انتشرت في الآونة الأخيرة فتوى تحرّم إطلاق وصف "شهيد" على من قُتل في معركة ضد معتدٍ كافر أو على يد سلطان جائر، واشترط بعضهم تقييد العبارة بقول: "بإذن الله" أو "ولا نزكي على الله أحداً". بل ذهب أحد الدعاة إلى وصف هذا الاشتراط بأنه "الصواب الذي لا حق سواه"، ملزماً الناس بتكراره دون ضجر، ومستنكراً وصف بعض أعيان الأمة (كسيد قطب) بالشهادة بلا تحفظ.
وفي الواقع، لا ينقضي العجب ممن ينكر وصف القتيل في سبيل الله بـ"الشهيد"، في حين أن الله سبحانه وتعالى ينهانا أصلاً عن وصفه بالموت، فقال عز وجل:
{وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعَرُونَ} [البقرة: 154]
فالواجب هو وصف هؤلاء القتلى بما وصفهم الله به؛ فنقول إنهم أحياء، أو شهداء، كما في قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}.
أولاً: فهم السلف للعموم القرآني
ذكر الإمام مقاتل البلخي (ت 150هـ) في تفسيره أن آية البقرة نزلت في أربعة عشر رجلاً من شهداء بدر (ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين) وسرد أسماءهم.
ولا يصح لعاقل أن يدعي اختصاص الآية بهؤلاء الأعيان؛ فإن في ذلك تعطيلاً لأحكام القرآن ودلالاته. فالنهي في قوله "ولا تقولوا" هو تعليم وتوجيه لأصحاب النبي ﷺ ولمن جاء بعدهم، وقوله "لمن يُقتل" صيغة عموم تستغرق كل من قُتل في سبيل الله في كل زمان ومكان.
وحاشا للخطاب الإلهي أن يكون تعجيزياً؛ فالعباد مكلّفون بالحكم على الظاهر، أما السرائر والمآلات فمردها إلى الله. ولذلك قال سبحانه: {وَلَكِنْ لَا تَشْعَرُونَ}، فبرغم عدم شعورنا بحقيقتهم، لم يكلفنا الله بالكشف عن الغيب قبل وصفهم بأنهم "أحياء"، بل يكفينا ظاهر حالهم بأنهم قاتلوا في صفوف المسلمين. والمؤمنون هم "شهداء الله في الأرض" (كما في الحديث المتفق عليه)، والشاهد يشهد بما ظهر له، وما وراء ذلك تكلف بارد.
ثانياً: هدي الصحابة والتابعين (تطبيق عملي)
من تتبع مدونات السنة يجد أن الصحابة والتابعين أطلقوا وصف "الشهيد" على الأعيان إطلاقاً جازماً دون تقييده بـ"بإذن الله" أو "نحسبه كذلك". ومن ذلك:
في صحيح البخاري ومسلم: قالت عائشة رضي الله عنها في صفوان بن المعطل السلمي: "فُتل شهيداً في سبيل الله".
في صحيح البخاري: قال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما في قتلى أُحد: "فُقتلوا من يومهم جميعاً شهداء".
عند الحاكم في المستدرك: قال ابن عباس رضي الله عنهما: "قُتل حذيفة بن عتبة يوم اليمامة شهيداً".
عند ابن سعد والحاكم: قال أنس بن مالك في البراء بن مالك: "واستُشهد رحمه الله يومئذ".
عند الإمام أحمد والنسائي: سُئل عبدالله بن جعفر عن قُثم بن العباس، فقال: "استُشهد".
عند ابن حبان: قال معقل بن مقرن في شقيقه النعمان يوم نهاوند: "وخُتم له بالشهادة".
لقد أطبق السلف الصالح على هذه التسمية، كما نقل الحافظ ابن حجر في "الفتح" قوله:
"أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر وأُحد وغيرهما شهداء"
ولم يَرِد عن أحدٍ منهم استدراكٌ أو تقييد لم يأمر به الشرع.
ثالثاً: مناقشة الشبهات والرد عليها
الشبهة الأولى: "الوصف للصنف لا للأعيان"
يقول بعضهم: إن النبي ﷺ وصف أصنافاً بالشهادة (كالمبطون والغريق) ولم يصف أعياناً.
الرد: هذا فهم سقيم؛ فالصنف وصف عام يندرج تحته الأفراد، فإذا كان "الغريق" شهيداً بنص الحديث، فكل فرد مسلم مات غريقاً هو فرد من هذا الصنف يستحق الوصف ذاته. ويؤكد هذا قوله ﷺ: "ما تعدّون الشهيد فيكم؟"، والعدّ هو الإحصاء للأشخاص؛ فكيف يُعدّون معهم ويمتنع وصفهم بلقبهم؟
الشبهة الثانية: "الشهادة لفلان تعني الجزم له بالجنة"
يزعم المخالفون أن وصف المعيَّن بالشهادة يتضمن حكماً غيبياً بدخوله الجنة.
الرد: نحن نصف الشخص بـ"المسلم" بناءً على ظاهره، مع جواز أن يكون منافقاً في الباطن، ولم نُكلَّف بشق صدره. فإن قيل: "المسلم قد يعذب ثم يدخل الجنة، أما الشهيد فيدخلها بلا عذاب"، فالجواب: كلا الأمرين (دخول الجنة ابتداءً أو انتهاءً) غيب لا يعلمه إلا الله، ومع ذلك جاز لنا إطلاق وصف الإسلام بناءً على الظاهر، فكذلك الشهادة.
الشبهة الثالثة: "النهي عن تزكية الممدوح"
يستدل المخالفون بحديث أبي بكرة في النهي عن المدح وقوله ﷺ: "فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً".
الرد: هذا الاستدلال في غير موضعه؛ فالنهي معلَّل بخوف الفتنة والإعجاب بالنفس على الممدوح الحي (قطعتم عنق صاحبكم). أما من غادر الدنيا وقُتل، فقد أمن الفتنة، ولا ينطبق عليه علة النهي. ولذلك تتابع الصحابة على إطلاق الوصف على الأموات دون إتباعه بعبارات التردد والتكلف.
خلاصة القول
إن إطلاق وصف "الشهيد" على من مات في سبييله أو مات بأحد أسباب الشهادة الطبية أو الكارثية هو هديٌ نبوي وسلفي أصيل، جرى عليه عمل الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم دون تزيُّد أو استدراكات معاصرة لا أصل لها في صنيع القدوة الأولى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق