المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
فإن مسألة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من المسائل التي كثر فيها الجدل بين المسلمين خلال القرون المتأخرة، حتى أصبحت عند بعض الناس معيارًا للحكم على المخالف، مع أن أصلها من المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، وأدلى فيها كل فريق بما يراه من أدلة واستنباطات.
وقد تناول هذه المسألة عدد كبير من العلماء بالبحث والتأليف، فمنهم من أجاز الاحتفال بالمولد بشروط وضوابط، وعدَّه من وسائل إظهار محبة النبي ﷺ وتعظيمه وشكر الله تعالى على نعمة بعثته، ومنهم من منعه وعدَّه من البدع التي لم ترد عن السلف.
ولما كانت هذه القضية كثيرًا ما تُعرض في صورة مختصرة أو يغلب عليها الطابع الجدلي، رأيت أن أجمع أهم الأدلة التي استند إليها القائلون بجواز الاحتفال بالمولد النبوي، مع عرض أشهر الاعتراضات التي أثيرت حول هذه المسألة ومناقشتها، اعتمادًا على ما ورد في كتب العلماء الذين تناولوا الموضوع، مع الحرص على ترتيب المادة العلمية وصياغتها بأسلوب واضح ومنظم.
ولا يقصد هذا الكتاب إثارة الخلاف أو الطعن في المخالف، وإنما يهدف إلى عرض الأدلة ومناقشتها مناقشة علمية هادئة، وإبراز منهج طائفة من علماء المسلمين الذين ذهبوا إلى جواز الاحتفال بالمولد النبوي إذا خلا من المخالفات الشرعية، مع التأكيد على أن ما يقع في بعض الاحتفالات من منكرات لا يصح أن يكون دليلًا على الحكم على أصل المسألة، وإنما يحكم على كل ممارسة بحسب موافقتها أو مخالفتها لأحكام الشريعة.
وقد روعي في هذا الكتاب ما يأتي:
- الاعتماد على النصوص الشرعية وأقوال أهل العلم.
- ترتيب الأدلة بحسب مصادرها؛ من القرآن الكريم، ثم السنة النبوية، ثم القياس وأقوال الأئمة.
- توثيق النقول قدر الإمكان من مصادرها الأصلية.
- تجنب التكرار والإطالة إلا فيما تدعو إليه الحاجة.
- التفريق بين أصل المسألة وبين ما قد يقترن بها من ممارسات تخالف الشرع.
ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وقارئه، وأن يجعله سببًا في نشر العلم، وجمع الكلمة، وإحياء محبة سيدنا رسول الله ﷺ في القلوب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد
-
الباب الأول
تحرير محل النزاع
الفصل الأول
ما المقصود بالمولد النبوي والاحتفال به؟
من القواعد العلمية المقررة عند أهل العلم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ ولذلك فإن أول ما ينبغي بحثه قبل الخوض في أدلة المجيزين أو المانعين هو تحديد محل النزاع، وبيان المقصود بالمولد النبوي، وما المراد بالاحتفال به، حتى لا يقع الخلط بين أصل المسألة وبين بعض الممارسات التي قد تقترن بها.
وقد أدى عدم تحرير محل النزاع في هذه القضية إلى توسيع دائرة الخلاف، إذ أصبح كثير من الناس يحكم على الاحتفال بالمولد من خلال صور معينة شاهدوها أو ممارسات مخصوصة أنكروها، ثم عمموا الحكم على جميع صور الاحتفال، مع أن الحكم الشرعي لا يُبنى على الصور الجزئية، وإنما على حقيقة الفعل ووصفه الشرعي.
أولاً: معنى المولد
المولد في اللغة اسم زمان أو مكان من الفعل (وَلَدَ)، ويطلق على وقت الولادة أو مكانها، ثم شاع استعماله في اصطلاح المسلمين للدلالة على ذكرى مولد النبي محمد ﷺ وما يصاحبها من مجالس يقرأ فيها القرآن الكريم، وتُروى السيرة النبوية، وتُذكر شمائل النبي ﷺ، ويكثر فيها الثناء عليه والصلاة والسلام عليه، وإطعام الطعام، وإظهار الفرح ببعثته، شكراً لله تعالى على هذه النعمة العظيمة.
ومن ثم فإن لفظ "المولد" في الاصطلاح لا يدل بذاته على صورة معينة من صور الاجتماع، وإنما يطلق على المناسبة التي يُقصد بها إحياء ذكرى مولد النبي ﷺ وإظهار محبته وتعظيمه.
ثانياً: ما المقصود بالاحتفال؟
الاحتفال في أصل اللغة مأخوذ من الحفل، وهو الاجتماع والعناية بالشيء والاهتمام به، فيقال: احتفل بالأمر؛ أي اعتنى به وأظهر الاهتمام بشأنه، ومنه الاحتفال بالمناسبات المختلفة، أي إظهار الفرح أو التعظيم أو الشكر بما يناسب تلك المناسبة.
وعليه، فإن لفظ "الاحتفال" لا يحمل في ذاته حكماً شرعياً، فلا يكون مشروعاً ولا ممنوعاً بمجرد تسميته احتفالاً، وإنما يكون حكمه تابعاً لما يشتمل عليه من مقاصد ووسائل وأعمال؛ فقد يكون الاحتفال مشروعاً إذا كان وسيلة إلى أمر مشروع، وقد يكون محرماً إذا اشتمل على منكر أو مخالفة شرعية.
ومن هنا فإن مجرد إطلاق كلمة "احتفال" لا يكفي للحكم على الفعل، بل لا بد من النظر في حقيقته وما يتضمنه من أعمال وأقوال.
ثالثاً: محل النزاع الحقيقي
ليس الخلاف بين العلماء في محبة النبي ﷺ، فمحبته أصل من أصول الإيمان، ولا في مشروعية الصلاة والسلام عليه، ولا في فضل دراسة سيرته، ولا في استحباب شكر الله تعالى على نعمة بعثته، فكل ذلك محل اتفاق بين المسلمين.
وإنما وقع الخلاف في صورة مخصوصة، وهي: هل يجوز تخصيص وقت معين من السنة للاجتماع على أعمال مشروعة - كقراءة القرآن، وذكر السيرة النبوية، والصلاة على النبي ﷺ، وإطعام الطعام، والصدقة - بقصد شكر الله تعالى على بعثة نبيه وإحياء ذكرى مولده، إذا خلا ذلك من الاعتقادات الفاسدة والمخالفات الشرعية؟
فالقائلون بالجواز يرون أن هذه الأعمال كلها مشروعة في أصلها، وأن اجتماعها في مناسبة معينة لا يخرجها عن أصل المشروعية ما دامت منضبطة بضوابط الشرع.
أما المانعون، فيرون أن تخصيص هذا الاجتماع بزمان معين دون دليل خاص يجعله من البدع المحدثة، وإن كانت الأعمال المفردة في أصلها مشروعة.
وعليه، فإن محل البحث ليس في مشروعية قراءة القرآن، ولا في مشروعية الصلاة على النبي ﷺ، ولا في فضل الصدقة وإطعام الطعام، وإنما في حكم تخصيص هذه الأعمال بذكرى مولده ﷺ.
وهذا التحرير لمحل النزاع له أثر كبير في فهم الأدلة التي سيأتي عرضها، إذ إن كثيراً من الاعتراضات الواردة في هذه المسألة إنما نشأت من الخلط بين أصل الاحتفال وبين ما قد يطرأ عليه من ممارسات لا يقول بها كثير من القائلين بجوازه.
وفي الفصول التالية سننتقل إلى دراسة الأدلة التي استند إليها القائلون بجواز الاحتفال بالمولد النبوي، مبتدئين بالأدلة القرآنية، ثم الأحاديث النبوية، ثم أقوال الأئمة والعلماء، مع مناقشة أبرز الاعتراضات مناقشة علمية موثقة.
