الإنصاف في نقل أقوال العلماء.
يا شيخ... هل صحيح أن الأشاعرة ينكرون صفات الله؟
حوار يكشف أشهر المغالطات حول المذهب الأشعري
شاب: يا شيخ، قرأت منشورًا يقول إن الأشاعرة ينكرون صفات الله، ويقدمون العقل على القرآن والسنة، فهل هذا صحيح؟
الشيخ: يا بني، أول قاعدة في طلب العلم هي قوله تعالى:
﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.
فلا يجوز أن نحكم على مذهب كامل من منشور في مواقع التواصل، بل نرجع إلى كتب أصحابه أولًا.
«الأشاعرة يقولون: الله ليس فوق العرش»
الشاب: لكنهم يقولون إن الله ليس فوق العرش!
الشيخ: ليس بهذه البساطة.
الأشاعرة يثبتون لله تعالى العلو والكمال، لكنهم ينزهونه عن المكان والجهة، ويختلفون مع غيرهم في تفسير نصوص الاستواء والعلو.
فالخلاف هنا في فهم النصوص، وليس في الإيمان بالله.
«الأشاعرة يمنعون سؤال: أين الله؟»
الشاب: والمنشور يقول إنهم يرفضون سؤال النبي ﷺ للجارية: «أين الله؟».
الشيخ: الحديث صحيح، لكن العلماء اختلفوا في دلالته.
فمنهم من حمله على إثبات العلو، ومنهم من قال إن السؤال كان لاختبار إيمانها لا لإثبات المكان لله.
إذن الخلاف في الفهم، وليس في إنكار الحديث.
«الأشاعرة يقولون إن الله لا يتكلم»
الشاب: ويقولون أيضًا إن الله لا يتكلم!
الشيخ: هذه من أشهر المغالطات.
الأشاعرة يثبتون صفة الكلام لله تعالى، لكنهم يختلفون في تفسير حقيقة الكلام الإلهي وعلاقته بالألفاظ والأصوات.
فلا يصح أن تختصر هذا الخلاف بعبارة: «هم ينكرون كلام الله».
«القرآن عندهم ليس كلام الله»
الشاب: لكنهم يقولون إن القرآن ليس كلام الله!
الشيخ: بل يقولون إن القرآن كلام الله، وإنما يفرقون بين الكلام الأزلي القائم بذات الله وبين الألفاظ المقروءة والمسموعة.
قد تخالف هذا التفصيل، لكن لا يجوز أن تحوله إلى اتهام بأنهم ينكرون القرآن.
«الأشاعرة ينكرون غضب الله ومحبته»
الشاب: والمنشور يقول إنهم ينكرون الغضب والمحبة والرضا.
الشيخ: لا.
هم يثبتون ما ورد في القرآن والسنة، لكنهم يؤولون بعض هذه الصفات أو يفوضونها عند بعض العلماء، وينزهون الله عن الانفعالات البشرية.
فالتأويل ليس مساويًا للإنكار.
«الأشاعرة لا يؤمنون بنزول الله»
الشاب: وماذا عن حديث النزول؟
الشيخ: بعضهم يثبته مع تفويض الكيفية، وبعضهم يؤوله.
لكن لا يصح أن نقول إنهم يكذبون الحديث.
«ينكرون أن الله كلم موسى»
الشاب: والمنشور يقول إنهم ينكرون تكليم موسى عليه السلام.
الشيخ: بل يؤمنون بقوله تعالى:
﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾.
لكنهم يناقشون كيفية هذا الكلام بحسب منهجهم.
ففرق بين من يناقش الكيفية، ومن ينكر أصل النص.
«الأشاعرة ينكرون رؤية الله يوم القيامة»
الشاب: وهذه أدهشتني... هل ينكرون رؤية الله؟
الشيخ: أبدًا.
الأشاعرة يثبتون رؤية المؤمنين لله في الآخرة، وهي مسألة مقررة في كتبهم.
لكنهم يقولون إن الرؤية لا تستلزم أن يكون الله في جهة أو مكان.
فمن الخطأ أن يُقال إنهم ينكرون الرؤية.
«الأشاعرة يردون أحاديث الصحيحين»
الشاب: لكنهم لا يحتجون بأحاديث الآحاد!
الشيخ: عندهم بحث أصولي في خبر الواحد وإفادته للعلم، وهذا لا يعني أنهم يردون الصحيحين أو يكذبون السنة.
ولو نُسب قول شديد إلى الإمام الرازي أو غيره، فلا بد أن يُنقل بنصه وسياقه، لا أن يُعمم على مذهب كامل.
«يقدمون العقل على النقل»
الشاب: إذن لماذا يقال إنهم يقدمون العقل على النقل؟
الشيخ: لأنهم قرروا قاعدة مفادها أن الدليل العقلي القطعي لا يعارض النقل الصحيح.
قد تخالفهم في تطبيق هذه القاعدة، لكن لا يصح أن تقول إنهم تركوا القرآن واتبعوا العقل.
الخاتمة
الشاب: إذن يا شيخ، هل الأشاعرة معصومون؟
الشيخ: لا يا بني.
ولا السلفية معصومة، ولا الماتريدية معصومة، ولا أي مدرسة بعد الصحابة معصومة.
لكن المسلم مأمور بالعدل.
فإذا أردت أن تنتقد الأشاعرة، فانتقدهم من كتبهم، لا من منشورات خصومهم.
وانقض حجتهم بالدليل، لا بالتشويه.
فالحق لا يحتاج إلى مبالغة، والعدل لا يسقط مع المخالف.
﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق