قال الله تعالى :{{ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }} [يوسف الآية: 108].
السبت، 6 مايو 2017
هل يمكن ترك بعض السنن لتأليف القلوب ..؟!
ومن دلائل تسامح السلف
: أنهم أجازوا ترك بعض السنن والمستحبات في العبادات ونحوها ، من أجل تأليف القلوب
، وعملاً بالحديث الشريف : (( بشروا ولا تنفروا )) [11] .
عن عبدالرحمن بن يزيد
قال :
" كنا مع عبدالله
بن مسعود بجمع ( أي مزدلفة ) ، فلما دخل مسجد منى قال : كم صلى أمير المؤمنين ؟ قالوا
: أربعاً ، فصلى أربعاً . قال : فقلنا : ألم تحدثنا أن النبي (ﷺ) صلى ركعتين وأبا بكر ركعتين ؟!
فقال : ( بلى ، وأنا أحدثكم الآن ، ولكن عثمان كان إماماً ، فما
أخالفه ، فالخلاف شرّ ) " [2] .
وروي أنّ الإمام الشافعي
رحمه الله ترك القنوت في صلاة الصبح لما صلى مع جماعة الحنفية في مسجد إمامهم ببغداد
، على خلاف مذهبه . وفسروا ذلك بإنه فعله تأدباً مع الإمام أبي حنيفة ، أو تألفاً لقلوب
أتباعه ، وكلاهما من الأدب الرفيع .
وقال ابن عبدالبر
في التمهيد : " سمعت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبدالملك بن هاشم رحمه الله يقول
: كان أبو إبراهيم بن إسحق بن إبراهيم شيخنا يرفع يديه كلما خفض ورفع على حديث ابن
عمر في الموطأ ، وكان أفضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علماً وديناً .
فقلت له : فلم لا
ترفع أنت فنقتدي بك ؟
قال لي : ( لا أخالف
رواية ابن القاسم ، لأن الجماعة لديـنا اليوم عليها ، ومخالفة الجماعة فيما قد أبيح
لنا ليس من شيم الأئمة ) " [3] .
قال محمد بن رافع
: " كنت مع أحمد بن حنبل وإسحاق عند عبدالرزاق فجاءنا يوم الفطر ، فخرجنا مع عبدالرزاق
إلى المصلى ومعنا ناس كثير ، فلما رجعنا من المصلى دعانا عبدالرزاق إلى الغداء ، فقال
عبدالرزاق لأحمد وإسحاق : رأيت اليوم منكما عجباً ، لمْ تكبّرا !
قال أحمد وإسحاق : يا أبابكر ، نحن كنا ننظر إليك : هل تكبّر فنكبّر
؟ فلما رأيناك لم تكبّر أمسكنا .
قال : أنا كنت أنظر إليكما : هل تكبران فأكبّر " [4] .
فانظر أدب الأكابر
بعضهم مع بعض ، ودع عنك الأصاغر الذين حرموا الأدب !
وقال شيخ الإسلام
في إحدى فتاويه : " إذا اقتدى المأموم بمن يقنت في الفجر أو الوتر قنت معه ، سواء
قنت قبل الركوع أو بعده ، وإن كان لا يقنت لم يقنت معه ، ولو كان الإمام يرى استحباب
شيء والمأمومون لايستحبونه ، فتركه لأجل الإتفاق والإئتلاف كان قد أحسن " .
ثمّ استدل رحمه الله
بقول النبي r لعائشة : (( لولا أنّ
قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت لهم الكعبة ، ولألصقتها بالأرض ، ولجعلت لها بابين باباً
يدخل الناس منه ، وباباً يخرجون منه )) ، فترك الأفضل عنده لئلاّ ينفر الناس .
وكذلك لو كان رجل
يرى الجهر بالبسملة فأمّ قوماً لا يستحبونه أو بالعكس ووافقهم فقد أحسن " [5]
.
وقال رحمه الله في
موضوع آخر من فتاويه :
" ولذلك استحب
الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين . .
.
فلو كان ممن يرى المخافتة
بالبسملة أفضل أو الجهر بها ، وكان المأمومون على خلاف رأيه ، ففعل المفضول عنده ،
لمصلحة الموافقة والتأليف التـــي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة كان جــائــزاً حـسنـاً
" أ.هـ.
وقال ابن مفلح في
الآداب الشرعية ( 2 / 47 ) :
" قال أبن عقيل
في ( الفنون ) : لا ينبغي الخروج من عادات الناس إلا في الحرام ، فإن الرسول r ترك الكعبة وقال : ((لولا حدثان قومك بالجاهلية . . )) " [66] .
وترك أحمد الركعتين
قبل المغرب لإنكار الناس لهما ، وذكر في (الفصول) عن الركعتين قبل المغرب : وفعل ذلك
إمامنا أحمد ثم تركه وأعتذر بأن قال : رأيت الناس لا يعرفونه .
[1] - متفق عليه .
[2] - السنن الكبرى للبيهقي ( 3 / 144 ) .
[3] - فتح البر في الترتيب الفقهي لابن عبدالبر ( 5 / 544 ) .
[4] - تاريخ دمشق ( 36 / 175 ) ، وسير أعلام النبلاء ( 9 /
566 ) .
[5] - مجموع الفتاوى ( 22 / 268 ) .
[6] - مجموع الفتاوى : ( 24 / 195 ) .
=======================
=======================
ومن دلائل التسامح عند علماء السلف : تركهم الإنكار
على ما تعارف عليه أهل كلّ بلد ، مما توارثه الخلف عن السلف .
روى الدارمي بسنده
عن حميد قال : قلت لعمر بن عبدالعزيز : لو جمعت الناس على شيء ؟ فقال : " ما يسرني
أنهم لم يختلفوا " . قال : ثمّ كتب إلى الآفاق أو الأمصار : ليقض كلّ قوم بما
اجتمع عليه فقهاؤهم [1] .
وهذا له أصل فيما
جاء عن الصحابة رضي الله عنهم .
فعن عبيدة السلماني
قال : قال علي بن أبي طالب t
: " أقضوا ما كنتم تقضون ، فإني أكره الإختلاف حتى يكون للناس جماعة ، أو أموت
كما مات أصحابي " [2] .
وقد قال أحمد في رواية
المروذي : " لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم "
.
وقال مهنا :
" سمعت أحمد يقول : من أراد أن يشرب هذا النبيذ يتبع فيه من شربه فليشربه وحده
" أ.هـ.
وسئل أحمد عن رجل
يصلي في مسجد وهو يشرب من النبيذ ما يسكر منها أيصلى خلفه ؟ قال : " إذا كان متأولاً
ولم يسكر فأرجو ، فإن سكر لم يصل خلفه " .
قال : " ونحن
نروي عمن كان يشرب " [3] .
قال ابن الجنيد :
سمعت يحيى بن معين يقول : " تحريم النبيذ صحيح ولكن أقف ولا أحرمه ، قد شربه قوم
صالحون بأحاديث صحاح ، وحرمه قوم صالحون بأحاديث صحاح " [4] .
ودخل أحمد بن حنبل
ويحيى بن معين وزهير بن حرب على خلف بن هشام يسألونه ، فلما أرادوا الإنصراف قال لأحمد
: أي شيء تقول في هذا ياأبا عبدالله ؟ لقنينة نبيذ كانت أمامه ( وكانت الجارية تريد
أخذها لما رأت قدومهم فقال لها : دعيها يرى الله U شيئاً فأكتمه عن الناس ؟ )
قال أحمد : ليس ذاك
إليّ ، ذاك إليك . قال : كيف ؟ قال أحمد : " قال النبي r : (( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته
)) والرجل راع في منزله ومسؤول عما فيه ، وليس للخارج أن يغير على الداخل شيئاً
" [5] .
وسئل ابن تيمية عمن
ولي أمراً من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوز شركة الأبدان ، فهل يجوز له منع الناس
؟
فأجاب : " ليس
له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الإجتهاد ، وليس معه نص من كتاب
ولا سنة ولا إجماع ،ولا ما هو في معنى ذلك " [6] .
وروى الحافظ أبو نعيم
في ( حلية الأولياء ) عن عبدالله بن الحكم قــال : سمعت مالك بن أنس رحمه الله تعالى
يقول : " شاورني هارون الرشيد في أن يعلق ( الموطأ ) في الكعبة ، ويحمل الناس
على ما فيه ، فقلت : لا تفعل ، فإن أصحاب رسول الله r اختلفوا في الفروع ، وتفرقوا في البلدان ، وكلّ عند نفسه مصيب ، فقال :
وفقك الله يا أبا عبدالله " [7] .
وتروى هذه القصة أنها
وقعت بين مالك وأبي جعفر المنصور . ولعلها تكررت مع المنصور والرشيد . فقد روى ابن
سعد في ( الطبقات ) عن محمد بن عمر الأسلمي - الواقدي - قال : سمعت مالك بن أنس يقول
: " لما حج المنصور قال لي : إني قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنســخ
، ثمّ أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخة ، وآمرهم أن يعملوا بما فيها
، ولا يتعدوه إلى غيره . فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا تفعل هذا ، فإنّ الناس قد سبقت
إليهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبقت إليهم ، ودانوا
به من اختلاف الناس ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم " .
وبهذه النقول كلها
- فضلاً عما تقدم من الركائز والقواعد - يتبين لنا صحة ( القاعدة ) الذهبية التي وضعها
ودعا إليها العلامة السلفي المجدد الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله صاحب مجلــة ( المنــــار
) وتفســـير ( المنار ) وهي التي تقول : ( نتعاون فيما اتفقنا عليه ، ويعذر بعضنا بعضاً
فيما اختلفنا فيه ) . وقد شكك في صحة هذه القاعدة بعض الأخوة السلفيين ، وها نحن نرى
صحتها في ضوء الأدلة التي سقناها .
نقل الحافظ الذهبي
في سير أعلام النبلاء ( 16 / 10 ) في ترجمة الإمام الشافعي t عن الإمام الحافظ أبي
موسى يونس بن عبدالأعلى الصدفي المصري ، أحد أصحاب الإمام الشافعي أنه قال : ما رأيت
أعقل من الشافعي ، ناظرته يوماً في مسألة ، ثمّ افترقنا ، ولقيني ، فأخذ بيدي ، ثمّ
قال : " يا أبا موسى ، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة ؟!
" . قال الذهبي : هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام ، وفقه نفسه ، فمازال النظراء
يختلفون .
وفي ( سير أعلام النبلاء
) أيضاً ( 11 / 370 ) في ترجمة الإمام إسحاق بن راهويه : " قال أحمد بن حفص السعدي
شيخ ابن عدي : سمعت أحمد بن حنبل - الإمام - يقول : لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحق
، وإن كان يخالفنا في أشياء ، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً " .
فليس العيب - أخي
المؤمن - في الخلاف ، ولكن العيب في التعصب للرأي والحجر على عقول الناس وآرائهم .
فالإسلام قد شرع الإجتهاد
، وجعل للمجتهد أجرين أذا أصاب ، وأجراً إذا أخطأ ، وأقرّ الرسول r أصحابه على الإجتهاد في
فهم ما أمرهم به من صلاة العصر في بني قريظة ، ما بين حرفي يتقيد بلفظ النص ، وآخر
ينظر إلى مقصد النص . وأقر معاذاً t على أن يعمل باجتهاده لا يألو ، فيما لم يجد فيه كتاباً ولا سنة ، وذلك
حين بعثه إلى اليمن .
[1] - سنن الدارمي : ( 1 / 122 ) بتحقيق عبدالله هاشم اليماني
.
[2] - تاريخ بغداد ( 8 / 42 ) .
[3] - مسائل الإمام أحمد لابن صالح ( 2 / 149 ) ، مسائل أبي داود
ص42 ، مسائل ابن هانيء ( 1 / 95 ) .
[4] - سير اعلام النبلاء ( 11 / 88 ) .
[5] - طبقات الحنابلة ( 1 / 154 ) .
[6] - مجموع الفتاوى ( 30 / 79 - 80 ) .
[7] - حلية الأولياء ( 6 / 332 ) .
هل يجوز الإختلاف في العقيدة .. وهل يوجد في مسائل العقيدة أيضاً أصول وفروع ؟!
هل يجوز الإختلاف في العقيدة
الإختلاف في
الأمور الفرعية الفقهية الإجتهادية ، وهذا لا بأس بها ، ولا يختلف فيها المسلمون ،
ولكن الذي لا نقبله هو الإختلاف في العقيدة ، والذي يكون فيه إحدى الطائفتين
المختلفتين على ضلال وباطل . والأخرى على هدى وحق
.
ونقول في الجواب : إعلم - أخي المؤمن - إنّ مسائل العقيدة أيضاً
فيها أصول وفروع وليس - كما هو معلوم - سواء
.
ولسنا نعتقد أنّ المسلمين اختلفوا فيما بينهم في أصول العقيدة ،
أما في الفروع فقد وقع الإختلاف بين السلف من الصحابة وأتباعهم بإحسان .
فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خالفت ابن عباس t وغيره من الصحابة في أنّ محمداً
r رأى ربه وقالت : من زعم أنّ محمداً r رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، بينما جمهور العلماء على رأي
ابن عباس ولا يبدّعون المانعين الذين وافقوا أم المؤمنين رضي الله عنها .
كما أنكرت أن يكون الأموات يسمعون دعاء الحيّ لما قيل إنّ النبي r قال : (( ما أنتم بأسمع لما أقول
منهم )) فقالت : إنما قال :
إنهم ليعلمون الان أن ما قلت لهم الحق . بالرغم من أنّ الموتى يسمعون خفق النعال
وكما ثبت عن رسول الله rr :(( ما من رجل يمر بقبر رجل
كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلاّ
رد الله عليه
روحه حتى يرد عليه السلام )) ،
إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة ومع هذا فقد تأولت أم المؤمنين رضي الله عنها [11]
.
وكذلك مسألة معراج رسول الله r إلى السماء ، فهي من
الأصول التي إن خالف فيها أحد فهو كافر ضال . أما هل كان بالروح والجسد أم بالروح
فقط ، يقظة أو في المنام ؟ فهو من فروع العقيدة التي اختلف فيها العلماء ، ولا
تكفير فيها ولا تضليل ولا تبديع !
السلفية والإختلاف في العقيدة :
بل إن في مدرسة واحدة وهي ( السلفية ) قد وقع إختلاف في أمور
العقيدة ، فهذا الشيخ الألباني رحمه الله وهو ينسب نفسه إلى المدرسة السلفية في
عصرنا ، قد خالف وأنكر على شيخ الإسلام ابن تيمية أموراً في العقيدة ، وشيخ
الإسلام ابن تيمية هو أشهر من نار على علم في هذه القضية
.
وسنعرض بعض ذلك إستدلالاً على ما قلناه
:
1- قدم العالم بالنوع وحوادث لا أول لها :
وهي من مسائل أصول الإعتقاد
.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عدة مواضع من كتبه بأن
الحوادث لا أول لها مع كونها مخلوقة لله تعالى . من تلك المواضع الكثيرة قوله :
أ- في ( موافقة صحيح
المنقول لصريح المعقول ) على هامش ( منهاج السنة ) ( 1 / 245 ) ما نصه : "
قلت : هذا من نمط الذي قبله ، فإن الأزلي هو نوع الحادث لا عين الحادث " أ.هـ .
ب- في كتابه (
شرح حديث عمران بن الحصين ) صحيفة 193 ما نصه : " وإن قدر أن نوعها لم يزل
معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل بل هي من كماله " أ.هـ.
ت- وقــال أيضاً
في ( موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ) ( 2 / 75 ) ما نصه : " وأما أكثر
أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثاً بل قديماً " أ.هـ.
وقد أثبت العلماء ذلك على شيخ الإسلام ابن تيمية ، منهم الحافظ ابن
حجر في ( شرح صحيح البخاري ) ( 13 / 410 ) إذ قال عند ذكره لحديث : (( كان الله ولا شيء معه )) ما نصه :
" وهو أصرح في الردّ على من أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب ،
وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية ، ووقفت في كلام له على هذا الحديث
يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها مع ان قضية الجمع بين الروايتين تقتضي
حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس ، والجمع يقدم على الترجيح بالإتفاق
" إنتهى من الفتح .
وقال في هذه المسألة الحافظ ابن دقيق العيد أيضاً كما في (
الفتـــح ) ( 12 / 202 ) ما نصه
:
" وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظن أنّ
المخالف في حدوث العالم لا يكفر لأنه من قبيل مخالفة الإجماع ، وتمسك بقولنا إن
منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواتراً عن صاحب الشرع ،
قال : وهو تمسك ساقط إما عن عمىً في البصيرة أو تعام ، لأنّ حدوث العالم من قبيل
ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل " أ.هـ من الفتح
.
وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في : ( نقد مراتب
الإجمـاع ) ص168 أن يكون هناك إجماع على : " أن الله لم يزل وحده ولا شيء معه
غيره " .
ردّ الشيخ الألباني رحمه الله لعقيدة ابن تيمية هذه وإعلانه رفضها :
أ- قـــال الشيـــخ الألـبـانــي رحمه الله في ( سلسلة
الأحاديث الصحيحة ) ( 1 / 208 ) عن حديث : (( إنّ أول شيء خلقه الله
تعالى القلم )) ما نصه :
" وفيه رد أيضاً على من يقول بحوادث لا أول لها ، وأنه ما من مخلوق إلاّ ومسبوق
بمخلوق قبله ، وهكذا إلى ما لا بداية له ، بحيث يمكن أن يقال : هذا أول مخلوق ،
فالحديث يبطل هذا القول ويعين أنّ القلم هو أول مخلوق ، فليس قبله قطعاً إيّ مخلوق
، ولقد أطال ابن تيمية الكلام في رده على الفلاسفة محاولاً إثبات حوادث لا أول لها
، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول ، ولا تقبله أكثر القلوب " . ثمّ
قال بعد ثلاثة أسطر : " فذلك القول منه غير مقبول ، بل هو مرفوض بهذا الحديث
، وكم كنا نود أن لا يلج إبن تيمية هذا المولج ، لأنّ الكلام فيه شبيه بالفلسفة
وعلم الكلام . . " إنتهى .
ب- وقال الشيخ
الألباني رحمه الله في شرحه للعقيدة الطحاوية ( طبع المكتب الإسلامي الطبعة الأولى
1398 هـ - 1978 م ) ص35 ما نصه
:
" فإني أقول الآن : سواء كان الراجح هذا أم ذلك ، فالإختلاف المذكور
يدل بمفهومه على أن العلماء اتفقوا على أنّ هناك أول مخلوق ، والقائلون بحوادث لا
أول لها مخالفون لهذا الإتفاق ، لأنهم يصرحون بأن ما من مخلوق إلاّ وقبله مخلوق ،
وهكذا إلى ما لا أول له ، كما صرح بذلك ابن تيمية في بعض كتبه ، فإن قالوا العرش أول
مخلوق ، كما هو ظاهر كلام الشارح ، نقضوا قولهم بحوادث لا أول لها . وإن لم يقولوا
بذلك خالفوا الإتفاق : فتأمل هذا فإنه مهم ، والله الموفق " أ.هـ.
2- فناء النار
:
وهو أيضاً من مسائل الإعتقاد ، لأنها لا تذكر في باب الوضوء من كتب
الفقه ولا في غير ذلك من الأبواب كالإجارة والنكاح وغيرها
.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في مقدمة كتاب ( رفع الأستار لإبطال
أدلة القائلين بفناء النار ) لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني ص7 ما نصه :
" فأخذت في البطاقات نظراً وتقليباً ، مما قد يكون فيها من الكنوز
بحثاً وتفتيشاً ، حتى وقعت عيني على رسالة للإمام الصنعاني ، تحت اسم ( رفع
الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار ) في مجموع رقم الرسالة فيه ( 2619 ) ،
فطلبته ، فإذا فيه عدة رسائل ، هذه الثالثة منها . فدرستها دراسة دقيقة واعية ،
لأن مؤلفها الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى ردّ فيه على شيخ الإسلام إبن تيمية
وتلميذه إبن القيم ميلهما إلى القول بفناء النار ، بأسلوب علمي رصين دقيق ، ( من
غير عصبية مذهبية ولا متابعة أشعرية ولا معتزلية ) كما قال هو نفسه رحمه الله
تعالى في آخرها . وقد كنت تعرضت لرد قولهما هذا منذ أكثر من عشرين سنة بإيجاز في (
سلسلة الأحاديث الضعيفة ) في المجلد الثاني منه ( ص71 - 75 ) بمناسبة تخريجي فيه
بعض الأحاديث المرفوعة ، والآثار الموقوفة التي احتجا ببعضها على ما ذهبا إليه من
القول بفناء النار ، وبينت هناك وهاءها وضعفها ، وأنّ لابن القيم قولاً آخر ، وهو
أن النار لا تفنى أبداً ،
وأن لابن تيمية
قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار ، وكنت توهمت يومئذ أنه يلتقي فيها
مع ابن القيم في قوله الآخر ، فإذا بالمؤلف الصنعاني يبين بما نقله عن ابن القيم ،
أن الرد المشار إليه ، إنما يعني الرد على من قال بفناء الجنة فقط من الجهمية دون
من قال بفناء النار ! وأنه هو نفسه - أعني ابن تيمية - يقول : بفنائها ، وليس هذا
فقط بل وإن أهلها يدخلون بعد ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ! وذلك واضح كل
الوضوح في الفصــــول الثلاثـــة التـي عقدها إبن القيم لهذه المسألة الخطيرة في كتابه
( حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ) ( 2 / 167 - 228 ) ، وقد حشد فيها ( من خيل
الأدلة ورجلها ، وكثيرها وقليلها ، ودقها وجلها ، وأجرى فيها قلمه ، ونشر فيها
علمه وأتى بكل ما قدر عليه من قال وقيل ، واستنفر كل قبيل وجيل ) كما قال المؤلف
رحمه الله ،
ولكنه أضفى بهذا
الوصف على إبن تيمية ، وإبن القيم أولى به وأحرى لأننا من طريقه عرفنا رأي إبن
تيمية ، في هذه المسألة ، وبعض أقواله فيها ، وأما حشد الأدلة المزعومة وتكثيرها ،
فهي من إبن القيم وصياغته ، وإن كان ذلك لا ينفي أنه تلقى ذلك كله أو جله من شيخه
في بعض مجالسه ) أ.هـ.
وقــال الشيخ الألباني أيضاً في مقدمة ( رفع الأستار ) ص25 ما نصه :
" فكيف يقول ابن تيمية : ( ولو قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة
البتة ) ! فكانت الرحمة عنده لا تتحقق إلاّ بشمولها للكفار والمعاندين الطاغين !
في هذه المسالة الخطيرة ؟! " أ.هـ.
دفاع عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه :
وقد دافع عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله
، الأســـتاذ عبدالكريم صالح الحميد في كتابه ( القول المختار لبيان فناء النار )
( طبع مطبعة السفير - الرياض ، الطبعة الأولى 1412 هـ ) فقال في رده على الشيخ
الألباني رحمه الله ( ص13- 14 ) ما نصه :
" فصل : الباعث لكلامنا في هذه المسألة : كنت أسمع من يقول : في كتب
ابــن القيم أشياء ما تصلح مثل حادي الأرواح وغيره ، والبعض يقول : لعل ذلك قبل
إتصاله بشيخه أو أنه دخل عليه من ابن عربي ولا أدري ما المراد ولكني أنفي أن يكون
في كتب ابن القيم شيء ما يصلح ! حتى وصلت إلى نسخة ( رفع الأستار ) للصنعاني وفيها
مقدمة الألباني وتعليقه ، فلما قرأت المقدمة عرفت السر الذي من أجله تكلم من تكلم
بكتب ابن القيم فقد رأيت تهجماً عنيفاً من الألباني على الشيخ وتلميذه لا صبر عليه
حيث قال : سقطا بما سقطا به أهل البدع والأهواء من الغلو في التأويل وأن ابن القيم
إنتصر لشيخه في ذلك . . .
وأن ابن تيمية
يحتج لهذا القول بكل دليل يتوهمه ويتكلف في الرد على الأدلة المخالفة له تكلفاً
ظاهراً . وقال: حتى بلغ بهما الأمر إلى تحكيم العقل فيما لا مجال له فيه كما يفعل
المعتزلة تماماً . حتى زعم أن تأويل المعتزلة والأشاعرة لآيات وأحاديث الصفات
كاستواء الله على عرشه ونزوله إلى السماء ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من التأويل
أيسر من تأويل ابن القيم للنصوص من أجل القول بفناء النار . وقال : فهذا شيخ
الإسلام ابن تيمية زلت به القدم فقال قولاً لم يسبق إليه ولا قام الدليل عليه .
وغير ذلك من طعن الألباني وقدحه على الشيخ وتلميذه في مقدمة ( رفع الأستار ) .
فلذلك كتبت في المسألة دفاعاً عنهما وبياناً بأن الحق معهما وأنا على بصيرة من ذلك
، حيث دعوت للمباهلة من أول المسألة ولو غلط الشيخ وتلميذه في هذه المسألة لم يوجب
ذلك ولا بعض ما قاله الألباني كيف والحق والصواب معهما في ذلك ، وقد تكلما فيه
دفاعاً عن الإسلام كما تقدم ، فرضي الله عنهما وجزاهما خير الجزاء . فانا أهيب بمن
تعجل الإنكار أن يراجع الصواب ويدع الإصرار " أ.هـ.
3- إستقرار الله على العرش :
قال شيخ الإســـــلام ابـن تيمية رحمه الله في ( بيان تلبيس الجهمية ) ( 1 /
568 )
:
" ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على
عرش عظيم أكبر من السموات والأرض ، فكيف تنكر أيها النفاج أن عرشه يقله .
. .
"
وكذلك صرح بلفظة الإستقرار التي لم ترد في كتاب ولا سنة ، الشيخ ابن عثيمين
رحمه الله حيث قال في ( شرح لمعة الإعتقاد ) ( ص41 ) :
" وهو استواء حقيقي معناه العلو والإستقرار . . . " أ.هـ.
رد الشيخ الألباني على
هذه العقيدة :
قال الشيخ الألباني رحمه الله في مقدمة ( مختصر العلو ) ص17 الطبعة الأولى
1401 هـ ، حيث قال :
" ولست أدري ما الذي منع المصنف - عفا الله عنه - من الإستقرار على هذا القول ،
وعلى جزمه بأن هذه الأثر منكر كما تقدم منه ، فإنه يتضمن نسبة القعود على العرش
لله U ، وهذا يستلزم نسبة الإستقرار عليه لله تعالى وهذا مما
لم يرد ، فلا يجوز إعتقاده ونسبته إلى الله U " أ.هـ.
4- قعود الله سبحانه على العرش :
قـال الحافظ أبو حيان في تفسيره ( النهر الماد ) ( 1 / 254 ) ما نصه :
" وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سماه كتاب العرش (
وهو غير الرسالة العرشية المطبوعة ) : إن الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلى منه
مكاناً يقعد فيه معه رسول الله r تحيّل عليه التاج محمد بن
عبدالحق البارنباري وكان أظهر أنه داعية له حتى أخذه منه وقرأنا ذلك فيه "
أ.هـ.
وقد اثبت هذه العقيدة الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه ( بدائع الفوائد )
( 4 / 841 ) حيث قال :
" قال القاضي : صنف المروزي كتاباً في فضيلة النبي r وذكر فيه إقعاده على
العرش . . . " ثم قال ابن القيم : " قلت : وهو قول ابن جرير الطبري
وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير وهو قول أبي الحسن الدارقطني ، ومن شعره فيه :
حديث الشفاعة عن
احمد
إلى أحمد المصطفى مسنده
وجاء حديث باقعـــــــاده
على العرش فلا نجحـــــده
أمروا الحديث على وجهه
ولا تدخلوا فيه ما يفســــده
ولا تنكروا أنه
قـاعـــــــد
ولا تنكروا أنه يقعــــــــده
"
إنتهى كلام الحافظ ابن القيم
.
إنكار الشيخ الألباني لذلك ورده عليه :
قال الشيخ الألباني رحمه الله في مقدمة ( مختصر العلو ) ص20 :
" قلت : وقد عرفت أن ذلك لم يثبت عن مجاهد ، بل صح عنه ما يخالفه كما
تقدم . وما عزاه للدارقطني لا يصــــــــح إسنــاده كما بيناه في ( الأحاديث
الضعيفة ) ( 780 ) وأشرت إلى ذلك تحت ترجمة الدارقطني الآتية ، وجعل ذلك قولاً
لابن جرير فيه نظر " .
وقال الشيخ الألباني رحمه الله في آخر تلك الصحيفة :
" وخلاصة القول : إن قول مجاهد هذا - وإن صح عنه - لا يجوز أن يتخذ
ديناً وعقيدة ، ما دام أنه ليس له شاهد من الكتاب والسنة ، فيا ليت المصنف إذ ذكره
عنه جزم بردّه وعدم صلاحيته للإحتجاج به ، ولم يتردد فيه
" .
5- إثبات الحركة لله تعالى :
قال الحافظ ابن تيمية رحمه الله في كتابه ( موافقة صحيح المنقول
لصريح المعقول 2 / 4 - المطبوع على هامش منهاج السنة - ) ما نصه :
" وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل
مذهبهم كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما ، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة
، وأنّ ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين . . . " ثم
قال : " وقال عثمان بن سعيد وغيره إنّ الحركة من لوازم الحياة فكل حيّ متحرك
، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات الذين إتفق السلف والأئمة على
تضليلهم وتبديعهم " أ.هـ.
رد الشيخ الألباني لهذه العقيدة :
قال الشيخ الألباني رحمه الله في مقدمة كتاب ( مختصر العلو ) ص16
ما نصه :
" ( ويقولون في الله ما لا يجوزه الشرع ولا العقل من إثبات الحركة له
والنقلة والحد والجهة والقعود والإقعاد ) فيعني هذا الذي نحن في صدد بيان عدم
ثبوته " .
الكلام السابق الذي هو بين قوسين ( ) هو قول الشيخ الكوثري ينقل
عنه الشيخ الألباني مُقِرّاً له
.
نكتفي - أخي المؤمن - بهذا القدر ، وهو كاف في إثبات ما أردناه ،
أما الإختـلاف بين السلف في تصحيح الأحاديث وتضعيفها فهو غني عن البيان .
[1] - الإمام مسلم ( 8
/ 263 ) ، والإمام أحمد ( 2 / 219
) .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)