-
الباب الثاني
أدلة القائلين بجواز الاحتفال بالمولد النبوي
الفصل الأول
الاستدلال بالقرآن الكريم
اتفق العلماء على أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وأن كل استدلال لا بد أن يكون منضبطًا بقواعد التفسير وأصول الاستنباط. وقد استند القائلون بجواز الاحتفال بالمولد النبوي إلى عدد من الآيات الكريمة التي رأوا أنها تدل - بمنطوقها أو عموم معناها - على مشروعية إظهار الفرح برسول الله ﷺ، وشكر الله تعالى على نعمة بعثته، وإحياء ذكره بين المسلمين.
ولم يدّع أحد من أهل العلم وجود آية صريحة تأمر بالاحتفال بالمولد النبوي باسمه، وإنما كان الاستدلال قائمًا على القواعد العامة والمقاصد الكلية التي دل عليها القرآن الكريم، شأن كثير من المسائل الاجتهادية التي استنبطها العلماء من عمومات النصوص.
المبحث الأول
قوله تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
(يونس: 58).
تُعد هذه الآية من أشهر الآيات التي استدل بها المجيزون للاحتفال بالمولد النبوي، إذ يرون أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالفرح بفضله ورحمته، وأن النبي محمد ﷺ هو أعظم رحمة امتن الله بها على البشرية.
وقد قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
(الأنبياء: 107).
فإذا كان النبي ﷺ قد وصفه القرآن بأنه رحمة للعالمين، وكان الله قد أمر بالفرح برحمته، فإن الفرح برسول الله ﷺ يدخل - عند هؤلاء العلماء - في عموم هذه الآية، باعتباره أعظم مظاهر الفرح برحمة الله.
وقد نقل عدد من المفسرين أن المقصود بالرحمة في الآية يشمل أعظم نعم الله على عباده، ولا خلاف في أن بعثة النبي ﷺ من أعظم تلك النعم، بل هي النعمة التي ترتبت عليها هداية البشرية إلى الصراط المستقيم.
ومن هنا قال المجيزون: إن إظهار الفرح بهذه النعمة، وشكر الله عليها، داخل في عموم الأمر الإلهي بالفرح بفضل الله ورحمته، ما دام ذلك يتم بوسائل مشروعة لا تشتمل على محرم أو اعتقاد فاسد.
غير أن هذا الاستدلال محل مناقشة عند المانعين، إذ يرون أن الآية عامة في الفرح بالإيمان والقرآن والهداية، ولا تدل على تخصيص يوم معين للاحتفال. وسيأتي عرض هذا الاعتراض ومناقشته في باب مستقل، تحقيقًا للإنصاف العلمي وإبرازًا لأوجه الاستدلال لدى كلا الفريقين.
المبحث الثاني
قوله تعالى:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
(الشرح: 4).
يستأنس بعض العلماء بهذه الآية في بيان أن الله سبحانه وتعالى تكفّل برفع ذكر نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة، فجعل اسمه مقترنًا باسمه سبحانه في الأذان والإقامة والتشهد والخطب وسائر شعائر الإسلام.
ويرى هؤلاء أن من صور تعظيم هذا الذكر والاجتماع على تذكير الناس بسيرته وشمائله وأخلاقه، تخصيص مجالس علمية تُقرأ فيها سيرته، وتُذكر فيها فضائله، ويُحث الناس فيها على الاقتداء به، شريطة أن تبقى هذه المجالس منضبطة بأحكام الشريعة.
وعليه، فإن الاحتفال بالمولد - إذا اقتصر على قراءة القرآن، وذكر السيرة، والصلاة على النبي ﷺ، وإطعام الطعام، وشكر الله تعالى على نعمة البعثة - لا يخرج، في نظرهم، عن كونه وسيلة من وسائل إحياء ذكر النبي ﷺ الذي رفعه الله تعالى.
خلاصة الفصل
يمكن تلخيص استدلال القائلين بالجواز من القرآن الكريم في النقاط الآتية:
- أن الله تعالى أمر بالفرح بفضله ورحمته، ورسول الله ﷺ أعظم رحمة امتن الله بها على عباده.
- أن بعثة النبي ﷺ من أجلّ نعم الله، وشكر النعم مشروع بنصوص الكتاب والسنة.
- أن تعظيم النبي ﷺ وإحياء سيرته داخلان في المقاصد الشرعية التي دعا إليها القرآن الكريم.
- أن هذه الأدلة تقوم على العمومات والمقاصد، ولذلك كانت محل اجتهاد بين العلماء، وهو ما يفسر وقوع الخلاف في المسألة.
وسينتقل البحث في الفصل التالي إلى دراسة الأدلة من السنة النبوية، وعلى رأسها حديث صيام يوم الاثنين، الذي يُعد من أقوى ما استدل به القائلون بجواز الاحتفال بالمولد النبوي.
-
الباب الثاني
الفصل الثاني
الأدلة من السنة النبوية
تُعد السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد كتاب الله تعالى، وقد استدل القائلون بجواز الاحتفال بالمولد النبوي بعدد من الأحاديث النبوية التي رأوا أنها تؤسس لجملة من المعاني الشرعية، أهمها: مشروعية شكر الله تعالى على نعمه، وإظهار الفرح بالأيام التي تجلت فيها نعم الله، وربط الأعمال الصالحة بالمناسبات التي تذكر بها.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن القائلين بالجواز لا يزعمون وجود حديث صريح يأمر بإقامة احتفال سنوي بالمولد النبوي، وإنما يستدلون بمجموعة من النصوص الشرعية التي يرون أن مجموعها يدل على مشروعية هذا المعنى من حيث الأصل، ثم يكيفونه وفق القواعد العامة للشريعة.
المبحث الأول
حديث صيام يوم الاثنين
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم الاثنين فقال:
«ذلك يوم وُلِدتُ فيه، ويوم بُعثتُ، أو أُنزل عليّ فيه.»
ويعد هذا الحديث من أقوى الأدلة التي يستند إليها القائلون بجواز الاحتفال بالمولد النبوي؛ لأنه نص صريح في أن النبي ﷺ ربط يوم مولده بعبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، وهي الصيام.
وجه الاستدلال
يقول المجيزون: إن النبي ﷺ لم يذكر سبب صيامه يوم الاثنين إلا بعد أن بيّن أن هذا اليوم هو يوم مولده، مما يدل على أن تذكر نعمة الميلاد النبوي وشكر الله عليها أمر مشروع.
ولم يكن المقصود من الصيام مجرد موافقة يوم الاثنين، بل كان المقصود إحياء ذكرى نعمة عظيمة وقعت في هذا اليوم، وهي ميلاد رسول الله ﷺ وبعثته.
وعليه فإن العبرة - في نظرهم - ليست بخصوص الصيام وحده، وإنما بالمبدأ الذي دل عليه الحديث، وهو مشروعية تخصيص زمن معين بعبادة مشروعة شكراً لله تعالى على نعمة وقعت فيه.
ولهذا قالوا: إذا جاز إحياء هذه الذكرى بالصيام، جاز إحياؤها كذلك بغيره من القربات المشروعة، كقراءة القرآن، وذكر السيرة، والصلاة على النبي ﷺ، وإطعام الطعام، والصدقة، بشرط ألا يشتمل ذلك على محرم أو اعتقاد غير مشروع.
مناقشة الاستدلال
اعترض المانعون بأن الحديث لا يدل إلا على استحباب صيام يوم الاثنين، ولا يدل على استحداث احتفال سنوي.
ويجيب المجيزون بأنهم لا يستدلون بالحديث على صورة معينة من صور الاحتفال، وإنما يستدلون به على أصل شرعي، وهو أن تذكر نعمة ميلاد النبي ﷺ والتعبد لله شكراً عليها أمر مشروع، أما الوسائل التي يتحقق بها هذا المقصود فتخضع للقواعد العامة في الشريعة، ما دامت مشروعة في نفسها.
ومن هنا فإن محل النزاع ليس في الحديث، وإنما في مدى جواز القياس عليه واستنباط هذا الأصل منه.
المبحث الثاني
حديث عاشوراء
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صيامهم، فقالوا:
إنه يوم نجّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه.
فقال النبي ﷺ:
«نحن أحق بموسى منكم.»
ثم صامه وأمر بصيامه.
وجه الاستدلال
يرى القائلون بالجواز أن هذا الحديث يدل على مشروعية تخصيص يوم معين بعبادة شكراً لله تعالى على نعمة وقعت فيه، ولو تكرر ذلك اليوم كل عام.
فإذا كان النبي ﷺ قد شرع للمسلمين صيام يوم يتجدد كل سنة شكراً لله على نجاة موسى عليه السلام، فإن شكر الله تعالى على أعظم نعمة، وهي بعثة خاتم الأنبياء ﷺ، أولى بالجواز.
ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه أن وجه الشبه ليس في خصوص الصيام، وإنما في أصل شكر الله تعالى على النعم المتجددة بمرور الزمن.
مناقشة الاستدلال
يرى المانعون أن القياس على عاشوراء غير مسلم؛ لأن صيام عاشوراء ثبت بنص خاص، بينما لم يرد نص خاص في الاحتفال بالمولد.
أما المجيزون فيرون أن النص الخاص إنما دل على أصل معتبر، وهو مشروعية شكر الله تعالى على نعمه في الأزمنة التي تذكر بها، وأن هذا الأصل لا يختص بعاشوراء وحده.
نتائج الفصل
يمكن استخلاص النتائج الآتية:
- لم يرد حديث صحيح يأمر بإقامة احتفال سنوي بالمولد النبوي باسمه أو هيئته.
- استدلال القائلين بالجواز قائم على النصوص الدالة على مشروعية شكر الله تعالى على النعم، وربط بعض العبادات بالأيام التي وقعت فيها تلك النعم.
- حديث صيام يوم الاثنين يمثل أهم دليل في هذا الباب؛ لأنه يربط بين يوم الميلاد وبين عبادة مشروعة.
- يبقى الخلاف بين الفريقين خلافاً في فهم دلالة النصوص وحدود القياس والاستنباط، لا في ثبوت الأحاديث نفسها.
وسيأتي في الفصل التالي عرض أقوال كبار العلماء الذين أجازوا الاحتفال بالمولد النبوي، مع توثيق نصوصهم وبيان منهجهم في الاستدلال.
-
الباب الثالث
أقوال العلماء الذين أجازوا الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
تمهيد
من المسائل التي يكثر فيها الخطأ عند تناول قضية المولد النبوي تصويرها على أنها مسألة لم يقل بجوازها أحد من علماء الإسلام، أو أنها لم تعرف إلا في العصور المتأخرة، وهذا التصوير لا يعكس حقيقة الخلاف العلمي الذي دونه الفقهاء والمحدثون والمؤرخون.
فقد ذهب عدد من كبار علماء الإسلام، من مختلف المذاهب الفقهية، إلى جواز الاحتفال بالمولد النبوي إذا خلا من المحرمات والمخالفات الشرعية، وعدّوه من الوسائل التي يُعبَّر بها عن محبة النبي ﷺ وشكر الله تعالى على نعمة بعثته، مع تأكيدهم أن الحكم يتعلق بالأعمال التي يشتمل عليها الاحتفال، لا بمجرد الاسم.
وفي هذا الباب نستعرض أبرز هؤلاء العلماء، مع التعريف بهم، وبيان نصوصهم، ووجه الاستدلال من كلامهم.
الفصل الأول
الإمام أبو شامة المقدسي (ت 665هـ)
أولاً: التعريف به
هو الإمام عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي، المعروف بأبي شامة، أحد كبار علماء الشافعية، ومن أشهر المحدثين والمؤرخين في القرن السابع الهجري، ومن أبرز شيوخ الإمام النووي.
ومن أشهر مؤلفاته:
- الروضتين في أخبار الدولتين.
- الباعث على إنكار البدع والحوادث.
- شرح الشاطبية.
ويعد كتابه الباعث على إنكار البدع والحوادث من أهم الكتب التي ناقشت البدع، ولذلك تكتسب شهادته في هذه المسألة أهمية خاصة؛ إذ إنه من العلماء المعروفين بالتحذير من البدع المخالفة للسنة.
ثانياً: نص كلامه
ذكر الإمام أبو شامة أن من أحسن ما استحدث في زمانه ما يُفعل في شهر ربيع الأول من إظهار السرور والصدقات وإطعام الطعام وإظهار الزينة؛ لما في ذلك من تعظيم قدر النبي ﷺ، وإظهار الفرح بمولده، وشكر الله تعالى على بعثته.
ثالثاً: وجه الاستدلال
تكمن أهمية هذا النص في أن قائله من كبار العلماء الذين صنفوا في إنكار البدع، ومع ذلك لم ير أن كل أمر مستحدث مذموم بإطلاق، بل فرّق بين البدعة المذمومة وما يستحدث من الوسائل التي تحقق مقصداً شرعياً مشروعاً.
ومن هنا استدل القائلون بالجواز بكلامه على أن الاحتفال بالمولد، إذا اقتصر على الطاعات وأعمال البر، لا يدخل في البدع المحرمة عنده.
الفصل الثاني
الإمام الحافظ ابن دحية الكلبي (ت 633هـ)
أولاً: التعريف به
هو الحافظ أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الكلبي، المعروف بابن دحية، أحد المحدثين والرحالة المشهورين في القرن السابع الهجري، وكانت له عناية بالسيرة النبوية وعلوم الحديث.
ثانياً: عنايته بالمولد
من أشهر ما يُذكر في ترجمته أنه ألّف كتاباً في المولد النبوي بطلب من الملك المظفر، وأهداه إليه، وقد أثنى فيه على إظهار الفرح بمولد النبي ﷺ، وذكر ما يتعلق بفضائل هذه المناسبة.
ويُعد تأليفه كتاباً مستقلاً في هذا الموضوع دليلاً على أن أصل المسألة كان محل بحث بين العلماء في عصره، ولم تكن فكرة طارئة في الأزمنة المتأخرة.
ثالثاً: وجه الاستدلال
استدل المؤيدون للمولد بتأليف ابن دحية لهذا الكتاب على أن عدداً من المحدثين لم يروا بأساً بالكتابة في المولد وإبراز فضائله، مع اختلاف الباحثين في بعض تفاصيل آرائه الأخرى، وهو ما يقتضي التفريق بين أصل التأليف في المولد وبين المسائل الحديثية المتعلقة ببعض الروايات.
الفصل الثالث
الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)
أولاً: مكانته العلمية
يُعد الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني من أعظم أئمة الحديث في الإسلام، وإليه يرجع كثير من المتأخرين في علوم الحديث والجرح والتعديل، ومن أشهر مؤلفاته كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري.
ثانياً: رأيه في المولد
نُقل عن الحافظ ابن حجر أنه قرر أن أصل عمل المولد بدعة من حيث إنه لم ينقل عن السلف، ثم بيّن أن هذه البدعة قد تشتمل على محاسن ومفاسد، فإن اشتملت على الأعمال الصالحة كشكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، وإطعام الطعام، والصدقة، ومدح النبي ﷺ بما هو حق، كانت من البدع الحسنة من هذه الجهة، وإن اشتملت على محرمات أو منكرات كانت ممنوعة بقدر ما اشتملت عليه من المخالفات.
ثالثاً: أهمية هذا القول
تكمن أهمية كلام ابن حجر في أنه لم يصدر حكماً عاماً على جميع صور الاحتفال، وإنما جعل الحكم تابعاً لمحتوى الاحتفال نفسه، وهو منهج ينسجم مع القاعدة الفقهية القاضية بأن الوسائل تأخذ حكم مقاصدها، وأن الأحكام تختلف باختلاف أوصاف الأفعال وما يلابسها من مصالح أو مفاسد.
خاتمة الفصل
تظهر من خلال أقوال هؤلاء الأئمة حقيقة مهمة، وهي أن النقاش الفقهي لم يكن منصباً على مجرد اسم "المولد"، وإنما على الأعمال التي تشتمل عليها هذه المناسبة.
ولهذا نجد أن كثيراً من العلماء الذين أجازوا الاحتفال اشترطوا خلوه من المنكرات، وأن يكون وسيلة إلى تعظيم النبي ﷺ، وذكر سيرته، وشكر الله تعالى على نعمة بعثته، ولم يجعلوا مجرد الاجتماع سبباً للحكم بالمنع أو الجواز على الإطلاق.
وسيأتي في الفصول التالية استعراض أقوال أئمة آخرين، وفي مقدمتهم الإمام جلال الدين السيوطي، والإمام السخاوي، والإمام ابن الجزري، والإمام الهيتمي، وغيرهم، مع توثيق نصوصهم وبيان وجه الاستدلال منها.
-
الباب الثالث
الفصل الرابع
الإمام جلال الدين السيوطي (ت 911هـ)
أولاً: التعريف بالإمام السيوطي
هو الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، أحد كبار علماء الإسلام في القرن التاسع الهجري، وإمام في علوم التفسير والحديث والفقه واللغة والتاريخ، وقد ترك تراثًا علميًا ضخمًا تجاوزت مؤلفاته مئات الكتب والرسائل.
ومن أشهر مؤلفاته:
- الجامع الصغير.
- الدر المنثور.
- الإتقان في علوم القرآن.
- تدريب الراوي.
- الحاوي للفتاوى.
وتكتسب آراؤه أهمية خاصة لما عُرف به من سعة الاطلاع وجمع أقوال المتقدمين، إضافة إلى مكانته العلمية المرموقة في مختلف العلوم الإسلامية.
ثانياً: رسالته في المولد
أفرد الإمام السيوطي للمولد النبوي رسالة مستقلة أسماها:
«حسن المقصد في عمل المولد»
وقد تناول فيها أصل المسألة، وناقش الأدلة المتعلقة بها، وخلص إلى أن أصل الاجتماع لقراءة القرآن، وذكر سيرة النبي ﷺ، وإطعام الطعام، وإظهار الفرح بمولده، إذا خلا من المحرمات، من الأمور الحسنة التي يثاب عليها المسلم لما فيها من تعظيم النبي ﷺ وشكر الله تعالى على نعمة بعثته.
ثالثاً: منهجه في الاستدلال
لم يعتمد الإمام السيوطي على مجرد العاطفة أو الاستحسان، بل بنى رأيه على أصول شرعية، من أهمها:
1- شكر الله تعالى على النعم
قرر أن بعثة النبي ﷺ أعظم نعمة امتن الله بها على البشرية، وأن شكر النعم مشروع بالكتاب والسنة، وأن تخصيص زمن معين بإظهار هذا الشكر له نظائر في الشريعة.
2- حديث صيام يوم الاثنين
استدل بحديث أبي قتادة رضي الله عنه، وفيه أن النبي ﷺ سئل عن صيام يوم الاثنين فقال:
«ذلك يوم وُلِدتُ فيه.»
ورأى أن هذا الحديث يدل على مشروعية تخصيص يوم الميلاد بعبادة يتقرب بها إلى الله تعالى.
3- القياس على عاشوراء
استأنس السيوطي بحديث صيام يوم عاشوراء، وعدّه دليلاً على مشروعية شكر الله تعالى على النعم التي تتجدد ذكراها بمرور الزمن.
رابعاً: ضوابط الاحتفال عند السيوطي
لم يدعُ الإمام السيوطي إلى إباحة جميع صور الاحتفال، بل اشترط أن يقتصر على الأمور المشروعة، مثل:
- تلاوة القرآن الكريم.
- قراءة السيرة النبوية.
- ذكر شمائل النبي ﷺ.
- الصلاة والسلام عليه.
- إطعام الطعام.
- الصدقة.
- إدخال السرور على المسلمين.
أما ما اشتمل على منكر أو إسراف أو اختلاط محرم أو اعتقاد باطل، فإنه لا يقره، لأن الحكم يدور مع الفعل نفسه، لا مع مجرد اسم المناسبة.
خامساً: قيمة رأيه العلمية
تكمن أهمية رأي الإمام السيوطي في أمور عدة:
- أنه لم يكتف بإبداء الرأي، بل أفرد للمسألة رسالة مستقلة.
- أنه بنى رأيه على نصوص شرعية وقواعد أصولية.
- أنه لم يجعل الاحتفال عبادة مستقلة، وإنما وسيلة لإحياء معانٍ مشروعة.
- أنه قيّد الجواز بخلو الاحتفال من المخالفات الشرعية.
ولهذا أصبح كلامه من أكثر النصوص اعتمادًا عند من يرى جواز الاحتفال بالمولد النبوي.
الفصل الخامس
الإمام شمس الدين السخاوي (ت 902هـ)
أولاً: التعريف به
هو الإمام الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي، أحد كبار أئمة الحديث في القرن التاسع الهجري، وتلميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني، وصاحب كتاب «الضوء اللامع» وغيره من المؤلفات المشهورة.
وقد عُرف بدقته في نقد الروايات، وبتوسعه في التراجم والتاريخ.
ثانياً: رأيه في المولد
ذكر الإمام السخاوي أن المسلمين ما زالوا في كثير من الأمصار يحتفلون بذكرى مولد النبي ﷺ، ويقيمون الولائم، ويتصدقون، ويظهرون السرور، ويقرؤون أخبار مولده الشريف.
وأشار إلى أن هذه الأعمال كانت سببًا في تعظيم النبي ﷺ، وإظهار محبته، وأن الله تعالى يجزي أصحاب النيات الصالحة على مقاصدهم الحسنة.
ثالثاً: تحليل قوله
لم يكن كلام السخاوي مجرد وصف لواقع الناس، بل تضمّن إقرارًا للأعمال التي تقوم على تعظيم النبي ﷺ، ما دامت منضبطة بضوابط الشرع.
ولهذا استدل به عدد من المتأخرين ضمن النصوص المؤيدة لجواز الاحتفال بالمولد، مع التأكيد على أن الثناء الوارد في كلامه يتعلق بالأعمال المشروعة، لا بما قد يقع فيها من مخالفات.
نتائج الفصل
يتبين من دراسة كلام الإمامين السيوطي والسخاوي أن كلاهما لم ينظر إلى المولد باعتباره عبادة مستقلة أضيفت إلى الدين، وإنما باعتباره مناسبة يُقصد بها إحياء معانٍ شرعية ثابتة بأدلتها، مثل محبة النبي ﷺ، وذكر سيرته، وشكر الله تعالى على بعثته، وتعليم الناس أخلاقه وشمائله.
كما يتضح أن اشتراط خلو الاحتفال من المنكرات كان حاضرًا في تقريراتهما، وهو ما يدل على أن محل النزاع عندهما لم يكن أصل المحبة أو الاجتماع، وإنما طبيعة الأعمال التي تشتمل عليها تلك الاجتماعات.
-
الباب الرابع
القواعد الأصولية والفقهية المؤثرة في الخلاف حول الاحتفال بالمولد النبوي
تمهيد
من يطالع كتب العلماء في مسألة الاحتفال بالمولد النبوي يلحظ أن اختلافهم لم يكن ناشئًا عن نزاع في أصل محبة النبي ﷺ أو تعظيمه، فذلك مما انعقد عليه إجماع المسلمين، وإنما كان الخلاف في تنزيل عدد من القواعد الأصولية والفقهية على هذه الواقعة.
ولهذا فإن فهم هذه القواعد يعد مفتاحًا لفهم أسباب اختلاف العلماء، ويمنع من التسرع في تبديع المخالف أو اتهامه بمخالفة السنة، إذ إن كثيرًا من مسائل الخلاف الفقهي إنما ترجع إلى اختلاف في فهم القواعد العامة، لا إلى مخالفة النصوص الشرعية.
الفصل الأول
هل الأصل في العادات الإباحة أم المنع؟
قرر جمهور الأصوليين أن الأصل في العادات والمعاملات الإباحة، حتى يرد دليل يمنع منها، بخلاف العبادات، فإن الأصل فيها التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما ثبت بدليل.
ومن هنا كان أول سؤال يطرحه العلماء في مسألة المولد:
هل الاحتفال بالمولد عبادة مقصودة لذاتها، أم أنه وسيلة وعادة اجتماعية يُقصد بها إحياء معانٍ مشروعة؟
فإن عُدَّ عبادةً مستقلة، اشترط له دليل خاص.
وإن عُدَّ وسيلةً لاجتماع الناس على أعمال مشروعة، جرى عليه حكم الوسائل والعادات، فينظر في محتواه وآثاره، لا في مجرد تسميته.
ومن هنا اختلفت أنظار الفقهاء في توصيف المسألة قبل الحكم عليها.
الفصل الثاني
قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد
من القواعد الكبرى في الفقه الإسلامي أن الوسائل تأخذ حكم مقاصدها، فما كان وسيلة إلى مشروع كان مشروعًا، وما كان وسيلة إلى محرم كان محرمًا.
وعلى هذه القاعدة بنى كثير من العلماء قولهم بجواز الاحتفال بالمولد إذا اقتصر على الوسائل المباحة، مثل:
- قراءة القرآن.
- مدارسة السيرة النبوية.
- الصلاة والسلام على النبي ﷺ.
- الصدقة.
- إطعام الطعام.
- تذكير الناس بأخلاق الرسول ﷺ.
وقالوا: إن هذه الأعمال مشروعة في أصلها، فإذا اجتمعت في مناسبة معينة بقصد مشروع، لم تتغير أحكامها بمجرد الاجتماع.
في المقابل، رأى المانعون أن تخصيص زمن معين بهذه الوسائل على وجه التعبد يحتاج إلى دليل خاص، وأن الوسائل إذا اتخذت هيئةً توهم التشريع أو الشعيرة الثابتة، انتقلت من باب العادات إلى باب العبادات.
ومن هنا يتبين أن الخلاف في هذه القاعدة ليس في أصلها، وإنما في تطبيقها على واقعة المولد.
الفصل الثالث
هل ترك النبي ﷺ للفعل يدل على تحريمه؟
من أكثر القواعد حضورًا في هذا الباب قاعدة:
"هل مجرد ترك النبي ﷺ لشيء يعد دليلًا على منعه؟"
وقد بحث الأصوليون هذه المسألة بإسهاب، وقرروا أن الترك وحده لا يدل دائمًا على التحريم، بل لا بد من معرفة سبب الترك.
فقد يترك النبي ﷺ فعلًا لأنه:
- لم تدع الحاجة إليه.
- أو خشية أن يفرض على الأمة.
- أو مراعاةً لمصلحة معينة.
- أو لأنه من الأمور الجبلية والعادية.
- أو لوجود مانع في زمنه.
ولذلك قال كثير من الأصوليين إن الترك المجرد لا يفيد التحريم، وإنما يفيد أن الفعل لم يقع، أما حكمه الشرعي فيحتاج إلى دليل آخر.
وفي المقابل، يرى فريق من العلماء أن ترك النبي ﷺ وأصحابه لعملٍ مع قيام المقتضي وانتفاء المانع، يعد قرينة قوية على عدم مشروعيته، وخاصة في القربات والعبادات.
ومن هنا كان تحرير مناط هذه القاعدة من أهم أسباب فهم الخلاف في مسألة المولد.
خلاصة الفصل
يتبين من هذه القواعد أن الخلاف في الاحتفال بالمولد ليس ناشئًا عن إنكار محبة النبي ﷺ أو تعظيمه، وإنما عن اختلاف في توصيف الفعل وتكييفه الفقهي:
- أهو من باب الوسائل والعادات؟
- أم من باب العبادات والشعائر؟
كما يتبين أن تطبيق القواعد الأصولية يختلف باختلاف تصور المسألة، وهو ما يفسر اختلاف أنظار العلماء فيها، مع اتفاقهم على وجوب تعظيم النبي ﷺ، واتباع سنته، ومحبته محبةً تليق بمقامه الشريف.
وسيأتي في الفصل التالي بيان قاعدة «البدعة» وأثرها في هذه المسألة، مع عرض أقوال كبار الأصوليين والفقهاء في تعريف البدعة وضوابطها.
-
الباب الرابع
الفصل الرابع
مفهوم البدعة في الشريعة الإسلامية وأثره في مسألة المولد النبوي
تمهيد
تعد مسألة البدعة من أكثر المسائل التي وقع فيها الخلاف في هذا الموضوع، بل يمكن القول إن معظم الخلاف حول الاحتفال بالمولد النبوي يرجع إلى اختلاف العلماء في فهم معنى البدعة، وحدودها، وكيفية تطبيقها على الوقائع المستجدة.
ومن هنا فإن تحرير مفهوم البدعة يعد ضرورة علمية قبل إصدار أي حكم على هذه المسألة، إذ لا يصح وصف عملٍ بأنه بدعة قبل معرفة حقيقة البدعة التي جاءت النصوص بالتحذير منها.
أولاً: البدعة في اللغة
البدعة في اللغة مأخوذة من مادة (بَدَعَ)، وهي تدل على إنشاء الشيء وإيجاده من غير مثال سابق.
قال تعالى:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
(البقرة: 117).
أي: مبدعهما ومنشئهما على غير مثال متقدم.
وعليه فإن كل أمر جديد يسمى في اللغة بدعة، سواء كان محمودًا أو مذمومًا.
ثانياً: البدعة في الاصطلاح الشرعي
اختلفت عبارات العلماء في تعريف البدعة الشرعية، وإن كانت ترجع في الجملة إلى معنى واحد، وهو:
إدخال أمر في الدين ليس له أصل معتبر من كتاب أو سنة أو إجماع أو دليل شرعي معتبر.
ومن هنا يظهر أن كل جديد ليس بدعة شرعية، إذ قد يكون جديدًا في صورته، معتمدًا على أصل شرعي في حقيقته.
ولهذا فرّق العلماء بين الجدة في الوسائل والجدة في أصل العبادة.
ثالثاً: حديث «كل بدعة ضلالة»
ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يقول في خطبة الحاجة:
«خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.»
وهذا الحديث أصل عظيم في التحذير من الابتداع في الدين.
غير أن العلماء اختلفوا في كيفية تنزيله على الوقائع المستجدة، فظهرت مدرستان مشهورتان.
المدرسة الأولى
حمل الحديث على عمومه
ذهب عدد من العلماء إلى أن الأصل في الحديث العموم، وأن كل ما أحدث في الدين مما ليس له أصل شرعي فهو داخل في الذم.
غير أنهم لا يدخلون في ذلك الوسائل الدنيوية أو التنظيمات الإدارية أو ما له أصل عام في الشريعة.
وعليه فإنهم يناقشون مسألة المولد من جهة: هل هو عبادة محدثة، أم وسيلة لتنظيم أعمال مشروعة؟
المدرسة الثانية
التفريق بين أنواع البدع
ذهب عدد من العلماء إلى أن لفظ "البدعة" في الحديث يراد به البدعة المذمومة، أما ما كان له أصل في الشرع ويحقق مصلحة معتبرة فلا يدخل في هذا الذم، وإن سمي بدعة من جهة اللغة.
ومن أشهر من سلك هذا المسلك جماعة من الأئمة الذين قسموا البدعة إلى أقسام متعددة بحسب حكمها الشرعي.
ولا يعني هذا أنهم أجازوا إحداث عبادات جديدة، وإنما قصدوا أن بعض الصور المستحدثة تدخل تحت أصول شرعية عامة.
رابعاً: أثر الخلاف في تعريف البدعة
يتبين من خلال ما سبق أن كثيرًا من الخلاف في المولد النبوي يرجع إلى هذا السؤال:
هل الاجتماع السنوي على قراءة القرآن، وذكر السيرة، والصلاة على النبي ﷺ، وإطعام الطعام، يعد إنشاء عبادة جديدة؟
أم أنه مجرد تنظيم لوسائل تؤدي إلى أعمال مشروعة ثبتت مشروعيتها بأدلة مستقلة؟
فمن رأى أنه عبادة مستقلة ألحقه بالبدع.
ومن رأى أنه وسيلة لاجتماع المسلمين على أعمال مشروعة لم يلحقه بذلك.
ولهذا فإن الخلاف في هذه المسألة هو خلاف في التكييف الفقهي أكثر من كونه خلافًا في أصل محبة النبي ﷺ أو تعظيمه.
-
نتائج الفصل
- البدعة في اللغة أوسع من البدعة في الاصطلاح الشرعي.
- ليس كل أمر جديد يعد بدعة شرعًا.
- حديث «كل بدعة ضلالة» أصل في التحذير من الابتداع في الدين، إلا أن العلماء اختلفوا في تطبيقه على بعض الوقائع المستجدة.
- الخلاف في المولد مرتبط بتكييفه: هل هو عبادة مقصودة، أم وسيلة إلى أعمال مشروعة؟
- لا يمكن الحكم على أي صورة من صور المولد إلا بعد معرفة ما تشتمل عليه من أعمال ومقاصد.
وسيأتي في الفصل التالي عرض مواقف كبار الأصوليين والفقهاء من تقسيم البدعة، وأثر ذلك في فهم هذه القضية.
-
الباب الثاني
الأصل الشرعي في مشروعية الفرح برسول الله ﷺ
تمهيد
من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة أن بعث فيها خاتم أنبيائه ورسله محمدًا ﷺ، فبه أخرجها من الظلمات إلى النور، وعلّمها الكتاب والحكمة، وأتم بها الدين، وأكمل بها النعمة، وجعل رسالته رحمةً للعالمين.
ولذلك فإن البحث في مشروعية الفرح بمولد النبي ﷺ لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال عن صورة الاحتفال، وإنما يبدأ بالسؤال عن أصل الفرح برسول الله ﷺ: هل هو مطلوب شرعًا؟ وهل جاءت النصوص بالأمر به أو الحث عليه؟
فإذا ثبت أن الشريعة ندبت إلى الفرح برسول الله ﷺ وتعظيمه وإظهار محبته وشكر الله تعالى على بعثته، كان ذلك أصلًا يُبنى عليه النظر في الوسائل التي يتحقق بها هذا المقصود.
الفصل الأول
بعثة النبي ﷺ أعظم نعمة امتن الله بها على عباده
قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
(آل عمران: 164).
تصف هذه الآية بعثة النبي ﷺ بأنها مِنَّة من الله تعالى على المؤمنين، والمنّة في لسان العرب تطلق على أعظم الإحسان وأجلِّ النعم.
وقد أجمع المفسرون على أن بعثة الرسول ﷺ من أعظم نعم الله على عباده، إذ بها عرفوا ربهم، واهتدوا إلى شرعه، ونجوا من الضلالة.
وإذا كانت الشريعة قد أمرت بشكر نعم الله تعالى، فإن شكر هذه النعمة العظمى أولى وأعظم.
الفصل الثاني
النبي ﷺ رحمة للعالمين
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
(الأنبياء: 107).
فقد جعل الله تعالى رسالة نبيه ﷺ رحمة عامة للبشرية، ولم يصف بها نبيًا غيره بهذا الإطلاق.
ومن مقتضى شكر هذه الرحمة أن يفرح المؤمن بها، ويظهر السرور ببعثة من جعله الله سببًا للهداية والنجاة.
ولذلك ربط عدد من العلماء بين هذه الآية وقوله تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (يونس: 58).
فقالوا: إذا كان رسول الله ﷺ هو أعظم رحمة أنعم الله بها على عباده، فإن الفرح بهذه الرحمة داخل في عموم الأمر الإلهي بالفرح برحمة الله.
وهذا الاستدلال لا يقتصر على مناسبة معينة، وإنما يقرر أصلًا عامًا، وهو أن الفرح برسول الله ﷺ، وببعثته، وبما جاء به من الهدى والرحمة، من المعاني التي دل عليها القرآن الكريم، ويبقى البحث بعد ذلك في الوسائل التي يُعبَّر بها عن هذا الفرح، وما يوافق منها الشرع وما لا يوافقه.
-
الباب الثاني
الأدلة القرآنية على مشروعية الفرح برسول الله ﷺ
الفصل الأول
قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
(يونس: 58)
تمهيد
تُعد هذه الآية الكريمة من أبرز الآيات التي استدل بها العلماء القائلون بمشروعية الفرح بمولد النبي ﷺ، حتى أصبحت محورًا رئيسًا في مؤلفاتهم ورسائلهم في هذه المسألة. ولم يكن استدلالهم بها قائمًا على دعوى وجود نص صريح في المولد، وإنما على ما تضمنته الآية من تقرير أصلٍ عام، وهو الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته، ثم النظر في دخول بعثة النبي ﷺ ضمن هذا الفضل والرحمة.
ومن هنا كان من اللازم دراسة الآية دراسة تفسيرية تجمع بين أقوال السلف والمفسرين، ثم تبين وجه الاستدلال بها في موضوع هذا الكتاب.
المبحث الأول
السياق القرآني للآية
وردت هذه الآية في خاتمة مقطع من سورة يونس يتحدث عن الوحي والهدى والشفاء والرحمة، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
ويُلاحظ أن الآية جاءت عقب الحديث عن أعظم نعم الله على عباده: الوحي، والهداية، والشفاء، والرحمة. ثم أعقب ذلك بالأمر بالفرح بهذه النعم، مما يدل على أن الفرح هنا مرتبط بما أنعم الله به من أسباب الهداية، لا بالمكاسب الدنيوية.
المبحث الثاني
المعنى اللغوي للفضل والرحمة
الفضل في اللغة هو الزيادة والإحسان والعطاء، ويُطلق على كل ما يتفضل الله به على عباده من نعم ظاهرة وباطنة.
أما الرحمة فهي الإحسان المقرون بالرأفة، ويستعملها القرآن في معانٍ متعددة، منها الوحي، والهداية، والنبوة، والجنة، والمغفرة، وغير ذلك من صور رحمة الله بخلقه.
وهذا الاتساع في مدلول اللفظين هو الذي أدى إلى تنوع أقوال المفسرين في تفسير الآية، مع عدم التعارض بين كثير من تلك الأقوال، لأنها تذكر أفرادًا متعددة تدخل في عموم الفضل والرحمة.
المبحث الثالث
أقوال السلف والمفسرين
اختلفت عبارات المفسرين في تفسير المراد بالفضل والرحمة، ومن أشهر الأقوال:
- أن الفضل هو الإسلام، والرحمة هي القرآن.
- وقيل: الفضل هو القرآن، والرحمة هي الإسلام.
- وقيل: الفضل هو الإيمان، والرحمة هي الجنة.
- وقيل: يدخل في الفضل والرحمة كل ما تفضل الله به على عباده من أسباب الهداية والنجاة.
وهذا التنوع لا يُعد تعارضًا؛ لأن كثيرًا من علماء التفسير يرون أن الآية من باب الألفاظ العامة التي تشمل أكثر من فرد، وأن اختلاف السلف فيها هو من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد.
المبحث الرابع
هل يدخل النبي ﷺ في عموم الرحمة؟
استدل عدد من العلماء بقوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).
وقالوا: إذا كان الله قد وصف نبيه ﷺ بأنه رحمة للعالمين، ثم أمر في سورة يونس بالفرح برحمته، فإن النبي ﷺ داخل في عموم هذه الرحمة، ولا سيما أن بعثته هي السبب في وصول القرآن والإيمان والهداية إلى الناس.
ولا يلزم من هذا أن تكون الآية نزلت خاصة في النبي ﷺ، بل يكفي أن يكون داخلًا في عموم معناها، كما هو منهج العلماء في الاستدلال بعمومات القرآن.
المبحث الخامس
وجه استدلال العلماء بالآية
بنى العلماء الذين أجازوا الفرح بالمولد استدلالهم على هذه الآية من خلال المقدمات الآتية:
- أن الله أمر بالفرح بفضله ورحمته.
- أن بعثة النبي ﷺ من أعظم نعم الله على عباده.
- وأن القرآن وصفه بأنه رحمة للعالمين.
- وأن الفرح بالنعمة من شكر الله عليها.
- فإذا كان الفرح بالرحمة مأمورًا به، وكان النبي ﷺ من أعظم مظاهر هذه الرحمة، فإن الفرح ببعثته داخل في عموم الآية.
وهذا الاستدلال مبني على عموم النصوص، لا على دعوى وجود نص خاص في مناسبة معينة.
مناقشة علمية
ينبغي التنبيه إلى أن هذه الآية لا تتضمن ذكرًا صريحًا لمولد النبي ﷺ، وإنما يُستدل بها على أصل مشروعية الفرح بالنبي ﷺ وببعثته، أما كيفية التعبير عن هذا الفرح وصوره العملية، فهي مسألة أخرى تُبحث في ضوء النصوص الشرعية والقواعد العامة.
ومن هنا فإن قوة الاستدلال بالآية عند القائلين بالجواز لا تقوم على تخصيصها بالمولد، بل على اعتبارها أصلًا عامًا في الأمر بالفرح بأعظم نعم الله، ومن جملتها بعثة خاتم الأنبياء ﷺ.
نتائج الفصل
يتبين من خلال دراسة هذه الآية ما يأتي:
- أن القرآن الكريم أمر بالفرح بفضل الله ورحمته.
- أن الفضل والرحمة في الآية من الألفاظ العامة التي فسرها السلف بعدة تفسيرات متقاربة.
- أن اختلاف المفسرين في تفسير الآية هو في الغالب من اختلاف التنوع، وليس من اختلاف التضاد.
- أن النبي ﷺ وُصف في القرآن بأنه رحمة للعالمين، وهو ما جعل عددًا من العلماء يُدخله في عموم الرحمة المذكورة في آية يونس.
- أن استدلال العلماء بهذه الآية مبني على قاعدة الاستدلال بعمومات القرآن ومقاصده، لا على وجود نص خاص بالمولد.
- أن هذه الآية تمثل أحد أهم الأصول القرآنية التي استند إليها القائلون بمشروعية الفرح برسول الله ﷺ وشكر الله تعالى على نعمة بعثته.
_
الباب الثاني
الأدلة القرآنية على مشروعية الفرح برسول الله ﷺ
الفصل الثاني
قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
(سورة الأنبياء: 107).
تمهيد
إذا كانت آية ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ قد قررت الأمر بالفرح برحمة الله، فإن هذه الآية تبين أعظم مصاديق تلك الرحمة، وهي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ.
ولذلك عدّها عدد من العلماء من أقوى الآيات التي تؤسس لمشروعية الفرح برسول الله ﷺ؛ لأنها تصف رسالته بأنها رحمة إلهية شاملة، والفرح بالرحمة الإلهية داخل في مقاصد الشريعة وشكر نعم الله تعالى.
المبحث الأول
دلالة الآية على عموم الرحمة
جاءت الآية بصيغة القصر:
﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾
وصيغة "ما... إلا..." من أقوى صيغ الحصر في اللغة العربية، وهي تدل على أن الرسالة المحمدية قائمة على الرحمة، وأن بعثة النبي ﷺ في أصلها رحمة من الله تعالى لعباده.
ولم تقل الآية: رحمة للمؤمنين، وإنما قالت:
﴿للعالمين﴾
ليدل ذلك على عموم هذه الرحمة، فهي تشمل المؤمن والكافر من جهة قيام الحجة، وتشمل الإنس والجن، بل وتشمل نظام الحياة الذي جاءت الشريعة بإصلاحه وإقامة العدل فيه.
وهذا المعنى أكده كثير من المفسرين، الذين بينوا أن رسالة النبي ﷺ ليست رحمة لفئة دون أخرى، بل هي رحمة عامة، وإن كان المؤمنون هم أوفر الناس نصيبًا من آثارها.
المبحث الثاني
بعثة النبي ﷺ أعظم مظاهر رحمة الله
تكرر في القرآن الكريم وصف بعثة النبي ﷺ بأنها منة إلهية ونعمة عظيمة، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم﴾.
فالمنة والرحمة والهداية أوصاف متلازمة لبعثته ﷺ.
ومن تأمل القرآن وجد أن جميع الخيرات الدينية التي نالها المسلمون إنما كانت ثمرة لهذه الرسالة المباركة؛ فبها عرف الناس ربهم، واهتدوا إلى عبادته، وعرفوا الحلال والحرام، وخرجوا من ظلمات الشرك والجهل إلى نور الإيمان والعلم.
ومن هنا قال العلماء: إن شكر هذه النعمة لا يقتصر على الاعتراف بها، بل يشمل إظهار السرور بها، وتعظيم صاحب الرسالة، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، وتعليم سيرته، والدعوة إلى الاقتداء به.
المبحث الثالث
العلاقة بين هذه الآية وآية الفرح
استنبط عدد من أهل العلم وجهًا لطيفًا في الربط بين قوله تعالى:
﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾
وقوله تعالى:
﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾.
وبيان ذلك أن القرآن أمر بالفرح برحمة الله، ثم بين في موضع آخر أن النبي ﷺ هو رحمة للعالمين.
وعلى هذا، فإن الفرح برسول الله ﷺ ليس فرحًا بشخصه مجردًا، وإنما هو فرح بالرحمة التي أكرم الله بها عباده من خلال بعثته، وبما ترتب عليها من هداية وإيمان وإصلاح.
ومن هنا قرر عدد من العلماء أن الفرح بالنبي ﷺ داخل في عموم الأمر بالفرح برحمة الله، دون أن يعني ذلك أن آية يونس نزلت خصوصًا في المولد، بل هو استدلال بعموم اللفظ ومقاصده.
-
المبحث الرابع
كيف يكون الفرح بهذه الرحمة؟
إذا ثبت أن النبي ﷺ رحمة للعالمين، فإن الفرح بهذه الرحمة لا يكون بمجرد المشاعر، بل يترجم إلى أعمال شرعية، من أهمها:
- تعظيم النبي ﷺ وتعظيم سنته.
- الإكثار من الصلاة والسلام عليه.
- تعلم سيرته وشمائله.
- الاقتداء بأخلاقه وهديه.
- تعليم الأبناء محبته.
- نشر سيرته بين الناس.
- شكر الله تعالى على بعثته.
وهذه الأعمال كلها ثابتة بأدلة مستقلة في الكتاب والسنة، ولذلك رأى العلماء أن اجتماعها في مناسبة يُقصد بها تذكير الناس بهذه النعمة لا يخرجها عن أصل مشروعيتها، ما دامت منضبطة بضوابط الشرع.
المبحث الخامس
الأثر الإيماني للفرح برسول الله ﷺ
إن الفرح برسول الله ﷺ ليس مجرد مناسبة تاريخية، بل هو أثر من آثار الإيمان الصادق؛ لأن المؤمن يعلم أن أعظم نعمة أنعم الله بها عليه هي الهداية إلى الإسلام، ولا سبيل إلى هذه الهداية إلا برسالة محمد ﷺ.
ولهذا كان استحضار نعمة البعثة سببًا لتجديد المحبة، وتعظيم السنة، وتقوية الصلة بالنبي الكريم، وإحياء سيرته في النفوس، وهي مقاصد شرعية اتفقت عليها الأمة، وإن اختلفت في بعض الوسائل التي يتحقق بها ذلك.
نتائج الفصل
خلص هذا الفصل إلى النتائج الآتية:
- أن القرآن الكريم وصف بعثة النبي ﷺ بأنها رحمة للعالمين، وهو وصف يدل على عظم هذه النعمة وشمولها.
- أن صيغة الحصر في الآية تؤكد أن الرسالة المحمدية قائمة على الرحمة والهداية والإصلاح.
- أن بعثة النبي ﷺ من أعظم صور رحمة الله بعباده، بل هي أصل كثير من النعم الدينية التي امتن الله بها على المؤمنين.
- أن الربط بين آية ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ وآية ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ هو من أوجه الاستدلال التي اعتمدها عدد من العلماء لإثبات مشروعية الفرح برسول الله ﷺ.
- أن الفرح بالنبي ﷺ ليس غاية مستقلة، بل هو تعبير عن الفرح برسالة الله ورحمته وهدايته التي جاءت على يديه.
- أن أعظم صور هذا الفرح هي ما كان مندرجًا تحت الأعمال المشروعة، كتعلم السيرة، وتعظيم السنة، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، وشكر الله تعالى على نعمة بعثته.
تمهيد للفصل التالي
بعد أن قرر القرآن الكريم أن النبي ﷺ رحمة للعالمين، يأتي الدليل القرآني التالي ليؤكد أن بعثته ليست مجرد رحمة، بل هي منة إلهية عظيمة تستوجب الشكر والاعتراف بالفضل، وذلك في قوله تعالى:
﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم...﴾،
وهو ما سيكون موضوع الفصل القادم بإذن الله.
-
الباب الثاني
الأدلة القرآنية على مشروعية الفرح برسول الله ﷺ
الفصل الثالث
قوله تعالى:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾
(آل عمران: 164).
تمهيد
بعد أن قرر القرآن الكريم أن رسول الله ﷺ رحمة للعالمين، جاءت هذه الآية لتقرر حقيقة أخرى، وهي أن بعثته من أعظم المنن الإلهية على المؤمنين.
ولم تعبر الآية عن هذه النعمة بلفظ "النعمة" أو "الفضل" فحسب، بل استعملت لفظ "المنة"، وهو من أقوى ألفاظ الامتنان في القرآن الكريم، ولا يستعمل إلا في النعم العظيمة التي يعجز الإنسان عن الإحاطة بقدرها.
ومن هنا استدل عدد من العلماء بهذه الآية على أن شكر الله تعالى على بعثة نبيه ﷺ ليس أمرًا مستحبًا فحسب، بل هو من مقتضيات الإيمان، وأن كل وسيلة مشروعة تعين على استحضار هذه النعمة وتذكير الناس بها تدخل في عموم مقاصد الشريعة.
المبحث الأول
دلالة لفظ "المنة" في القرآن الكريم
المنة في لغة العرب هي الإحسان العظيم الذي يثقل كفة الإنعام، ويُظهر عظم فضل المنعم على من أُنعم عليه.
ولهذا جاء التعبير القرآني بقوله:
﴿لقد من الله على المؤمنين﴾
ولم يقل:
"أنعم الله"
أو
"تفضل الله"
لأن المقام مقام بيان أعظم نعمة أكرم الله بها هذه الأمة.
وقد قرر المفسرون أن أعظم منة امتن الله بها على المؤمنين هي إرسال الرسول ﷺ، إذ لولا بعثته لبقي الناس في ظلمات الجهل والشرك والاختلاف.
المبحث الثاني
لماذا كانت بعثة النبي ﷺ أعظم منة؟
تبين الآية الكريمة بنفسها وجوه هذه المنة، فذكرت أربع وظائف عظيمة للرسول ﷺ:
أولاً: تلاوة آيات الله
قال تعالى:
﴿يتلو عليهم آياته﴾
فكان أول ما بدأ به النبي ﷺ تبليغ وحي الله، وتعريف الناس بربهم، وربط قلوبهم بالقرآن الكريم.
ثانياً: تزكية النفوس
قال تعالى:
﴿ويزكيهم﴾
أي: يطهرهم من الشرك، والجهل، والأخلاق الفاسدة، ويغرس فيهم الإيمان، والإخلاص، والصدق، والرحمة، وسائر مكارم الأخلاق.
ولهذا قال ﷺ:
«إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق.»
فالتزكية ليست عملاً ثانويًا، بل هي من المقاصد الكبرى للرسالة.
ثالثاً: تعليم الكتاب
قال تعالى:
﴿ويعلمهم الكتاب﴾
أي: يعلمهم القرآن، فيبين لهم ألفاظه، ومعانيه، وأحكامه، ويهديهم إلى العمل به.
رابعاً: تعليم الحكمة
قال تعالى:
﴿والحكمة﴾
وقد فسر جمهور العلماء الحكمة بالسنة النبوية، لأنها البيان العملي للقرآن الكريم.
وبذلك اكتملت للناس مصادر الهداية، كتابًا وسنة.
المبحث الثالث
من الضلال إلى الهداية
ختمت الآية بقول الله تعالى:
﴿وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾
وهذه الجملة تبين مقدار التحول الذي أحدثته الرسالة المحمدية.
فقد انتقل الناس:
- من عبادة الأصنام إلى توحيد الله.
- ومن العصبية إلى الأخوة.
- ومن الظلم إلى العدل.
- ومن الجهل إلى العلم.
- ومن الفرقة إلى الوحدة.
ومن تأمل هذه النعم أدرك أن الفرح ببعثة النبي ﷺ ليس فرحًا بتاريخ ميلاد شخصية عظيمة فحسب، بل هو فرح ببداية أعظم تحول عرفته البشرية.
المبحث الرابع
وجه الاستدلال بالآية
استدل العلماء بهذه الآية على مشروعية الفرح برسول الله ﷺ من عدة وجوه:
الوجه الأول
أن الله سبحانه وتعالى وصف بعثته بأنها منة عظيمة.
ولا خلاف بين العلماء في أن شكر المنن الإلهية من أعظم القربات.
الوجه الثاني
أن جميع الخيرات التي نالها المؤمنون كانت ثمرة لهذه الرسالة المباركة.
فإذا كان الشكر مشروعًا على النعم الجزئية، فإن شكر النعمة التي بها عُرفت سائر النعم أولى وأعظم.
الوجه الثالث
أن استحضار هذه المنة، وتذكير الناس بها، وتعليمهم آثارها، وتجديد محبة الرسول ﷺ في القلوب، يحقق المقصد الذي أشارت إليه الآية، وهو تذكير الأمة بعظيم فضل الله عليها.
المبحث الخامس
الفرح شكرٌ للنعمة
قرر القرآن الكريم في مواضع كثيرة أن شكر النعمة يكون بالقلب واللسان والعمل.
ومن مظاهر شكر نعمة بعثة النبي ﷺ:
- الإيمان به.
- اتباع سنته.
- الصلاة والسلام عليه.
- نشر سيرته.
- تعليم شمائله.
- إظهار محبته.
- تذكير الأمة بعظيم فضل الله في بعثته.
وهذه الأعمال كلها ثابتة بأدلة مستقلة، ولذلك فإن اجتماعها بقصد شكر الله على بعثة نبيه لا يخرجها عن أصل مشروعيتها، ما دامت ملتزمة بالضوابط الشرعية.
نتائج الفصل
خلص هذا الفصل إلى النتائج الآتية:
- أن القرآن الكريم وصف بعثة النبي ﷺ بأنها منة إلهية عظيمة، مما يدل على علو شأنها ومكانتها.
- أن وظائف النبي ﷺ الأربع: تلاوة الآيات، والتزكية، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة، هي أعظم أسباب هداية الأمة وإصلاحها.
- أن استحضار هذه المنة وتجديد الشعور بها من صور شكر الله تعالى على نعمته.
- أن الفرح برسول الله ﷺ هو في حقيقته فرح برسالة الله، ووحيه، وهدايته، ورحمته التي وصلت إلى الخلق على يديه.
- أن الآية تؤسس لمعنى شرعي مهم، وهو أن نعم الله العظمى تستوجب دوام الشكر والتذكير، ولا ينبغي أن تُنسى أو تُعامل معاملة الأحداث التاريخية المجردة.
- أن الاستدلال بهذه الآية لا يقوم على تخصيصها بذكرى المولد، وإنما على تقرير أصل شرعي عام، هو شكر الله على أعظم مننه، ومن أعظمها بعثة خاتم الأنبياء محمد ﷺ.
تمهيد للفصل القادم
بعد أن أثبت القرآن أن بعثة النبي ﷺ منة ورحمة، ينتقل إلى بيان منزلة النبي ﷺ في قلوب المؤمنين، وذلك بالأمر بتعزيره وتوقيره ونصرته، كما في قوله تعالى:
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 157).
وسيكون هذا النص القرآني أساسًا لبحث مفهوم التعظيم والتوقير وإظهار المحبة في القرآن الكريم، وعلاقته بمشروعية الفرح برسول الله ﷺ.
-
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق