الجمعة، 14 يونيو 2019

شفرات الحركة السلفية القاطعة!

 

شفرات الحركة السلفية القاطعة!

الحركة السلفية حركة إحياء ورجوع إلى منبع الأمة الأصيل من فهم وتقرير وعمل، وهدفها هو أسمى الأهداف، وشعارها هو أنبل الشعارات: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها). وقد سار في ركابها أنبل الرجال، وأشرف من في الأمة من علماء واتباع ومؤيدين. وفي نفس الوقت استهدفت الحركة من قبل المتسلقين والمنافقين والمعادين لها بالتشوية والحرب الإعلامية واختراق صفوفها فكريا وأمنيا. وروجت مسلمات لم تكن أبدا من أصول منهجها واضطهد الصادقين منها وأبرزت أجهزت الإعلام -المسيرة من مخابرات دول بعينها- من ليس منها، تغريرا وتبديلا لمسيراتها. فأصبح من الصعوبة بمكان أن ترصد كل الظواهر الناتجة عن الحركة السلفية سواء سلبية أو إيجابية بعد دخول الدخن على خيرها، وباتت كالشفرات القاطعة للحركة، وتعددت جروحها حتى أذهبت ريحها.

ومن أبرز هذه الشفرات المؤلمة للحركة السلفية المعاصرة:
1- أن الحركة ليست جبهة واحدة، إذ أن تنوع المشايخ وتعدد المدارس جعل الأمر يختلف من شيخ إلى آخر، لأن تلاميذ كل شيخ تسرق من طبعه وسمته، وهذا أمر مسلم به في القدوات وهديهم وسمتهم، فمحاكاة الشيخ حتى في لزمات كلامه أصبح معلوما لا يخفى على أحد. وتحول الأمر لمجرد المحاكاة الشكلية في كل صحيح وخطأ، حول هذه السمة إلى شفرة، خلطت بين الحركة والمنهج.

إذ أن المنهج له ضوابط واضحة هي أقرب السبل إلى الحق، أما الحركة فقد تخرج عن المنهج وتعاديه. على سبيل المثال الواقعي: القول ببدعة (الانقلابات) العسكرية والتي كانت ديدن الكثير من مشاهير الحركة السلفية ومشايخها في السنين الماضية، اختفت بمجرد الانقلاب على السلطة الشرعية المنتخبة في مصر ولم نسمع واحد من الذين صدعونا بالتحذير من هذه البدعة يتكلم في حق السلطة في مصر. بل طرحت مسائل من باب الجدال في لسياسة الشرعية المخترعة الجديدة مثل (مرسى رئيس أم حاكم) انتهت بمجرد صعود العسكر وأبدلوها بالنظر في المألات والمفاسد والمصالح وأن المنقلب متغلب وله السمع والطاعة وعبارات طنانة ورنانة لا يأتي من ورائها إلا ضياع الوقت في مناقشات فلسفية.
تناقل الانحرافات في الحركة وتوارثها من جيل إلى جيل تكمن خطورتها في أن الشيخ يكتسب عصمة كعصمة ملالي الشيعة، وبيان أخطاء العالم أو الشيخ يتحول لطعن في المنهج وخروج عن السلفية الحقة
والحقيقة الواقعة أن من قاد الانقلاب في مصر هم العلمانيين وكانت دعواهم لمحاربة الإخوان ما هي إلا ستار لمنع انتشار الدعوة الإسلامية والحيلولة دون وصول حاكم مستقل عن التبعية. هذا الصمت المطبق، يجعلك ترتاب من هذه الحركات وتدرك أنها (تقطع على المنتسبين لها الطريق إلى حقيقة ونقاء وصفاء المنهج السلفي). وهذه المشكلة الحقيقية في وجود مثل هذه الشفرة التي لا يميز فيها الاتباع بين الصحيح والسقيم واتسمت بالحدة لدرجة تصل بأصحابها لمولاة الكافرين والمنافقين والوقوف في صف واحد مع أعداء الدين.

2- الشفرة الثانية هي (الوجادة): أخذ العلم من الكتب دون سماع من المشايخ، وهي في الحقيقة نوع من الخروج على مشكلات الشفرة الأولى فتعلم طالب العلم السلفي الخوض في كتب السلف ومعرفة مفاتيح العلوم ليصبح أي طالب علم نابغة، مرفوض من غالب الحركة ولا مكان له مهما كان محصوله العلمي. مقارنة بالطلب البطيء والممل أحيانا على يد شيوخ والذي بعضهم ما هم بشيوخ ولا أنصاف طلبة علم. هذا التمسك الغير مبرر إلا ببعض العبارات (كمن كان الكتاب شيخه كثر خطؤه)، قطع الطريق للوصول إلى أصول المنهج السلفي من منابعه. وإلا لماذا كتب السلف حريصة على التعريف بمذاهبهم وطرائقهم في الكتابة ومصطلحاتهم، ولماذا لا يتم الجمع بين التلقي عن المشايخ والتدريب على البحث والقدرة والتقرير.

3- شفرة تناقل هذه الانحرافات في الحركة وتوارثها من جيل إلى جيل بحكم (قوانين الوراثة) عن الشيخ، التي تنقل المرض من جيل إلى جيل، ولا مكان للأصلح علميا، بل المكان الحقيقي هو للموروث الفكري المتدفق من الشيخ إلى التلاميذ، ويغلق في هذه الحالة باب النظر والاستدلال إلا على أصول الشيخ. وتكمن الخطورة في أن الشيخ يكتسب عصمة كعصمة ملالي الشيعة، وبيان أخطاء العالم أو الشيخ يتحول لطعن في المنهج وخروج عن السلفية الحقة.

فتحول المنهج لشيخ والشيخ لمنهج وأصبحت تقريراته هي تقريرات معصومة لا يقترب منها أحد، ومن أشهر المعاصرين في ذلك تقريرات الشيخ الألباني في مسائل الإيمان خاصة، والتي تحولت لمذهب ومنهج وأصبح الموضحين لعوارها هم خارجين عن السلفية الجادة، وتقريرات ربيع المدخلى التي صار يعادى ويوالى عليها حتى باتت طائفة كاملة من منتسبي السلفية (مدخلية)، وهكذا يتحول الأمر من كون الشيخ هادي للطريق إلى كونه هو الطريق ذاته، وشتان بين المفهومين.

4- شفرة التحسين والاشتراط الغير شرعي في نوازل الأمة، كاشتراط الإمام والأرض المنفصلة والتمايز مع سلامة الراية بالكلية لقيام جهاد الدفع في بلاد احتلتها جيوش أجنبية وطوائف ممتنعة محاربة لقيام الشريعة الإسلامية موالية للمستخربين. مخالفة لما استقر عليه قول فقهاء السلف على سبيل المثال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى المصرية 4/508: (أما قتال الدفع عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفع فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان) وقال أيضاً: (وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام بمنزلة البلدة الواحدة وأنه يجب النفير إليها بلا إذن والد ولا غريم).

فأصبح أمر الجهاد يحتاج إلى إمام غائب تماما كالشيعة لينعدم ويسقط كسقوط الجهاد عند الشيعة القدماء (وأقصد القدماء) لأن نظرية ولاية الفقيه قضت على مسألة الانتظار في السعي للتمكين لحين نزول الإمام وتعطيل الجهاد لحين وجود الإمام. في نفس الوقت الذي دفع مجموعة من المتسرعين لإعلان خلافة بشروط الممتنعين من أرض وراية وقرشي النسب- كما يدعي- وتميز، ودعوا جموع المسلمين للانضمام إليهم وأسقطوا شرعية كل من خالفهم. وآل الأمر إلى لا جهاد صحيح ولا خلافة حقيقة، مع ضياع جهود وطاقات الحركة السلفية في تنظيرات لا طائل منها إلا تشتيت القوى والغياب عن الواقع الملموس.
في ظل حملات الاعتقال والسجن والقضاء على المخالفين للنظام العلماني أو النظم المتسترة بخداع الجماهير، لا يبقى على الساحة إلا المرضى عنه أمنيا أو الموجه عن بعد أو الموجه عن قرب
رويترز
 
5- وتنشأ شفرة عن مسألة جديدة نتيجة الغلو في أهل العلم ومشايخ الحركة، وهي في الأصل مخالفة للتوحيد: (إطاعة العلماء في تحليل ما حرم الله وتحريم ما حلل الله). فالعلماء في الأصل لا يحلون ولا يحرمون من تلقاء أنفسهم، ولكنهم يبينون الأحكام حسب ما يستنبطون من نصوص الوحي. ولذلك أمر الله تعالى بسؤالهم فقال: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ". (النحل:43). وقال تعالى: "وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ". (النساء: 83) وقال عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ". (النساء:59). وأولوا الأمر قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: هم الفقهاء والعلماء الذين يعلِّمون الناس معالِمَ دينهم. وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد. كما ذكر البغوي في تفسيره.

6- وترتب على الإتباع والطاعة العمياء للمشايخ شفرة سلفية جديدة في (علم الجرح والتعديل) فكل ما خالف الشيخ مجروح وساقط العدالة وكل ما وافق الشيخ فهو عدل ضابط (في حين أنه قد يكون الشيخ نفسه محرف ساقط العدالة وعند الأمن في رتبة ضابط). ولا عجب فالسلفية أصبحت مطية لبعض الأنظمة ونظام ما يدعي السلفية لا تتعجب أن يكون شيخا سلفيا فيه برتبة ضابط للمخابرات.

7- ويدور في نفس فلك المشيخة وهالة التمشيخ شفرة ما يسمى (بالانتقاء الطبيعي الموجه)، وهو طبيعي لأنه في ظل وجود هالة الشيخ وقطيع الأتباع لابد من وجود انتقاء للتلاميذ الأتباع والموجه لأنه في ظل حملات الاعتقال والسجن والقضاء على المخالفين للنظام العلماني أو النظم المتسترة بخداع الجماهير، لا يبقى على الساحة إلا المرضى عنه أمنيا أو الموجه عن بعد أو الموجه عن قرب فيصبح التواجد موجه أمنيا بطريق مباشر أو غير مباشر. بل إن الظهور وطباعة الكتب وذياع الصيت وحرية التجول تتوقف على مدى الألغام التي يزرعها الشيخ في طلبته والتي ستنفجر وتتعقد فتفرق الحركة لحبات متناثرة، بعدها لا تقام لها قائمة ولا وزن‏، وهذا هو المخطط لها سلفا في أقبية المخابرات. الحقيقة المرة أن الحركة السلفية تنزف من هذه الشفرات القاطعة، وأكثر ما تنزف منه هم المغفلين عنن حسن قصد ونية الذين يعتبرون الدعوة للإصلاح هدم، ويعتبرون المكاشفة والمصارحة فُجر في الخصومة، فيالتهم أدركوا الواقع أو صمتوا عن تجهلهم.

الإسلام الوهابي والخدعة الكبرى!

الإسلام الوهابي والخدعة الكبرى!

 
لم تكن تصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان غريبا حول أسباب إنشاء وانتشار الفكر الوهابي، صحيح أن التوجه الوهابي لم يكن موجودا في الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي وهو خطأ وقع فيه، فالفكر الوهابي جاء مع مؤسسها الأول محمد بن عبد الوهاب أيام مؤسس المملكة، ولكن الذي يمكننا أن نتفق معه هو أن هذا الفكر تم دعمه وبقوة في الحرب الباردة وتمّ استخدامه من أجل تهييج الشعوب الاسلامية للتضامن مع المجاهدين الأفغان والذين تطوروا إلى القاعدة فيما بعد.

لم يكن هذا هو الغرض فقط وإنما أيضا كان الهدف من أجل أن تتمركز القيادة الدينية في السعودية وأن يتم توجيه أنظار المسلمين وقلوبهم وعقولهم على بلاد الحرمين بحيث يتم الرجوع إلى علمائها وفقهائها، ولذلك تم استخدام عدد من الشخصيات مثل الشيخ ابن باز وابن العثيمين والشيخ الألباني كأسماء لها رنينها وبهاؤها كلما رجعنا في اختلاف حول مسألة كبرت أم صغرت إلى هؤلاء.

