الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

ماهو التصوف ؟!

 

🌿 التصوف ليس طقوسًا غريبة… بل تربيةٌ للنفس وتزكيةٌ للقلب

كثيرًا ما يُقدَّم التصوف لعامة الناس في صورةٍ مشوَّهة، فيُختزل في أزياءٍ مرقعة، أو طقوسٍ غريبة، أو طلاسمَ وأمورٍ لا صلة لها بجوهره، وكأن التصوف ليس إلا مجموعةً من المظاهر التي يُنظر إليها باستغراب ونفور.

وهذه الصورة المختزلة لا تعبّر عن حقيقة التصوف في معناه التربوي والأخلاقي عند كثير من المتصوفة.

فإذا أردنا أن نبحث عن جوهر التصوف، فإننا نجده قبل كل شيء في العناية بالقلب، وتزكية النفس، وحسن السلوك، والإقبال على الله تعالى.

🌱 أولًا: تزكية النفس

من أبرز المعاني التي ارتبطت بالتصوف: مجاهدة النفس وتطهير القلب من أمراضه وآفاته؛ كالكبر، والرياء، والحسد، والعجب، وحب الظهور.

وفي المقابل يسعى الإنسان إلى التحلي بمكارم الأخلاق؛ من التواضع، والإخلاص، والصبر، والرحمة، والمحبة.

فليس المقصود أن يغيّر الإنسان مظهره فقط، وإنما أن يبدأ التغيير من داخله.

صلاح الظاهر لا يكتمل دون صلاح الباطن.

🕊️ ثانيًا: الذكر وصفاء القلب

ومن المعاني الأساسية في التربية الصوفية: دوام ذكر الله تعالى واستحضار مراقبته، حتى لا يعيش الإنسان غافلًا عن ربه وسط مشاغل الدنيا ومغرياتها.

فالذكر ليس مجرد ترديدٍ باللسان، وإنما المقصود أن يثمر في القلب طمأنينةً، وخشوعًا، واستقامةً، وحسنَ صلةٍ بالله تعالى.

قال الله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

❤️ ثالثًا: المحبة والإحسان

ومن أهم المعاني التي يبرزها التصوف: محبة الله تعالى، ومحبة رسوله ﷺ، ومحبة الخير للخلق.

فالإيمان ليس شعائرَ تؤدى فحسب، بل له أثرٌ في أخلاق الإنسان ومعاملاته.

وهنا يبرز معنى الإحسان الذي جاء في الحديث الشريف:

«أن تعبد الله كأنك تراه»

فإذا صلح القلب، انعكس صلاحه على اللسان والسلوك والمعاملة.

🌾 رابعًا: الزهد دون ترك الدنيا

والزهد في المفهوم التربوي ليس بالضرورة أن يهجر الإنسان الدنيا أو يترك أسباب الحياة، وإنما أن لا تستولي الدنيا على قلبه.

قد تكون الدنيا في يده، ولكنه لا يجعلها غايته الكبرى، ولا يسمح للمال والجاه والشهوات أن تتحول إلى معبوداتٍ خفية تستولي على قلبه.

ولهذا كان الزهد الحقيقي متعلقًا بمقام القلب قبل أن يكون متعلقًا بشكل اللباس أو مقدار المال.

📜 ومن جميل ما نُقل عن أبي الحسن النوري

قال رحمه الله:

«التصوف في أصله خُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق، زاد عليك في التصوف.»

وهذه العبارة تلخص جانبًا مهمًا من التصوف في بعده الأخلاقي والتربوي: فالمعيار ليس كثرة المظاهر، وإنما مقدار ما يثمره الإيمان في أخلاق الإنسان وسلوكه.

🌿 وخلاصة الأمر

التصوف، في جانبه التربوي والأخلاقي، ليس مجموعةً من الأشكال الغريبة التي يُراد بها إخافة الناس أو تنفيرهم، وإنما هو حديثٌ عن القلب قبل المظهر، وعن تزكية النفس قبل زخرفة الشكل، وعن الأخلاق قبل الدعاوى.

ومع ذلك، فإن الحديث المنصف عن التصوف يقتضي التمييز بين أصوله التربوية والأخلاقية وبين الممارسات أو الأفكار التي ظهرت في بعض البيئات الصوفية عبر التاريخ؛ فما وافق الكتاب والسنة وقواعد الشريعة يُنظر فيه من هذه الجهة، وما خالفها فالحكم يكون على الفعل أو الفكرة المخالفة، لا على كل ما يسمى تصوفًا جملةً واحدة.

فالتصوف ليس اسمًا لثوبٍ يُلبس، ولا هيئةٍ تُتخذ، وإنما جوهره عند أهله: قلبٌ يُزكّى، ونفسٌ تُهذّب، وخلقٌ يُحسَّن، وصلَةٌ بالله تعالى تزداد صدقًا وإخلاصًا.

لم يفعله النبي ﷺ… فأحدثه عثمان رضي الله عنه! ماذا تقول قاعدة «كل بدعة ضلالة»؟

 

عثمان رضي الله عنه أحدث أذانًا لم يفعله النبي ﷺ… فهل كل محدثة بدعة محرمة؟ وهل كل تركٍ نبوي دليلٌ على التحريم؟!

من القواعد التي يكثر الاستدلال بها في مسائل المحدثات قولهم:

«لم يفعله النبي ﷺ»، ثم يُبنى على ذلك مباشرةً:

«إذن هو بدعة محرمة»!

لكن هل هذه القاعدة بهذه الصورة صحيحة على إطلاقها؟

لننظر إلى واقعة ثابتة في السنة، تتعلق بأذان الجمعة الذي لم يكن موجودًا في عهد رسول الله ﷺ، ولا في عهد أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما، وإنما أحدثه عثمان رضي الله عنه.

وهنا تبدأ المسألة التي تستحق التأمل.


🔹 ماذا أحدث عثمان رضي الله عنه؟

روى البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه:

«إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر، في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأُذِّن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك».

وفي رواية:

«فأمر عثمان بالأذان الأول».

إذن المسألة واضحة:

هذا الأذان لم يكن في عهد النبي ﷺ، وإنما أحدثه عثمان رضي الله عنه عندما كثر الناس.

فلو كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ للفعل كافيًا للحكم عليه بالتحريم، لكانت هذه الواقعة من أوضح الأمثلة التي تحتاج إلى تفسير.


🔸 ولكن لماذا أحدثه عثمان؟

لم يُحدث عثمان رضي الله عنه هذا الأذان عبثًا، وإنما كان هناك سبب ومصلحة.

فقد كثر الناس واتسعت المدينة، فاحتاج المسلمون إلى وسيلة إضافية تُعلمهم بقرب وقت الجمعة، وتدعوهم إلى الاستعداد لها وترك البيع والتوجه إلى المسجد.

ولهذا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:

«وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

وهذه العبارة جديرة بالتأمل:

«استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

أي أن عثمان رضي الله عنه لم ينشئ مقصدًا دينيًا منقطعًا عن الشريعة، وإنما استنبط وسيلة تحقق مقصدًا شرعيًا قائمًا.


🔹 وهل عثمان هو أول من فعل ذلك؟

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله:

«وأما الأذان الأول يوم الجمعة فلا أعلم خلافًا أن عثمان أول من فعل ذلك وأمر به».

فالأمر إذن ليس مجرد احتمال تاريخي، وإنما هو أمر معروف عند أهل العلم.

بل قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرح حديث البخاري:

«فثبت الأمر على ذلك» يدل على أن هذا من حين حدده عثمان استمر، ولم يترك بعده.

ثم أشار إلى أن عليًا رضي الله عنه أقر عليه، فقال:

«فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين».


🔸 لكن ابن عمر رضي الله عنهما سماه «بدعة»!

وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا.

روى ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

«الأذان الأول يوم الجمعة: بدعة».

فكيف يجتمع هذا مع ثبوت فعل عثمان واستمرار العمل به؟

بيّن الحافظ ابن حجر ذلك فقال:

«فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى: بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك».

وهذا يبين أن لفظ البدعة قد يُستعمل بمعنى أوسع من البدعة المحرمة المذمومة.

فمجرد وصف الشيء بأنه «محدث» أو «بدعة» باعتبار أنه لم يكن موجودًا في العهد النبوي، لا يكفي وحده لإثبات أنه حرام أو ضلالة.

بل لا بد من النظر في:

أصله، ومقصده، ووسيلته، وموافقته لأصول الشريعة أو مخالفته لها.


🔹 أذان عثمان لم يكن عبادة مستقلة جديدة

وهذه نقطة مهمة في تحرير المسألة.

لم يقل عثمان رضي الله عنه للناس:

«لقد شرع النبي ﷺ أذانًا جديدًا للجمعة».

بل أحدث وسيلة لتحقيق غرض شرعي معروف:

إعلام الناس واستعدادهم للصلاة.

ولهذا ذكر العلماء أن الزيادة كانت مرتبطة بالحاجة، لا بتغيير أصل صلاة الجمعة.

قال الماوردي رحمه الله:

«فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها».

وقال القرطبي رحمه الله إن عثمان زاد النداء حين كثر الناس بالمدينة حتى إذا سمعوه أقبلوا.

إذن:

المحدث هنا وسيلة لتحقيق مقصد شرعي، وليس تشريع عبادة مستقلة بلا أصل.


🔸 وهنا نصل إلى القضية الأهم: هل كل تركٍ نبوي دليلٌ على التحريم؟

النبي ﷺ لم يزد هذا الأذان.

هذه حقيقة لا خلاف فيها.

لكن عثمان رضي الله عنه زاده.

فماذا نستفيد من ذلك؟

نستفيد أن مجرد الترك النبوي لا يكفي وحده لإثبات التحريم.

فالترك قد يكون لأسباب متعددة، منها:

🔹 عدم وجود الحاجة إلى الفعل في ذلك الوقت.

🔹 وجود مانع أو تغير في الظروف.

🔹 أن الفعل وسيلة لتحقيق مقصد شرعي، وتتغير الحاجة إلى الوسيلة بتغير الأحوال.

🔹 أو أن النبي ﷺ ترك الفعل دون أن يدل ذلك بمجرده على تحريمه.

ولهذا لا يصح أن تتحول قاعدة:

«لم يفعله النبي ﷺ»

إلى قاعدة أخرى ملازمة لها:

«إذن هو حرام».

فالانتقال من الأولى إلى الثانية يحتاج إلى دليل مستقل.


🔹 وماذا عن كلام الشيخ الألباني؟

هنا تأتي فائدة مهمة في تحرير المسألة.

فالشيخ الألباني رحمه الله لا ينكر أن عثمان رضي الله عنه زاد الأذان، وإنما يناقش الاقتداء بفعل عثمان على الإطلاق دون النظر إلى علته.

وقد قال في الأجوبة النافعة ما خلاصته أن عثمان رضي الله عنه إنما زاد الأذان لعلة معقولة، وهي كثرة الناس وتباعد منازلهم، وأن من صرف النظر عن هذه العلة وتمسك بفعل عثمان مطلقًا لا يكون مقتديًا به على الوجه الصحيح.

إذن حتى في هذا الاتجاه من النظر، لا تُلغى الواقعة ولا يُنكر أصل فعل عثمان، وإنما يقع البحث في مدى ارتباط الحكم بعلته وسببه.

وهذا يؤكد أن المسألة أعمق من مجرد:

«هل فعله النبي ﷺ أم لم يفعله؟»

بل السؤال العلمي هو:

ما طبيعة الفعل؟ وما أصله؟ وما علته؟ وما مقصده؟ وهل هو عبادة مستقلة أم وسيلة لتحقيق مقصد شرعي؟


🔸 الخلاصة

قصة أذان الجمعة الذي أحدثه عثمان رضي الله عنه تعلمنا أمرًا مهمًا في باب السنة والبدعة:

ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا لمجرد أنه لم يفعله.

وفي الوقت نفسه، لا يصح أن نجعل قصة عثمان رضي الله عنه ذريعة للقول بأن كل محدث في الدين مشروع.

فالميزان أدق من ذلك:

المحدثات ليست درجة واحدة.

منها ما يكون له أصل شرعي ومقصد معتبر، ومنها ما يكون مخالفًا لأصول الشريعة أو قائمًا على اعتقاد تشريعي لا دليل عليه.

ولهذا فإن الحكم على أي فعل بأنه بدعة محرمة لا ينبغي أن يُبنى على مجرد السؤال:

«هل فعله النبي ﷺ؟»

بل لا بد أن يُنظر أيضًا:

هل له أصل في الشريعة؟

هل هو عبادة مستقلة أم وسيلة؟

ما المقصد الذي يحققه؟

هل توجد قرينة على التحريم؟

وهل خالف نصًا أو أصلًا شرعيًا ثابتًا؟

وهنا تتضح قيمة قول الحافظ ابن حجر في فعل عثمان رضي الله عنه:

«وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

فليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ حرامًا.

وليس كل ما أُحدث بعده بدعةً مذمومة.

وإنما العبرة — قبل إطلاق الأحكام — بفهم النصوص، ومعرفة الأصول، وتمييز العبادة عن الوسيلة، والنظر في المقاصد والعلل.

البدعة_المحمودة

#البدعة
#الترك_النبوي
#أذان_الجمعة
#عثمان_بن_عفان
#السنة_والبدعة

عثمان رضي الله عنه زاد أذان الجمعة… فهل كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون بدعةً محرمة؟

 

عثمان رضي الله عنه زاد أذان الجمعة… فهل كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون بدعةً محرمة؟

من أكثر العبارات التي تتكرر في النقاش حول المحدثات:

«لم يفعله النبي ﷺ»

ثم يُبنى عليها مباشرة:

«إذن فهو بدعة، والبدعة حرام!»

لكن… هل مجرد عدم فعل النبي ﷺ يكفي وحده للحكم على الفعل بالتحريم؟

هذه المسألة تحتاج إلى شيء من التمهل؛ لأن في السنة نفسها واقعةً مشهورة تستحق التأمل، وهي زيادة النداء يوم الجمعة في عهد عثمان رضي الله عنه.


🔹 ماذا فعل عثمان رضي الله عنه؟

روى البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه:

«إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر، في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأُذِّن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك».

وجاء في رواية أخرى:

«فأمر عثمان بالأذان الأول».

إذن، من حيث الوقائع التاريخية، فالنداء الذي أمر به عثمان رضي الله عنه لم يكن موجودًا بهذه الصورة في عهد النبي ﷺ، ولا في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وهنا يبرز السؤال:

لو كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ للفعل كافيًا للحكم عليه بالتحريم، فكيف نفهم هذه الواقعة؟


🔸 لماذا زاد عثمان رضي الله عنه هذا النداء؟

لم يكن الأمر — كما تدل الرواية — إنشاءً عبثيًا، وإنما ارتبط بكثرة الناس وتغير أحوال المدينة.

فمع اتساع المجتمع وكثرة السكان، ظهرت حاجة إلى وسيلة تُنبّه الناس إلى قرب الجمعة، وتعينهم على الاستعداد لها والتوجه إلى المسجد.

ولهذا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:

«وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

وهذه العبارة الأخيرة بالغة الأهمية:

«استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

أي أن المسألة لم تكن إنشاء عبادة منفصلة عن مقاصد الشريعة، وإنما استنباط وسيلة تحقق معنى معتبرًا في أصل الشرع.


🔹 وهل كان عثمان أول من فعل ذلك؟

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله:

«وأما الأذان الأول يوم الجمعة فلا أعلم خلافًا أن عثمان أول من فعل ذلك وأمر به».

فالمسألة ليست مجرد احتمال تاريخي، بل نقلها أهل العلم باعتبارها من الأمور التي أحدثها عثمان رضي الله عنه.

وأشار الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله إلى استمرار العمل بها، وذكر إقرار علي رضي الله عنه لها، فقال:

«فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين».

وهنا تظهر أهمية أخرى:

الفعل الذي لم يكن موجودًا في العهد النبوي أصبح معمولًا به في عهد الخلفاء الراشدين.


🔸 لكن ابن عمر رضي الله عنهما سماه «بدعة»!

قد يقول قائل:

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما وصف الأذان الأول يوم الجمعة بأنه «بدعة»؟

روى ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

«الأذان الأول يوم الجمعة: بدعة».

فكيف نفهم ذلك مع ثبوت فعل عثمان واستمرار العمل به؟

هنا يذكر الحافظ ابن حجر احتمالين، فقال:

«فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى: بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك».

وهذا يلفت النظر إلى قضية مهمة في استعمال لفظ «البدعة»:

فليس كل استعمال لكلمة «بدعة» في كلام السلف يلزم منه أن المقصود هو البدعة المحرمة المذمومة بالاصطلاح الذي شاع في كتب الفقه والأصول.

ولهذا لا يكفي أن يقال:

«هذا لم يفعله النبي ﷺ، إذن هو بدعة محرمة».

بل لا بد من النظر في حقيقة الفعل وأصله ومقصده.


🔹 هل كان عثمان يشرّع عبادة جديدة؟

هنا ينبغي أن يكون التعبير دقيقًا.

لم يقل عثمان رضي الله عنه:

«لقد شرع النبي ﷺ أذانًا جديدًا للجمعة».

وإنما اتخذ وسيلة إضافية للإعلام استجابةً لحاجة ظهرت مع تغير الأحوال.

ولهذا قال الماوردي رحمه الله:

«فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها».

وذكر القرطبي رحمه الله أن عثمان زاد النداء حين كثر الناس بالمدينة، حتى إذا سمعوه أقبلوا.

إذن المسألة هنا تتعلق بالتمييز بين:

العبادة المستقلة

وبين

الوسيلة التي تخدم مقصدًا شرعيًا.

وهذا التفريق مهم جدًا عند الكلام على المحدثات.


🔸 فهل كل تركٍ نبوي يدل على التحريم؟

النبي ﷺ لم يزد هذا النداء.

هذه حقيقة.

لكن عثمان رضي الله عنه زاده.

فهل يعني ذلك أن كل ما تركه النبي ﷺ يكون حرامًا؟

لا يصح إطلاق هذه القاعدة بهذه الصورة.

فالترك النبوي قد تكون له دلالات متعددة، ولا بد من معرفة سبب الترك وسياقه وطبيعة الفعل المتروك.

فقد يترك النبي ﷺ شيئًا:

🔹 لعدم وجود الحاجة إليه.

🔹 أو لوجود سبب آخر في زمنه.

🔹 أو لأن الفعل وسيلة وليست عبادة مستقلة.

🔹 أو لبيان الجواز بتركه.

🔹 أو لاعتبارات تتعلق بظروف الناس وأحوالهم.

لذلك لا يصح أن يتحول قولنا:

«النبي ﷺ لم يفعله»

تلقائيًا إلى:

«إذن هو حرام».

فالانتقال من عدم الفعل إلى التحريم يحتاج إلى قرينة ودليل، وليس إلى مجرد الترك وحده.


🔹 وماذا عن موقف الشيخ الألباني رحمه الله؟

من المفيد هنا الإشارة إلى أن الشيخ الألباني رحمه الله لم ينكر أصل الزيادة التي فعلها عثمان رضي الله عنه، وإنما ناقش الاستدلال بفعل عثمان على إطلاقه، وأكد ارتباطه بالسبب الذي دعت إليه الحاجة، وهو كثرة الناس وتباعد منازلهم.

وبعبارة أخرى:

النقاش ليس في ثبوت فعل عثمان، وإنما في كيفية فهمه وتنزيله على الأحوال المختلفة.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأهم:

ما طبيعة الفعل؟

هل هو:

عبادة مستقلة؟

أم:

وسيلة لتحقيق مقصد شرعي؟

وهل العلة التي نشأ بسببها الفعل موجودة أم تغيرت؟

وهل يوجد نص يمنعه؟

هذه أسئلة أعمق من مجرد:

«هل فعله النبي ﷺ أم لم يفعله؟»


🔸 إذن… ما القاعدة؟

قصة أذان الجمعة في عهد عثمان رضي الله عنه لا تعني أن:

«كل محدث في الدين جائز»

كما أنها لا تعني أن:

«كل ما لم يفعله النبي ﷺ فهو حرام».

بل تدعونا إلى مزيد من الدقة في فهم السنة والبدعة.

فالمحدثات ليست كلها في مرتبة واحدة من حيث الحكم، ولا يصح أن يُحكم على فعل بمجرد كونه طارئًا من الناحية الزمنية.

بل لا بد من النظر في:

🔹 أصله الشرعي

هل له أصل عام أو خاص في الشريعة؟

🔹 حقيقته

هل هو عبادة مستقلة أم وسيلة؟

🔹 مقصده

ما الغرض الذي يراد تحقيقه من خلاله؟

🔹 علته

هل ارتبط الفعل بسبب معين؟ وهل السبب موجود أم تغير؟

🔹 علاقته بالنصوص

هل يخالف نصًا شرعيًا أو أصلًا ثابتًا؟

🔹 وصفه الشرعي

هل توجد قرينة معتبرة تدل على المنع والتحريم؟


🟢 الخلاصة

قصة عثمان رضي الله عنه تعلمنا درسًا مهمًا:

ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا لمجرد أنه لم يفعله.

وفي المقابل:

ليس كل ما أُحدث بعد النبي ﷺ يكون مشروعًا لمجرد وجود مصلحة يدّعيها فاعله.

فالميزان أدق من ذلك.

ننظر في الأصل، والمقصد، والوسيلة، والعلة، والنصوص، وأقوال أهل العلم.

ومن هنا نفهم أهمية قول الحافظ ابن حجر في فعل عثمان رضي الله عنه:

«وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

فالفقه في السنة ليس مجرد جمع قائمة بما فعله النبي ﷺ وقائمة أخرى بما لم يفعله، ثم إصدار الأحكام بمجرد ذلك.

بل هو فهم لدلالات الأفعال والتروك، ومعرفة للأصول والمقاصد والعلل، وتمييز بين العبادة والوسيلة، وبين المحدث الذي له أصل معتبر والمحدث الذي يخالف أصلًا شرعيًا.

ولهذا فإن السؤال الأدق ليس دائمًا:

«هل فعله النبي ﷺ؟»

بل ينبغي أن يُسأل أيضًا:

«ما حقيقة هذا الفعل؟ وما أصله؟ وما علته؟ وما حكمه في ضوء مجموع النصوص والقواعد الشرعية؟»

وهنا تبدأ القراءة الفقهية الأعمق لمسائل السنة والبدعة.

#السنة_والبدعة
#الترك_النبوي
#أذان_الجمعة
#عثمان_بن_عفان
#المحدثات_في_الدين
#فقه_السنة

عثمان رضي الله عنه أحدث أذانًا لم يفعله النبي ﷺ… فهل كل محدثة بدعة محرمة؟ وهل كل تركٍ نبوي دليلٌ على التحريم؟!

عثمان رضي الله عنه أحدث أذانًا لم يفعله النبي ﷺ… فهل كل محدثة بدعة محرمة؟ وهل كل تركٍ نبوي دليلٌ على التحريم؟!

من القواعد التي يكثر الاستدلال بها في مسائل المحدثات قولهم:

«لم يفعله النبي ﷺ»، ثم يُبنى على ذلك مباشرةً:

«إذن هو بدعة محرمة»!

لكن هل هذه القاعدة بهذه الصورة صحيحة على إطلاقها؟

لننظر إلى واقعة ثابتة في السنة، تتعلق بأذان الجمعة الذي لم يكن موجودًا في عهد رسول الله ﷺ، ولا في عهد أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما، وإنما أحدثه عثمان رضي الله عنه.

وهنا تبدأ المسألة التي تستحق التأمل.


🔹 ماذا أحدث عثمان رضي الله عنه؟

روى البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه:

«إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر، في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأُذِّن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك».

وفي رواية:

«فأمر عثمان بالأذان الأول».

إذن المسألة واضحة:

هذا الأذان لم يكن في عهد النبي ﷺ، وإنما أحدثه عثمان رضي الله عنه عندما كثر الناس.

فلو كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ للفعل كافيًا للحكم عليه بالتحريم، لكانت هذه الواقعة من أوضح الأمثلة التي تحتاج إلى تفسير.


🔸 ولكن لماذا أحدثه عثمان؟

لم يُحدث عثمان رضي الله عنه هذا الأذان عبثًا، وإنما كان هناك سبب ومصلحة.

فقد كثر الناس واتسعت المدينة، فاحتاج المسلمون إلى وسيلة إضافية تُعلمهم بقرب وقت الجمعة، وتدعوهم إلى الاستعداد لها وترك البيع والتوجه إلى المسجد.

ولهذا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:

«وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

وهذه العبارة جديرة بالتأمل:

«استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

أي أن عثمان رضي الله عنه لم ينشئ مقصدًا دينيًا منقطعًا عن الشريعة، وإنما استنبط وسيلة تحقق مقصدًا شرعيًا قائمًا.


🔹 وهل عثمان هو أول من فعل ذلك؟

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله:

«وأما الأذان الأول يوم الجمعة فلا أعلم خلافًا أن عثمان أول من فعل ذلك وأمر به».

فالأمر إذن ليس مجرد احتمال تاريخي، وإنما هو أمر معروف عند أهل العلم.

بل قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرح حديث البخاري:

«فثبت الأمر على ذلك» يدل على أن هذا من حين حدده عثمان استمر، ولم يترك بعده.

ثم أشار إلى أن عليًا رضي الله عنه أقر عليه، فقال:

«فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين».


🔸 لكن ابن عمر رضي الله عنهما سماه «بدعة»!

وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا.

روى ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

«الأذان الأول يوم الجمعة: بدعة».

فكيف يجتمع هذا مع ثبوت فعل عثمان واستمرار العمل به؟

بيّن الحافظ ابن حجر ذلك فقال:

«فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى: بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك».

وهذا يبين أن لفظ البدعة قد يُستعمل بمعنى أوسع من البدعة المحرمة المذمومة.

فمجرد وصف الشيء بأنه «محدث» أو «بدعة» باعتبار أنه لم يكن موجودًا في العهد النبوي، لا يكفي وحده لإثبات أنه حرام أو ضلالة.

بل لا بد من النظر في:

أصله، ومقصده، ووسيلته، وموافقته لأصول الشريعة أو مخالفته لها.


🔹 أذان عثمان لم يكن عبادة مستقلة جديدة

وهذه نقطة مهمة في تحرير المسألة.

لم يقل عثمان رضي الله عنه للناس:

«لقد شرع النبي ﷺ أذانًا جديدًا للجمعة».

بل أحدث وسيلة لتحقيق غرض شرعي معروف:

إعلام الناس واستعدادهم للصلاة.

ولهذا ذكر العلماء أن الزيادة كانت مرتبطة بالحاجة، لا بتغيير أصل صلاة الجمعة.

قال الماوردي رحمه الله:

«فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها».

وقال القرطبي رحمه الله إن عثمان زاد النداء حين كثر الناس بالمدينة حتى إذا سمعوه أقبلوا.

إذن:

المحدث هنا وسيلة لتحقيق مقصد شرعي، وليس تشريع عبادة مستقلة بلا أصل.


🔸 وهنا نصل إلى القضية الأهم: هل كل تركٍ نبوي دليلٌ على التحريم؟

النبي ﷺ لم يزد هذا الأذان.

هذه حقيقة لا خلاف فيها.

لكن عثمان رضي الله عنه زاده.

فماذا نستفيد من ذلك؟

نستفيد أن مجرد الترك النبوي لا يكفي وحده لإثبات التحريم.

فالترك قد يكون لأسباب متعددة، منها:

🔹 عدم وجود الحاجة إلى الفعل في ذلك الوقت.

🔹 وجود مانع أو تغير في الظروف.

🔹 أن الفعل وسيلة لتحقيق مقصد شرعي، وتتغير الحاجة إلى الوسيلة بتغير الأحوال.

🔹 أو أن النبي ﷺ ترك الفعل دون أن يدل ذلك بمجرده على تحريمه.

ولهذا لا يصح أن تتحول قاعدة:

«لم يفعله النبي ﷺ»

إلى قاعدة أخرى ملازمة لها:

«إذن هو حرام».

فالانتقال من الأولى إلى الثانية يحتاج إلى دليل مستقل.


🔹 وماذا عن كلام الشيخ الألباني؟

هنا تأتي فائدة مهمة في تحرير المسألة.

فالشيخ الألباني رحمه الله لا ينكر أن عثمان رضي الله عنه زاد الأذان، وإنما يناقش الاقتداء بفعل عثمان على الإطلاق دون النظر إلى علته.

وقد قال في الأجوبة النافعة ما خلاصته أن عثمان رضي الله عنه إنما زاد الأذان لعلة معقولة، وهي كثرة الناس وتباعد منازلهم، وأن من صرف النظر عن هذه العلة وتمسك بفعل عثمان مطلقًا لا يكون مقتديًا به على الوجه الصحيح.

إذن حتى في هذا الاتجاه من النظر، لا تُلغى الواقعة ولا يُنكر أصل فعل عثمان، وإنما يقع البحث في مدى ارتباط الحكم بعلته وسببه.

وهذا يؤكد أن المسألة أعمق من مجرد:

«هل فعله النبي ﷺ أم لم يفعله؟»

بل السؤال العلمي هو:

ما طبيعة الفعل؟ وما أصله؟ وما علته؟ وما مقصده؟ وهل هو عبادة مستقلة أم وسيلة لتحقيق مقصد شرعي؟


🔸 الخلاصة

قصة أذان الجمعة الذي أحدثه عثمان رضي الله عنه تعلمنا أمرًا مهمًا في باب السنة والبدعة:

ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا لمجرد أنه لم يفعله.

وفي الوقت نفسه، لا يصح أن نجعل قصة عثمان رضي الله عنه ذريعة للقول بأن كل محدث في الدين مشروع.

فالميزان أدق من ذلك:

المحدثات ليست درجة واحدة.

منها ما يكون له أصل شرعي ومقصد معتبر، ومنها ما يكون مخالفًا لأصول الشريعة أو قائمًا على اعتقاد تشريعي لا دليل عليه.

ولهذا فإن الحكم على أي فعل بأنه بدعة محرمة لا ينبغي أن يُبنى على مجرد السؤال:

«هل فعله النبي ﷺ؟»

بل لا بد أن يُنظر أيضًا:

هل له أصل في الشريعة؟

هل هو عبادة مستقلة أم وسيلة؟

ما المقصد الذي يحققه؟

هل توجد قرينة على التحريم؟

وهل خالف نصًا أو أصلًا شرعيًا ثابتًا؟

وهنا تتضح قيمة قول الحافظ ابن حجر في فعل عثمان رضي الله عنه:

«وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله».

فليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ حرامًا.

وليس كل ما أُحدث بعده بدعةً مذمومة.

وإنما العبرة — قبل إطلاق الأحكام — بفهم النصوص، ومعرفة الأصول، وتمييز العبادة عن الوسيلة، والنظر في المقاصد والعلل.

البدعة_المحمودة

#البدعة
#الترك_النبوي
#أذان_الجمعة
#عثمان_بن_عفان
#السنة_والبدعة

العمل الجماعي في الدعوة الإسلامية والانتماء إلى الجماعات والأحزاب الإسلامية: مشروعيته وضوابطه

 


العمل الجماعي في الدعوة الإسلامية والانتماء إلى الجماعات والأحزاب الإسلامية: مشروعيته وضوابطه

كثيرًا ما يثار النقاش حول العمل الجماعي في الدعوة إلى الله، وحول الانتماء إلى الجماعات والأحزاب الإسلامية:
هل هو مشروع؟ وهل هو واجب؟ وهل التعاون مع جماعة معينة يعني وجوب الانتماء إليها؟ وهل كل تنظيم يعمل للإسلام يكون بالضرورة موافقًا للشرع؟

والجواب يحتاج إلى تفريق دقيق بين أمور قد تختلط على البعض.

فليس كل عمل جماعي تحزّبًا، وليس كل تنظيم مذمومًا، كما أن مشروعية التعاون لا تعني أن الانتساب إلى جماعة بعينها يصبح فريضة شرعية.


🔹 أولًا: الإسلام يدعو إلى التعاون والاجتماع

قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

فهذه الآية أصل عظيم في مشروعية التعاون على الخير، سواء كان ذلك في الدعوة، أو التعليم، أو الإصلاح، أو الصدقة، أو خدمة المجتمع، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقال تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

فالأصل أن اجتماع المسلمين على الحق والخير مقصد شرعي، وأن التفرق والتنازع مما ينبغي اجتنابه.

لكن ينبغي الانتباه إلى أمر مهم:

الآية أمرت بالاعتصام بحبل الله، ولم تأمر بالانتساب إلى اسم تنظيمي معين.

وهنا يبدأ التفريق الضروري بين الجماعة بمعناها الشرعي العام وبين الجماعة باعتبارها تنظيمًا بشريًا محددًا.


🔹 ثانيًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية جماعية وفردية

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم وظائف الأمة.

قال تعالى:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾

وقال سبحانه:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾

وهذا العمل قد يقوم به الفرد، وقد تقوم به الجماعة، بل إن التعاون عليه قد يكون أكثر قدرة على تحقيق المقصود.

لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس عملًا بلا ضوابط؛ بل يحتاج إلى العلم، والحكمة، والقدرة، ومراعاة المصالح والمفاسد، وألا يؤدي إنكار المنكر إلى منكر أكبر.

فالغاية الشرعية لا تبرر كل وسيلة.


🔹 ثالثًا: العمل الجماعي وسيلة مشروعة لتحقيق مقاصد مشروعة

لا شك أن بعض الأعمال يصعب إنجازها بصورة فردية.

فالتعليم، والدعوة، والإغاثة، ورعاية الأيتام، ومساعدة الفقراء، ونشر العلم، وإنشاء المؤسسات النافعة، وغيرها من الأعمال، قد تحتاج إلى تعاون مجموعة من الناس.

وهذا من التعاون على البر والتقوى.

فالعمل الجماعي هنا ليس عبادة مستقلة لها شكل تنظيمي محدد، وإنما هو وسيلة لتحقيق مقاصد مشروعة.

والوسائل في الشريعة لا تأخذ حكمًا واحدًا في جميع الأحوال، وإنما تُنظر من خلال:

الغاية، والوسيلة، والنتائج، والمصالح والمفاسد.

ولهذا لا يصح أن نقول:

كل عمل جماعي بدعة.

كما لا يصح في المقابل أن نقول:

كل جماعة إسلامية صحيحة لمجرد أنها رفعت شعار الإسلام.

فالميزان هو الشرع ومقاصده، لا مجرد الاسم والشعار.


🔹 رابعًا: هل الانتماء إلى جماعة إسلامية معينة واجب شرعي؟

هنا ينبغي التفريق بين أمرين:

الأول: التعاون مع المسلمين على الخير والدعوة والإصلاح.

وهذا مشروع، بل قد يكون مطلوبًا بحسب نوع العمل وحاجته.

والثاني: الالتزام التنظيمي بجماعة أو حزب معين، والانتساب إليه، والعمل وفق نظامه الداخلي.

وهذا أمر آخر.

فلا يكفي الاستدلال بقوله تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

لإثبات أن كل مسلم يجب عليه أن ينتمي إلى حزب أو جماعة معينة.

فالآية تأمر بالتعاون على البر، ولا تحدد اسم تنظيم معينًا، ولا تجعل النجاة أو صحة الإسلام متوقفة على الانتساب إلى جماعة بعينها.

ومن هنا ينبغي الحذر من تحويل الوسائل التنظيمية إلى فرائض شرعية مطلقة دون دليل خاص.


🔹 خامسًا: الجماعة وسيلة وليست مصدرًا للحق

من أخطر الأخطاء أن يتحول الانتماء إلى الجماعة من وسيلة لخدمة الدين إلى معيار للحكم على الناس.

فلا ينبغي أن يصبح المنطق:

من معنا فهو على الحق، ومن خالفنا فهو على الباطل.

بل الواجب أن يكون المعيار:

ما وافق الحق قُبل، وما خالفه رُدّ، أيًّا كان قائله أو الجماعة التي ينتمي إليها.

فالجماعة ليست معصومة، وأفرادها ليسوا معصومين، وقياداتها ليست فوق النقد والمراجعة.

والحق لا يُعرف بكثرة الأتباع، ولا باسم الجماعة، ولا بتاريخها، وإنما يُعرف بالدليل والعدل والإنصاف.

ولهذا يمكن أن تكون الجماعة وسيلة نافعة في وقت، ثم تخطئ في بعض اجتهاداتها في وقت آخر، دون أن يعني ذلك بطلان كل أعمالها.


🔹 سادسًا: متى يتحول العمل الجماعي إلى تحزّب مذموم؟

ليس كل اجتماع على هدف واحد تحزّبًا مذمومًا.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الجماعة من وسيلة للتعاون إلى هوية مغلقة تجعل الولاء والبراء قائمين عليها، أو تجعل رأي القيادة فوق الدليل، أو تجعل نقد الجماعة خيانة، أو تجعل المخالف عدوًا لمجرد مخالفته التنظيم.

وهنا يصبح الانتماء التنظيمي سببًا للتعصب والانقسام بدل أن يكون وسيلة للتعاون.

فالذي يجمع المسلمين هو الإسلام والحق، وليس اسم التنظيم.

والاختلاف في الوسائل والاجتهادات لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة دينية دائمة.


🔹 سابعًا: لا تنتظر أن تكون كاملًا حتى تعمل لدين الله

ومن الأخطاء أيضًا أن يظن الإنسان أنه لا يحق له الدعوة والإصلاح حتى يصبح عالمًا متبحرًا أو صالحًا كاملًا.

فالدعوة إلى الخير ليست حكرًا على فئة واحدة، ولكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى علم فيما يدعو إليه الإنسان.

فمن علم حكمًا شرعيًا صحيحًا جاز له أن يبلغه، ومن لم يعلم فلا يتكلف الكلام فيما لا علم له به.

ولهذا يحتاج العمل الدعوي إلى ثلاثة أصول عظيمة:

العلم — والرفق — والصبر.

علمٌ يمنع الجهل، ورفقٌ يمنع التنفير، وصبرٌ يعين على الاستمرار.


🔹 ثامنًا: العمل للإسلام أوسع من الانتماء إلى تنظيم

لقد كان النبي ﷺ يدعو إلى الله ويخالط الناس، ويعلّمهم، ويصبر على أذاهم، ويقيم مجتمع الإيمان من خلال التربية والدعوة والتعاون.

فليس العمل للإسلام محصورًا في الانتساب إلى تنظيم معين.

يمكن للمسلم أن يخدم دينه من خلال:

📌 التعليم ونشر العلم.
📌 الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
📌 الصدقة والإغاثة.
📌 إصلاح المجتمع.
📌 خدمة الناس.
📌 الدفاع عن الحق بالحكمة والعدل.
📌 تربية الأسرة والأبناء.
📌 التعاون مع الصالحين في المشاريع النافعة.

وقد يجتمع المسلم مع غيره في مشروع، ثم يفترقون بعد انتهاء المشروع، دون أن يكون ذلك نقصًا في الدين أو إخلالًا بمبدأ التعاون.


🔹 تاسعًا: الضابط الحقيقي هو المقصد والوسيلة والنتيجة

ليس السؤال الصحيح:

هل الجماعة موجودة أم لا؟

بل الأسئلة الأهم:

ما هدفها؟

ما وسائلها؟

هل تلتزم بالشرع في وسائلها كما تلتزمه في غاياتها؟

هل تجمع على الحق أم على التعصب للأشخاص؟

هل تقبل النصيحة والنقد؟

هل تحفظ حقوق المخالف؟

هل يؤدي نشاطها إلى الإصلاح أم إلى زيادة الخصومة والانقسام؟

فهذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح عند تقييم أي جماعة أو حزب أو تنظيم.


🔹 الخلاصة

العمل الجماعي في الدعوة والإصلاح مشروع من حيث الأصل، إذا كان قائمًا على التعاون على البر والتقوى، وكانت غايته مشروعة ووسائله منضبطة بالشرع.

لكن مشروعية العمل الجماعي لا تعني وجوب الانتماء إلى جماعة معينة، ولا تعني أن كل تنظيم إسلامي مصيب، ولا أن اسم الجماعة يمنحها العصمة من الخطأ.

والأصل أن تكون الجماعة وسيلة لخدمة الحق، لا أن يصبح الحق تابعًا للجماعة.

فإذا اجتمع المسلمون على الخير، تعاونوا عليه، ونصح بعضهم بعضًا، وقبلوا الحق ممن جاء به، كان اجتماعهم عونًا على البر والتقوى.

أما إذا تحول التنظيم إلى تعصب، وتحول الانتماء إلى معيار للحق والباطل، وتحولت الجماعة إلى غاية في ذاتها، فقد خرجت الوسيلة عن وظيفتها وأصبحت سببًا من أسباب الفرقة.

فالواجب أن نخدم الإسلام بالجماعة، لا أن نجعل الجماعة هي الإسلام؛ وأن نتعاون على الحق، لا أن نجعل جماعتنا معيار الحق.

الحق أكبر من الجماعة، والجماعة وسيلة لخدمة الحق وليست مصدرًا له.

حكم العمل الجماعي والإنتماء الى الاحزاب الاسلامية ؟

 حكم العمل الجماعي والإنتماء الى الاحزاب الاسلامية ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
من الأدلة على وجوب العمل في جماعة , ليتسنى للمرء القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قول الله عزوجل :
1- ()وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران:103) .
وحبل الله هنا : هو القرآن , ورواه علي , وأبو سعيد الخدري عن النبي (ص) , وعن مجاهد وقتاده (1) مثل ذلك والمعنى الحق الذي عليه رسول الله ص, وروي عن ابن مسعود أنه قال: هو الجماعة.
* قال القرطبى(2) :- والمعنى متقارب متداخل فإن الله تعالى يأمر بالألفة , وينهى عن الفرقة , فإن الفرقة هلكة , والجماعة نجاة ,ورحم الله ابن المبارك حيث قال :
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا
* قال الجصاص(3) :- هو أمر بالاجتماع , ونهي عن الفرقة الذي أمروا جميعا بلزومه والإجتماع عليه.
2- ومن الأدلة كذلك: قول الله عزوجل (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ... (المائدة:2)
* قال ابن كثير(4) :- يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر, وترك المنكرات, وهو التقوى, وينهاهم عن التناصر على الباطل , والتعاون على المآثم والمحارم.
* وقال ابن جرير(5) :- وليعن بعضكم بعضا أيها المؤمنون على البر, وهو العمل بما أمر الله وهو التقوى وهى اتقاء ما أمر الله به باتقائه واجتنابه من معاصيه , وعلى هذا فقد أمر الله بالتعاون على أمر دينه, والأمر للوجوب.
وأي بر وأي خير أعظم من إعادة المجتمع المسلم الذي يقيم شريعة الله جميعها ويحيا من أجلها, وأي شر, وأي إثم أعظم من أن يتر ك دين الله نهبة للناهبين , وحمى مستباحا لكل ظالم وطاغية , ولكل ضعيف مستضعف.
إن ترك التعاون لإعادة دين الله إلى الوجود هو أكبر جريمة يرتكبها الناكصون على أعقابهم , المتقاعسون عن النفير لبناء هذا الدين من جديد , لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفرائض التي يتقرب بها إلى الله.
يقول الشوكاني(6):- ( إن مَن أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه , وتعدى حدوده , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية , وأجل الفرائض الشرعية , ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية, ومستحقا لغضب الله وانتقامه, كما وقع لأهل السبت, فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل , ولكن ترك الإنكار عليهم , كما مسخ المعتدين فصاروا قردة وخنازير), والشوكاني يشير إلى الآيات القرآنية في (الأعراف :164-166) .
(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)*)فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)*)فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) ... (الأعراف:164-166) .
عن عكرمة(7):- أن ابن عباس قال له : قد أعياني أن أعلم ما فعل الله بمن أمسك عن الوعظ من أصحاب السبت فقلت له: أنا أعرفك ذلك اقرأ الآية الثانية قوله تعالى (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) ... (لأعراف:165) قال: فقال لي أصبت وكساني حلة.
قال الجصاص(8):- فاستدل ابن عباس بذلك على أن الله أهلك من عمل السوء, ومن لم ينه عنه, فجعل الممسكين عن إنكار المنكر بمنزلة فاعليه من العذاب.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة بإجماع المسلمين
أجمع السلف والخلف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة يجب أن يقوم بها قسم من الأمة -في حالة وجود الدولة الإسلامية, والأمة المسلمة التي تعيش في إطار المجتمع المسلم الخاضع لشرع الله ومنهاجه- وإلا كانت الأمة كلها آثمة.
هذا في حالة قيام المجتمع المسلم , أما عند غيابه فيصبح الأمر بالمعروف فرض عين على كل مسلم ومسلمة .
ولقد اتفق الفقهاء أنه إذ اغتصب شبر من أراضي المسلمين أصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم حتى تخرج المرأة بغير إذن زوجها . وإذا سبيت امرأة في المشرق وجب على أهل المغرب افتداؤها , ولو أتى على أموالهم جميعا . هذا في حالة اغتصاب شبر أو سبي امرأة فكيف إذا اغتصب دين الله وأزيل من الوجود والشهود .
قال الجصاص(9): (إن الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه, وبينه رسول الله (ص) في أخبار متواترة عنه فيه, وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه).
وقال ابن العربي(10):- (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل في الدين , وعمدة من عمد المسلمين وخلافة رب العالمين , والمقصود الأكبر من فائدة بعث الرسل , وهو فرض على جميع الناس مثنى وفرادى بشرط القدرة عليه), والقدرة المشترطة هنا: في حالة الأمر بالمعروف, وتغيير المنكر باليد أو باللسان, ولكن هذا لا يعفي إنكار المنكر بالقلب مع المقاطعة وعدم الخلطة).
قال ابن عطية(11):-(والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه , وأمن الضرر على نفسه, وعلى المسلمين , فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر هذا المنكر ولا يخالطه).
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوجب اللعنة من الله يقول الله عزوجل:
)لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)*)كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ... (المائدة:78-79)
وهاتان الآيتان فيمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلسانه وقلبه, أو أنكر بلسانه مع المخالطة , والمعايشة , والمؤاكلة . فلقد استحقوا اللعنة بالعصيان والإعتداء , وهو ترك النهي عن المنكر, وهذا الذي فسره قوله (ص) فيما رواه عنه ابن مسعود قال: قال (ص): لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم , وواكلوهم , وشاربوهم وضرب الله قلوب بعضهم ببعض , ولعنهم على لسان داود, وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون قال : فجلس رسول الله (ص) وكان متكئا فقال: والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا .. قال الترمذي(12):- حديث حسن غريب وقد رأينا في قصة أصحاب السبت أن الله عز وجل مسخ الساكتين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الذين اعتدوا في السبت.
وفي صحيح مسلم(13):- عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: ( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب , يأخذون بسنته, ويقتدون بأمره, ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لايفعلون , ويفعلون ما لايؤمرون, فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن , ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن, ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن , وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ).
وإذن فالأمر جد فلا بد من الجهاد باليد , أو باللسان , أو بالقلب , والجهاد بالقلب عملية إيجابية لها أثرها في واقع الحياة بالمقاطعة , والإعراض , وعدم التعاون , وهذه أدنى مرتبة الجهاد ولا يبقى بعدها من الإيمان حبة خردل .
وأقل درجات الإيمان الإنكار القلبي , الذي إن اتفقت عليه الأمة لا يظهر فيها فساد , ولا يطغى فيها غشوم , ولا يعلو فيها متجبر , وهذا المسمى بالعصيان المدني وفي صحيح مسلم(14):- عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي (ص) أنه قال : إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون , فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم , ولكن من رضي وتابع .
لا بد من الكراهية القلبية, والإنكار بأية وسيلة من وسائل الإحتجاج, وإن ترك الإنكار القلبي يخرج صاحبه من دائرة الإيمان .
وأبو حنيفة يرى ضرورة العمل الجماعي والإلتقاء على رجل صالح
قال ابن المبارك : لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى حتى ظننا أنه سيموت, فخلوت به فقال: كان والله رجلا عاقلا, ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر.
قلت: وكيف كان سببه ? قال: كان يقدم ويسألني وكان شديد البذل لنفسه في طاعة ال له, وكان شديد الورع , وكنت ربما قدمت إليه الشيء فيسألني عنه ولا يرضاه ولا يذوقه, وربما رضيه فأكله , فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إلى أن اتفقنا أنه فريضة من الله تعالى فقال لي: مد يدك حتى أبايعك فأظلمت الدنيا بيني وبينه, فقلت: ولم? قال: دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه وقلت له:إن قام به رجل وحده قتل, ولم يصلح للناس أمر, ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دين الله لا يحول . وكان يقتضي ذلك كلما قدم علي تقاضي العزيمة الملح , كلما قدم علي تقاضاني, فأقول له هذا أمر لا يصلح بواحد, ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء, وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض, لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده , وهذا متى أمر به الرجل وحده أشاط بدمه, وعرض نفسه للقتل , فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه, وإذا قتل الرجل لم يجترئ غيره أن يعرض نفسه , ولكنه ينتظر, وقد قالت الملائكة:
(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) ... (البقرة:30)
ثم خرج إلى مرو حيث كان أبو مسلم فكلمه بكلام غليظ , فأخذه , فاجتمع عليه فقهاء أهل خراسان وعبادهم حتى أطلقوه, ثم عاوده فزجره, ثم عاوده ثم قال: ما أجد شيئا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك , ولأجاهدنك بلساني , ليس لي قوة بيدي, ولكن أراني الله وأنا أبغضك فيه فقتله.
هذا قول أبي حنيفة وهو يؤكد على ضرورة العمل الجماعي من أجل القيام بفريضة الأمر بالمعروف.
أرأيت قوله(15):- (ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دينه فلا يحول) أي يجب العمل معهم, فلا بد من قيادة صالحة مأمونة على دين الله وجند صالحين صادقين)(16) - (هذا أمر لايصلح بواحد,ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده) .
يقول ابن تيمية(17): (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون تارة بالقلب , وتارة باللسان وتارة باليد , فأما القلب فيجب بكل حال, إذ لا ضرر في فعله, ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن , كما قال النبي (ص): وذلك أدنى -أو- أضعف الإيمان , وقال : ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل , وقيل لابن مسعود: من ميت الأحياء? فقال: (الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ).
وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه للمنكر, وإرادته لهذا, وكراهته لهذا موافقة لحب الله وبغضه, وإرادته وكراهته الشرعيين, وأن يكون فعله للمحبوب, ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته, فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها , وقد قال: (فاتقوا الله ما ستطعتم).
فأما حب القلب وبغضه, وإرادته وكراهيته فينبغي أن تكون كاملة جازمة, لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان, وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته, ومتى كانت إرادة القلب كاملة وكراهته كاملة تامة, وفعل العبد معها بحسب قدرته, فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل.
فهم الصحابة والتابعين لفريضة الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: إني أعمل بأعمال الخير كلها إلا خصلتين , قال: وما هما? قال: لا آمر بالمعروف ولا أنهى عن المنكر, قال عمر(18):- (لقد طمست سهمين من سهام الإسلام إن شاء غفر لك, وإن شاء عذبك ).
وقال الضحاك(19):- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان من فرائض الله تعالى كتبهما الله عزوجل .
آيات حكيمة أ خر تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
1- قول الله عزوجل :
)وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) ... (البقرة:143)
ومعنى الوسط هنا العدول والخيار والأفضلون , فهي أمة فاضلة , روى الترمذي بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال: (عدلا ) حديث حسن صحيح(20).
وفي التنزيل: (قال أوسطهم) أي: أعدلهم وخيرهم. وقد جعلها الله فاضلة لكي تشهد على الناس لأن اللام هنا للتعليل.
إن هذه الأمة لها منزلة القيادة والريادة على البشرية.
وقد ألقى في يدها زمام قياد الإنسانية فهم حفظة دينه , وحراس شريعته التي نزلت رحمة للعالمين إلى يوم الدين, ولذا فهي مسئولة عن البشرية يوم القيامة في المحكمة الإلهية أنها بلغتها الرسالة الخاتمة , بل لقد وردت الأحاديث الصحيحة أنها شاهدة على أمم الأنبياء السابقين , أيضا روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): يدعى نوح يوم القيامه فيقول: لبيك وسعديك يا رب, فيقول: هل بلغت? فيقول: نعم, فيقال لأمته: هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير, فيقول: من يشهد لك ? فيقول: محمد وأمته, فيشهدون أنه قد بلغ -ويكون الرسول عليكم شهيدا- فذلك قوله عزوجل: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا ...).
فعلى الأمة أن تعي منزلتها, وتتبصر الواجب الذي ألقاه الله على كاهلها, إنها واقفة أمام الله وقفة الأنبياء, ومسئولة عن هداية البشرية, ومحاسبة عما قدمت تجاه الناس, إنها شهيدة, مستحفظه , مستأمنة على دين الله.
قال ابن زيد(21):- الأشهاد أربعة :
1- الملائكة:- (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) ... (قّ:21)
2- الأنبياء :- (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) ... (النساء:41)
3- أمة محمد (ص) :- (وجئ بالنبيين والشهداء) .... (ويوم يقوم الأشهاد).
4- الجوارح :- (يوم تشهد علىهم ألسنتهم وأيديهم ) ... (22)
- لقد عدل الله هذه الأمة وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم , كما الرسول ص حجة علينا في قبول قوله علينا, فقول الأمة حجة على الناس في الدنيا, وهم شاهدون عليهم يوم القيامة.
وعدالة الأمة ثابتة في كل عصر, وهذا دليل على حجية الإجماع.
2- وهناك فئة أخرى من الناس تقول بصدق: أريد أن أعتزل الجماعة حتى أربي نفسي ثم أعمل مع الجماعة , ونحن نقول لهم:
أ- إن التربية لا تتم إلا في وسط الجماعة.
ب- إن التربية لا تتم إلا من خلال الحركة بهذا الدين , فالقرآن لا يفتح كنوزه ولا يعطي أسراره للقاعدين, فهذا الدين دين عملي لايفهم من خلال الكتب والخلوات أو الإعتزال.
جـ-إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم, وتقصيره في حق نفسه لا يسوغ له تقصيره في هذه الفريضة, فأي منطق هذا أن يقال للمصلي الذي لا تلتزم زوجته اللباس الشرعي, أترك صلاتك حتى تلتزم زوجتك اللباس الشرعي.
قال ابن العربي(23): (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يقوم به المسلم وإن لم يكن عدلا خلافا للمبتدعه الذين يشترطون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العدالة).
(وكل مسلم عليه فرض في نفسه أن يطيع, وعليه فرض في دينه أن ينبه غيره على ما يجهله من طاعة أو معصية).
وقال حذاق أهل العالم (24):- ليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا , وقال بعض الأصوليين : فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهي بعضهم بعضا , واستدلوا بالآية )كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) .... (المائدة:79) يقتضي اشتراكهم في الفعل , وذمهم على ترك التناهي .
وقال الجصاص(25):- (فرض النبي (ص) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, مجرى سائر الفروض في لزوم القيام به مع التقصير في بعض الواجبات , ولم يدفع أحد من علماء الأمة وفقهائها سلفهم وخلفهم وجوب ذلك إلا قوم من الحشو وجهال أصحاب الحديث).
3- وهناك فئة ثالثة تحتج بالآية:
) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ..... (المائدة:105)
ولقد خشي أبو بكر على الناس أن يفهموا أنهم ليس عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا صلحوا (فقام فحمد الله , وأثنى عليه , ثم قال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية:(يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) إلى آخر الآية, وأنكم تضعونها على غير موضعها, وإني سمعت رسول الله (ص) يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه, أوشك أن يعمهم الله بعقابه)(26).
ورواية الترمذي: إن الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب (27). وقال: حسن.
عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية, قال: أية آية? قلت: قوله: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم).
قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا , سألت عنها رسول الله (ص) فقال: بل أئتمروا بالمعروف, وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا , ودنيا مؤثرة, وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك, ودع العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم .
قال عبدالله بن المبارك وزادني غير عتبه, قيل يا رسول الله: أجر خمسين منا أو منهم? قال: بل أجر خمسين منكم.
يقول ابن العربي(28):-(هذه الآية من أصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو أصل الدين وخلافة المسلمين).
قال الجصاص(29):-(ثبت بما قدمنا ذكره من القرآن والآثار الواردة عن النبي (ص) وجوب فرض الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وبينا أنه فرض على الكفاية -إذا قام به البعض سقط عن الباقين- وجب أن لا يختلف في لزوم فرضه البر والفاجر, لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا غيره, ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات, فكذلك من لم يفعل سائر المعروف, ولم ينته عن سائر المناكير, فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه.
وقول الجصاص: فرض على الكفاية هذا في زمنه حيث يظلهم شرع الله, ويقوم فيهم خليفة بحكم الله مع بعض المخالفات الشخصية من الأمراء, أما اليوم فقد ضاع دين الله وانتهكت حرماته وتعديت حدوده, فأصبح العمل لرفع راية لا إله إلا الله فوق المجتمع فريضة عين على كل مسلم ومسلمة.
فتاوى السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن المؤمن ليقف واجما إزاء فتاوى الفقهاء التي تضع هذا الركن في مكانه الصحيح من الإسلام, وإن القلب ليرتاح إلى هذه الفتاوى لأنه إن ضاع هذا الركن فقد ضاع الإسلام كله, لإنه الحارس الأمين لحصن هذا الدين, وعندما يغيب الحرس تدك الثغور, ويهلك العباد , وتضيع البلاد , ويعم الفساد في الأرض , وصدق الله العظيم : ) وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) .... (البقرة:251)
أي إن من فضل الله ذلك الناموس الإلهي بإبقاء المدافعة بين الأبرار والفجار, وقيام الحرب بينهم بدون ذلك فإن الباطل يعم الأرض وتفسد البشرية, وكذلك فإن الإنسان يتضاءل وهو يرى تقاعسه إزاء هذا الواجب العظيم, ويدرك القلب من أعماقه التقصير الكبير حيال هذا الأمر.
وإنني أغمض عيني ليتراءى لي شخوص الذي حموا هذا الدين في حقبات التاريخ المتطاولة, ويرى رخص الحياة لديهم ترى من بعيد إبراهيم عليه السلام, وكذلك الأنبياء من بعده عليهم الصلاة والسلام , وأصحاب الأخدود , والسحرة, وأصحاب رسول الله (ص) من وراء قائدهم , ثم مرورا بابن حنبل, وابن تيمية, وسيد قطب, ومروان حديد وعبد العزيز البدري لقد رتب الرسول (ص) مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحديث(30) .. (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
فلا يجوز استعمال اللسان حيث أمكن السنان لإزالة المنكر, ولا يجوز الإنكار القلبي حيث أمكن الزجر والتوبيخ والتذكير بالله, قال الحنفية(31):- إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما حالان:
حال يمكن فيها تغيير المنكر وإزالته ففرض على من أمكنه ذلك بيده أن يزيله. وإزالته باليد تكون على وجوه منها: أن لايمكن إزالته إلا بالسيف , وأن يأتي على نفس فاعل المنكر فعليه أن يفعل ذلك , كمن رأى رجلا قصده أو قصد غيره بقتله, أو بأخذ ماله أو قصد الزنى بامرأة أو نحو ذلك, وعلم أنه لا ينتهي إن أنكره بالقول , أو قاتله بما دون السلاح فعليه أن يقتله لقوله (ص): (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده). فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا المنكر فعليه أن يقتله فرضا عليه وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بيده ودفعه عنه بغير سلاح انتهى عنه لم يجزله الإقدام على قتله, وإن لم يمكن إزالة هذا المنكر إلا بأن يقدم عليه بالقتل من غير إنذار منه له فعليه أن يقتله, ذكر ابن رستم عن محمد بن الحسن: في رجل غصب متاع رجل وسعك قتله حتى تستنقذ المتاع وترده إلى صاحبه.
قال أبو حنيفة: في السارق إذا أخذ المتاع وسعك أن تتبعه حتى تقتله إن لم يرد المتاع, وقال: في اللص الذي ينقب البيوت يسعك قتله.
وقال أبو حنيفة(32).. في رجل يريد قلع سنك قال فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك عليه الناس, وهذا الذي ذكرناه يدل عليه قوله تعالى ()فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) .... (الحجرات:9)
وكذلك قلنا في أصحاب الضرائب والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس أن دماءهم مباحة, وواجب على المسلمين قتلهم, ولكل واحد من الناس أن يقتل من قدر عليه منهم من غير إنذار منه له ولا التقدم إليه بالقول.
قال الجصاص(33).. وكذلك حكم سائر من كان مقيما على شيء من المعاصي الموبقات مصرا عليها مجاهرا بها فحكمه حكم من ذكرنا في وجوب النكير عليهم بما أمكن, وتغير ما هم عليه بيده, فإن لم يستطع فينكر بلسانه, وعلى هذا فليس خرق النظام في المجتمع المسلم عمل سهل يقترفه مرتكبه فيجد الأيادي التي تربت عليها.
إن انتهاك الحرمات, وتعدي حدود الله أمر يهدد الحياة الإجتماعية, ويقطع حبل الأمن فيها, ومن هنا فإن لم تعالج بدواء ناجع فإن الأمور تتميع وتضيع القيم, ويسود الطغاة, ولقد صور رسول الله (ص) المجتمع تصويرا دقيقا بحيث لو سمح لواحد أن يعيث فيه فسادا فإن المجتمع كله يتعرض للإنهيار والدمار.
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها, وبعضهم أسفلها, وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا , ولم نؤذ من فوقنا, فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا (34). ومعنى القائم في حدود الله : الذب عن المحارم الواقع فيها: مرتكبها حدود الله ما نهي الله عنه, استهموا: اقترعوا, رواه البخاري.
- قول الله عزوجل :- )إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ... (البقرة:174)
هذه الآية نزلت في اليهود, وأهل الكتاب الذين كتموا صفة النبي ص في التوراة, وحرفوها حتى يصدوا الناس عن دين الله.
إلا أن القاعدة الأصولية: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) فلفظ الآية عام في كل من كتم دين الله, وكتابه, وشرعته.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنه(35) :- كلمة الفصل في مثل هذه الآيات, وتعتبر القاعدة الأساسية في مثل هذا الموضوع (كل ما ذم الله أهل الكتاب عليه فالمسلمون محذرون من مثله) .
يقول الفخر الرازي(36):- (دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره).
يقول القرطبي(37):- (هذه الآية وإن كانت في الأحبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها).
فعلى الذين يقعدون عن العمل لدين الله , لايحركون ساكنا , ولا يأمرون بالمعروف, ولا ينهون عن منكر أن يعلموا مصيرهم الذي ينتظرهم عند خالقهم الذي لا يكلمهم ولا يزكيهم وأعدلهم عذابا أليما .
3- قوله عزوجل:....... )وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) ...... (آل عمران:187)
هذه الآية كسابقتها تتكلم عن أهل الكتاب , إلا أن المفسرين يرون أنها عامة لهم ولغيرهم, والقرآن أشرف الكتب, قال الحسن وقتاده(38):- هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب, فمن علم شيئا فليعلمه, وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة, وقال علي بن أبي طالب(39):- ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا.
وقال أبو هريرة(40):- لو لا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية السابقة.
وقال محمد بن كعب(41):- لا يحل لعالم أن يسكت على علمه, ولا لجاهل أن يسكت على جهله , حكي أن الحجاج(42)أرسل إلى الحسن وقال: ما الذي بلغني عنك? فقال: ما كل الذي بلغك عني قلته ولا كل ما قلته بلغك.
قال: أنت الذي قلت إن النفاق كان مقموعا فأصبح قد تعمم وتقلد سيفا , فقال: نعم, فقال: وما الذي حملك على هذا ونحن نكرهه? قال: لأن الله أخذ مثياق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولايكتمونه, وعلى هذا فهذه الآية وما قبلها موجبة لإظهار علوم الدين وتبينه للناس سواء من جهة النص أو جهة المدلول (المعنى), وما يستنبط من النصوص من أحكام, ولا تقبل توبة كاتم العلم إلا بالتبيين بدليل قول الله عزوجل:-
)إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)*)إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:159-160)
فبينت الآية أن توبة كاتم العلم تقبل بشرط واحد إذا بين ما علمه الله إياه من الهدى, ولفظ الهدى شامل لكل العقيدة والشريعة سواء جاءت في القرآن أو السنة.
وبيان الحق اليوم يحتاج إلى جهود ضخمة ينوء لحملها الفرد الواحد, ومن هنا لا بد من التعاون على إظهاره بأن تتكاتف جهود المخلصين, وتنظم طاقتهم, وينسق بين أعمالهم حتى تؤتي ثمارها.
فعلى القاعدين عن العمل لدين الله أن يحذروا, ويشفقوا على أنفسهم من أن تمسهم لعنة الله, والملائكة ودواب الأرض وهوامها, عليهم أن يبادروا بمحاولة إظهار الخير, وأن يستبقوا الخيرات, ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر حتى ينالوا ثواب الصادقين المجاهدين -إن شاء الله-.
طريقك أيها الداعية
وأما العزلة فإنما تكون في المجتمع الجاهلي عزلة شعورية فقط ولا يمكن أن تتم العزلة العملية بادئ ذي بدء بالنسبة للدعوة, وأما العزلة العملية فإنها لا تتم إلا بعد قيام المجتمع المسلم الذي تهيمن عليه شريعة الله, وينفذ فيه حكمه وسلطانه, وهنا تكون المفاصلة العملية, ولو فكرت الدعوة في مراحلها الأولى أن تعتزل المجتمع الجاهلي , وتعيش في الصحاري والكهوف فإن هذا يؤدي إلى تجمد الدعوة , وبعدها عن الناس الذين يمثلون المادة الخام للدعوة الإسلامية, ولهذا فإن رسول الله (ص) بقي في مكة ولم يسكن في كهف من الكهوف في جبال مكة, ولم يترك مكة لطواغيت الكفر, بل بقي يبلغ الدعوة ويصلي صلاته في فناء الكعبة التي يحيط بها وبداخلها (360) صنما .
لكن على الداعية وهو يخوض معركته مع الجاهلية أن يستصحب في أعماقه معرفة عظمة الله وقدرته, ويشعر تجاه الناس الذي يؤذونه بالشفقة والرحمة, وما أصدقه من تعبير: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
إن الخروج من المجتمع الجاهلي, والفرار منه أمر أسهل على الداعية من القضاء بين عتاة الكفر الذين قدت قلوبهم من صخر, روى الإمام أحمد عن ربيعة بن عباد: رأيت النبي (ص) في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلآ الله تفلحوا , والناس يجتمعون عليه, ووراءه رجل أحول ذو غديرتين -جديلتين- يقول: إنه صابيء كاذب, يتبعه حيث ذهب فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب)(43).
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: (بينما رسول الله (ص) يصلي عند البيت, وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس, فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد) فانبعث أشقى القوم فأخذه, فلما سجد النبي (ص) وضعه بين كتفيه, قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض, وأنا قائم أنظر, لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله (ص), والنبي (ص) ساجد لا يرفع رأسه, حتى انطلق إنسان إلى فاطمة, فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تسبهم, فلما قضى النبي (ص) صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم, وكان إذا دعا دعا ثلاثا وإذا سأل سأل ثلاثا ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات , فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك , وخافوا دعوته ثم قال: اللهم عليك بأبي جهل بن هشام, وعتبه بن ربيعة , وشيبة بن ربيعة , والوليد بن عقبة وأميه بن خلف , وعقبة بن أبي معيط (44).
وذكر السابع لم أحفظه, فو الذي بعث محمدا بالحق لقد رأيت الذي سمى صرعى يوم بدر , ثم سحبوا إلى القليب -قليب بدر- وعلى هذا فلم يخرج رسول الله (ص) من مكة بل بقي صامدا أمام الجاهلية يحطم عقائدها بالقرآن ويدمر كيانها بالتنظيم الذي يأخذ أفراده من هذا الوسط الجاهلي الصاخب.
يقول الأستاذ سيد قطب في مقدمة سورة الرعد (5/16): (إن الجيل يعيش في جاهلية كالتي نزل القرآن ليواجهها, بينما هم لا يتحركون بهذا القرآن في مواجهة الجاهلية كما كان الذين تنزل عليهم القرآن أول مرة يتحركون..., وبدون هذه الحركة لم يعد الناس يدركون من أسرار هذا القرآن شيئا , فهذا القرآن لا يدرك أسراره قاعد, ولا يعلم مدلولاته إلا إنسان يؤمن به, ويتحرك به في وجه الجاهلية لتحقيق مدلوله ووجهته), ولذا فقد (إنماعت) وذبلت في حس الجيل, وتصوره مدلولات القرآن وأبعاده الحقيقية, وانحرفت في حسه مصطلحاته عن معانيها.
دعائم الداعية
لا بد للداعية من دعائم ثلاثة:
1- العلم.
2- الرفق.
3- الصبر.
أولا : أما العلم فهو ضروري للداعية لأنه ينقل دين الله, فلا يجوز له أن ينقل كلمة ما لم يتأكد من صحتها: )وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) .... (الاسراء:36)
لأن العابد الجاهل كالعالم الفاجر سواء بسواء كلاهما ضرره أكثر من نفعه, وقد نهى رب العزة عن إتباع الظن وذم الظن في مواطن كثيره من كتابه العزيز:- )وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) .... (لنجم:28)
وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إن كذبا علي ليس ككذب على أحد , فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (45).
وعن مسلم عن المغيرة مرفوعا : من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (46). قال عمر بن عبد العزيز(47) :- من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح , وعن معاذ : العلم إمام العمل , والعمل تابعه لأن الله عزو جل لا يقبل عملا إلا بشرطين : أن يكون خالصا وصوابا , والخالص: أن يكون صادقا لوجه الله لا يخالطه رياء ولا شرك , وصوابا : موافقا للسنة, وهذا معنى قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) كما قال الفضيل بن عياض : وهو كذلك معنى الآية :- )وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) ... (النساء:125)
فإسلام الوجه: هو الإخلاص , والإحسان : أن تعمل العمل موافقا للشرع, وهو معنى دعاء عمر بن الخطاب (48) :- رضي الله عنه : (اللهم اجعل عملي كله صالحا , واجعله لوجهك خالصا , ولا تجعل لأحد منه شيئا ).
وعن سعيد بن جبير(49):- لا يقبل قول وعمل إلا بنيه , ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.
وعن الحسن البصري : لا يصلح قول وعمل إلا بنية, ولا يصلح قول وعمل إلا بموافقة السنة.
ثانيا : أما الرفق فقد وردت أحاديث كثيرة صحيحة فيه: ففي صحيح مسلم عن جرير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من يحرم الرفق يحرم الخير (50).
وروى مسلم بإسناده عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا :- إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه, ولا ينزع من شيء إلا شانه , يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق , ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف (51).
وهذا معنى قوله تعالى: )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) .... (النحل:125)
وقلوب البشر كالزجاج رقيقة قد تكسرها الكلمة الفظة الغليظة, فتنفر من الداعية, ولا تعود إلى الإنجبار والإلتئام , وكم من كلمة رقيقة دخلت إلى القلوب فهزتها , وحركتها وأيقظتها من سباتها, وصدق الله العظيم :
)فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159)
ثالثا : الصبر, لأن الداعية لا بد أن يتعرض للأذى , وهو يقابل الناس بما يخالف معتقداتهم , وآرائهم, وينقص مبادئهم, ويسفه أحلامهم, ولذا فقد ورد في النظم الكريم على لسان لقمان لابنه وهو يعظه:
) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ..... (لقمان:17)
وكأن النص المبين يشي أن الإيذاء ملازم للأمر بالمعروف فلا بد من العمل , والصبر وصية الله إلى الرسل أجمعين عليهم الصلاة والسلام: (ولربك فاصبر).
)فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) ..... (الاحقاف:35)
لا بد من هذه الأمور الثلاثة للأمر والنهي
العلم قبل الأمر والنهي , الرفق مع الأمر والنهي , الصبر بعد الأمر والنهي.
وقد جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا , ذكره القاضي أبي يعلى في المعتمد (52):- (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه, رفيقا في ما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه, حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه).
أجر العاملين :
طوبى للدعاة:- (وطوبى: الجنة, وقيل هي شجرة فيها)(53). 1
ففي صحيح مسلم: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء , وزاد أحمد قالوا يا رسول الله ومن الغرباء? قال: النزاع من القبائل , وفي رواية الترمذي: الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي , وفي رواية أحمد والطبراني: قوم قليل في قوم سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم .
الهوامش
1-أحكام القرآن لابن العربي (1/291).
2- تفسير القرطبي (4/159).
3-أحكام الجصاص (2/314).
4-تيسير العلي القدير لاختصار ابن كثير لنسيب الرفاعي (1/484) , وزاد المسير لابن الجوزي (2/276).
5- تفسير الطبري (6/66).
6-تفسير الشوكاني (فتح القدير 2/66).
(7-8)-أحكام القرآن للجصاص (2/319).
9-في أحكام القرآن (4/154).
10-في عارضة الأحوذي (9/13)
11-تفسير القرطبي (6/253).
12-عارضة الأحوذي (11/175)
13-مختصر صحيح مسلم (1/16) رقم(3).
14-مختصر صحيح مسلم (2/93) حديث رقم (1229).
15-الجامع الصحيح الترمذي (11/83) .
16-فتح الباري (9/238), وصحيح الترمذي (11/83).
17-في الفتاوى(28/127)
18-أنظر فتح الباري (9/238), وصحيح الترمذي (11/83).
19-تفسير الرازي مفاتيح الغيب (4/113).
20-الجامع الصحيح الترمذي (11/83).
21-تفسير الرازي مفاتيح الغيب (4/113).
22-أنظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/158), وأحكام الجصاص (1/10).
23-في أحكام ابن العربي (1/292)
24-تفسير القرطبي (6/254), أنظر تفسير ابن الجوزي (زاد المسير 2/242).
25-أحكام الجصاص (2/320).
26-رواه أحمد في المسند (1/2) وأصحاب السنن الأربعة, وابن حبان في صحيحه.
27-جامع الترمذي (11/181) قال الترمذي: حديث حسن غريب, أنظر الجامع الصحيح (11/180).
28-أحكام القرآن لابن العربي (2/207).
29- أحكام الجصاص (2/230).
30- رواه مسلم, أنظر رياض الصالحين(103).
31- هذه الفتاوى أحكام القرآن للجصاص (2/317, 318).
33,32- أحكام القرآن الجصاص (2/318).
34- رواه البخاري أنظر: رياض الصالحين باب في الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر ص(104)
35- تفسير التحرير والتنوير لمحمد طاهر عاشور (2/65).
36- تفسير الرازي (5/30) طبعة (32) مجلدا .
37- تفسير القرطبي (2/216).
(38-39-40)- أنظر تفسير القرطبي (2/216), وتفسير الرازي (9/130), والدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي, وأحكام الجصاص (1/124).
41- تفسير القرطبي (2/304).
42- تفسير الرازي (9/130).
43- مختصر ابن كثير للصابوني (3/687).
44- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ص (216), أنظر مختصر مسلم (2/37) رقم الحديث (1167).
(45-46)- مختصر مسلم (2/252) الحديثان (1862, 1863).
47- فتاوي ابن تيمية (82/136, 82/177).
48- مجموع الفتاوى لابن تيمية (82/176).
49- مجموع فتاوى ابن تيمية (82/136, 82/177).
50- مختصر صحيح مسلم (2/234).
51- مختصر صحيح مسلم (2/234).
52- مجموع الفتاوى لابن تيمية (82/137)
53- النهاية في غريب الحديث (3/140).
العمل في جماعة
تأليف الشيخ/ عبد الله عزام (رحمه الله)