى أقض مضجعي كلامك؟! فأنت أولى بذلك؛ لأنك تسعى الليل والنهار لاستصدار فتوى في أبي الحسن، من هنا وهناك، وتجمع تزكيات من الصغار - فضلًا عن الكبار - لك، وتوصي بنشرها في «الإنترنت» وغيره، ومع ذلك كله فـ {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} [يونس: 81].
ومتى كان القطبيون المتبعون لسيد قطب في دعوته وانحرافاته، إخوةً لي في منهج الدعوة إلى الله - منذ عرفت السلفية - فضلًا عن كونهم سادةً لك؟!! نعم، قد كانوا سادةً لك نحو ثلاثة عشر عامًا، بإقرارك، وكنت منخدعًا مفتونًا بهم، فأهدرتَ كبار علماء السنة آنذاك - بسبب ركضك وراءَ تُرَّهاتهم، كما هو ثابت عنك بصوتك - في الوقت الذي كنتَ تدَّعي فيه أن سلفيتك - مع هذا كله - أقوى من سلفية الألباني!! وهذا ستجده - إن شاء الله تعالى - مفصَّلاً في «تحذير الجميع» بما يسوِّد وجوه المعرضين عن الحق، الوالغين في الأعراض بغير سلطان أتاهم!!
ومع هذا كله: فتعاملي مع كل مسلم راجع إلى التفاصيل السابقة، وإن احمرت أنوف الغلاة، مادمت متبعًا للدليل، معرضًا عن مجرد الأقاويل، والله حسبي ونعم الوكيل.
(و) قولك: «الذين يمولون هذه المعركة، ويقبعون وراءها في الظلام...إلخ»، فرية بلا مرية؛ فأنا واقف - ولله الحمد - في وجه الباطل الذي تنصره وتنشره؛ محتسبًا ذلك عند الله عز وجل، وكم من قريب قد خذلني- وما زال - وتخلَّى عن نصرة الحق، مع إقراره بأن هذا هو الحق، وقد كان بعضهم أكثر مني علمًا، وأفصَحَ مني بيانًا، وأرهق لسانًا، لكنَّ الفضل بيد الله عز وجل، يؤتيه من يشاء!! هذا حال القريب، فضلاً عن البعيد!!! ثم تدعي أن القطبيين يموِّلون هذه المعارك؟!! أيُّ معارك نحن فيها، وأيُّ تمويل تحتاجه هذه المعارك؟! ما معنا إلا أوراق وأقلام، وشبكة «الإنترنت» التي لا نعطيها ريالاً واحدًا!!! فما هو هذا التمويل؟!! وما هو القصد من هذه الوشايات، والتحاريش الباليات؟!!
لو يعلم الناس ما تدفع أنت من أموال بسبب الاتصالات الهاتفية في هذا الهراء؛ لعلموا قدر همتك في هذا الباب !! ثم ترميني بدائك؟!!
إن هذه الافتراءات المتلاحقة، لَتُسْقِطُ قائلها من أعين الناس، ولتزيد الصادقين يقينًا، بأنكم ما بنيتم دعوتكم - في مسائل النـزاع - إلا على هذه التهاويــل، وهذه الأراجيف؛ لتنفِّروا الناس عن الصادقين، والحمد للهِ القائل: {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 81-82]، القائل: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} [طه:69].
وهذه الافتراءات من سحر البيان الذي قال فيه رسولُ الله ﷺ: «إنَّ من البيان لسحرًا»، لكنَّ الأمر كما قيل:
إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطَلَ السِّحْرُ والساحُر
فو الله لقد كثر أذاكم، وزاد ظلمكم وطغيانكم، والله حسبنا ونعم الوكيل على كل الظالمين، وصدق من قال:
لقد رتَعَ القومُ في جِيفَةٍ ... يَبِينُ لذي اللُّبِّ إِنْتَانُهَـا
فاتق الله أيها الرجل، واعلم أنَّ ما تكلمتَ به في صحيفتك، فلا تَفْتَرِ على عباد الله الزور والبهتان؛ فإنَّ الله سائلك عن ذلك؛ فأعد للسؤال جوابًا، وللجواب سدادًا وجلبابًا، قبل أن تجد - بظلمك - حسناتك تطير إلى ميزان غيرك، وتجد سيئات غيرك تطير إلى ميزانك، ظلمات بعضها فوق بعض!!! ويتوب الله على من تاب!!!!
[9]- قوله: «أيها المحامي عن أهل الضلال، وعلى رأسهم سيد قطب، تَسُبُّ الصحابة الكرام، بأقبح أنواع السب، تأسيًا بأستاذك سيد قطب، فإذا انتقدك الناس، وطلبوا منك التوبة؛ تلج بالعناد والتلاعب؟! ثم تذهب لتكيد من هو أظهر من نارٍ على عَلَم، في الذب عن الصحابة، فترميه بأنه يسب الصحابة!! وتذم الأنبياء، فإذا طولبتَ بالرجوع، ذهبتَ تفتري على من يذب عن الأنبياء، وأمره في ذلك ظاهر كالشمس؟!! فترميه - فجورًا - إلى أمرٍ لم يسبقك إليه ألد أعداء المنهج السلفي؛ فترميه بأنه يطعن في جبريل، بل في رب العالمين!! أليس في هذه المواقف والتصرفات، والمكايد الخبيثة، ما يدلُّ العقلاء النبلاء أنك تحارب المنهج السلفي، في شخص الشيخ ربيع، وفي شخص إخوانه من العلماء، وطلاب المنهج السلفي؟!! أليس في كل هذه الأمور، أعظم دلالة على أنك بهذه الحرب، وهذا التشويه، إنما تريد الانتقام، لأسيادك وشيوخك من أئمة الضلال»؟!!
والجواب - إن شاء الله تعالى - من وجوه:
(أ) سبق الكلام على دعواه الفارغة بأنني أدفع عن أهل الضلال؛ فلا حاجة لإعادة ذلك.
(ب) قوله: «تسب الصحابة الكرام بأقبح أنواع السب، تأسيًا بأستاذك سيد قطب...»، فهذا من جملة افتراءات هذا الرجل، التي عُرف بها.
وأنا - ولله الحمد - ما سببتُ صحابيًّا قط: كبيرًا كان أم صغيرًا، ذكرًا أم أنثى، فضلاً عن استعمالي أقبح أنواع السب التي يزعمها هذا الرجل!!- ولا قصدتُّ الطعن في صحابي قط، وكتابي «السراج الوَهَّاج» وغيره فيه بيان ذلك، لمن أنار الله بصيرته!!
ثم لماذا لم تذكر - أيها الشيخ - كلمة واحدة، مما تصفها بأنها أقبح أنواع السب؛ ليعرف الناس أولًا قدر علمك وفهمك لمراتب أنواع السب، ثم يُعرف بذلك قدر إنصافك وورعك!! نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى!!!.
نعم، لقد تعرضتُ للاستدلال في بعض المواعظ، في بعض الأشرطة، ببعض الحوادث، التي جرت في زمن الصحابة، لأحذِّر الناس من مغبة المعصية، فعبرتُ بعباراتٍ غير لائقة، كقولي: «كان هناك غثائية في الصف يوم حنين من مسلمة الفتح، كانت سببًا فيما جرى للمسلمين أول الحرب»، أو بهذا المعنى، وقصدي بذلك التحذير من المعصية الواحدة، وعدم الاستهانة بذلك!!!، ومع أنني قد قال بنحو قولي هذا القاضي عياض والنووي، إلا أنني تراجعتُ عن هذا اللفظ، لا لأنه يدل على عقيدة بُغْضِ الصحابة والطعن فيهم!! فإنَّ ذلك لم يكن عندي لحظة من حياتي – والفضل في ذلك لله عزوجل - ولكن لأنه تعبير غير لائق، وإن سُبقْتُ إليه.
وكقولي في أسامة بن زيد عندما قَتَلَ من قال: «لا إله إلا الله»: إنه حَكَّمَ العاطفة، ولم يُحَكِّم قاعدة الأخذ بالظاهر، واستدللت بذلك على أنه لا يجوز لأحد أن يترك الظاهر، ويحكم عاطفته، لإنكار النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - على أسامة واعتذرت لأسامة، بأن مما يشجع أحدنا على قتل من كان كذلك: كون الرجل ما أعلن إسلامه إلا عندما رأى بريق السيف، وأن أسامة رأى حملة القرآن يسقطون يمنة ويسرة بسبب شدة بأس هذا الرجل، فترجح عنده عدم صحة إسلامه؛ فقتله، فهذه الأمور أعذار قوية لأسامة، ومع ذلك فما قبل ذلك منه النبي ﷺ، وقال له ما قال، كل هذا لأرد به على الذين يرمون الناس بالكفر والعمالة دون بينة لهم على ذلك، فالله سبحانه وتعالى يعلم أني ما قصدت بذلك ولا غيره تنقصًا أو طعنًا في أي صحابي، لا في أسامة حِبِّ رسول الله ولا في غيره، لكن الحق قد يعتريه سوء تعبير، ومع ذلك فقد أعلنت تراجعي عن ذلك، فهل هذا من أقبح أنواع السب يا صاحب الفضيلة؟!! أين أنت من قول الله عز وجل: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} [الأنعام:152]؟!!!
وأؤكِّد هنا تراجعي وندمي على صدور هذه الألفاظ - ومع وجود الأعذار السابقة - وقد فعلتُ ذلك مرارًا، بل طالبت الشيخ ربيعًا المباهلة على ذلك، عندما ادعى عدم تراجعي، أو شكَّك في صدق تراجعي!! فعجز، وها أنذا أقول له الآن: «ألا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين عليَّ: إنْ كنتُ قصدتُّ بذلك أو غيره يومًا من الأيام الطعن في صحابيٍّ قط، أو أنني أعتقدُ في واحد منهم - كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، متقدِّمٍ أو متأخِّر - غير الجميل والحسنى، أو أنني رجعت إلى هذه الألفاظ بعد إعلاني التراجع عنها في أشرطة «القول، الأمين في صد العدوان المبين»، أقول هذا وأنشره في الآفاق.