أتذكر كيف أن بعض الأشخاص حين كنت أناقش معه في فرنسا بمسألة معينة ولكي يتأكد فمما قلت فكان يحيلني إلى اتصال برجل يعتبره عالما في فرنسا وهذا العالم له بعض أرقام علماء المملكة وما نتج عن هذا الاتصال هو الفتوى الشرعية في تلك المسألة. وكان يضحكني هؤلاء كثيرا. وكنت أستمع إلى بعض الشباب الواعظين في فرنسا بالمسجد الذي كنت أرتاده وكان يحكم دائما بذكر توقيع أسماء هؤلاء العلماء فقط وأخذته بالجانب وقلت إن العالم الإسلامي لا يختصر بهذه الأسماء وأن هناك علماء ذكروا مواقف تختلف عن هذه، فأن يجيبني بيني وبينه أن الجمهور الذي معه لا يتحمل سماع أسماء غير هؤلاء.
رغم كل الأموال التي دخلوها من أجل تشويه صورة غالبية المسلمين إلا أنها باءت بالفشل وخاصة بعد أن ظهرت وجوههم الحقيقة فيما بعد الربيع العربي
المهم، أصبحنا نعيش في هذا الهوس الديني في توجهه الوهابي يدعمه طبعا كوادره الذين تبرأوا منه تماما ولكن بقيت القاعدة الشعبية وإلى الآن تؤمن به وتعتنقه. طبعا كان هناك هدف آخر وهو إقصاء كل من يتبنى غير خطها الديني واتهام من يخالفها بأنه متساهل ومبتدع وحتى تكفيره وإخراجه من سياق الكتاب والسنة وكان هدفهم الأساسي هو الصوفية ممثلا في اتجاهها تقديس مشايخها وعلماءها لأنها كانت تعلم أن كثيرا من الصوفية تؤمن بأقطابها إيمانهم بالله حتى لا يتعلق الأتباع في الداخل السعودي بمشايخ لحد التقديس لدرجة استعداد التضحية من أجل مشايخهم وفي ذلك تهديد لأركان الدولة.

وثانيا، كان هناك استهداف للإسلام السياسي وتشويه علمائه وكتّابه واتهامه الدائم بمملأة الغرب أو كفرهم بدعوى عقيدة الولاء والبراء وأن لا أحزاب في الإسلام وتبني فقه عدم الخروج على الحاكم بين فكر الإسلام السياسي هو قبول الديمقراطية والسماح بالتعددية السياسية وحكم المرأة وما شابه ذلك وتم تشويه صورة من يمثل هؤلاء وكتب كتب تم توزيعها بالمجان في كل العالم الإسلامي وما زالوا يتبعون هذا الأسلوب ولم يتخلوا عنه.. وكل ذلك في سبيل توطيد أركان المملكة السعودية ولذا هم سكتوا حاليا على كل ما يحدث الآن في السعودية من رقص وفتح مراكز سينما وفتوى جواز الاحتفال بعيد الحب، والذين كانوا يكفرون المسلمين بمجرد احتفالهم بالمولد النبوي الشريف.

ورغم كل الأموال التي دخلوها من أجل تشويه صورة غالبية المسلمين إلا أنها باءت بالفشل وخاصة بعد أن ظهرت وجوههم الحقيقة فيما بعد الربيع العربي ووقوفهم بعلمائهم وقادتهم ضد تحرر الشعوب من ربقة الاستبداد السياسي حتى ولو كان بضرب بعض من ينتمون للإسلام السني.

إذا نحن أمام واقع جديد بعد هذه التصريحات الخطيرة من ولي العهد السعودي، وهي خيانة عظمى للإسلام السني وخلال أكثر من 40 عاما فهل ستسعى السعودية بعد هذه التصريحات من أجل إخبار وعي الأمة الجمعي من أن مسارها الأول كان مخطئا وأن على الجميع العودة فعلا إلى الإسلام الوسطي الحقيقي المبني على التعايش والتسامح وقبول الآخر.
كثيرا من الحركات الإسلامية لم تنشأ بدافع سليم وإنما في معظمها لأغراض مختلفة منها شخصية وسياسية وحتى اقتصادية
رويترز
 
وأخطر أهداف نشر الإسلام الوهابي المتشدد هو مواجهة الإسلام الشيعي والإيراني ومحاولة استفزاز إيران بالجماهير المسلمة التي تقف ضد التوجه الشيعي وخاصة ذلك الذي يتعرض للصحابة بسوء ولذا وجدنا حتى في المنشورات والكتب الموزعة أشياء كثيرة عن الشيعة فهل بعض ما يقال عنهم كان مبالغا فيه وإنما وضع المسلمين كحديقة خلفية لها تستفيد منها في الأوقات الحرجة وهل التحالف الإسلامي الذي تقوده المملكة هي مجرد ذر الرماد في العيون ولا حقيقة لها بمناصرة الإسلام السني وإنما من أجل محاربة إيران عن طريق الحوثيين.

كل هذه الافتراضات واردة ومن حقنا طرحها ومحاولة الإجابة عليها.. كانت هذه بداية رصد فقط لتوابع هذا الإسلام المشوّه الوجه الذي فرض علينا، وهذا بعض ما جنى على أمتنا الاسلامية. والحقيقة أن كثيرا من هذه الحركات الإسلامية لم تنشأ بدافع سليم وإنما في معظمها لأغراض مختلفة منها شخصية وسياسية وحتى اقتصادية وهذا معروف على امتداد عالمنا الإسلامي. وما كل هذا الرصد ألا يمكن القول أن الإسلام السني كان مظلوما وما زال، وخاصة ممن يدعي أنه يمثله في العالم الإسلامي. وكما قيل: حاميها حراميها.

لــمـــا كــنـــت ســلـــفــيـــا ..!

لما كنت سلفيا!


تعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام الخوالي، لما كنت أستكشف الحياة لأول مرة بعد أن وعيت ما حولي، فكنت أتنقل بين المذاهب والأفكار التي كانت تبدو شامخة بأعلامها، ومدارسها، ثم ما تلبث أن تتهاوى بعد أن يتبين لي عورها وتهتز أساساتها النظرية التي تقوم عليها، أو عندما يصطدم الفكر بالواقع فيصبح هشيما تذروه الرياح لعدم قدرته؛ لا على تفسير ظواهر الواقع، ولا على معالجة مشاكله... وإني الآن بصدد الحديث عن "تجربتي السلفية"، بما كنت أراه "أنا"، وما كنت أفكر فيه "أنا"، فقد يكون ممن مر بالتجربة ذاتها، أو لا يزال يقول بأنه سلفي، ويرى العالم من هذا المنطلق، لكنه قد يخالفني فيما أقول، وقد ينعتني بعدم فهم المنهج السلفي، لذا فأنا لا أعمم. لكن من حق القارئ أن يسقط بعض المقولات على واقع السلفية لينظر أصدَّقَ قَوْليَ الواقعَ أم كذبهُ.

مقالات ذات صلة ....
     
في البداية ينبغي الإقرار بأنه هنالك عدة أنواع من السلفية، فمنها سلفية "النكاح واللحية"! التي يتمحور خطابها حول تعدد الزوجات، وواجب إعفاء اللحية، وما يدخل معهما من الهدي الظاهر، وهناك "سلفية ولي الأمر"! وهي التي باتت الآن تعرف بالمدخلية، التي يتمحور خطابها حول: "وجوب طاعة ولي الأمر المسلم الظالم، وحرمة الخروج عليه -وإن ضربك وجلدك وأخذ مالك!-"، حيث جعلت من هذه المسألة الأصل الأصيل في أصول الدين، حتى رتبت عليه الولاء والبرآء؛ فكان التظاهر محرما لأنه بدعة في الدين، والمبتدعة أشد خطرا على المسلمين من الكفار الأصليين، ومنها وجب البدء بمحاربتهم، أما "السلفية التكفيرية" فتلك سلفية أخرى؛ مبدأها الأساس هو أنت كافر لأنك تخالفني في الرأي! ومنها "الجهادية" و"العلمية" فكلها تدعي بأنها سلفية، فما السلفية؟



الحجر على العقل الإسلامي، وخصوصا عقول الشباب، غالبا ما يأتي بردات فعل معكوسة تماما، فالسلفي إذا ما استفاق بعد أن يصدم، فإنه غالبا ما يغير جلده كليا، ليصبح حداثيا، أو عقلانيا، أو ملحدا، أو عولميا
يجيب السلفي -وكنت أجيب- بأن السلفية هي منهج في الدين للتعامل مع النصوص، وهي: "فهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة"، هكذا بكل بساطة! لكن من هم سلف الأمة هؤلاء الذين فهموا القرآن والسنة، والذين وجب اتباعهم؟ أخذا بعين الاعتبار أن الإسلام امتد في الزمن أكثر من أربعة عشر قرنا، وامتد في المكان حتى بلغ كل الأرض -إن لم يكن دولة فأفرادا-. هنا يتدخل الشيخ السلفي لينتقي من تراث الأمة ما يوافق دعوته السلفية، فيبدأ التاريخ الإسلامي، ومعه الفكر الإسلامي، بالعهد النبوي -وهذا تشترك فيه كل فرق الإسلام- ثم بعهد الراشدين، ثم بعض التابعين من أهل الحديث، وتابعيهم أيضا من أهل الحديث، ثم ينتقل إلى الإمام أحمد؛ المرجعية الكبرى في الفقه وفي الحديث، ثم يقفز التاريخ إلى عهد ابن تيمية وابن القيم... ثم إلى الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ثم إلى الشيخ الألباني، وابن عثيمين، وابن باز، ثم يأتي بعدهم الشيوخ المعاصرون الذين ينقلون عن هؤلاء، فيجيب الشيخ المقلد إذا سئل عادة بقوله: "قال ابن عثيمين في المسألة.." ويكون لهذا القول سلطة على المستفتي، فليس أمامه إلا السمع والطاعة! فهؤلاء هم الفاهمون الذين لهم المرجعية والقدرة على فهم مراد الله. إذا فالسلفية التي هبت رياحها من المملكة العربية السعودية -حتى ندقق العبارة ونحصر أنواع السلفيات- تدور في هذا الفلك وهذه مرجعيتها..
 
فهي مذهب يقوم على "المشيخة!"، وإن ادعى السلفي أنه يحارب "المشيخة" عند الصوفية! وينتقد فيه خضوعه التام للشيخ "كالميت بين يدي غساله!"، فالسلفية بدورها تقوم على نفس المبدأ؛ الفرق هو أن الشيخ الصوفي يدعي تطهير النفس، بينما السلفي يدعي تطهير العقيدة من البدع والشركيات. ومفهوم البدعة هذا من أكبر المفاهيم تضخما في الفكر السلفي، فقد تجد من الرسائل المؤلفة في بدعية السبحة أكثر من الرسائل المؤلفة في ضرورة تحرير المسجد الأقصى! وهذا ليس مستبعدا نظرا للتضخم غير الطبيعي للمفهوم، منذ أن ظهرت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى الآن، وإذا كان لدعوة الأخير مسوغاتها الزمانية والمكانية، فإن هذا التضخم في مفهوم البدعة عند السلفي المعاصر لا مسوغ له، حتى إن السلفي القح! قد تعرفه بمجرد تتبع أقواله؛ فإنّ أكثر الكلمات تكررا في قوله هي "بدعة"، وأول حكم يصدر منه هو قوله "هذا بدعة"، والتهمة الأولى للخصم هي: "فلان مبتدع " أو "لا تقرؤوا ولا تسمعوا للمبتدعة لأنهم أشد خطرا".
 
فمن هم المبتدعة الذين تحاربهم السلفية المعاصرة؟ وهذا يدفعني إلى التطرق لمعارك السلفية. بحسب تصوري، فإن السلفية تحارب "ظاهريا"-عند التوظيف الاستخباراتي تحارب كل ما من شأنه أن يهدد النظام الذي يستخدمها- في ثلاث جبهات مختلفة، وفي كل جبهة من هذه الثلاث ينبغي استحضار تضخم مفهوم البدعة:

الجبهة الأولى: وهي الشيعة: فلقد راكم الفكر السلفي تراثا ضخما في محاربة ومناظرة الشيعة، وكشف عقائدهم، والتحذير منهم، فالشيعة هم العدو الأول للسلفي، لأنهم أس الداء وأصل كل بلاء، وهم أيضا أكبر المبتدعة..! فالمعركة السنية الشيعية يمكن أن يصنف فيها التيار السلفي على رأس الجبهة السنية، ولذلك تجد في الخطاب الشيعي بالمقابل؛ أن أول ما يتهم به منتقدهم بأنه "وهابي".

الجبهة الثانية: وهي الإخوان المسلمون: وهذه الجبهة أيضا فيها الصراع على أشده، وهنا يظهر التوظيف السياسي للفكر السلفي، ولرموز السلفية، من طرف بعض الأنظمة من أجل تصفية الخصوم السياسين (الإخوان)، وضربهم بخطاب ديني مواز لخطابهم الديني، فتجد أن بعض شيوخ السلفية يجعلون من وصف الإخوان مسبة وتهمة! فبمجرد أن يقول الشيخ: "فلان من الإخوان" يعني أنه من المبتدعة الضالين الذين ينبغي الحذر منهم... أذكر أني في أحد الأيام، كنت في أحد الأجنحة في المعرض الدولي للكتاب، فاستوقفني كتاب بعنوان "رسائل الإمام حسن البنا" فحملت الكتاب وبدأت أتصفح أوراقه، فقال لي أحد المتجولين في الجناح، ممن تظهر عليهم ملامح الثقافة: "إنه كتاب جميل أنصحك به، ستستفيد كثيرا..."، فضحكت ضحكة استهزاء وقلت له: "إنه من الإخوان"؛ يعني أنه لا يستحق أن يقرأ له، فكلمة الإخوان لوحدها كافية لبصم الشخص بالخروج عن المنهج. (لكني في النهاية قررت شراء الكتاب لأتعرف على ما يقوله "المبتدع" من أجل الحذر).

يجب أن نعامل التاريخ كتاريخ، نخطئ من أخطأ ونصوب من أصاب، لا أن نلتمس العذر لهذا ونهجم على هذا.. أما المعارك فينبغي أن يحكمها قانون الأولوية، فأولوية الأمة الآن أن تحارب الاستخراب للأرض والعقول، لا أن تحارب السبحة
المعركة الثالثة: التي يخوضها الفكر السلفي، وأيضا تحت تضخم مفهوم البدعة، هي المعركة ضد المتصوفة، بوصفهم مبتدعين قبوريين يقدسون الموتى. طبعا فالسلفي العادي لا يميز بين أنواع التصوف؛ السني منه، والطرقي، والفلسفي، ولا يكلف نفسه عناء القراءة لرموز هذا التيار، فبمجرد أن ينعت شيخ ما رمزا ما بأنه صوفي، فهذا يعني أنه مبتدع منحرف. فأغلب السلفية ينعتون ابن عربي مثلا "بالزنديق"، لكن أغلبهم أيضا لم يقرأ لابن عربي..!
 
الملاحظ في المعارك الثلاث الكبرى، التي يخوضها الفكر السلفي السعودي أنها معارك داخلية، لا معارك خارجية، أي معارك مع تيارات وفرق داخل الإسلام ومنطلقاتها ومرجعياتها إسلامية. وبوسع الباحث أن يقارن بين التراث الذي راكمه التيار السلفي، جراء خوضه للمعارك الثلاث، مع التراث الذي راكمه الفكر السلفي في معاركه مع العلمانية، والتغريب، والإلحاد، والعولمة، وكل الأفكار القادمة من الغرب.

هذا الحجر على العقل الإسلامي، وخصوصا عقول الشباب، غالبا ما يأتي بردات فعل معكوسة تماما، فالسلفي إذا ما استفاق بعد أن يصدم، فإنه غالبا ما يغير جلده كليا، ليصبح حداثيا، أو عقلانيا، أو ملحدا، أو عولميا، وقليل منهم من يصير إلى التوازن المنشود، الذي ينبغي أن تربى عليه الأجيال حتى لا تصدم فتتخلى عن هويتها وتتنكر للتاريخ والتراث .
 
فالهدف مما سبق ليس ازدراء المذهب السلفي، وإنما تسليط الضوء على واقع فكر لا نريده، وعلى منهج تبسيطي يسهل توظيفه، وعلى عقلية قائمة على مثلث مغلق.. فالأصل في التعاطي مع تراث الأمة أن يتم الكيل بمكيال واحد، فالأصل الجامع لكل تيارات الأمة وفرقها أنها تستقي من معين واحد، والكل في استقائه أخطأ وأصاب، فلنأخذ الصواب الذي يفيدنا في عصرنا، ولندع الصواب الذي أفاد عصره، ولنستفد من الخطأ؛ لا لنكرره بل لنتجنبه حتى لا نصل إلى نتائجه. فالأمة الآن بحاجة إلى الاستفادة من المعتزلة، والأشاعرة، والماتردية، والصوفية، كما هي في حاجة إلى الاستفادة من ابن تيمية وابن القيم، ففي كل الفرق الإسلامية -قديما وحديثا- هناك جانب مشرق علينا أن نستلهمه. كما يجب أن نعامل التاريخ كتاريخ، نخطئ من أخطأ ونصوب من أصاب، لا أن نلتمس العذر لهذا ونهجم على هذا.. أما المعارك فينبغي أن يحكمها قانون الأولوية، فأولوية الأمة الآن أن تحارب الاستخراب للأرض والعقول، لا أن تحارب السبحة!

الشيخ الغزالي.. كيف يفكر وكيف يزن الرجال؟

الشيخ الغزالي.. كيف يفكر وكيف يزن الرجال؟


لعل أحكم تعريف للتاريخ هو أنه "ما يحتاج الناس إلى تذكره"[1]، وعند بعض المؤرخين والفلاسفة أن التاريخ كله "إنما هو تاريخ من ظهر في الدنيا من العظماء، فهم الأئمة وهم المكيفون للأمور، وهم الأسوة والقدوة"[2]، وفي زمن الثورات والمواجهات وافتقاد الزعماء الملهمين يحتاج الناس إلى تذكر زعاماتهم الثورية، التي ودُّوا لو أنها كانت حاضرة تقودهم في المحنة وترشدهم في المعضلات، وهذا بعض معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب"[3].

وقد ناهز الشيخ الغزالي ثمانين عاما وقعت فيها ثورتان في مصر، الأولى (1919م) لم يدركها وإنما عاش آثارها؛ إذ وقعت وعمره عامان فحسب، وأما الثانية (1952م) فقد عاشها كلها منذ البذور وحتى الثمار، وكان عقدا الخمسينيات والستينيات حافلا بالثورات في أنحاء العالم العربي والإسلامي، فكان حضور شأن الثورة وأبطالها واقعا في فكر كل مهموم بحال الأمة فضلا عمن كان في الصدر من دعاتها ومشايخها كالغزالي. فإن زدنا على هذا أن الثورتين كلتيهما فشلتا وانتهتا إلى عكس مقصودهما وعادتا على المسلمين بالوبال الذي كان سابقه خيرا منه فلا بد لمن كان مثل الغزالي أن تكون له في تلك الأمور نظرات وتأملات وآراء أنشأتها المعاناة ومرارة الحصاد.

خلاصة مشروع الغزالي
الجهل الذي يُمَكِّن للاستعمار والاستبداد في أرضنا يعمل على إنهاك الأمة وإضعافها، وأصله انحراف في الفهم الصحيح للدين يجعل المسلمين متعلقين بالوهم والخرافات
يسوق الاستقراء العام لإنتاج الشيخ وتتبع مواضيعه المُلِحَّة إلى نتيجة مفادها أن نكبة الأمة التي كانت على يد الاستعمار الحقود والاستبداد المظلم إنما ترجع إلى تخلف الأمة وضعفها، وضعفها هذا راجع إلى أن أهل الدين فيها لم يقوموا بدورهم الواجب عليهم، وتقصيرهم هذا إما راجع إلى الجهل وسوء الفهم أو إلى الأمراض النفسية وسوء الخلق. وهكذا نستبين أربعة أمور متضافرة تعمل على إنهاك الأمة وإضعافها وإبقائها في الضعف: الاستعمار، الاستبداد، والجهل، وسوء الخلق. ومن تلك الأربعة تنتج سائر الأمراض:

1. الاستعمار يهودي وصليبي وشيوعي ووثني وكله يفتك بالمسلمين شرقا وغربا، ويحاول تثبيت هيمنته بالغزو الفكري والثقافي الذي يقوى ويتمدد في الفراغ الذي تحدثه الأسباب التالية:
2. والاستبداد وريث الاستعمار وهو من ثمرته، إلا أن له جذورا في تاريخنا وتراثنا ينبغي التصدي له، إلا أنه في حالتنا المعاصرة مدعوم بالاستعمار وخادم له ومنشيء لأمراض غير مسبوقة من الفساد والمظالم والجرائم.
3. الجهل الذي يُمَكِّن للاستعمار والاستبداد في أرضنا، وأصله انحراف في الفهم الصحيح للدين يجعل المسلمين متعلقين بالوهم والخرافات أو لديهم تشوه في النظر الصحيح المعيق لفهم القرآن والسنة ومراتب الأدلة وطريقة الفقه والترجيح السليم، وهو ما يؤدي إلى انحراف المجهود من مواجهة العلل الحقيقية والكبرى إلى قضايا هامشية فرعية، وقد يحرف الغاية إلى حرب المصلحين أنفسهم
4. سوء الأخلاق الذي ينتج من سائر الأسباب السابقة ثم هو يرسخها ويُمَكِّنُها، ويكون من وسائلها وأدواتها في مهاجمة المصلحين وتشويه رسالتهم وأغراضهم.

والحل الذي دندن حوله الغزالي يتلخص في معالجة تلك الأمور الأربعة، وتكون بدايته بمجدِّد أو مجموعة منهم تحقق فيهم رقي الخلق وحسن الفهم، تبث في الأمة أو في شبابها على الأخص روح الهمة العالية المتسلحة بالفقه الصحيح لتجاهد موروثات الجهل والضعف ودعائمها من الاستبداد والاستعمار. ونستطيع أن نضع كل إنتاج الشيخ الغزالي في واحدة من تلك الأربعة، وبتقدير عام نستطيع القول إن مؤلفات الغزالي انقسمت بين مواجهة الاستعمار والاستبداد من ناحية، وإصلاح الجهل وسوء الخلق من ناحية أخرى، مع زيادة ملحوظة في إنتاجه الموجهة نحو إصلاح الجهل وسوء الخلق.

على وفق مشروع الغزالي رُسِمت ملامح الزعماء في فكر الشيخ، فهو حفيٌّ بكل من انطلق من الإسلام[4] فضرب سهما في الاستعمار أو الاستبداد وجاهد أيا منهما، ثم هو شديد الحفاوة بكل من ضرب سهما في باب إصلاح الجهل وتحطيم الوهم والخرافة أو في باب إصلاح الخلق وتقويم السلوك وتقديم نموذج في العدل والإنصاف، ثم هو منزعج من كل تعطيل وتشويه وتحقير يطال أولئك المصلحين القائمين بتلك المهمة.
رؤية جامعة
ولذلك يجتمع في عقل الغزالي وقلبه من يُنظر إليهم كاتجاهات متقابلة أو متوازية أو حتى متضادة في وعي آخرين أو في التصنيف المعتمد على اعتبارات أخرى، فالمصلحون الكبار عند الغزالي الذين تكرر منه ذكر أسمائهم هم "محمد بن عبد الوهاب، وابن إدريس السنوسي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وحسن البنا"[5]، وأضاف إليهم في مواطن أخرى أحمد عرابي[6]، واجتمع لديه من الحركات الإصلاحية: "حركة جمعية العلماء فى الجزائر، وحركة السنوسية فى ليبيا، وحركة الإخوان المسلمين فى مصر، والحركة السلفية فى الجزيرة على يد المجتهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحركة توحيد الجزيرة العربية بقيادة الملك عبد العزيز.. السلفي العاقل والسياسي المحنك رحمه الله"[7].

تحسر الغزالي على لحظات تاريخية فارقة أفلتت من الأمة لأنها لم تحظ فيها بقيادة واحد من الزعماء، وتساءل آسفا "لو أن جمال الدين (الأفغاني) عاصر مصطفى كمال بتركيا، أكانت نهضة القائد المنتصر تميل عن الإسلام هذا الميل؟"
مواقع التواصل
 
ما يجمع بين هؤلاء عند الغزالي أنهم "نظروا إلى المسلمين على أنهم أمة واحدة، وإلى أسقامهم الموروثة على أنها علَّة مشتركة، وعالجوها بروح يستهدف كتاب الله وسنة رسوله مباشرة"[8]، وأنهم كانوا "يحترقون دأبا فى تعريف الجماهير الغافلة بالله وحده ويمسحون عن قلوبها الذليلة أرجاس العبودية للأوهام والأسماء"[9].
ولا يضر بعدئذ إن تعددت طرقهم وتنوعت طرائقهم، "فجمال الدين الأفغاني كان مشغولا بالإصلاح السياسي، ونفخ روح الحياة فى أمة خمدت أنفاسها تحت أقدام الطغاة. ومحمد عبده وصاحبه رشيد رضا كانا مَعْنِيَيْن بالإصلاح العلمي ومحو الخرافات التى شلت التفكير الإسلامي دهرا طويلا. ومحمد بن عبد الوهاب ركز اهتمامه فى تطهير الإيمان من أدران الشرك والعودة بالأمة إلى اليقين المصفى الذي ورثته عن رسولها العظيم"[10].

حفاوة وتقدير
وكان الغزالي محتفيا بإنجاز أولئك الرجال وحركاتهم أشد الاحتفاء، فهم الذين "أبقوا سرادق الإسلام منصوبا، وشأنه مرموقا! على حين كان الساسة الحاكمون يخبطون في دنيا الغرور والهوى ولا يهتدون سبيلا"[11]، ويرى أنهم "قدموا للدعوة من الخير ما قدمه مثلا أبو حنيفة ومالك وسائر الأئمة الفقهاء فى ميدان الفتوى والتشريع، وما قدمه من قبل الخلفاء العدول والفاتحون العسكريون.. في ميدان السياسة الداخلية والخارجية"[12]، ولولاهم "لدرست معالم الدين"[13].

ولقد تحسر الغزالي على لحظات تاريخية فارقة أفلتت من الأمة لأنها لم تحظ فيها بقيادة واحد من أولئك الزعماء، وقد تساءل آسفا "لو أن جمال الدين (الأفغاني) عاصر مصطفى كمال فى تركيا، أكانت نهضة القائد المنتصر تميل عن الإسلام هذا الميل؟ أو لو كان محمد عبده العالم الثائر أو حسن البنا المربي النابه، لو أن أحدهما صاحَبَ الثورة الكبرى سنة 1919، أكانت تأخذ اتجاهها المدني (العلماني) المحض مبتوتة الصلة بآلام الإسلام وآماله؟ إن القصور الشنيع فى أفكار علماء الدين ورؤساء الجماعات الإسلامية يومئذ جر على الإسلام هزائم متلاحقة"[14].

إنصاف وإعذار وحراسة
الجهود المجنونة التي تستبيح قادتنا وكبراءنا فى ميدان العلم والأدب والسياسة لها غاية يجب فضحها، والتحذير من مغبتها، إنها تريد القضاء على تاريخ أمة، وعندما تكون أمتنا بلا تاريخ، فلن تكون أمة، ما قيمة أمة ليس لها رجال؟
ومن هنا نرى الغزالي كثير التقدير لأولئك الزعماء، كثير الدعوة إلى إنصافهم والاعتذار لهم والإغضاء عما قد يكون وقع من أخطاء في مسار حركتهم، شديد الحساسية تجاه من يحتقرهم أو يطعن فيهم، ولديه في هذا مادة غزيرة ومتكررة في إنتاجه، وهو يصرح بأن مسلك هدم الكبار قد يُحتمل حين تكون الأمة في عفية وسعة، "أما اليوم وهم غنائم باردة لما هبَّ ودبَّ فليغيروا من سلوكهم وليحسنوا أدبهم مع الله ومع أنفسهم.. فجمع الشمل أولى والتلاقي على أركان رسالتنا أهم من التخاصم على سفساف الأمور"[15].

بل لقد اعتبر الطعن فيهم خيانة عظمى، يقول: "أدركت أنني أمام خيانة عظمى، وأن خصوم التوحيد وأعداء الله ورسوله قد نالوا من أمتنا منالا هائلا!! تحقير لأبي حنيفة فى الأولين، وتحقير لحسن البنا فى الآخرين، وتبقى أمتنا بلا تاريخ. ثم ينطلق الأقزام والأمساخ يعرضون أفكارهم على الأمة اليتيمة، لتجري وراءهم إلى الهاوية.. إنني أحذر من الثقافة المسمومة التى تقدم للشباب الغض"[16].

وما ذلك إلا لأن الطعن فيهم ليس مجرد طعن في شخص، فإن "شتم جمال الدين، ومحمد عبده، ورشيد رضا، لا يعنينا لو كان تجريحا شخصيا، إنه محاولة للقضاء على نهضة أمة ورسالة دين؟ ماذا قلت؟ لماذا لا يعنيني تجريح رجالنا والنيل من مكانتهم؟ هذا خطأ كبير. إن الجهود المجنونة التي تستبيح قادتنا وكبراءنا فى ميدان العلم والأدب والسياسة لها غاية يجب فضحها، والتحذير من مغبتها، إنها تريد القضاء على تاريخ أمة، وعندما تكون أمتنا بلا تاريخ، فلن تكون أمة، ما قيمة أمة ليس لها رجال؟ وما قيمة دين لم يصنع رجالا على تراخي العصور؟ إنه لابد من استنقاذ تراثنا من أيدي المسعورين والهدامين، والواقفين على مبعدة ينبحون القوافل المارة"[17].

ويبدو من تلك العبارات ضيق نفسه بهذا المسلك في هدم الرجال، وهو أضيق نفسا حينما يكون مدخل الطعن فيهم سوء فهم الدين واضطراب المعايير، فعندها ينقلب الحال ليكون الطعنُ فيهم أداءَ واجبٍ في الدين عند فاعله، ومسألة اضطراب المعايير وتشوه الأولويات تلك من أكثر الأبواب التي خاضها الغزالي مقاتلا فيها حتى لربما اشتط أحيانا وخانته العبارة، وفي سياقنا هذا يستنكر الغزالي فهم السوء الذي جعل أمثال بعض أولئك الزعماء القادة ناطقين عن الغرب أو مخالبه في بلادنا، يقول: "وجمال الدين (الأفغاني) ومحمد عبده ورشيد رضا كانوا ينصرون الإسلام حين يذكِّرون بالشّورَى، وكانوا يستمدّون من تعاليمه لإصلاح ما ساد عصرهم من اعوجاج، بل لقد كانوا يعالنون بسلفيتهم إذ أن السلفية فيما يعلم أولو الألباب شيء آخر فوق إحفاء الشوارب! إن الإسلام يضيره أشَدّ الضير أن تختص أرضه وحدها بأجرأ الناس على اغتيال المال العام والخاص، وأجرأ الناس على تدويخ الشعوب وإذلال من أعز الله وإعزاز من أذلّ الله. وسيقال: طبيعة نظمه أوحت بذلك أو سكتت عليه. وهذه في نظري أقبح فِرْيَة بعد الشِّرْك بالله"[18].

كتاب الإسلام والأوضاع الاقتصادية للشيخ محمد الغزالي (مواقع التواصل)

ولا يستنكف هو نفسه أن يعود فيرجع ويعتذر عن تقييم خاطئ وقع فيه لزعيم مسلم أو حركة إسلامية، فقد صدَّر الطبعة الثالثة من كتابه "الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية" بقوله: "كنا قد وقفنا من بعض الصور الاجتماعية والاقتصادية التى كانت قد وصَّلَّتْ إلينا الموقف الإسلامي الذي أملاه علينا ضميرنا الإسلامى.. لكن يبدو أن الأمر لم يكن كما وصلنا.. فقد كان هناك شطط فى المصادر التى نقلت هذه الصور وبالغت فى تشويهها..!! وقد أيقنت بعد تجارب كثيرة أن الحركات الإصلاحية السليمة تخضع لتشويه كبير من قبل أجهزة راصدة مشبوهة"[19].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش: 
* هذا المقال جزء من الورقة التي قدمها الباحث في مؤتمر مئوية الشيخ محمد الغزالي، الذي أقيم بمناسبة مائة عام على مولده، والمنعقد في إسطنبول (ديسمبر 2017).

المصادر:
[1] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة: 1798 - 1939، ترجمة: كريم عزقول، (بيروت: دار النهار، 1962م)، ص19.
[2] توماس كارلايل، الأبطال، ترجمة: محمد السباعي، (القاهرة: مكتبة مصر، بدون تاريخ)، ص13.
[3] الدارمي (83)، والطبراني في الكبير (6734)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1106).
[4] الانطلاق من الإسلام هنا شرط أساسي في اعتبار الغزالي للزعماء، فإنه لا يلتفت لمن اعتمد على مناهج أخرى في التغيير، ويتلخص موقفه المبدئي في قوله: "الإسلام وحده هو وجودنا المادي والأدبي، وهو العنوان المشترك بل الموضوع المشترك بين ماضينا ومستقبلنا، ولن نقبل أن يبتعد حاضرنا عن الإسلام قيد أنملة". الغزالي، علل وأدوية: دراسات في أمراض أمتنا ووسائل الاستشفاء منها مع تصحيح لما وُجِّه إلى التاريخ الإسلامي من أخطاء، ط3 (القاهرة: دار الشروق، 1997م)، ص80.
[5] الغزالي، كيف نفهم الإسلام، ط3 (القاهرة: دار نهضة مصر، مارس 2005م)، ص63.
[6] الغزالي، من هنا نعلم، ط5 (القاهرة: دار نهضة مصر، يناير 2005م)، ص55.
[7] الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، ط3 (القاهرة: دار نهضة مصر، أكتوبر 2005م)، ص7 (مقدمة الطبعة الثانية).
[8] الغزالي، من هنا نعلم، ص55.
[9] الغزالي، في موكب الدعوة، ط4 (القاهرة: دار نهضة مصر، أغسطس 2005م)، ص95.
[10] الغزالي، مع الله: دراسات في الدعوة والدعاة، ط6 (القاهرة: دار نهضة مصر، إبريل 2005)، ص141.
[11] الغزالي، كيف نفهم الإسلام، ص63.
[12] الغزالي، مع الله، ص141.
[13] الغزالي، في موكب الدعوة، ص10.
[14] نفس المصدر.
[15] الغزالي، علل وأدوية، ص77.
[16] الغزالي، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، (القاهرة: دار الشروق، 1997م)، ص181.
[17] الغزالي، علل وأدوية، ص93.
[18] الغزالي، الغزو الثقافي يمتد في فراغنا، (القاهرة: دار الشروق، 1997م)، ص36.
[19] الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، ص7.