الأحد، 24 يناير 2021

حكم إعفاء اللحية...؟

حكم إعفاء اللحية مختلف فيه بين العلماء ما بين:

1 - قائلٍ باستحباب الإعفاء دون الوجوب
#دليلهم: قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال "قصوا الشوارب وأعفوا اللحى وغيّروا الشيب خالفوا المشركين"
فحُمِل فعل الأمر هنا على الاستحباب بدليل أن تغيير الشيب المذكور في نفس السياق مستحب فكانت العلة هي مخالفة المشركين استحبابا فجعلوا سياق الحديث دليلا على صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب.
2 - وبين قائل بالوجوب
#ودليلهم: أن فِعل الأمر يراد به الوجوب ودلالة الاقتران في أصول الفقه ضعيفة فقد يرد في السياق الواحد فعل أمر يراد به الوجوب مع فعل أمر يراد به الاستحباب وتكون القرينة المرجحة لاستحباب الثاني خارجة عن السياق ويبقى الفعل الأول على أصله.
والقائلون بوجوب الإعفاء اختلفوا في المراد بالإعفاء أهو
2 - 1: الإعفاء المطلق
#واستدلوا: بعموم الحديث دون تقييده.
أم
2 - 2: مطلق الإعفاء
#والدليل: أن الأصل في أفعال الأمر هو مطلق الفعل وإنما الفعل المطلق هو نوع من أنواع التقييد والقائل به هو المحتاج إلى الدليل كما أن القائلين بالإعفاء المطلق في اللحية قالوا بمطلق القص في الشوارب رغم أن العلة واحدة "قصوا الشوارب وأعفوا اللحى" ومعلوم أن الآمر لو قال "أعطني ماءً فيُحمل الأمر على مطلق إعطاء الماء "المهم أن يأتيه بالماء والحد الأدنى منه يكون مجزئا ما لم يقيد الآمر أمره بالحد المطلوب" لا على إعطاء الماء المطلق فيجلب له كل الماء وكذلك قول الله "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الأسود من الفجر" فمن المعلوم أن المقصود هنا هو مطلق الأكل "المهم كسر الصيام وعدم الوصل بين النهارين صياما" وليس المراد هنا هو الأكل المطلق بحيث يأكل بلا توقف إلى غاية الفجر.
والقائلون بمطلق الإعفاء اختلفوا في كون هذا المطلق
2 - 2 -1: بقي على إطلاقه
#وذلك: لعدم ورود الدليل على التقيد وما فعله عبد الله بن عمر من باب الاختيار الشخصي في المباح كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار أن يجعل شعره لشحمة أذنيه لا من باب الحد الشرعي للشعر؛ ولو أخذ ابن عمر مقدارا أعلى أو أقل بما يناسب لحيته لما جاز أن يكون فعله حدا.
كما أن الحد الشرعي لابد له من مصدر تشريعي قطعي في الدلالة على الحد وفعل عبد الله بن عمر ليس فيه دلالة على أنه اختيار شرعي؛ ولو كان اختيارا شرعيا لكان أصله في الكتاب والسنة موجودا.ك (وهذا ما أراه صوابا)
وقال بعضهم:
2 - 2 -2: بل حُدّ "واعتمدوا على فعل عبد الله بن عمر حيث كان يأخذ من لحيته طولا وعرضا مقدار القبضة فقالوا ما كان ليفعل ذلك لو لم ير النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ منها مقدار القبضة؛ ومع ذلك فقد رُد على ذلك بأنه اختيار شخصي حتى ولو ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الحال في شعر النبي صلى الله عليه وسلم لشحمة إذنيه مادام الأصل هو مطلق الإعفاء.
وذلك يشبه أن يحل النبي صلى الله عليه وسلم أصناف المأكولات عدا الاستثناءات المحرمة ثم لا يأكل من بعض أصنافها فذلك لا يدل على أنها استثنيت أيضا وإنما اختياره ألا يأكل منها.
ثم إن الذين رأوا أنه حُدّ اختلفوا في الحد أهو:
2 -2 - 2- 1: شرعي
#فقالوا: مثل ما سبق ذكره في 2-2-2.
أم هو:
2 - 2- 2- 2: حد عرفي
فجعلوا اختيار ابن عمر راجعا للعرف "ما نسميه اليوم بموضة اللباس والقصات" وجعلوا معيار اللحية ما يُعرف عند الناس أنه لحية وهذا القول لا يختلف كثيرا عن القول بمطلق الإعفاء دون حد "عند التنزيل".
والذين قالوا بأنه حد شرعي اختلفوا في حكم الحد أهو
2 - 2- 2 - 1 - 1:جائز
فقالوا بجواز الأخذ من اللحية قدر القبض وجواز إطالتها لتتجاوز القبضة ولكنه حد في الإعفاء لذلك لم يجيزوا الأخذ ما دون القبضة.
أم
2 - 2 - 2 - 1 - 2: حد واجب
فقالوا بأنه حد واجب لا يجوز النزول تحته ولا فوقه فجعلوا نزول اللحية أسفل القبضة حراما والواجب هو الأخذ منها وليس الجواز فحسب.
والذين قالوا بجوازه اختلفوا في زمن الحد أهو
2 - 2 - 2- 1 - 1 - 1: في كل الأوقات
وقالوا: لو كان محرما الأخذ من القبضة لما فعلها ابن عمر لا في الحج والعمرة ولا في غيره واحتجوا بروايات أخرى عن أخذ ابن عمر في غير الحج والعمرة.
أم هو:
2 - 2 - 2 - 1 - 1 - 2: خاص بالحج والعمرة.
وقالوا: إن فعل ابن عمر كان في الحج والعمرة لذلك يكون هذا الأخذ خاصا بالحج والعمرة استحبابا دون غيره من الأوقات.
#أخيرا: فإن تبين ما سبق عُلم أن الراجح عندي هو الأخذ من اللحية بقدر ما يشاء صاحبها شرط ألا يحلقها حلاقة تامة؛ ومن حلقها مقتنعا بقول العلماء المجيزين للحلق فلا يُنكَر عليه كذلك لا يُنكَر على بقية الآراء والأقوال والمسألة فرعية بكل الأحوال أخذت أكبر من حجمها بسبب ظهورها على الإنسان بينما قد يغرق الإنسان في الذنوب والخطايا التي تخفى على الناس ولا يلتفت إليه أحد؛ ومن باب الاستفادة العلمية قررت أن أكتب هذا المقال والحمد لله رب العالمين.
#الصورة: مقارنة بين صورتي عندما كنت أعتقد بحد القبضة وبينها عندما اعتقدت بمطلق الإعفاء "دون حد".

الأربعاء، 20 يناير 2021

السعودية وتصدير السلفية المخابراتية..

 السعودية وتصدير السلفية المخابراتية..


وقفت حركة السلفية المدخلية كرقم مؤثر في المعادلة السياسية للتغيير في العالم العربي والإسلامي بشكل سلبي قائم على كبح عملية التغيير، سواء عن طريق أليات الديمقراطية أو الثورة، فأصلت لحرمة المشاركات السياسية سواء عن طريق المجالس النيابية، والعمل العام، أو عن طريق المظاهرات، وانتهاءاً بالتغيير الثوري العنيف.



ففي أحضان أجهزة مخابرات آل سعود نشأت السلفية المدخلية إبان حرب الخليج أوائل التسعينيات، للتصدي لصعود تيار الصحوة المعارض لتوجهات الحكومة السعودية في الاستعانة بقوات الحلفاء لرد الغزو العراقي الكويتي، ونسب هذا التيار السلفي الدخيل في بدايته إلى الشيخ محمد أمان الله الجامي، ثم خلفه في قيادة هذا الاتجاه الشيخ ربيع بن هادي المدخلي.


ويتميز هذا التيار عن غيره من التيارات السلفية بعدة خصائص أهمها:

– غلوه في طاعة الحكام والحكومات العلمانية، وتنزيل أحكام الولاية الشرعية من الفقه الإسلامي عليهم، والدعوة لسحق وقتل المعارضين لهذه الأنظمة بصفتهم خوارج.

– غلوه في جرح المخالفين، وإخراجهم من دائرة أهل السنة وتطرفهم في تطبيق أحكام المبتدع عند السلف على كل من خالفهم.

– قولهم بحرمة (العمل الجماعي) بمعني أن اجتماعهم وانتظامهم هم أو غيرهم في عمل جماعي حرام شرعاً، فكونوا جماعة واحدة فيما بينهم تجتمع على ألا تجتمع.

– قصر العمل الاجتماعي على إصلاح العقائد الدينية والدعوة الإسلامية، والتصدي للعمل السياسي بمهاجمة كل من يتعرض للنظام السياسي عامة، وشخص رئيس النظام بشكل خاص.

– التخصص في مهاجمة الجماعات الإسلامية التي تسعى لإحداث التغيير السياسي بداية من الجماعات الجهادية، وانتهاءاً بالجماعات السلمية المعارضة، وحتى الدعاة المستقلون الذين قد يعارضون أفعال النظام بين الحين والآخر كأبي إسحاق الحويني ومحمد حسين يعقوب، وأحيانا المعارضون السياسيون العلمانيون كفتوى قتل د. البرادعي.


من مبادئ الجامية نقد الجماعات الإسلامية الأخرى، بما في ذلك الحركات السلمية كالإخوان المسلمين أو التبليغ، ويتوجهون بالنقد الشديد للصحويين والسروريين، ويبدعون ويتهمون سيد قطب وعقيدته
تم تصدير هذه الأفكار للبيئة المصرية، ويعتبر أهم رموزه في مصر محمد سعيد رسلان، وهشام البيلي، وطلعت زهران ومحمود لطفي عامر.


ونفصل بعضا من خصائص هذا التيار فيما يلي:

أولاً: الغلو في طاعة الحكام والحكومات العلمانية: من مبادئ المداخلة تأكيد الطاعة التامة لولى الأمر خاصة إذا كان علمانياً، يؤكد على ذلك الشيخ محمود لطفي عامر، حيث يذكر في مقاله بعنوان "هذا بيان لمدعى السلفية": "هؤلاء المذكورون بأعيانهم وأفرادهم إن كانوا يزعمون بأنهم سلفيون عليهم أن يبينوا لنا ولعموم الشباب ولولاة أمر مصر من أجهزة معنية خاصة ما يلي: هل يعترف هؤلاء المذكورون بوجود جماعة المسلمين في مصر وإمامها أم لا؟ وأطالبهم بتحديد موقفهم من نجل الرئيس مبارك ”جمال مبارك” في حالة إسناد الرئاسة إليه.


ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يثير فيها "عامر" الجدال حول توجهاته، وربما بدأ مسلسل جدلياته حينما بادر خلال الانتخابات الرئاسية 2005، بنشر لافتات بميادين عامة تدعو إلى البيعة لمبارك كأمير المؤمنين في مصر، ولما كان تصرفه هذا مثير إلى حد الخشية من سوء عواقبه في الشارع المصري، استدعته أجهزة أمن الدولة واستنكرت صنيعه، وطلبوا منه نزع هذه العبارات من أماكن وجودها. وله كذلك فتوى شهيرة بقتل "البرادعي" لأنه معارض سياسي لنظام مبارك.


ويقول الشيخ طلعت زهران بعد ثورة يناير 2011 ما نصه "نحن حسب التمكين، فالمتغلب هو الإمام سواء كان مسلماً أو كافراً، ولو شنودة تمكن الآن فهو الإمام"، وبالرغم من هذا تصدى التيار كله لحكم د. محمد مرسي، الرئيس الإسلامي المنتخب.


يوضح سلوك عامر السابق والمخالف لسلوك الجماعة الوطنية بشكل عام، والمخالف بشكل خاص لسلوك التيار الإسلامي الذي يتنازعه أفكار الحاكمية، مدى غلو التيار المدخلي في الحكام والحكومات العلمانية بشكل ربما يكون مثاراً للضحك أو ربما ظن البعض منه الاستهزاء في ظل الدولة المدنية الحديثة، والتي لا تعترف أصلاً بهذه التنظيرات، في الوقت نفسه يقر زهران، السلفي الأصولي!، بأن المتغلب عندهم هو ولى الأمر سواء كان مسلم أو كافر!


ويتابعه الشيخ محمد سعيد رسلان بأن أصحاب منهج النبوة يلزمون الجماعة، ويحفظون حقوق ولاة الأمر، وأهمها وأخطرها: السمع والطاعة، ما لم يؤمروا بمعصية.


ويقول نقلاً عن الشيخ صالح الفوزان في منع المعارضة حتى عن الكلام عن عيوب النظام السياسي أو التظاهر "الخروج على الأئمة يكون بالسيف، ويكون بالكلام، بسبهم وشتمهم، والكلام فيهم في المجالس، وعلى المنابر، وهذا يهيج الناس ويحثهم على الخروج على ولى الأمر، وينقص قدر الولاة عندهم، فالكلام خروج"، ويقول "والذين يهيجون الناس على حكامهم، ويزرعون الأحقاد في قلوبهم على ولاة أمورهم، ويصدرون الفتاوى باستحلال ما حرم الله من ذلك باسم تغيير المنكر، هم الخوارج القعدة، وهم أخبث فرق الخوارج".


ويقول "قبل فتنة 25 يناير قمتُ بفضل الله وتوفيقه بالكتابة في شأن ما يسمى بالعصيان المدني وذكرتُ أن ذلك من الخروج على ولي الأمر المسلم الممكّن والمتغلب".


مهمة هذا التيار العمل ضد اتجاه الثورة أو الإصلاح للنظام السياسي العلماني، وإنما يعمل على تثبيت دعائم النظام، والحفاظ عليه بإحداث التوازنات داخل الدولة للحد من انتشار الحركات السلفية المعارضة للحاكم والحكومات العلمانية
ثانياً: الغلو في جرح الجماعات الإسلامية: من مبادئ الجامية نقد الجماعات الإسلامية الأخرى، بما في ذلك الحركات السلمية كالإخوان المسلمين أو التبليغ، ويتوجهون بالنقد الشديد للصحويين والسروريين، ويبدعون ويتهمون سيد قطب وعقيدته.


يقول رسلان "والاجتماعات السرية، والسمع والطاعة، والإمارة والبيعة، والجماعات والفرق، كلها مبنية على أصل واحد، وهو التكفير بلا موجب، وهؤلاء الضلال يرتبون على ذلك التكفير شغور الزمان من الإمام شغوراً معنوياً، وتنتقل السلطة تبعاً لذلك الشغور إلى هؤلاء الخارجين، ومن بايعوهم في المدن والقرى والحواري، وهؤلاء صناع الفتن، ومثيرو الفوضى والفساد في البلاد".


ثالثاً: المداخلة جماعة الـ (لا) جماعة: ويؤكد رسلان على وجهة نظر التيار في كل الجماعات الإصلاحية المعارضة قائلاً "هذه الجماعات وهذه التنظيمات وهذه الفرق، هذه جميعها بدعة ما أنزل الله رب العالمين بها من سلطان، هذه التجمعات الحركية التنظيمية، هذا العمل الجماعي التنظيمي بدعة في دين الإسلام العظيم، بدعة منتنة، ومن تربى على هذه البدعة فإنه لا يفلح أبدا، إلا أن يشاء ربى شيئاً، فهذه الجماعات مزقت الأمة، وأذهبت قوتها.


ولكن مع هذه الحالة من نقد التنظيمات الإسلامية، فإن المتتبع لشأن التيار المدخلي يجدهم في حقيقة الأمر يكونون شكل تنظيمي، أو جماعة، فالتيار المدخلي يسيطر على أغلب مؤسسات جمعية أنصار السنة، بما لها من مؤسسات مختلفة، وهيكل تنظيمي مؤسسي يشبه إلى حد التطابق لهيكل الجماعات الإسلامية، بما له من هيكل مالي و إداري، وينسق التيار فيما بينه عن طريق المحاضرات والدروس العلمية والأسابيع الثقافية والمعاهد العلمية، وانتقال طلبة العلم بين المحاضرين أو مشايخ التيار، مع ما للتيار من فكر موحد لا يكاد يظهر بينهم أوجه للخلاف إلا في مسائل بسيطة، ولذلك فمشايخ التيار المدخلي في رأيي يكونون جماعة اجتمعت على أن لا تجتمع ولا تنتظم بعضها مع بعض!


ومهمة هذا التيار العمل ضد اتجاه الثورة أو الإصلاح للنظام السياسي العلماني، وإنما يعمل على تثبيت دعائم النظام، والحفاظ عليه بإحداث التوازنات داخل الدولة للحد من انتشار الحركات السلفية المعارضة للحاكم والحكومات العلمانية، ولا أدل على ذلك من قول طلعت زهران السابق، فمن تغلب هو إمام شرعي لا يجوز معارضته.


رابعا: حاكمية الشريعة بلا حكم: يشترط المداخلة لإقرار حق الشعوب في الثورة على الحاكم أن يترك حاكمية الشريعة الإسلامية!، وبما أنهم صمموا للدفاع عن حكومات عسكرية علمانية بالأساس فقد وضعوا شروطاً مستحيلة للحاكمية، كاشتراطهم تصريح الحاكم بأن حكمه مماثل لحكم الله، أو تصريحه بأنه مستحل لترك حاكمية الشريعة، وعليه فلا يجوز للشعوب أن تثور على من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه.


وللشيخ رسلان فلسفة طريفة في رسالته (مواطن النزاع في التكفير والحاكمية)، حيث يقول: "ولا ينكر الحاكمية ولا يجحدها إلا كافر، شديد العداوة لله، بل من جحد حاكمية الله في جزئية من الجزئيات الفروعية فضلا عن الأصول فإنه يكون كافراً بالله خارجاً عن الملة"، ويبين أن هذا يصدق على الحاكم والمحكوم، لكنه يري أن هذه الحالة مستحيلة بقوله: "ولا نعرف مسلماً يصدق عليه وصف الإسلام ينكر وجوب الحكم بما أنزل الله، هل يعرف أحد في الدنيا كلها، ولا الغول ولا العنقاء يعرفان أحداً يعبد من يحاد ما أنزل الله"، وبذلك فالمنكر هذا شخصية أسطورية لا توجد أصلاً، ولا تعرفها حتى الكائنات الأسطورية.

فهذه التيارات السلفية المخابراتية في الحقيقة تأصل وتنشر هذه الأوهام الشرعية والسياسية، لكبح عملية التغيير أو الإصلاح، سواء عن طريق آليات الديمقراطية والعمل السياسي أو الثورة الشعبية، بما يخدم الأنظمة العسكرية العلمانية الظالمة والقائمين عليها.

أحمد فتحي هنداوي
باحث دكتوراه معهد دراسات الشرق الأوسط جامعة سكاريا، تركيا، - حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية. - حاصل على الماجستير في الدراسات الإسلامية

الاثنين، 18 يناير 2021

من هم الحدادية ؟!

 



يُنسب الحداديون إلى المدعو : محمود بن محمد الحداد ، وهو من المحسوبين على السلفيين ، وله موقف متعنت في تبديع الإمامين النووي وابن حجر -رحمهما الله- وكان بين المدخلي ومحمود الحداد علاقة حميمة ، لكن سرعان ما نشب الخلاف بينهما، وصار كل منهما يرد على الآخر ويشهِّر به ، ويطلق عليه أنواع التهم ، وحقيقة الخلاف بينهما أن الحداد كان مطرداً في تبديع من تلبس بالبدعة وإجراء أحكام المبتدعة عليه، وكان يطالب الشيخ المدخلي بتبديع النووي وابن حجر -رحمهما الله- لأنهما من علماء الأشاعرة في نظره، ويُلزِمُه بتبديعهما بما بدَّعَ به سيد قطب ، أما المدخلي فقد كان له منهج انتقائي في التبديع .

ومما قاله الشيخ المدخلي في محمود الحداد :
(منهج الحداد : هو منبثقة من منهج سيد قطب ، الدليل أنهم يرمونا بالإرجاء...) اهـ .

كذا قال ، وهو يعلم أن الحداد ضد منهج سيد قطب ، والأعجب أنه استدل لذلك بأنه رماه بالإرجاء !

وقال أيضاً:
(الحداديين أظنهم فرع من فروع القطبيين، متسترين، هم من فروع القطبية الغلاة، ولكنهم متسترون، أنا أعتقد أن الحداد قطبي نجس متستر يتظاهر بالسنة وهو كذاب) اهـ

قلت : قد كان الأولى بالشيخ أن يرد على الحداد بتوضيح منهج السلف والتأكيد على القاعدة المعروفة عندهم التي تقول: (ليس كل من وقع في البدعة فهو مبتدع)، دون التعرض للنوايا ، والإسفاف في القول . (ربـيـع الـمـدخـلـي فـي مـيـزان الـنـقـد الـعـلـمـي مـن خـلا ل أشـرطـتـه وأقـوالـه) 

- تلاعب ربيع المدخلي بالمطلق والمقيد لإسقاط سيد قطب


- تلاعب ربيع المدخلي بالمطلق والمقيد لإسقاط سيد قطب
____________________________________________



يرى ربيع المدخلي أن حمل المطلق على المقيد، والمجمل على المفسر، والمتشابه على المحكم، لم يوضع إلا لكلام الله تعالى وكلام رسول الله ، وأنه لم يوضع لكلام البشر، فقد سئل مرة:
هل من أصول أهل السنة أن لا يحمل المطلق على المقيد ولا المجمل على المفسر ولا المتشابه على المحكم إلا في كلام الله تعالى؟ فأجاب الشيخ قائلا:
(والله، نحن ما نعرف ما وضعت هذه الأصول إلا لكتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم توضع لكلام البشر، فالرجل إذا كان له قولان قالوا: له قولان، القول الأول كذا، والقول الثاني بخلافه، ما قالوا يحمل المطلق على المقيد، في المذهب الواحد خمسة أقوال، يختار منها الذي يريد الحق ما يوافق الكتاب والسنة، والبقية يقول: أقوال، ما يقول: يحمل المطلق على المقيد) اهـ ([172]).
قلت: لعل سبب نفيه هذه الدلالات عن الألفاظ في كلام الناس أنه تمسك في ردوده على سيد قطب بكلام مجمل أو مطلق أو مشتبه في عدد من المسائل التي أخذها عليه في مواضع من كتبه، فلما واجهه بعض طلبة العلم بكلام آخر لسيد قطب في مواضع أخرى، يُبَيِّنُ ما أُجمل، أو يُقيد ما أُطلق، أو يوضح المشتبه، أو ينسخ ما قبله، زعم ما زعمه من أن هذه الدلالات خاصة بالكتاب والسنة ولم توضع لكلام البشر ليُثَبِّتَ مآخذه على سيد قطب! ويسد الباب في وجه المدافعين عنه، فنعوذ بالله تعالى من اتباع الهوى!
أما إذا كان الشيخ لا يعرف إلا هذا الذي ذهب إليه في الأصول فهذه مصيبة! لأنه يدل على جهله بلسان العرب والفقه والإجماع وأصول أهل السنة! وهذه المسألة من البدهيات عند العقلاء! لأنها مقتضى اللسان العربي، وقد نص أهل العلم على أن لسان العرب يقتضي حمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، والمجمل على المفسر... الخ، وأنّ عُرْفَ الشارع حُمِلَ على مقتضى لسانهم ([173]).
حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نص على أن (تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ورسوله وكلامِ كلِّ أحدٍ بيِّنٌ ظاهرٌ لا يمكن دفعه)اهـ([174]).
وقال أيضاً في جواب مسألة تتعلق بأوقاف الناس ووصاياهم: (لا يجوز اعتبار الكلام المقيد دون مطلقه، وهذا مما اضطر الله العقلاء إلى معرفته! إلا أن يحول بين البصيرة وبين الإدراك مانع! فيفعل الله ما يشاء)! اهـ([175]).
وكنت أظن أن الشيخ ربيعا لم يسبق إلى هذا الذي ذهب إليه حتى وجدت كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يدل على أن له سلفا في هذا الباب، وأن قولهم هذا محدث، قال شيخ الإسلام: (ومما يقضي منه العجب ظن بعض الناس أن دلالة المفهوم حجة في كلام الشارع دون كلام الناس، بمنزلة القياس، وهذا خلاف إجماع الناس، فإن الناس إما قائل بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ، أو قائل أنه ليس من جملتها، أما هذا التفصيل فمحدث)اهـ ([176]).
وقد أعمل الفقهاء والقضاة هذه الأصول في شروط الناس وعقودهم، والنكاح والطلاق والبيوع والوصايا والأوقاف وغيرها([177])، وفي الأسماء والمعاني والألفاظ([178])، بحمل المطلق منها على المقيد، والعام منها على الخاص، على التفصيل المذكور في كتب الأصول، لأن لسان العرب يقتضيه.
ويقول النحاة: الصفات في المعارف للتوضيح لا للتخصيص، أي المعارف التي لا تحتاج إلى تخصيص، وفي النكرات للتخصيص، وتكون الصفات في النكرات للتوضيح أيضاً إذا تميزت ([179])... إلى آخر ما ذكروا في هذا الباب.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (فإنما خاطب الله بكتابه العربَ بلسانها، على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها، وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه عن آخره، وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص، فيُستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعاما ظاهرا يراد به الخاص، وظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتبتدئُ الشيء من كلامها يبين أولُ لفظها فيه عن آخره، وتبتدئُ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوله، وتَكلَّمُ بالشيء تُعَرِّفُهُ بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تُعَرِّفُ الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلا كلامها لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها، وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة...) اهـ ([180])، ثم ذكر جملة نفيسة من الأمثلة من الكتاب والسنة وبين وجه فهمها على مقتضى لسان العرب في الدلالة على العام أو الخاص ليستدل بها على نظائرها([181])، ولذا قال الشافعي رحمه الله: (فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهدُهُ... وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرا له) اهـ ([182]).
وقال الشيخ ربيع:
(... فالرجل إذا كان له قولان قالوا: له قولان، القول الأول كذا، والقول الثاني بخلافه، ما قالوا يحمل المطلق على المقيد، في المذهب الواحد خمسة أقوال...) اهـ.
قلت: هذا يدل على جهله بمذاهب أئمة أهل السنة والأدلة الشرعية ([183])، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن نحمل المطلق من كلام العلماء على المقيد)اهـ ([184]).
وقد تقدم نقل كلام شيخ الإسلام في مسألة رؤية الله تعالى القلبية، حيث نص على أن ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما والإمام أحمد من الروايات الواردة فيها، منها ما هو مطلق، ومنها ما هو مقيد، ثم رجح حمل المطلق منها على المقيد ([185])، ونص على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال: (جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها)([186]).
وقال شمس الدين ابن مفلح المقدسي الحنبلي في مقدمته النفيسة للفروع في مذهب الإمام أحمد: (وإذا نقل عن الإمام في مسألة قولان، فإن أمكن الجمع -وفي الأصح - ولو بحمل عام على خاص، ومطلق على مقيد، فهما مذهبه، وإن تعذر وعلم التاريخ، فقيل: الثاني مذهبه، وقيل: الأول، وقيل: ولو رجع عنه، وإن جهل فمذهبه أقربهما إلى الأدلة أو قواعده، ويخص عام كلامه بخاصه في مسألة واحدة في الأصح...) الخ([187]).
وقال شيخ الإسلام: (إن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة... ولهذا قد تختلف الرواية في النقل عن الأئمة، كما يختلف بعض أهل الحديث في النقل عن النبي ، ولكن النبي معصوم... وأما غير النبي فليس بمعصوم)اهـ ([188]).

__________________________________________

([172]) شريط: (وقفات في المنهج).
([173]) انظر زاد المعاد 5/341
([174]) مجموع الفتاوى 7/87
([175]) مجموع الفتاوى 31/136
([176]) مجموع الفتاوى 31/114
([177]) انظر إعلام الموقعين 2/30، 3/64 و 237 و 369، وأحكام أهل الذمة 2/756، والجواب الكافي 1/174، والتحفة العراقية 1/64، مجموع الفتاوى 29/155، و31/112.
([178]) انظر إعلام الموقعين 3/ 369، والجواب الكافي 1/174، والتحفة العراقية 1/64، وبغية المرتاد 1/417و434، ودرء التعارض 5/92 و170 و 178، وبيان تلبيس الجهمية 2/356، والنبوات 1/88، والصفدية 1/307، والفتاوى الكبرى 5/232
([179]) انظر مجموع الفتاوى 7/61
([180]) الرسالة ص 51-52.
([181]) انظر الرسالة ص 53-73.
([182]) الرسالة ص 48-49.
([183]) انظر الفصل الآتي بعد هذا: فصل 21.
([184]) مجموع الفتاوى 27/381
([185]) الفصل 15
([186]) فتح الباري 8/474
([187]) الفروع 1/64-65
([188]) مجموع الفتاوى 4/168

الجامع في الرد على المدخلي من خلال أشرطته لأبي عبد الله النجدي وفقه الله