الأحد، 23 أغسطس 2026

«فلان ليس عالمًا، وإنما هو قصّاص!» تهمة باطلة وغير شرعية يستخدمها السلفية المدخلية لتسقيط الدعاة !

 


🌿 القصص في الدعوة والخطب… أسلوبٌ قرآني مشروع

فهل يصح أن نقول: «فلان قصّاص وليس عالمًا»؟

من العبارات التي تتردد أحيانًا عند الحديث عن بعض الدعاة:

«فلان ليس عالمًا، وإنما هو قصّاص!»

وكأن وصف الداعية بأنه «قصّاص» يكفي وحده لإسقاطه، والطعن في علمه، والتحذير من الاستماع إليه.

لكن قبل إصدار مثل هذا الحكم، ينبغي أن نسأل سؤالًا بسيطًا:

هل القصص في الدعوة والخطب أسلوب مذموم شرعًا؟ أم أنه أسلوب أصيل استخدمه القرآن الكريم والنبي ﷺ في التعليم والتذكير والتربية؟

وهنا تأتي أهمية التفريق بين مشروعية أسلوب القصص وبين الأخطاء التي قد يقع فيها بعض القصاص.


📖 أولًا: القصص أسلوب قرآني في الهداية والتربية

القرآن الكريم مليء بقصص الأنبياء والأمم السابقة والمؤمنين والمكذبين، ولم يكن سرد هذه القصص لمجرد الحكاية، وإنما لتحقيق مقاصد عظيمة من العبرة والتفكر والهداية والتربية.

قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[يوسف: 111]

وقال سبحانه:

﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[الأعراف: 176]

فتأمل:

﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾

فقد جعل الله القصص وسيلة للتفكر والاعتبار.

ومن هنا، فإن استعمال القصة في الدعوة ليس أسلوبًا غريبًا عن المنهج الإسلامي، بل هو أسلوب قرآني أصيل.


🌿 ثانيًا: والنبي ﷺ استخدم القصص في التعليم والدعوة

لم يكن تعليم النبي ﷺ لأصحابه قائمًا على الأحكام المجردة وحدها، بل كان يستخدم وسائل متعددة؛ منها القصة، والمثال، والحوار، وضرب المثل.

وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة يقص فيها النبي ﷺ أخبار الأنبياء والأمم السابقة، ويذكر مواقف تحمل العبرة والترغيب والترهيب.

وهذا يدل على أن القصة يمكن أن تكون وسيلة فعالة في إيصال المعنى الشرعي إلى القلب والعقل.

فالناس ليسوا سواء في طريقة تلقيهم للعلم؛ فقد يفهم أحدهم الحكم من الدليل، بينما يحتاج آخر إلى مثال، وقد تغير قصة صادقة حياة إنسان لأنها جعلته يرى المعنى أمامه بصورة عملية.


⚖️ ثالثًا: لكن أليس بعض العلماء قد ذمّوا القصاص؟

بلى.

ولكن هنا يقع الخلط.

فالعلماء لم يذموا القصة من حيث هي قصة، وإنما ذموا بعض القصاص بسبب ما كان يقع في مجالسهم من الكذب، والأحاديث الموضوعة، والأخبار الواهية، والتوسع في الحكايات على حساب العلم النافع.

قال ابن الجوزي رحمه الله:

«ذُمَّ القصاص؛ لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد».

فالمشكلة إذن ليست في:

القصص.

وإنما في:

الكذب، وعدم التثبت، وإضاعة العلم، وجعل الحكايات مصدرًا للتشريع.

وهذا فرق جوهري.


🌱 رابعًا: الإمام أحمد يبين الفرق بين القاص المذموم والقاص النافع

ومن أقوى ما يستأنس به في هذه المسألة ما نقله المروذي عن الإمام أحمد رحمه الله.

قال:

«سمعت أبا عبد الله يقول: يعجبني القصاص؛ لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر».

وقيل له: أترى الذهاب إليهم؟

فقال:

«أي لعمري إذا كان صدوقًا؛ لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر».

ونُقل عنه أيضًا:

«ما أحوج الناس إلى قاص صدوق».

وقال:

«يعجبني القصاص في هذا الزمان؛ لأنه يذكر الشفاعة والصراط».

وهذه النقول مهمة؛ لأنها تبين أن الإمام أحمد لم يجعل كلمة «قاص» مرادفة للجهل أو الانحراف.

بل فرّق بين:

القاص الصدوق النافع للعامة

وبين:

القاص الذي يكذب وينقل الموضوعات والمناكير.

📚 وهذه الآثار أوردها ابن مفلح في «الآداب الشرعية والمنح المرعية» (2/82).


🎯 خامسًا: فهل يصح أن نقول: «فلان قصّاص وليس عالمًا»؟

هنا ينبغي أن نقف قليلًا.

إذا كان المقصود من العبارة أن هذا الشخص لا يمتلك التأصيل العلمي الكافي في باب معين، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى بيان ودليل.

أما أن يكون الدليل الوحيد على نفي العلم عنه هو:

«لأنه قصّاص ويكثر من القصص»

فهذا ليس دليلًا صحيحًا.

لأن استعمال القصص لا ينافي العلم، كما أن عدم استعمال القصص لا يثبت العلم.

فقد يكون الإنسان عالمًا ويستعمل القصص.

وقد يكون داعيةً وواعظًا ومربيًا.

وقد يجمع بين العلم والتأصيل والوعظ والتربية.

والحكم على علم الإنسان يكون من خلال علمه وأدلته وتأصيله وصحة كلامه، لا من خلال الأسلوب الذي يختاره في عرض الموعظة.


🧭 سادسًا: لا تجعلوا الأسلوب سببًا لإسقاط الداعية

من المهم أيضًا أن ندرك أن الناس متفاوتون في استعدادهم لتلقي العلم.

فالشاب الذي بدأ طريق الالتزام قد لا يكون مستعدًا في البداية لدراسة المطولات أو مسائل الأصول والخلاف، لكنه قد يتأثر بموعظة صادقة أو قصة صحيحة تفتح قلبه، وتجعله يحب الصلاة، أو يترك معصية، أو يبدأ في طلب العلم.

وقد تكون الموعظة بابًا إلى العلم.

ولهذا ليس من الحكمة أن يأتي شخص إلى شاب فرح بتأثره بمحاضرة نافعة، فيقول له:

«لا تسمع لهذا، إنه قصّاص، أنا أستمع إلى العلماء فقط!»

بل الأولى أن يقال له:

انتفع بالموعظة فيما ينفعك، ثم اطلب العلم من أهله، واجمع بين التربية والتأصيل.

فالدعوة تحتاج إلى العالم، وتحتاج إلى الواعظ، وتحتاج إلى المربي، وتحتاج إلى من يحسن مخاطبة الناس بلغة يفهمونها.

ولا يلزم أن يؤدي الجميع الدور نفسه.


🔎 سابعًا: القصة وسيلة وليست مصدرًا للتشريع

وهنا لا بد من التأكيد على أمر مهم حتى لا يُفهم الكلام خطأ:

نحن لا نقول إن كل قصة صحيحة، ولا إن كل قصاص عالم، ولا إن القصة تغني عن الدليل.

بل الداعية مطالب بأن يتثبت فيما ينقل، وأن يتجنب الأحاديث الموضوعة والأخبار الكاذبة، وأن يميز بين الصحيح والضعيف، وألا يجعل القصة وحدها دليلًا على حكم شرعي.

فالقاعدة:

الدليل يثبت الحكم، والقصة تقرّب المعنى وتؤثر في النفس.

وبذلك تكون القصة خادمة للعلم وليست بديلًا عنه.


🌿 الخلاصة

القصص في الدعوة والخطب أسلوب مشروع، وأصيل، وله أصل واضح في القرآن والسنة.

والقرآن نفسه استخدم القصص لتحقيق الهداية والعبرة والتفكر، والنبي ﷺ استخدم القصص في التعليم والتذكير.

ولذلك فإن كلمة:

«قصّاص»

لا ينبغي أن تتحول إلى تهمة جاهزة لإسقاط الدعاة.

إن كان عندنا اعتراض على داعية، فلنقل:

هذه المسألة أخطأ فيها، وهذا الدليل على خطئه.

أو:

هذا الحديث ضعيف، وهذه القصة لا تثبت، وهذا الاستدلال غير صحيح.

أما أن نقول:

«فلان قصّاص، إذن ليس عالمًا»

فهذا يحتاج إلى دليل.

🌱 لأن الإنصاف يقتضي أن نقول:

ليس كل قصّاص عالمًا، نعم.
لكن ليس كل قصّاص جاهلًا أيضًا.

والفارق بين القاص النافع والقاص المذموم ليس في مجرد استعمال القصص، وإنما في الصدق، والتثبت، والعلم، وحسن توظيف القصة في الدعوة.

فالقصص أسلوب من أساليب الدعوة… والعلم يُعرف بالدليل.

ما هو حكم الأسلوب القصصي في الدعوة إلى الله ؟

 السؤال



ما هو حكم الأسلوب القصصي في الدعوة إلى الله ؟
الجواب
الحمد لله.

أولاً :

قصص الحكمة الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة ووقائع الناس وتجاربهم من أنفع أساليب الدعوة والإرشاد ، وقد استخدمها القرآن في نحو ثلث آياته ، كان المقصود منها أخذ العظة والعبرة ، كما قال عز وجل : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يوسف/111.

يقول العلامة السعدي رحمه الله :

" ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ ) أي : قصص الأنبياء والرسل مع قومهم ، ( عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ ) أي : يعتبرون بها ، أهل الخير وأهل الشر ، وأنَّ مَن فعل مثل فعلهم ناله ما نالهم من كرامة أو إهانة ، ويعتبرون بها أيضاً ما لله من صفات الكمال والحكمة العظيمة ، وأنه الله الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له .

وقوله : ( مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ) أي : ما كان هذا القرآن الذي قص الله به عليكم من أنباء الغيب ما قص من الأحاديث المفتراة المختلقة ، ( وَلَكِنْ ) كان ( تصديق الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) من الكتب السابقة ، يوافقها ويشهد لها بالصحة ، ( وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ) يحتاج إليه العباد من أصول الدين وفروعه ، ومن الأدلة والبراهين . ( وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) فإنهم - بسبب ما يحصل لهم به من العلم بالحق وإيثاره - يحصل لهم الهدى ، وبما يحصل لهم من الثواب العاجل والآجل تحصل لهم الرحمة " انتهى.

" تيسير الكريم الرحمن " (ص/407)

بل أمر الله عز وجل نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بالتذكير بقصص القرآن ، واستعمالها في تبليغ رسالته ، فقال عز وجل : ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) الأعراف/176.

يقول ابن جرير الطبري رحمه الله :

" يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فاقصص ، يا محمد ، هذا القصص ، الذي اقتصصته عليك ... على قومك من قريش ، ومَنْ قِبَلَك من يهود بني إسرائيل ، ليتفكروا في ذلك ، فيعتبروا وينيبوا إلى طاعتنا ، لئلا يحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من النّقم والمثلات ، ويتدبَّره اليهود من بني إسرائيل ، فيعلموا حقيقةَ أمرك وصحَّة نبوّتك " انتهى.

" جامع البيان " (13/274)

وفي مقدمة " التحرير والتنوير " (1/63-69) ذكر فصلا نافعاً في فوائد القصص القرآني لمن أراد الاستفادة منها .

كما أن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام استعمل هذا الأسلوب الحكيم في سرد القصص النافعة المفيدة ، وخير شاهد على ذلك تلك الأحاديث الكثيرة التي تشتمل على قصص السابقين.

يقول الدكتور سعيد القحطاني :

" القصص الحكيم من الكتاب أو من السنة من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله عزّ وجلّ ؛ لما فيه من شحذ ذهن المدعو ؛ ولهذا استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته ، ففي هذا الحديث قال صلى الله عليه وسلم : ( غزا نبي من الأنبياء ، فقال لقومه : لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها ...) ، وهذا يوضح للداعية أهمية استخدام أسلوب القصص في دعوته إلى الله عزّ وجلّ " انتهى.

" فقه الدعوة في صحيح البخاري " (3/381) (ترقيم الشاملة) ، وينظر (3/66) .

ثانياً :

نوصي الدعاة ألا يقتصروا في أساليب الوعظ والتدريس على القصص ، كيلا ينشغل المستمعون بالقصة عن المقصد ، ولئلا تنصرف قلوبهم إلى الاستمتاع بالقصص عن الاستفادة من الموعظة ، بل الواجب تأصيل الأمر التربوي والدعوي من خلال أدلته الثابتة بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، على ما هو معروف في أصول الفقه ، ومنهج الاستدلال ، ثم تذكر القصة للعبرة ، وبيان التطبيق العملي ، وشد انتباه السامع إلى معايشة المعنى واقعياً ، فلا تكون القصة بذاتها مصدراً للاستدلال والتشريع .

قال ابن الجوزي رحمه الله : " ذُم القُصَّاصُ لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القَصَصِ دون ذكر العلم المفيد ، ثم غالبُهم يُخَلِّط فيما يورده ، وربما اعتمد على ما أكثره محال " انتهى .

"تلبيس إبليس" (134) .

قال أحمد : " القَصَّاص الذي يُذَكِّر الجنة والنار والتخويف ، وله نية وصدق الحديث ، فأما هؤلاء الذين أحدثوا من وضع الأخبار والأحاديث فلا أراه " انتهى .

"الآداب الشرعية" لابن مفلح (2/85) .

ثالثاً :

لتحقيق الغاية من القصص في الدعوة إلى الله ، والتأثير في قلوب الناس ، لا بد من توفر بعض الميزات في هذه القصص ، كي تقع في القلوب الموقع الصحيح ، فمن ذلك :

" 1- أن يتحرّى الواعظ الصدق فيما ينقله من قصص وأخبار ؛ فإن الواقعية والمعقولية في ذكر القصص لعامة الناس طريقان سريعان للتقبل والعمل ، ليس على الأمد القريب فحسب ؛ بل حتى البعيد أيضاً ، وانظر إلى وصف الله تعالى قصصه في القرآن بقوله : ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ )، متأملاً أثرها الخالد إلى يوم القيامة .

وعليه : فمن الخطأ أن ينظر الواعظ ما سيحصل بين يديه من التأثر بما لم يثق فيه من القصص المؤثرة ، مقابل أن يهمل مصداقيته المستقبلية في وعظه .

وليس هذا فحسب ؛ بل إن الواعظ حتى لو تأكد من صدق قصته أو خبره ، لكنه إن رأى أن فيها من الغرائب ما لا يصدقه عامة الناس ، فالأولى ألا يحدث بها ، حتى لا تنعدم ثقة الناس فيه وفي علمه ، ولقد كان سلف الأمة يفرون من غرائب الأخبار ، ومن ذلك قول أيوب السختياني رحمه الله : إِنَّمَا نَفِرُّ أَوْ نَفْرَقُ مِنْ تِلْكَ الْغَرَائِبِ . كما أورد ذلك عنه مسلم في صحيحه ؛ بل كانوا يقرنونها بالمناكير من الأحاديث ، ومن ذلك قول الترمذي رحمه الله : زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَثِيرُ الْغَرَائِبِ وَالْمَنَاكِيرِ .

2- الحوار ، ويشمل الحوار الشفهي أو الحوار النفسي الذي يشف ما في نفس بعض أطراف القصة بدون ما يتفوه به ، ليصف في بعض المشاعر والخلجات ، وهذا من أكثر ما يؤثر في النفس.

3- التركيز على المواطن المؤثرة ، وذكر بعض التفاصيل التي تكمل المشهد في ذهن المتلقي من دون إيراد الجزئيات التي ربما ندّت بعقل المستمع عن المطلوب .

4- جودة البدء ، وإحكام النهاية ، فإن في البداية تشويقاً وجذباً ، وفي النهاية عنصر المفاجأة ، وعنصر الاتعاظ ، من هنا قال الله تعالى في آخر سورة يوسف : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )

5- أن يراوح الداعية بين قصص السابقين والمعاصرين ، فإنه لا يشك أحدنا أن حكايات السلف رحمهم الله في زهدهم وورعهم وتعاملهم مع الله تعالى وخلْقِه فيها من كنوز الوعظ والتذكير ما تطرب له القلوب ، وتهتز لها المشاعر ، ولكن لما كان في المجتمع فئة تستبعد الوصول إلى حالهم ، كان على الواعظ أن يذكر صفحات مضيئة من أحوال الأتقياء والعاملين المخلصين في هذا الزمان ، حتى يقْرُبَ المثال ، ويُتصور التطبيق .

6- أن يوثق الداعية قصته بذكر مرجعها ، أو سندها ، ولو كانت من قصص المعاصرين ، لتزيد ثقة الناس فيه .

إذا توفرت هذه المرتكزات في قصصنا ، ستترك بإذن الله تعالى أثراً كبيراً في نفوس الناس ، فكم قصة غيرت حياة إنسان ، وكم قصة تركت من الأثر ما لم تتركه كثير من المحاضرات والكتب " .

🌿 الصوفية الربانية والسلفية العلمية هل هما طريقان متعارضان… أم تكاملٌ بين العلم وتزكية القلب؟

 


🌿 الصوفية الربانية والسلفية العلمية

هل هما طريقان متعارضان… أم تكاملٌ بين العلم وتزكية القلب؟

لطالما اعتدنا أن نسمع:

هذا سلفي، وهذا صوفي.
هذا شيخ سلفي، وهذا شيخ صوفي.
هذا مسجد سلفي، وهذا مسجد صوفي.

ومع كثرة ترديد هذه التصنيفات، ينشأ سؤال طبيعي:

هل السلفية والتصوف طريقان متعارضان فعلًا؟
وهل يجب على المسلم أن يختار بين العلم والاتباع من جهة، وبين تزكية القلب والروحانية من جهة أخرى؟

أم أن المشكلة أحيانًا ليست في العلم ولا في التزكية، وإنما في الفصل بينهما؟

ربما نحتاج قبل أن نجيب عن هذا السؤال إلى أن نعيد النظر في الصورة من أساسها.


📖 أولًا: ما المقصود بالسلفية العلمية؟

إذا قصدنا بالسلفية معناها العام، فهي تقوم على الحرص على فهم الإسلام من خلال الكتاب والسنة، والاقتداء بفهم السلف الصالح في الاعتقاد والعبادة والسلوك.

ومن هنا فإن السلفية العلمية تولي أهمية كبيرة لـ:

🔹 صحة العقيدة.
🔹 صحة الدليل.
🔹 فهم النصوص.
🔹 اتباع السنة.
🔹 التمييز بين المشروع وغير المشروع.
🔹 محاربة الغلو والخرافة والانحراف عن الوحي.

وهذه كلها معانٍ عظيمة لا يستغني عنها مسلم.

لكن يبقى سؤال آخر:

هل يكفي العلم وحده؟


🌿 ثانيًا: ما المقصود بالصوفية الربانية؟

إذا أطلقنا «التصوف» وأردنا به معناه الرباني الذي يدور حول تزكية النفس وإصلاح القلب والسلوك إلى الله، فإننا نتحدث عن معانٍ إسلامية أصيلة:

الإخلاص، والخشوع، والذكر، ومحاسبة النفس، والتواضع، والزهد في الدنيا، ومجاهدة الهوى، ومحبة الله، وحسن الخلق.

فالإنسان في الإسلام ليس عقلًا يحفظ المعلومات فقط، ولا جسدًا يؤدي الحركات والعبادات، بل هو أيضًا قلب يحتاج إلى الإصلاح والتزكية.

ولهذا قال الله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
[الشمس: 9-10]

فالتزكية ليست أمرًا هامشيًا في الدين، وإنما هي جزء من بناء الإنسان المؤمن.

لكن يبقى سؤال آخر:

هل تكفي الروحانية وحدها؟


⚖️ العلم بلا تزكية… والتزكية بلا علم

هنا ربما تكمن إحدى أهم نقاط الالتقاء.

فالعلم إذا انفصل عن تزكية النفس قد يتحول إلى جدل وانتصار للنفس وكثرة تصنيف للناس.

والروحانية إذا انفصلت عن العلم والكتاب والسنة قد تتحول إلى تجارب شخصية وممارسات لا ضابط لها.

ولهذا يحتاج المسلم إلى الأمرين معًا:

علمٌ يصحح الطريق، وقلبٌ صالح يسير فيه.

العلم يجيب عن سؤال:

ماذا يريد الله منا؟

والتزكية تعالج سؤالًا آخر:

كيف نكون صادقين في القيام بما يريد الله منا؟

فلا يكفي أن أعرف الحق؛ بل ينبغي أن أُصلح نفسي لأعمل به.

ولا يكفي أن أشعر بالقرب من الله؛ بل ينبغي أن يكون هذا القرب قائمًا على بصيرة واتباع.


🕊️ هل السلفية والتصوف متعارضان؟

الصورة الشائعة اليوم توحي أحيانًا بأننا أمام معسكرين متقابلين:

السلفية ضد التصوف، والتصوف ضد السلفية.

لكن هذه الصورة لا ينبغي أن تكون بهذه البساطة.

فالتاريخ الإسلامي أوسع من التصنيفات المعاصرة، وفيه علماء جمعوا بين العناية بالحديث والفقه والعقيدة وبين الزهد والورع والخشوع وتزكية النفس.

كما أن الانتساب إلى أي مدرسة أو تيار لا يجعل جميع أتباعها على درجة واحدة من العلم والاستقامة.

ولهذا ينبغي أن نفرق بين:

الأصول، وبين ممارسات بعض المنتسبين.

فلا يصح أن نحاكم مدرسة بأخطأ بعض أفرادها، كما لا يصح أن نجعل صواب بعض أفرادها دليلًا على صحة كل ما ينسب إليها.


🌱 السلفية العلمية تحتاج إلى قلبٍ حي

إذا كانت السلفية العلمية تعني التمسك بالكتاب والسنة، فإن من أهم ما جاء به الكتاب والسنة:

الإخلاص، والخشوع، والتواضع، والرحمة، وحسن الخلق، ومحاسبة النفس، والخوف من الله ورجاؤه ومحبته.

فما قيمة كثرة المعلومات إذا لم تجعل صاحبها أكثر خشية لله؟

وما قيمة الانتصار في النقاش إذا خرج الإنسان منه أكثر كبرًا وأشد قسوة؟

العلم الشرعي ليس غايته أن يجعل الإنسان أكثر قدرة على تصنيف الآخرين، وإنما أن يجعله أكثر معرفة بالله، وأصدق اتباعًا له، وأحسن خلقًا مع عباده.

ولهذا قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[فاطر: 28]

فالعلم الذي لا يورث خشيةً يحتاج صاحبه أن يسأل نفسه: ماذا صنعتُ بعلمي؟


🌿 والصوفية الربانية تحتاج إلى علمٍ يهديها

وفي المقابل، فإن تزكية النفس لا تعني أن كل شعور روحي صحيح، ولا أن كل تجربة وجدانية تصبح عبادة، ولا أن كل ممارسة تُنسب إلى الدين تكون مشروعة.

فمحبة الله تحتاج إلى معرفة، والعبادة تحتاج إلى بصيرة، والسلوك إلى الله يحتاج إلى ميزان.

وهذا الميزان هو:

كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

فالروحانية التي تنفصل عن الوحي قد تنحرف، كما أن العلم الذي ينفصل عن التزكية قد يجف.

ولهذا فالتزكية الربانية ليست هروبًا من الشريعة، بل هي تطبيقٌ عميق لمعانيها في القلب والسلوك.


🤝 حين يلتقي العلم بتزكية القلب

إذا تجاوزنا لغة الخصومة والتصنيف، سنجد أن هناك مساحة واسعة يلتقي فيها الجميع:

التوحيد، والنبوة، والقرآن، والصلاة، والصيام، والذكر، والإخلاص، والتوبة، ومحاسبة النفس، وحسن الخلق، ومحبة الله ورسوله ﷺ.

فالمسلم يحتاج إلى:

📖 علمٍ يهدي عقله.
🌿 وتزكيةٍ تصلح قلبه.
🕌 وعبادةٍ تصلح عمله.
🤍 وأخلاقٍ تصلح علاقته بالناس.

وهنا يصبح السؤال أقل أهمية:

«هل أنت سلفي أم صوفي؟»

ويصبح السؤال الأهم:

«ماذا صنع العلم بقلبك؟ وماذا صنعت التزكية بعلمك؟»


🌸 السلفية العلمية والصوفية الربانية… تكامل أم تناقض؟

ليس المقصود أن نقول إن المصطلحين متطابقان، أو أن كل ما نُسب تاريخيًا إلى السلفية والتصوف صحيح ومقبول.

ففي كل مدرسة ومذهب واتجاه، هناك ما يُقبل وما يُرد، وما يوافق الدليل وما يحتاج إلى مراجعة.

لكن المقصود أن العلم والتزكية ليسا عدوين.

بل إن المسلم أحوج ما يكون إليهما معًا:

علمٌ يمنعه من الضلال،
وتزكيةٌ تمنعه من الكبر،
وسنةٌ تضبط عبادته،
وقلبٌ حيٌّ يدفعه إلى الإخلاص.

فليس المطلوب أن نختار بين صحة الطريق وصلاح القلب.

بل المطلوب أن نسير إلى الله بهما معًا.


🕊️ الخلاصة

ربما كان من الأفضل أن نخرج من سؤال:

«السلفية أم التصوف؟»

إلى سؤال أعمق:

«كيف نجمع بين العلم الصحيح والقلب السليم؟»

فالعلم بلا تزكية قد يتحول إلى معلومات وجدل.

والتزكية بلا علم قد تتحول إلى مشاعر وتجارب بلا ميزان.

أما حين يجتمع العلم والبصيرة مع الإخلاص والتزكية، فإن الإنسان يقترب من الصورة التي يريدها الإسلام:

عقيدة صحيحة،
وعلم نافع،
وعمل صالح،
وقلب خاشع،
وخلق كريم.

🌿 العلم يهدي العقل، والتزكية تصلح القلب، والسنة تضبط الطريق.

ولعلنا لا نحتاج إلى أن نجعل من العلم والتزكية معسكرين متخاصمين، بل أن نعيد إليهما مكانهما الطبيعي:

علمٌ يضيء الطريق… وقلبٌ صالحٌ يسير فيه.

🕌 هل السلفية والتصوف متضادان؟

 

🌿 السلفية الربانية والصوفية الربانية

حين يلتقي العلم بتزكية القلب

لطالما سمعت منذ صغري عبارات من قبيل:
هذا مسجد سلفي، وهذا مسجد صوفي! هذا شيخ سلفي، وهذا شيخ صوفي!

ومع مرور السنوات بدأت تتردد في ذهني أسئلة لم أجد لها جوابًا سريعًا:

ما السلفية؟ وما التصوف؟
هل هما مذهبان؟ أم منهجان؟ أم مدرستان في فهم الإسلام؟
وهل لا يمكن أن يجتمعا في قلب مسلم واحد؟

هذه الأسئلة بقيت ترافقني طويلًا، حتى أدركت أن كثيرًا من الخلاف حول المصطلحين يعود أحيانًا إلى اختلاف المقصود بهما، وتعدد الصور التي انتسبت إليهما عبر التاريخ.

ومن هنا بدأت أبحث عن القاسم المشترك بينهما، لا عن نقاط الخصومة فقط.


📖 أولًا: ماذا نعني بالسلفية والتصوف؟

إذا أردنا تبسيط الصورة بعيدًا عن التعريفات الاصطلاحية المعقدة، فيمكن القول:

السلفية في أصل معناها تدور حول الحرص على فهم الإسلام والتمسك بالكتاب والسنة، والاقتداء بما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم في الاعتقاد والعبادة والسلوك.

أما التصوف في صورته الربانية، فيدور حول العناية بتزكية النفس، وإصلاح القلب، ومجاهدة الهوى، وكثرة الذكر، والخشوع، والإخلاص، وحضور القلب مع الله تعالى.

وبعبارة أخرى:

🔹 السلفية تؤكد صحة الطريق وموافقة الوحي.
🔹 والتصوف الرباني يؤكد صلاح القلب وحسن السير في الطريق.

والإسلام في الحقيقة لا يريد واحدًا منهما دون الآخر.

فما قيمة العلم إذا لم يثمر خشوعًا؟
وما قيمة العبادة إذا لم تكن على بصيرة؟
وما قيمة صحة العمل إذا خلا القلب من الإخلاص؟


🌱 العلم بلا تزكية.. والتزكية بلا علم

من هنا يظهر أن المشكلة ليست في العلم ولا في التزكية، وإنما في انفصال أحدهما عن الآخر.

فالعالم الذي يعتني بالنصوص والأحكام، لكنه يهمل تزكية نفسه، قد يتحول علمه إلى مجرد معلومات لا تغيّر قلبه.

والعابد الذي يهتم بالمشاعر والروحانيات، لكنه لا يضبط عبادته بالكتاب والسنة، قد يقع في الغلو أو الخطأ وهو يظن أنه يحسن صنعًا.

ولهذا جمع القرآن بين الإيمان والعمل، والعلم والتقوى، والظاهر والباطن.

قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
[الشمس: 9-10]

وقال سبحانه:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[فاطر: 28]

فالعلم الحقيقي يقود إلى الخشية، والتزكية الحقيقية لا تستغني عن العلم.


🕌 هل السلفية والتصوف متضادان؟

هذه هي النقطة الأكثر حساسية.

في الخطاب المعاصر، وخصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي، يُقدَّم أحيانًا المشهد وكأننا أمام معسكرين لا يمكن أن يلتقيا:

سلفي ضد صوفي، وصوفي ضد سلفي!

وهذا التوصيف، في رأيي، يختزل تاريخًا طويلًا ومعقدًا في صورة ثنائية بسيطة:
أبيض وأسود.

والواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.

ففي تاريخ المسلمين علماء اهتموا بالحديث والعقيدة والفقه، وكانوا في الوقت نفسه شديدي العناية بتهذيب النفس والورع والخشوع.

كما وُجد من انتسب إلى التصوف، وكان شديد التمسك بالكتاب والسنة، حريصًا على العلم والفقه والاتباع.

وفي المقابل، وُجدت عبر التاريخ صور من الغلو والانحراف عند بعض المنتسبين إلى مختلف الاتجاهات، ولا يصح أن نجعل أخطاء هؤلاء معيارًا للحكم على الجميع.


⚖️ لا نحاكم منهجًا بأخطاء بعض أتباعه

وهذه قاعدة مهمة:

لا يصح أن ننسب انحراف بعض الأفراد إلى أصل المنهج كله.

فكما وُجد في بعض المنتسبين إلى التصوف من غلا أو خلط بين الدين وبعض الممارسات التي لا أصل لها، وُجد أيضًا في بعض المنتسبين إلى السلفية من اشتد أو غلظ أو ضيّق واسعًا.

لكن العدل يقتضي أن نفرق بين:

أصل المنهج، وبين ممارسات بعض المنتسبين إليه.

فالخطأ الذي يقع فيه فرد لا يصبح بالضرورة عقيدةً للطائفة كلها، كما أن الصواب الذي عند عالم لا يلزم أن يعني صحة كل ما ينسب إلى الاتجاه الذي ينتمي إليه.


🌿 السلفية التي تحتاج إلى تزكية

إذا كانت السلفية تعني التمسك بالكتاب والسنة، فإن هذا التمسك لا ينبغي أن يكون مجرد شعارات أو مسائل جدلية.

فمن أعظم ما جاء به الكتاب والسنة:

الإخلاص، والتواضع، والرحمة، والخشوع، ومحاسبة النفس، وحسن الخلق، والإنابة إلى الله، ومحبته وتعظيمه.

ولهذا فإن السلفية التي تُثمر قلبًا خاشعًا، ونفسًا متواضعة، ولسانًا طيبًا، ورحمة بالخلق هي سلفية أقرب إلى روح الرسالة من مجرد الانشغال بالتصنيف والخصومة.


🌿 والتصوف الذي يحتاج إلى الكتاب والسنة

وفي المقابل، فإن تزكية النفس ليست مجالًا مفتوحًا لكل تجربة روحية أو شعور وجداني.

فالعبادة تحتاج إلى بصيرة، والذكر يحتاج إلى مشروعية، والتقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرعه الله.

ولهذا فإن التصوف الذي يستحق وصف «الرباني» هو الذي يجعل تزكية النفس مرتبطة بالوحي، ويجعل المحبة والخشوع والذكر والإحسان منضبطة بالكتاب والسنة.

فلا روحانية صحيحة إذا انفصلت عن الشريعة، كما لا ينبغي أن تتحول الشريعة إلى أحكام جافة منفصلة عن مقاصدها في إصلاح الإنسان وتزكية قلبه.


🤝 هل يمكن أن نلتقي؟

نعم، يمكن أن نلتقي إذا تجاوزنا الأسماء إلى المعاني.

فالسلفي الرباني يحتاج إلى تزكية قلبه.

والصوفي الرباني يحتاج إلى صحة العلم وضبط العبادة.

الأول يحتاج إلى أن يتذكر أن العلم وسيلة للعمل والخشية.

والثاني يحتاج إلى أن يتذكر أن المحبة والذوق والروحانية لا تغني عن الاتباع والبصيرة.

وهنا يمكن أن يلتقي الطريقان في مساحة واسعة من الإسلام:

كتابٌ وسنة، وعلمٌ وعمل، وعقيدةٌ صحيحة، وقلبٌ سليم، وعبادةٌ خاشعة، وأخلاقٌ حسنة.


🕊️ السلفية الربانية والصوفية الربانية

ربما لا تكون المشكلة في أن نسأل:

هل أنت سلفي أم صوفي؟

بل السؤال الأهم:

هل أنت مسلمٌ جمع بين صحة الاعتقاد وصلاح القلب؟

هل علمك يقودك إلى الخشية؟
هل عبادتك تزيدك تواضعًا؟
هل محبتك لله تظهر في أخلاقك؟
هل تمسكك بالسنة يجعلك أرحم بالناس وأبعد عن الكبر؟
وهل روحانيتك منضبطة بالوحي وليست مجرد مشاعر وتجارب شخصية؟

فالسلفية الربانية لا تستغني عن تزكية القلب، والتزكية الربانية لا تستغني عن هداية الكتاب والسنة.

ولذلك فبدل أن نجعل العلم والتزكية خصمين، يمكن أن نجعلهما جناحين يحلق بهما المسلم نحو الله.

علمٌ يهدي العقل، وتزكيةٌ تصلح القلب، وسنةٌ تضبط الطريق.

وهذه — في نظري — هي الصورة التي نحتاج إلى استعادتها في زمن كثرت فيه الخصومات، وقلّ فيه الإنصاف.

فالغاية ليست أن ننتصر لاسمٍ على اسم، وإنما أن ننتصر للحق، وأن نخرج من الدين بعقولٍ مستنيرة وقلوبٍ عامرة بالله. 🌿

السلفية الربانية.. والصوفية الربانية

 السلفية الربانية.. والصوفية الربانية



اعتنت الصوفية بالجانب الروحي لتعاليم الإسلام، والسلفية بالحرص على التمسك بالكتاب والسنة (مواقع التواصل الاجتماعي)

لطالما سمعت في صغري هذين المصطلحين في المساجد التي كان والدي جزاه الله خيرا يصطحبني إليها وفي محادثات الكبار ومزاحهم كلما اجتمعوا: هذا مسجد سلفي وهذا مسجد صوفي! هذا شيخ سلفي وهذا شيخ صوفي! هذا يحمل الفكر السلفي وهذا يحمل الفكر الصوفي!

فما السلفية؟ وما الصوفية؟
هل هما فكران أم مذهبان أم طائفتان أم حركتان أم جماعتان من الجماعات الإسلامية؟

ظلت هذه الأسئلة تراودني في سنِّ المراهقة والشباب، وأصبحت تجذب انتباهي وتشغل تفكيري أكثر فأكثر بعد أن تجاوزت العشرين وبدأت ملامح تشكيل الهوية في شخصيتي وكياني تلح علي حتى يستقيم أمرها وتجد لها مرفأً ترسو عليه.

اليوم وقد تجاوزت الثانية والثلاثين من عمري وقد منَّ الله عليّ بأسرة مكونة من زوجة و3 أولاد، وقد منَّ علي أيضا بالتخرج من الجامعة وبسنوات من الممارسة والخبرة العملية في مجالات مختلفة، مما أدى إلى (شبه) اكتمال تشكيل هويّاتي المتعددة كهويتي العقدية، وهويتي الفكرية، وهويتي المهنية، وهويتي الوطنية، أشعر أنني قد توصلت إلى خلاصة بخصوص مفهومي الشخصي للسلفية وللصوفية، وهي خلاصة مرضية على الأقل لنفسي الفضولية اللحوحة التي لا تهدأ إلا إذا فهمت كنه الأشياء.

لذلك أحببت أن أشارككم في هذه التدوينة خلاصة ما توصلت إليه في بحثي عن معنى السلفية والصوفية.

تعريف موجز
لا بد في البداية من تعريف سريع. لا أرغب في أن أعرف بشكل أكاديمي كما هو معتاد في المقالات الأكاديمية، والسبب أنني لن أستند في تدوينتي هذه إلى أي مصدر على الإطلاق. إنما سأكتب من وحي ما قرأته أو سمعته في محاضرة (دون الرجوع والتدقيق) ومن وحي تجربتي الشخصية مع السلفية والتصوف.

السلفية كما أفهمها هي فهم وممارسة الإسلام كما فهمه ومارسه السلف الصالح من قرون الإسلام الأولى من صحابة وتابعين وتابعي التابعين بلا تغيير ولا تبديل ولا ابتداع.
التصوف كما أفهمه هو صفاء الروح وممارسة الإسلام بدرجة عالية من الروحانية والحضور.
اعتنت السلفية بالحرص الشديد على التمسك بالكتاب والسنة، وبمعان قرآنية عظيمة كالتوحيد، ورسوخ العقيدة، والتمسك بالنصوص، والابتعاد عن الشبهات.

اعتنت الصوفية بالجانب الروحي لتعاليم الإسلام، وبمعان قرآنية عظيمة كالخشوع، وصفاء القلب، والصلة بالخالق، والروحانية، والحضور، والرقة، والتذلل إلى الله، ومداومة الذكر والأوراد.

الولادة
متى بدأت السلفية ومتى بدأت الصوفية؟

لا أظن أنه يمكن تحديد بداية كل من السلفية أو الصوفية، أو نسبة إحداهما إلى شخص بعينه. إنما ظهر كل من المنهجين في ربوع دول العالم الإسلامي مبكرا كتطور طبيعي لتعاليم الإسلام العظيمة الواسعة الرحبة والتي انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها بالتزامن مع الفتوحات الإسلامية الكبيرة.

أما التصوف فهو موجود قبل الإسلام وفي أغلب الأديان على مر الزمان حتى ولادة الإسلام. التصوف أو الروحانية حاجة روحية موجودة عند جميع البشر. وبالتالي فإن التصوف منهج حياة اتخذه كثير من الأفراد على مر الزمان. فمن كان متصوفا أو "روحانيا" قبل الإسلام ثم منّ الله عليه بالإسلام، فمن الطبيعي أن يبحث هذا الشخص عن الروحانية في الإسلام. بل انه سيجد في تعاليم الإسلام روحانية أكثر مما كان يجده في ما كان يدين به قبل الإسلام. فهذه هي حال الإسلام، جاء ليغطي ويلبي ويتفاعل ويضبط جميع الحاجات التي أوجدها المولى جل وعلا في النفس البشرية كالحاجة الروحية والنفسية والمادية والعاطفية.

والسلفية هي تفاعل وتعامل طبيعي مع الإسلام من قبل العلماء. فمن الطبيعي أن يحرص حملة هذا الدين "الجديد" بعد نشوئه أشد الحرص على بقاء تعاليم دينهم صافية منقاة من كل شائبة تشوبه. فمنهم من تلقى هذا الدين مباشرة من ينبوعه الأصيل نبي الله ومصطفاه محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه وهم صحابته رضوان الله عليهم وحملة هذا الدين العظيم إلى سائر خلق الله. ومنهم من تلقى الإسلام من صحابة رسول الله وتعلموا وتتلمذوا على أيديهم وهم التابعون. ومنهم من تلقى الإسلام من هؤلاء التابعين الأخيار وهم تابعو التابعين.

ومع تزايد أعداد المسلمين في شتى بقاع الأرض نتيجة الفتوحات الإسلامية العظيمة واختلاط المسلمين مع ثقافات وفلسفات عريقة ومتأصلة في البلدان الجديدة، ازداد حرص علماء الإسلام على تعاليم دينهم، ونصّبوا أنفسهم حراسا على علوم الدين من أن تشوبها أي شائبة أو تتسلل إليها أي ضلالات من الثقافات والفلسفات الغريبة.

تصنيف
إن أقرب تصنيف انتهيت إليه هو أن كلا من الصوفية والسلفية أسلوب تعامل مع الإسلام. فمن الناس من تعامل وتفاعل مع الإسلام بالأسلوب أو المنهج السلفي، ومنهم من تعامل وتفاعل معه بالأسلوب أو المنهج الصوفي.

ويبقى السؤال الأكثر تداولا هو: هل هناك تعارض بين المنهجين؟ هل هما ضدان متنافسان؟

من المؤسف أن ظاهر الأمر وما يشاع بين عامة الناس في مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات المرئية أن السلفية والصوفية ضدان متعارضان متنازعان لا يلتقيان بأي حال من الأحوال إلا في انتساب كل منهما إلى الإسلام.

ومن المؤسف أيضا أن غالبية من ينتسبون إلى المنهج الصوفي يرون السلفية ضدا لهم وأنهم أهل تشدد وتعصب في الدين، والعكس صحيح، فالغالبية من المنتسبين إلى المنهج السلفي يرون أن الصوفية ضدٌ لهم وأنهم أهل ابتداع وضلالات وشعوذات.

وبالتالي فإن الانطباع العام لدى عامة المسلمين هو أن السلفية والصوفية منهجان متعارضان متناحران لا يلتقيان.

ولكن حقيقة الأمر -في اعتقادي- أن هذه الصورة وهذا الانطباع العام وهذا المنظور خاطئ. ولا ينبغي أن ننظر إلى السلفية والصوفية نظرة أبيض وأسود أو نظرة يمين ويسار.

فلكل من المنهج السلفي والصوفي علماؤه الأفذاذ الثقات، ولكل منهما تاريخه وتأثيره الإيجابي في الأمة الإسلامية عبر التاريخ وحتى يومنا هذا.

علماء السلفية والصوفية قدموا للأمة وللعلوم الشرعية ما يثري كل بيت مسلم وكل طالب علم. ولا ينكر علمهم وفضلهم إلا جاحد أو جاهل بالإرث والأثر العظيم الذي خلّفوه قبل رحيلهم عن هذه الدنيا.

الشذوذ والتطرف
كما هي الحال في كل فرقة أو جماعة أو منهج إسلامي أو غير إسلامي، فإنك تجد من يتطرف في فكره ويشذ في سلوكه حتى ينحرف عن الطريق القويم بسبب ارتباكات في فكره وشخصيته، وليس بسبب المنهج الذي انتهجه هذا الشخص. فإنك تجد في الصوفية من انحرف كل الانحراف عن الصوفية الحقيقية وصار سلوكه أقرب إلى الشعوذة والطقوس التي لا تمت للإسلام بصلة. وإنك تجد في السلفية من انحرف كل الانحراف عن السلفية الحقيقية وصار سلوكه أقرب إلى التشدد والغلظة في الدين المنفرة.

ولا يصح أن نعمم وننسب شذوذ أفراد إلى منهج بكامله.

الاختلاط بالسياسة
إن من أكبر أسباب تشويه صورة كل من المنهج السلفي والصوفي لدى عامة المسلمين عبر التاريخ وحتى يومنا هذا، هو استغلال السلطات السياسية للدين، وتوريط بعض علماء السلفية والصوفية في انخراطهم وجرهم إلى مستنقع السياسة المليء بالمخاطر والفتن.

ولا يصح أن نتهم منهجا بكامله بالخيانة لمجرد قيام بعض علماء السلطان ببيع آخرتهم من أجل إرضاء الحكام.

التصوف السلفي والسلفية الصوفية.. هل يلتقيان؟
برز في ميدان الدعوة والعمل في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مجموعة من العلماء الربانيين الذين أحدثوا تغييرا جذريا في النظرة المباعدة بين السلفية والصوفية. يطلق عليهم البعض اسم رواد الحركة الاصلاحية أو رواد التيار الوسطي. جمع دعاة هذا التيار بين خيري الصوفية والسلفية في طرحهم.

من أبرز رموز هذا التيار الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا وابن باديس وابن عاشور والإمام حسن البنا الذي عرف عنه مقولته الشهيرة معرفا بجماعة الإخوان المسلمين التي أسسها في عشرينيات القرن الماضي: "نحن دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية".

فكان من عبقرية الدعاة إلى هذا التيار المبارك رحمهم الله تعالى أنهم جمعوا بين خيري السلفية والصوفية، وكانوا دائما يركزون على الجانب الروحي في دعوتهم، وكانوا في الوقت نفسه حريصين كل الحرص على أن لا يُخرَجَ عن المصدرين الأساسيين من مصادر التلقي في الإسلام: كتاب الل،ه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

فخرج من رحم هذا التيار المبارك والطرح الجديد الموفق جمعٌ غفير من علماء الإسلام الربانيين، سلفيون في تمسكهم بالكتاب والسنة وصوفيون في روحانيتهم وخشوعهم وصلتهم بالله عز وجل كالشيخ محمد الغزالي، وسيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومصطفى السباعي، ويوسف القرضاوي، ومحمد الحسن ولد الددو الشنقيطي وغيرهم كثير.

السلفية الربانية والصوفية الربانية
خلاصة ما انتهيت إليه في بحثي عن معنى السلفية والصوفية أن كل صوفي رباني هو سلفي في طبيعة الحال والعكس صحيح. إن كل سلفي رباني هو صوفيٌّ في طبيعة الحال. ولا بد للسلفي من صوفية وروحانية ترقق قلبه وتستدعي في وجدانه أجمل مشاعر الحضور والخشوع والتذلل والحب الإلهي. ولا بد للصوفي من سلفية تضبط روحانيته بالنصوص الصحيحة الصافية المنقاة من أي شبهة.

فالسلفية شرط للصوفية الربانية، والصوفية شرط للسلفية الربانية.