ولو كان عندك -أيها الشيخ- ثقة فيما تدعيه عليَّ – وكذا أتباعك في كل مكان - وتعتقد أنك صادق مع نفسك، فيما بينك وبين الله في ادعائك هذا؛ فانشُرْ هذا في الآفاق، داعيًا على نفسك: بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين عليك إن لم يكن أبو الحسن قد سَبَّ بعض الصحابة، وقصد الطعن فيهم، أو تنقصهم، وكذلك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين عليك: إن كان أبو الحسن يعتقد في الصحابة أو في بعضهم العدالة والجميل، وإن كان تراجعه عما سبق ذكره صحيحًا، أدعوك لهذا وأتحداك!! وأدعو كل من يقلدك في ذلك، وأتحداهم إن كانوا صادقين مع أنفسهم، وواثقين بما يفترونه عليّ، أنهم مقتنعون بما يدندنون به: أن يهبُّوا لهذه المباهلة!! فما بقي إلا هذا السبيل، فإن عجزتم، وانخنستم - كما هي عادتكم - ألا فليشهد الثقلان بهذا الفجور القبيح منكم ومن أذنابكم في الخصومة، وحسبنا الله ونعم الوكيل على الظالمين!!
وإني لواثقٌ أنكم غير مصدِّقين لبهتانكم، وأنكم مثلُ أَشْعَبَ الذي كذَبَ كِذْبة، ثم صدَّقها، وأتحدَّاكم أن تكذِّبوني في ذلك، وأن تدعوا على أنفسكم بهذه اللعنة، فإن فعلتم؛ فلينتظرْ كلُّ منا من الله عز وجل جزاء ما كسبت يداه»!!.
ومع أن هذه المباهلة للمرة الثالثة، إلا أنك لا تسمع من القوم موقفًا يدل على صدقهم مع أنفسهم، ولا تجد منهم، إلا إعادة الافتراءات بكيد ودهاء!! وكـأنهم يشعرون أنهم مفلسون، وليس معهم ما يطعنون به في مخالفيهم؛ فيحملهم ذلك على هذا الأسلوب المشين المهين، من أجل أن ينهشوا أعراض الصادقين، ولِيُثْبِتُوا للمفتونين بهم أنهم على شيء، وليسوا على شيء في هذه الأباطيل !!!
مَسَاوٍ لو قُسِمْنَ على الغواني ... لمَاَ أُمْهِرْنَ إلا بالطلاق!!!
وأما سيد قطب: فليس أستاذي، ولا قدوة لي، بل أنا أحذِّر من ضلالاته، كما هو معروف عني - ولله الحمد - ولا تجاوزت الحد معه أو مع غيره، وأترحم عليه، وأستشهد بما أصاب فيه من كلام!! وإنما كنتَ أنتَ المفتون به سنين عددًا، فجعلتَهُ ممن قد وصل بدراسته إلى عمق السلفية كما في كتابك: «منهج الأنبياء..»!!! فما أنت إلا صاحب غلو حيث كنت، فارْبَعْ على نفسك!!!
(ج) قولـه: «ثم تذهبُ لتكيد مَنْ هو أظهَرُ مِنْ نارٍ على عَلَم، في الذب عن الصحابة، فترميه بأنه يسب الصحابة»؟!!!
أقول: لم أذكُرْ يومًا من الأيام أنك سببت الصحابة؛ لأنه يُشترط في السب قصد الطعن والتنقص، لكنِّي ذكرتُ كلامك في الصحابة، وعَبَّرتُ عن ذلك بأن لك عبارات قبيحة، أو لا تليق بحق الصحابة، وأننا لو عاملناك بأسلوبك المشين، وتصيُّدك المهين؛ لاتهمناك بأنك تسب الصحابة، لكني لو حُلِّفْتُ بين الركن والمقام على ذلك؛ لحلفتُ بأنك ما قصدتَّ سبَّهم أو الطعن فيهم، وإن كانت كلماتك فيهم سيئة، وهذا هو الأمر الذي زل لساني في شيء يسير منه – بالنسبة لما عندك، مع حبي للصحابة، ودفاعي عنهم - فقد وقعتَ أنت فيه، بل بزيادة وفحش، مع حبك لهم، ودفاعك عنهم، فما كان عذرًا لك؛ فهو عذر لي من باب أولى؛ ومع ذلك، فأنا قد أعلنت توبتي، بل باهلتك وباهلتُ أذنابك مرارًا على ذلك، وقد عَجَزْتَ وعجزوا عن المواجهة، أما أنت فما زِلْتَ مُصِرًّا على عباراتك القبيحة في حق الصحابة، ثم تُظهر للناس - بالباطل - أنك صاحب حق؟!! فمتى كان المصرُّ على هذه الكلمات، أشهر في الذب عن الصحابة من نارٍ على عَلَمٍ؟!! أوْ كان كالشمس وضوحًا في ذلك؟!! قد كان الأولى بك - وأنت تدعي ذلك، وتعطي نفسك هذه المكانة العالية- أن تسارع بتراجعك، وأن تعلن أنك أخطأتَ في هذه الكلمات، وهذه التعبيرات السيئة!! وتحذِّر أتباعك أن يقتدوا بك في ذلك، كيلا يقتدي بك هؤلاء المتهورة العميان!! كان هذا هو المنتظر منك، ولو فعلتَ؛ لكان خيرًا لك في الدنيا والآخرة: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء:66-68]، أما إصرارك على هذا؛ فما يزيد الناس منك إلا نفورًا {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 88].
ثم إنني لم أفترِ عليك شيئًا لم تقله، فقد نَشَرْتُ ذلك بصوتك، ووثَّقتُ كل ما نقلته عنك من كتابٍ أو شريط، فماذا بقي بعد ذلك عند العقلاء؟!!
وهاهي كلماتك - مرة أخرى - نقلًا عن«تحذير الجميع، من أخطاء الشيخ ربيع وأسلوبه الشنيع»، فلينظرها من لم يقف عليها من قبل:
(تنبيه): أنقل عبارات هذا الرجل كما هي، وإن كان فيها لحن من جهة اللغة!!
1 - فقد قال في شريط: «الشباب ومشكلاته» وجه (ب): «... والله كان صحابة فقهاء، في أمور السياسة ما ينجحون، ما يستطيعون يستنبطون، في الإذاعة والإشاعة يقعون في فتنة، قضية الإفك طاح فيها كثير من الصحابة...». اهـ .
فتأمل كلماتك السيئة في حق جماعة من الصحابة، وأنهم حصاد الفتنة والإشاعات؛ لعدم فهمهم في السياسة!! ومع هذه الفرية؛ ففي هذا دليل لمن أردتَّ الرد عليهم من الإخوان المسلمين!! فيحتجون بأن الفقه وحده بدون سياسة؛ ما أنجى الفقهاء من الصحابة، وهم هم، فما ظنك بغيرهم؟! فجمعتَ بين حَشَفةٍ وسوء كِيلَة!! وكنتَ كالدُّبَّة التي قتلتْ صاحبها!! ومع ذلك تدعي أنك كنار على علم في الدفاع عنهم؟!!
2- وقلتَ في شريط: «العلم والدفاع عن الشيخ جميل»وجه (ب): «كان عبد الله، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وغيرهم وغيرهم، من فقهاء الصحابة وعلمائهم ما يصلحون للسياسة، معاوية ما هو عالم، لكن والله يملأ الدنيا سياسة، والمغيرة بن شعبة: مستعد يلعب بالشعوب على أصبعه دهاء، ما يدخل في مأزق، إلا ويخرج منه». اهـ. هذا مع أن ابن عباس - عند البخاري - قد صرَّح بأن معاوية فقيه!! فهل نقبل كلامك الباطل، ونرد كلام حبر الأمة، وترجمان القرآن؟!!
3- وفي وجه (أ) من هذا الشريط، قلتَ: «خالد يصلح للقيادة، ما يصلح للسياسة...»، وهذه فلسفة ربيعية، فمن سبقك إليها؟!!
وأما قولك عنه : «وكان يلخبط»، فقد أظهرتَ تراجُعَكَ عنه ، فجزاك الله خيرًا ، لكن أين أنت من البلايا الأخرى ؟!!
4- وفي كتاب «التعصب الذميم وآثاره» (ص 31) ط/ دار السلف، ذكرتَ المهاجريَّ والأنصاريَّ اللذَيْن استنجدا بقوميهما، بعبارات سيئة، وأنهما استغلا لفظة «المهاجرين» و«الأنصار» لأغراض دنيئة، فقلت:
أ – «لكنها - أي: اللفظتين السابقتين - لما استغلت عصبية».
ب- وقلتَ: فاللفظ الشريف إذا استغل لغرض دنيء»، فما أحقر هذا التعبير!!
ج- وقلت: «والحافز عليها التعصب والعنصرية».
د - وقلت: «كلمة حق أريد بها باطل».
هـ -وقلت: «ولما اسْتُغِلَّتْ هاتين اللفظتين في الدعوة إلى الهوى والباطل»، فانظر - أخي القارئ - جهود وكلام مَنْ هو كالشمس وضوحًا في الذب عن الصحابة!!
5- وفي كتاب «أهل الحديث هم الطائفة المنصورة»ط/ دار المنارة/ (ص133-134) ذكرت الفتنة التي جرت بين الصحابة، وقلت:
أ- «فإذا أساء الظنَّ كلٌّ من معاوية وعلي - رضي الله عنهما - بخصمه»!! فهل هذا من ذكر الصحابة بالجميل، يا حامل لواء الجرح والتعديل؟!!.
ب- وقلتَ أيضًا: «انطلقَتْ ألسن الفريقين باللعن والتكفير»، وسياق الكلام في الصحابة وخيار التابعين، أما المنافقون فقد أفردتهم بالذكر بعد ذلك، فمتى كان كلٌّ من هؤلاء - وهم سادة الأمة - يكفِّر بعضهم بعضًا من أجل مسائل اجتهادية؟!! إنك تنسب لهم القبيح، وتدعي أن هذا من الدفاع عنهم!! أليس للناس عقول يميزون بها بين المدح والقدح؟!!
6- وفي شريط: «الصدق» ذَكَرْتَ كعب بن مالك وصاحبيه، فَذَكَرْتَ أن النبي ﷺ ما أحسَنَ الظنَّ بهم؛ لأنهم متهمون في هذه الحالة، وقد يكونون متهمين بالنفاق!!
وكونُ النبي ﷺ والمسلمين يهجرونهم، ليحذروا من الوقوع فيما وقع فيه المنافقون؛ شيءٌ، وكونُكَ أنت تحتمل اتهامه بالنفاق؛ شيءٌ آخر، فأمسك عليك لسانك!!
فهذه أقوال ثابتة عنك، وبصوتك نقلتها في مواضعها، فهل افتريتُ عليك شيئًا لم تقله؟!! أم أنَّ الأمر كما قيل: «رمتني بدائها وانسلت»؟!! ترمي من يحاول نصحك سرًّا بكل هذه التهم، مع أنه نقل كلامك ووثق ما نقله عنك من كتاب أو شريط؟!!
والموقف الشرعي معك في هذا، لا يخرج عن إحدى هذه الحالات:
( أ ) فإما أن تنكر ثبوت هذا عنك، ويلزمني إثبات ذلك عنك من كتابك أو شريطك.
(ب) وإما أن تُقِرَّ بثبوت ذلك عنك، وبجواز استعمال هذه العبارات في حق الصحابة - ومن سيأتي ذكرهم - منك ومن غيرك!! وعند ذاك يخرج الأمر من يديَّ ويديك إلى يد من هم أعلم منا بالشريعة؛ ليفصلوا بيننا في ذلك!! ثم قارن كلامي مع كلامك، فكيف يكون كلامي من أقبح أنواع السب، وأما كلامك - على ما فيه من فضائح - فلا شيء فيه، بل من أعظم الجهاد والذب عن الصحابة؟!! .
(c) وإما أن تعترف بخطئك، وتتراجع!!
فبماذا يُفسِّر العقلاء الفطناء هذه الثورة العارمة منك على من نصحك؟!! اعلم -أيها الشيخ - أن صديقك من صدَقَكَ لا من صدَّقك!! فلا تفرح بالمبطلين المطَبِّلين من حولك!! وتدبر قول الله عز وجل: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27-29]، وصدق من قال:
سَتَذْكُرُنيِ إذا جرَّبْتَ غيري ... وتعلَمُ أنني نِعْمَ الصديقُ
نَعَمْ، صديقك من أوقفك على عيوبك، لا من يكون بين يديك كالريشة في مهب الريح، أو كالميت بين يدي المغسِّل!!
(فائدة) قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - في «بيان فضل علم السلف، على علم الخلف»(ص 80-81)ط/ دار البشائر، في سياق ذكر علامات العلم الذي ينفع صاحبه والذي لاينفع صاحبه، قال: «ومن علامات ذلك: عدم قبول الحق، والانقياد إليه، والتكبر على من يقول الحق، خصوصًا إن كان دونه في أعين الناس، والإصرار على الباطل، خشية تفرق قلوب الناس عنهم، بإظهار الرجوع إلى الحق».
قال: «وربما أظهروا بألسنتهم ذم أنفسهم واحتقارها على رؤوس الأشهاد؛ ليعتقد الناس فيهم: أنهم عند أنفسهم متواضعون، فيمدحون بذلك، وهو من دقائق أبواب الرياء، كما نبه عليه التابعون فمن بعدهم من العلماء».
قال: «ويُظْهِر عيوب نفسه، ويخشى على نفسه من سوء الخاتمة، فهو في شغلٍ شاغل عن قبول المدح واستحسانه، فلذا كان من علامات أهل العلم النافع: أنهم لا يرون لأنفسهم حالاً ولا مقامًا، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، ولا يتكبرون على أحد». اهـ.
(د) – قولـه: «وتذم بعض الأنبياء، فإذا طولبتَ بالرجوع؛ ذهبت تفتري على من يذب عن الأنبياء، وأمره في ذلك ظاهر كالشمس، فترميه - فجورًا وخيانة - بأنه يطعن في الأنبياء...». الخ .
والجواب من وجوه - إن شاء الله تعالى -
1- ذم الأنبياء - عليهم السلام – كُفْرٌ مجرَّد لايُعْذَرُ فيه بالجهل، والشيخ نفسه نقل إجماع السلف على ذلك، ومن الأمور المعلومة بالضرورة إجلال الأنبياء وتوقيرهم، وعدم الطعن فيهم، فهل هو بهذا يكفِّرني أم لا؟!! يُنْتَظَرُ في ذلك جوابه أو مراوغته!!!
2- أين ذمي لبعض الأنبياء - عليهم السلام -؟!! فهذا من التهاويل والأراجيف!!
ولعلك تقصد قولي في حكم داود - عليه السلام - قبل أن يسمع الخصم الثاني، وأنه تعجّل في الحكم !! فإن كان هذا هو المراد: فقد ذكرت في أشرطة «القول الأمين، في صد العدوان المبين» أن هذا حصل مني تبعًا لما في كتب التفسير، وكنتُ في صدد موضوع التحذير من العجلة، فذكرتُ هذه القضية متبعًا لما ذكره المفسرون، ومستدلاً بها على أن داود - عليه السلام- مع عظيم شأنه عند الله عز وجل، فقد أنكر الله سبحانه عليه ذلك، واستغفر داود ربه، وخر راكعًا وأناب، فما ظنكم بمن هو دونه – عليه السلام - ويتعجل في الحكم بين الناس ؟!!
ومع ذلك: فكلما أمكن الابتعاد عن اللفظ القبيح في حق الصحابة والأنبياء، والتعبير بالعبارة الحسنة، الدالة على المقصود؛ كان ذلك أولى وأحرى، وأُلْزِم نفسي بذلك ما استطعتُ، والحمد لله رب العالمين.
ولعلك تقصد - أيضًا - كلامي عن جواب موسى -عليه السلام - على من قال له: هل هناك أعلم منك؟ فقال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يقل: لا أدري، أو لم يقل: الله أعلم... القصة؟!!
أما عن قصة داود: فقد رجعتُ عنها، لضعف سندها، وذكرت ذلك في أشرطة: «القول الأمين»، وكذلك كان الشيخ مقبل - رحمه الله تعالى - يرى صحتها، وأدخلها في بعض مؤلفاته، وحَدَّثَ بها، ثم تراجع عن ذلك، لما ظهر له ضعفها.
وقولي بأن موسى - عليه السلام - تعجل في الجواب، فقد صرحت غير مرة بتراجعي عن ذلك اللفظ، لكن أين القلوب الناصحة، و النفوس الصافية، التي تحب الخير للناس، ولا تعكِّر الماء لتصطاد فيه؟!!
فإن كان عندك شيء آخر؛ فاذكره، وإني أشهد الله وملائكته ومن وقف على هذا من المسلمين؛ أني راجع عن أي تعبير غير لائق في حق مسلم، فضلًا عن صحابي، فضلًا عن نبي!!!
أما كونك تفتري عليَّ أنني قصدتُّ ذم نبي من الأنبياء!! فأُشْهِدُ الله أن هذه فرية بلا مرية، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد!! لأن هذه العبارات ما خرجتْ من رجل يبغض خيرة الخلق وهم الأنبياء والصحابة، بل خرجت من رجلٍ يدافع وينافح عن طريقتهم ليلاً ونهارًا، بقدر استطاعته وعلمه؛ ولذلك لمَاَّ ظهر لي أن هذه العبارات لا تليق بهذه المقامات الرفيعة، وأن هذا حَرَمٌ لا يجوز التوسع فيه بالعبارات – وإن كان هناك من عبَّر بذلك - تراجعتُ عن ذلك، معلنًا هذا في الآفاق، شاكرًا لمن كان سببًا في ذلك، وإن ساءتْ طويته، أما أنت فلا زلت تبدي في كلامك وتعيد، وتستعمل التهديد والوعيد، وتبالغ في مدح نفسك بما لا يغني عنك شيئًا ولا يفيد، ظانًا أن كل من سيقف على كلامك هذا؛ هم من أهل الغباوة والتقليد!!!
3- إذا كان أمرك كالشمس ظهورًا في الذب عن الأنبياء - عليهم السلام - فلماذا لم تتراجع عن هذه الأقوال القبيحة، وقد صدرتْ منك فيهم - عليهم السلام - وهي:
(أ) قولك في سليمان -عليه السلام-: «لا يعرف الواقع»، وقولك: «العصفور عرف الواقع أكثر منه»، وقولك: «طير عرف الواقع، ونبي ما عرف الواقع، هل يصير العصفور أفضل من نبي الله سليمان»؟!! وقولك: «يكفّيه أنه عرف منهج الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الذين منهم سليمان، وهو ما كان يعرف الواقع مثل ما ندعي الآن...» وقولك: «مثل ما ندّعي الآن» كلمة مطاطة، لا ندري حدود مرادك منها؟!! وقولك: «هذا يشير إلى أن منهج الأنبياء جميعًا قائم على عدم معرفة الواقع، وعلى كل حال: فهذا كله فيه تفصيل، ارجع إليه في «تحذير الجميع» المهم مهما كان قصدك حسنًا؛ فهل تقارن بين سليمان والطير بهذه المقارنة؟!! فهل كل عِلْم العصفور بالواقع، أكثر من علم سليمان بالواقع؟!! المهم: لسانك ليس له زمام ولا خطام، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(ب) رَدُّك العمل بحديث النبي ﷺ في إجابة دعوة اليهودية، قائلاً: «وأنه لا يجوز مخالفة منهج أهل التحذير من أهل البدع بهذه الحادثة، من اليهودية الخبيثة، التي لا ينساها المسلمون»، مع إنكارك أنك ترد العمل بهذا الحديث!! فما أدري كيف تعمل به مع هذا التصريح منك؟!!
وكلامك الآخر الذي فيه نزعة استدراكية، حيث قلت في سياق الرد على من استدل بهذه الواقعة، على جواز إجابة دعوة المخالف لنا- ولكن بالضوابط الشرعية - فقلت: «ثم انظر ما عملت اليهودية الخبيثة»!!! أي: عندما ذهب إليها النبي - عليه الصلاة والسلام - فهل أنت تتعقَّب على رسول الله ﷺ؟!! وتفصيل هذا الأمر يُرْجَع إليه في «تحذير الجميع»!!
(ج) وقولك في رسول الله ﷺ: «ما أحسنَ الظنَّ بالصحابة الذين تخلَّفوا يوم تبوك»، وسياق الكلام في الصادقين، كعب وصاحبيه، لا في المنافقين، ولا في المعذورين، ولو سلَّمنا بأن مرادك: أنه هجرهم، ولم يَعْفُ عنهم، فما هكذا يكون التعبير منك!!
ما هكذا يا سعد تورد الإبل!!
فهذه أقوالك في سليمان - عليه السلام - وفي حق رسول الله ﷺ، فهل افتريتُ عليك شيئًا لم تقله؟!! فإما أن تنكر صحة هذا عنك، ويلزمني الإثبات، ولا أدل على صحة قولي من وجود ما عزوتُهُ إليك في الشريط بصوتك !! وإما أن تقول هذا الكلام حق، ولا شيء فيه، وعند ذلك يُرْجَعُ إلى العلماء في ذلك!! وما وجه إنكارك علىَّ إِذَنْ؟!! وإما أن تتواضع، فتتراجع!!
عجبًا لك أيها الشيخ، كيف تبغض من نصحك، وسعى في نصحك، فأبيت!! أتظن أنك أعزُّ علينا من الحق؟!! وصدق من قال:
إذا مَحَاسِنِيَ اللاتي أتيتُ بها ... عُدَّتْ ذنوبًا فقلْ لي كيف أعتذرُ؟!!
هـ - قوله: «... بل تجاوزت ذلك - فجورًا - إلى أمر لم يسبقك إليه ألد أعداء المنهج السلفي، فترميه - يعني بذلك: نفسه المقدسة!!- بأنه يطعن في جبريل، بل في رب العالمين...» . اهـ.
قلت: الجواب من وجوه - إن شاء الله تعالى - :
(أ) أنا لم أصرِّح بأنك طعنت في جبريل - عليه السلام - بل ذكرت أن جبريل - عليه السلام - لم يسلم من كلامك، وأن لك كلامًا فيه غمز لجبريل - عليه السلام - وهذا لا يلزم منه أني ادعيتُ أنك تقصد ذلك، كما ترمي بذلك غيرك!! وإلا فلو كنت تطعن في الأنبياء؛ لحكمتُ بوقوعك في الكفر، ولو كنتُ أعتقد أنك تطعن في جبريل ورب العالمين؛ لصرحْتُ بوقوعك في الكفر، غير آبه بك ولا بأتباعك!! لكني أعتقد أنك تعبِّر بتعبيرات سيئة، حملك عليها الإفراط والتفريط أثناء ردك على المخالف، دون قصد ذلك، إلا أنه يلزمك - مع ذلك - التوبة من ذلك!!
وهذا كلامك في جبريل عليه السلام - وليس افتراءً مني عليك!! - :
ففي شريط «العلم والدفاع عن الشيخ جميل الرحمن» وجه(أ) وفي سياق ردك على الإخوان المسلمين، قلت: «هذه طبيعة البشر، ما كل الناس مثل ابن تيمية، وما كل الناس مثل أحمد والبخاري، الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة، في ذلك الزمان، أما الآن في المليون، لا تجد في المليون راحلة، كيف تكلفوا الواحد يعرف العلوم الشرعية، ويتقنها كلها، ويخوض في بحر السياسة، إلى آخره، يمكن جبريل يعجز عن هذا، والله سليمان، هه، نبي، شوف العصفور عرف الواقع أكثر منه، هل هذا ينقصه؟! ينقصه هذا؟!» . اهـ.
فها أنت قد جعلت ابن تيمية قائمًا بالعلوم الشرعية والسياسة، واحتملت عَجْزَ جبريل عن ذلك!! فهل ابن تيمية وأحمد والبخاري أفضل من جبريل؟!! ثم كيف تتجرَّأ حتى تحتمل عجز جبريل عن شيء قام به ابن تيمية وغيره؟!! والله عز وجل يقول في جبريل: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير:20]؟!!
ثم من جهة أخرى: متى كان الإخوان المسلمون - والسياق في الكلام عنهم - يكلفِّون أتباعهم بإتقان العلوم الشرعية كلها؟!! فأين فقهك لواقع الجماعات – الذي تزعمه -، مع هذه المجازفات؟!!
فكان الأولى بك أن تتراجع، وتحفظ لسانك من الوقوع في الأبرياء، الذين هم أنفع لك من أقرب الناس إليك؛ لو أدركْتَ هذا؛ لأنهم حاولوا نصحك سرًا، مع أنك صاحب تشهير وتشويه!! ولكن الموفَّق من وفقه الله تعالى!!
(ب) وأما كلامك الذي لا يليق بالرب عز وجل؛ فكثير – ولستُ مفتريًا عليك أيضًا - :
1- ففي شريط: «الجلسة الثالثة في المخيم الربيعي» وجه (أ) قلت: «الشيخ ابن باز يفقه الواقع، لكن ما يفقه الواقع كله مثل الله» . اهـ. أي: أن الله عز وجل يفقه الواقع كله، وابن باز ليس كذلك، هل هذا تعبير للعلماء قبلك في حق العليم الخبير؟!!
2- وفي شريط: «مناظرة عن أفغانستان» وجه(أ) أنكرتَ على من يرمي دعاة التوحيد بالدروشة، فنـزَّهت نفسك بقولك: «... يعني: ربنا عز وجل درويش؟! والرسول درويش؟! يا جماعة اتقوا الله، الآن الذي يحارب هذه الأشياء؛ يقولون: درويش، وهذه دروشة». اهـ.
فهل هناك من نسب هذا الوصف القبيح لله عز وجل، وإن كنت تريد تنـزهه بهذا الكلام عن هذا الوصف القبيح؟! وهل كلما اتهم أعداء الدعوة حَمَلَتَهَاَ بشيء؛ ألزمناهم أن يقولوا بهذا القول في حق الله عز وجل، ورسوله ﷺ؟!! أهكذا أسلوب السابقين واللاحقين من العلماء؟!!
3- وقولك في شريط: «مرحبًا يا طالب العلم» (1/أ): «الآن الذي لا يناطح الحكام عميل!! ليه ربنا ما يناطح الحكام؟! ولماذا رسول الله ﷺ ما كان يناطح هذه المناطحات...». اهـ. فوا أسفاه من حال من يدعي أنه كالشمس ظهورًا، وكنارٍ على عَلَمٍ في الدفاع عن المنهج السلفي!!! وهو يعبر بهذه العبارات السيئة!!! «ليه ربنا ما يناطح الحكام»؟!! واعتذر لك ما شئت، أو يعتذر لك الهائمون في تقليدك وحبك، مهما تكلمت في ربنا عز وجل بهذه التعبيرات الساقطة!!!
4 - و في شريط: «العقيدة أولاً» وجه (ب) ذكرت الذين جعلوا دعوتهم سياسة فقط، و أن أحدهم قال لك: «و الله أنا أعرف واحد من كبار الإخوان، يقول: نحن ها نهتف باسم الله، فإذا وصلنا إلى الكراسي؛ نحط ربنا في أي حِتَّة!!» وليتك اكتفيت بإنكار الناس حولك على هذا؛ بل زدت فأعدت الكلمة وزيادة، فقلت: «والله هذا الذي حكي لي، و هو صادق، السودان خلاص، انتهى، الله حَطُّوه في أي حِتَّة، ما أدري فين؟!»، أي: أن الإخوان المسلمين قد وصلوا في السودان إلى الحكم، و فعلوا ما قالوا - وبئس ما قالوا -.
فهل يجوز لك أن تعيد هذا التعبير السيِّئ، عن ذاك الإخواني الضال، و تزيده إيضاحًا، و إنْ كنت مستهزئًا بهم، ساخرًا منهم؟! و لا يفيدك شيئًا عند أهل العلم أنك ختمتَ ذلك بقول: «نسأل الله العافية»؟!! فنحن - والله - نسأل الله العافية من أسلوبك هذا، و طريقتك هذه، في حق الله عز وجل!! وإلا فنحن نعلم أنك لست راضيًا بكلامهم، إنما نعيب عليك أسلوبك الشنيع الفاضح!! ولتعرف أن بينك و بين الراسخين بونًا، تتقطع فيه أعناق الإبل، فتعرف قدرك، وتريح، وتستريح!!
وقولك في شريط: «الصدق» (2/ أ) منكرًا على سيد قطب عباراته في كتابه «التصور الفني للقرآن»، و ذكره الموسيقا و الأجراس، و نحو ذلك:
«يا أخي! الناس يحترمون القرآن، ما يقولون فيه أجراس، ربي ما هو فنان، (استراح) على نغمات الموسيقا، والأجراس، و الكلام الفارغ يتكلم... ». اهـ.
و كلمة (استراح) غير واضحة جدًا في الشريط، لكن هذا اللفظ أقرب ما ظهر لي منها، فتُنظر.
أفكلما رددتَّ - أيها الرجل - على مبطل في مثل هذا - و تشكر في أصل ردك عليه - ما وجدتَّ إلا لفظ الجلالة تمثل به، و تؤيد كلامك بمثل هذا الأسلوب الشنيع؟! ألا فاتق الله أيها الرجل، و قِفْ حيث وقف القوم؛ فإن لك بهم أسوة، و دع عنك هذه الشطحات!!!
و نفيك قول السلف في الصفات الفعلية الاختيارية، المتعلقة بمشيئة الرب عز وجل: بأنها قديمة النوع، حادثة الآحاد...