الأربعاء، 27 سبتمبر 2023

أدلة مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

 أدلة مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين , وبعد
ذكر ابن تيميه عن محمد بن سيرين قال : " ثبت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا : لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا .. فقالوا : يوم السبت ، ثم قالوا : لا نجامع اليهود في يومهم ، قالوا : فيوم الأحد ، قالوا : لا نجامع النصارى في يومهم ، قالوا : فيوم العروبة وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة ، فاجتمعوا في بيت أبي أمامة بن زرارة رضي الله عنه فذبحت لهم شاة فكفتهم " ..
قال ابن الحاج في توصله إلى دليل على تخصيص هذا اليوم للتذكير بنعم الله تعالى وإظهاراً للسرور بالمولد ، وشكراً لله تعالى على ما أكرم به من هذا الميلاد ، ولم لا ؟! أليس هم احتفلوا بيوم معين يشكرون الله به على ما أنعم عليهم ؟ فهذه بدعة حسنة ، وعمل المولد بدعة حسنة ، ونحن نعمله شكراً لله على هذه النعمة العظيمة ، وما هو هذا الأمر الذي أرادوا تذاكر ما أنعم الله به عليهم ومن ثمّ الاحتفال بأكل شاة ؟ أليس ذلك الأمر هو نعمة الإسلام وكفى بها من نعمة ؟ ومن أتانا بالإسلام ؟ أليس هو سيدّنا وحبيبنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟..
قال القاضي : وحيث أن خروج آدم في يوم الجمعة من الجنة سبب لوجود الذرية الذين منهم الأنبياء والأولياء وسبب للخلافة في الأرض وإنزال الكتب وقيام الساعة سبب تعجيل جزاء الأخيار وإظهار شرفهم فزعم أن وقوع هذه القضايا فيه لا يدل على فضله في حيز المنع قال القاضي: وقد عظم اللّه هذا اليوم ففرض على عباده أن يجتمعوا فيه ويعظموا فيه خالقهم بالطاعة لكن لم يبينه لهم بل أمرهم بأن يستخرجوه بأفكارهم وواجب على كل قبيل اتباع ما أدى إليه اجتهاده صواباً أو خطأ كما في المسائل الاجتهادية فقالت اليهود هو يوم السبت لأنه يوم فراغ وقطع عمل فإن اللّه فرغ من السماء والأرض فيه فينبغي انقطاعنا عن العمل فيه والتعبد وزعمت النصارى أنه الأحد لأنه يوم بدء الخلق الموجب للشكر والتعبد ووفق اللّه هذه الأمة للإصابة فعينوه الجمعة لأن اللّه خلق الإنسان للعبادة وكان خلقه يومها فالعبادة فيه أولى لأنه تعالى أوجد في سائر الأيام ما ينفع الإنسان وفي الجمعة أوجد نفس الإنسان والشكر على نعمة الوجود وروى ابن أبي حاتم عن السدي أنه تعالى فرض الجمعة على اليهود فقالوا يا موسى إن اللّه لم يخلق يوم السبت شيئاً فاجعله لنا فجعل عليهم وذكر الأبي أن في بعض الآثار أن موسى عين لهم الجمعة وأخبرهم بفضله فناظروه بأن السبت أفضل فأوحى إليه دعهم وما اختاروا.
ولمن يقول أن أول من احتفل هو الفاطميون وهم عبيديون زنادقة روافض أحفاد عبد الله بن سبأ اليهودي ولا يمكن أن يفعلوا ذلك محبة في رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لغرض خفي ‍‍؟؟ إن القطع بأن هؤلاء هم أول من احتفلوا تجاهل عجيب للخلاف الثابت في ذلك . فينبغي عدم التعويل على هذا لأن أهل التاريخ ذكروا غيرهم ..
ومنهم الحافظ ابن كثير الذي قيل عنه أنه ذكر في البداية والنهاية أن الدولة الفاطمية هم أول من أحدث المولد النبوي .. إلى آخر القصة المعروفة ، والرأي الحقيقي لابن كثير في عمل الموالد النبوية ونشأته ما نصه : ( .. الملك المظفر أبو سعيد كوكبري ، أحد الأجواد والسادات الكبراء والملوك الأمجاد له آثار حسنة وكان يعمل المولد النبوي الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً ؛ وكان مع ذلك شهماً شجاعاً فاتكاً ( أي بالأعداء ) عاقلاً عادلاً ، رحمه الله وأحسن مثواه وقد صنف الشيخ أبو الخطاب بن دحية له مجلداً في مولد البشير النذير، فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك في زمان الدولة الصلاحية، وقد كان محاصراً عكا وإلى هذه السنة محمود السيرة والسريرة، قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي. وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية...الخ" اهـ. (البداية والنهاية لابن كثير - سنة 630هـ - ج12 ص287.
قال السخاوي: لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. قال ابن الجوزي: من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام.
ومن الأدلة عليه
الأول : أنه تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وقد انتفع به الكافر ولقد استدل الحافظ ابن حجر بما جاء في البخاري 9/146-3184 ، فتح الباري ج: 9 ص: 145
وذكر السهيلي أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال : لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شر حال فقال ما لقيت بعدكم راحة الا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين قال وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين وكانت ثويبة بشرت أبا لهب بمولده فاعتقها .
ويقول في ذلك الحافظ شمس الدين محمد الدمشقي :
إذا كان هذا الكافـــــر جـــاء ذمه بتبـت يداه في الجحيم مخلــدا
أتى أنه في يوم الاثنيـــن دائمــــاً يخفف عنه للســرور بأحمــدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسرورا ومات موحدا
الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم كان يعظم يوم مولده ، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه ، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود ، إذ سعد به كل موجود ، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في حديث أبي قتادة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين ؟ فقال : (( فيه ولدت ، وفيه أُنزل عليَّ )) . رواه الامام مسلم في الصحيح في كتاب الصيام ..
الثالث : أن الفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب بأمر من القرآن من قوله تعالى : () قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )) (يونس:58) فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم رحمة قال الله تعالى : () وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )) (الانبياء:107) ..
الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت ، فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لنذكرها ، وتعظيم يومها ، لأجلها ولأنه ظرف لها .
وقد أصل صلى الله عليه وسلم هذه القاعدة بنفسه كما صرح البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم :" لما وصل إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له : أنهم يصومون لأن الله نجى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكراً لله على هذه النعمة فقال صلى الله عليه وسلم : نحن أولى بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه " وقد كان الحافظ ابن حجر أول من استدل على هذا الحديث في جواز المولد النبوي ولا يمكن لأي مسلم كائناً من كان أن يقدح في عقيدة الحافظ ابن حجر ..
الخامس : أن الاحتفال بالمولد لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم فهو بدعة ولكنها حسنة لا ندرجها تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية ، فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية ، لا باعتبار أفرادها لوجود أفرادها في العهد النبوي ..
السادس : أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام بقوله تعالى : () إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )) (الأحزاب:56) وما كان يبعث على المطلوب شرعاً فهو مطلوب شرعاً ، فكم للصلاة عليه من فوائد نبوية
السابع : أن المولد الشريف ، يشمل على ذكر مولده الشريف ومعجزاته وسيرته والتعريف به ، أولسنا مأمورين بمعرفته ومطالبين بالاقتداء به . والتأسي بأعماله والإيمان بمعجزاته والتصديق بآياته وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تمامًا .
الثامن : التعرض لمكافأته بأداء بعض ما يجب له علينا ببيان أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة ، وقد كان الشعراء يفدون إليه صلى الله عليه وسلم بالقصائد ويرضى عملهم ، ويجزيهم على ذلك بالطيبات والصلاة ، فإذا كان يرضى عمن مدحه شعراً ، فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة ، ففي ذلك التقرب له عليه السلام ، باستجلاب محبته ورضاه ، وقد ذكر الحافظ ابن سيد الناس في كتابه منح المدح مائة وبضع وسبعين من الصحابة مدحوا ورثوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيات غاية في الروعة ومنها ماهو مشهور ... كهذا البيت :
وإن الرسول لنور يستضاء بــه ... مهند من سيوف الله مسلول
روى الطبراني بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قفل من تبوك - يعني وهو عائد من تبوك - قال له عمه العباس : يارسول الله أأذن لى أن امتدحك فقال له رسول الله : " قل لا يفضض الله فاك ياعم " فلم تسقط أسنانه حتى مات فأنشد ..
من قبلها طبت في الظـــلال وفي مستودع حيث يأفك الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ولا نطفه ولا مضغـــــه ولا علـق
نطفــــــه تركب السفينــــة وقد الجم نســر وأهله الغـــرق
حتى احتوى بيتك المهيمــن من جلدت علــيّ دونها النطــــق
وأنت لمـــا ولدت أشرقــــت الأرض وضاءت بنــورك الأفــق
فنحن في ذلك النــور وذلك الضياء سبل الرشـــاد نختـــرق
[1706] وروى الشافعي أن عمر بن الخطاب في عهده دخل المسجد فوجد حسان بن ثابت ينشد الشعر في مدح الرسول .. فقال : حسان أشعر في مسجد رسول الله ؟ فقال : لقد أنشدته عند من هو خير منك ياعمر .. ثم التفت إلى أبو هريرة وقال : أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم أيده بروح القدس .. فقال: نعم ، فقال: فاتخذوا لحسان منبر في المسجد ينشد الشعر في مدح رسول الله " هذا دليل على أن الصحابه مدحوا رسول الله بعد وفاته ، واعتراض سيدنا عمر على الشعر لم يكن اعتراضاً على مدح رسول الله أو على الشعر إنما كان اعتراضاً على المكان الذي يُنشد فيه ، ألا وهو المسجد .. والله أعلم .
[2\192] من الطبقات الكبرى للزهري عن بكر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض علي أعمالكم فإذا رأيت خيراً حمدت الله وإن رأيت شراً استغفرت الله لكم )) ..
التاسع : أن معرفة شمائله ومعجزاته وارهاصاته تستدعي كمال الإيمان به عليه الصلاة والسلام وزيادة المحبة ، إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل ، خَلقَاً وخُلُقاً ، علماً وعملاً ، حالاً واعتقاداً ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله صلى الله عليه وسلم ، وزيادة المحبة وكمال الإيمان مطلوبان شرعاً فما كان يستدعيهما مطلوب كذلك .
العاشر : أن تعظيمه صلى الله عليه وسلم مشروع ، والفرح بيوم ميلاده الشريف بإظهار السرور ووضع الولائم والاجتماع للذكر وإكرام الفقراء من أظهر مظاهر التعظيم والابتهاج والفرح والشكر لله ، بما هدانا لدينه القويم ، وما من به علينا من بعثه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ..
الحادي عشر : يُؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم في فضل يوم الجمعة ، وعد مزاياه ، وفيه خلق آدم تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبي كان من الأنبياء عليهم السلام فكيف باليوم الذي ولد فيه أفضل النبيين والمرسلين .
ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه بل يكون له خصوصاً ولنوعه عموماً مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة ، شكراً للنعمة وإظهاراً لمزية النبوة وكما يُؤخذ تعظيم المكان الذي ولد فيه نبي من أمر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة ركعتين ببيت لحم ثم قال له : أتدري أين صليت ؟ قال : لا ، قال : صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى وفيه اتباع لما جاء في القرآن من ذكر قصص ميلاد عدد من الأنبياء عليهم السلام ، كقصة مولد سيدنا موسى ويحيي وعيسى ومريم عليهم الصلاة والسلام جميعاً .... وهل يتأتى أن يذكر مولد هؤلاء الأنبياء وغيرهم ولا نذكر نحن مولد أفضل الأنبياء عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ؟؟؟ وليس في هذا تشبه باليهود والنصارى كما يقول بعض المعارضين .... !!!!
الثاني عشر : أن المولد أمر يستحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد ، وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعاً للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف : (( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ومارآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح )) أخرجه أحمد
الثالث عشر : أن المولد اجتماع ذكروصدقه ومدح وتعظيم للجناب النبوي فهو سنة ، وهذه أمور مطلوبة شرعاً وممدوحة ، وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحث عليها .
أن الله تعالى قال : () وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ )) (هود: من الآية120) يظهر منه أن الحكمة في قص أنباء الرسل عليهم السلام تثبيت فؤاده الشريف بذلك ولا شك أننا اليوم نحتاج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره أشد من احتياجاته هو صلى الله عليه وسلم .
الرابع عشر: ليس كل مالم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول ، فهو بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم ، وللوسائل حكم المقاصد ، وقد قسم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام:
واجبة : كالرد على أهل الزيغ ، وتعلم النحو.
ومندوبة : كإحداث الربط والمدارس ، والأذان على المنابر وصنع إحسان لم يعهد في الصدر الأول.
ومكروه : كزخرفة المساجد ، وتزويق المصاحف .
ومباحة : كاستعمال المنخل ، والتوسع في المأكل والمشرب .
ومحرمة : وهي ما أحدث لمخالفة السنة ولم تشمله أدلة الشرع العامة ولم يحتو على مصلحة شرعية .
الخامس عشر: أما الحديثان التاليان للمصطفى صلى الله عليه وسلم : " كل محدثه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " ، " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "
وقد فـُسرت من البعض أن كل الأولى لفظ عموم .. عموم في الدين والدنيا والثانيه خاصه في الدين!
ولكن ليست كل بدعة محرمة ولو كان كذلك لحرم جمع أبو بكر وعمر وزيد رضي الله عنهم القرآن وكتبه في المصاحف خوفاً على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله عنهم ؟! ، ولحرم جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة التراويح مع قوله : " نعمت البدعة هذه " ؟! ، وحرم التصنيف في جميع العلوم النافعة ؟! ، ولوجب علينا حرب الكفار بالسهام والأقواس مع حربهم لنا بالرصاص والمدافع والدبابات ؟! ، وبناء الجامعات وتسميتها بهذا الإسم وتسمية الندوات والمحاضرات بهذا الإسم فإنه لم يذكر أن رسول الله أو أحداً من الصحابة سمى بهذا الإسم ، وزيادة الآذان الأول يوم الجمعة ؟! ، وزيادة سيدنا عبد الله بن عمر البسملة في أول التشهد ؟! ..
وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني شارح صحيح البخاري : " وكل ما لم يكن في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم يسمى بدعة ، لكن منها ما يكون حسناً ومنها مايكون خلاف ذلك " أ . هـ
وقال الشافعي : " البدعة بدعتان : بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم . أ . هـ
وقال أيضاً : " ما أحدث وخالف كتاباً أو سنة أو اجماعاً أو أثراً فهو البدعة الضالة وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو المحمود ". أ . هـ
فمن ثم قيد العلماء رضي الله عنهم حديث كل بدعة ضلالة بالبدعة السيئة ، ويصرح بهذا القيد ما وقع من أكابر الصحابة والتابعين من المحدثات التي لم تكن في زمنه صلى الله عليه وسلم . ونحن اليوم قد أحدثنا مسائل كثيرة لم يفعلها السلف وذلك كجمع الناس على إمام واحد في آخر الليل لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح ، وكختم القرآن فيها ، وكقراءة دعاء ختم القرآن وإطالته وكنداء المنادي بقوله صلاة القيام أثابكم الله ، فكل هذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من السلف ، فهل يكون له بدعة ؟؟ أو يكون محرماً فعله ؟؟ !! ..
ومن الذين كتبوا في هذا المجال من كبار علماء الأمة وأثنوا على الموالد النبوية :
1- الحافظ محمد بن أبي بكر القيسي الدمشقي الشافعي المعروف بالحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي .
2- الحافظ عبد الرحيم المصري الشهير بالحافظ العراقي ومن كتبه المورد الهني في المولد السني .
3- الحافظ محمد القاهري المعروف بالحافظ السخاوي .
4- وقد صنف الإمام ابن كثير مولداً نبوياً طبع أخيراً بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد .
5- الإمام الحافظ شمس الدين ابن الجزري وسمى كتابه عَرف التعريف بالمولد الشريف .
6- الإمام الحافظ ابن الجوزي .
7- الإمام الحافظ ابن حجر العسقلانى صاحب كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري اثنى على الموالد وأنها خير ..
8- الحافظ الشريف الكتاني وكتابه اليمن والإسعاد بمولد خير العباد ..
9- الإمام ابن حجر الهيتمي كتاب النعمة الكبرى على العالم في مولد سيد ولد آدم .
10- وتكلم فيه الإمام ابن تيميه في فتاويه والحسيني والعدناني والبرزنجي والعروسي والنابلسي وغيرهم الكثير
11- والإمام السيوطي كتاب حسن المقصد في عمل المولد .
12 - والإمام النووي شارح صحيح مسلم وقد أثنى على من عمل المولد ..
13- وقد ألف ابن سيد الناس وهو من تابع التابعين وقرنه من أفضل القرون كتاب منح المدح ذكر فيه مائة وسبعين من الصحابة اشتركوا في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
بعد كل هذا أتعجب كثيرا ممن يأتي ويقول أن الأمة قد أجمعت على حرمة الاحتفال بمولده (عليه الصلاة والسلام) , فأين هو إجماع الأمة وأين آراء فقهاء المذاهب الأربعة على حرمة الاحتفال فأتوني بها إن كنتم صادقين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

البيان النبوي عن فضل الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ....بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

صلى الله عليه وآله وسلم ....بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

بسم الله الرحمن الرحيم

الافتتاحية
نستفتح بالذي هو خير، وحمداً لله ، وصلاةً وسلاماً على رسوله ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد :
فنقدم ضمن سلسلة الرسائل رسالة "البيان النبوي عن فضل الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم" ومقصودها إيضاح الأدلة التي اعتمد عليها أئمة المحدثين والفقهاء، الذين استحبوا هذا الاحتفال، مع دفع الشبهات عنها، ومع التأكيد على أن من يبدعهم يخالف السنة، التي بينت أن المجتهد مأجور وإن أخطأ، والله لا يأجر المبتدع، وكل ما ثبت بأدلة الشرع فهو حسن، وهو خير، وليس ببدعة؛ لأن الله تعالى قال: { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
مقدمة
هل يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين حكم الاحتفال بمولده، ثم يقع حوله هذا الخلاف الكبير بين أن يكون سنة مستحبة وأن يكون بدعة ضلالة، مع أن كل ضلالة في النار؟!
لا، هذا غير ممكن إلا إذا تركنا قواعد ديننا في النظر إلى المسائل الاجتهادية وفي حكم الاختلاف فيها، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر).
وهذا صريح في أن المخطئ غير مبتدع، ولا ضال؛ لأن الله لا يأجر على البدعة، بل (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
فالذي يضلل مخالفه إما أنه يغفل عن هذا الميزان، وإما أنه يتجاهله لغاية في نفسه ضد مخالفه، وإما أنه يزعم أن هذه المسألة وأمثالها ليست مسائل اجتهادية، بل هي من البينات التي يضل الناس بالإعراض عنها أو يعاندونها.
وأياً ما كان الأمر فالمولد لا يمكن أن يدعي أحد على مستحبيه أنهم عاندوا البينات؛ لأنهم أئمة ثقات، كالحافظ ابن حجر والسيوطي رحمهما الله، ولكن يزعم منكر الاستحباب أنهم أخطؤوا، فلا يجوز اتباعهم، فيقال له حينئذٍ: أأخطؤوا في البينات التي لا تحتمل الخطأ أم في الاجتهاديات؟ إن كانت الأولى فهو عناد وقد قال الله تعالى عمن يفعل ذلك: { وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران:105]، فهل يليق بهم هذا؟ وإن كانت الثانية فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فله أجر) والله لا يأجر على البدعة، ولا يحل لك أن تبدعه وتضلله، وإن كنت تراه مخطئاً، بل يمكن أن تكون أنت المخطئ، وقولك إن المولد بدعة لا يصح، إلا إذا عنيت أنه كذلك من حيث وجهة نظرك، أو وجهة نظر العلماء الذين تتبعهم، فأنت لو عملت مولداً تكون مبتدعاً ضالاً؛ لأنك عملت أمراً تراه ـ حسب فهمك للأدلة ـ بدعة ضلالة، أما مخالفك فلا، كما لو أن الإمام أحمد بن حنبل أو من يتبعه قال: "اللهم إني أسألك بنبيك أن تغفر لي" فإنه يكون عاملاً بأمر يراه مستحباً، فهو مأجور أجرين إن أصاب، مأجور أجراً واحداً ـ لو افترضناه مخطئاً ـ بخلاف ما لو قال ذلك ابن تيمية أو من يتبعه، فإنه يكون عاملاً بأمر يراه هو بدعة ضلالة، فيكون عليه إثم ذلك وعقابه، ومثل هذا يقال في كل المسائل الاجتهادية، التي الخلاف فيها دائر بين الاستحباب والتحريم، وليس ضرورياً في مسائل الاجتهاد أن يقتنع المجتهد بأدلة مخالفيه، ولكن من الضروري أن يقتنع الفريقان بأن كل منهما يمكن أن يخطئ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لبعض قادة جيوشه: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" وهذا تصريح بأن المجتهد لا يمكن أن يقطع بأنه على صواب وأن مخالفيه على خطأ".
والاحتفال بالمولد يرى الحافظ ابن حجر وموافقوه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبه على فضيلته بطريق الاستدلال الأولوي في حديث صوم عاشوراء، حيث ثبتت به مشروعية صوم الذكرى السنوية شكراً لله على نعمة نجاة موسى عليه الصلاة والسلام، قال ابن حجر: فالأولى من ذلك بالمشروعية صيام يوم المولد شكراً لله على إنعامه بإيجاد نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يقول: إن الحديث فيه بيان أن المقصود من الصوم الشكر، فكل عمل يحصل به الشكر فهو مشروع؛ لأن الشكر هو علة الحكم وسببه، فكل عبادة في ذلك مثل الصوم في الحكم باتفاق العلماء، كأنه منصوص عليها عند بعضهم، أو هي مقيسة عليه عند الآخرين، أما غير العبادة من المباحات، التي تعبر عن الفرح فالأصل فيها الإباحة، ولا دليل على منعها.
ويرى ابن تيمية: أن السلف لم يعملوا الاحتفال بالمولد، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، فهو بدعة، ويجيب الإمام السيوطي: بأن السلف لم ينقل عنهم فيه قول بمنع ولا مشروعية، فهم ساكتون، والحديث دليل إثبات، وهو مقدم إجماعاً على السكوت وعدم النقل المسمى بالاستصحاب.
والكلام في المسألة ليس بهذا الإيجاز الشديد، إنما هذا إجمال يأتي تفصيله في هذه الرسالة ـ إن شاء الله تعالى ـ بنقل كلام الفريقين وحججهما، ومناقشتها دون تطويل، وقد جعلت المسألة في فصلين: أحدهما: في بيان معنى البدعة، وتعلقه بالمسألة، وثانيهما: في بيان مسألة المولد، والحوار فيها، وما توفيقي إلا بالله، ولكل امرئ ما نوى. { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يهتدي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } [يونس:108]، { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يره} [الزلزلة:7ـ8].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الاحتفال بالمولد النبوي سنة أم بدعة؟
إن الإجابة السديدة عن هذا تفرض علينا البدء ببيان معنى البدعة، ثم النظر في انطباق التعريف على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأحب أن أذكر بأنه ليس في تعريف البدعة خلاف حقيقي، كما يأتي في عرض الأقوال.
نوعا البدعة عند الإمام الشافعي:
ومن أقدم ما جاء في تعريفها قول الشافعي ـ رضي الله عنه ـ فيما رواه البيهقي في مناقب الشافعي (1/469): "المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة. والثاني: ما أحدث من الخير، لاخلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان : (نعمت البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى".
فالشافعي رضي الله عنه يبين ما يعنيه سيدنا عمر بهذه الكلمة، فيشرح أولاً ما يعنيه بلفظ البدعة وهو: "أنها محدثة لم تكن" وهذا معنى عام للبدعة، يشمل كل شيء لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدث بعده، سواء كان له دليل من الكتاب والسنة، أو لم يكن ـ وهذا أقرب إلى المعنى اللغوي للبدعة ـ فلا بد من تقسيمه إلى قسمين:
أحدهما: ما أحدث وهو يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة، بسبب مخالفتها لتلك الأدلة الشرعية.
وثانيهما: ما أحدث من الخير لاخلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة؛ لأنها خير في ميزان الشرع، وإذا كانت خيراً في ميزان الشرع فهي حسنة، ولأنها لم تخالف أدلته.
ثم يشرح الشافعي سبب مدح سيدنا عمر واستحسانه لهذا العمل مع أنه سماه بدعة، فقال: "وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى" من الكتاب والسنة والأثر والإجماع، أي لا مخالفة فيها لشيء من ذلك. وقول الشافعي رحمه الله: "ما أحدث من الخير لاخلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة" مبني على قول عمررضي الله عنه وموافقة أبي بكر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما له في أن جمع القرآن ـ وإن لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ مشروع؛ لأنه خير، حيث قال عمر فيما رواه البخاري عن زيد بن ثابت برقم (4402): "إني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري" فأبو بكر رضي الله عنه في بادئ الأمر يحتج بعدم فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعمر يحتج بأنه وإن كان كذلك فكونه "خيراً" يقتضي أن يكون مشروعاً، ثم وافق أبو بكر على أنه مشروع بدليل أنه خير، وكرر أبو بكر رضي الله عنه جواب عمر حين قال له زيد ـ في هذه الرواية نفسها ـ: "كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! فقال أبو بكر: هو والله خير"، فهذا الجواب من الخليفتين الراشدين هو الجواب لكل من يستنكر اليوم ما أحدث من الخيرات بقوله: (لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا الصحابة)؛ لأن الخير مأمور به في نص كتاب الله، موعود عليه بالفلاح: { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تفلحون } [الحج:77]، ومأمور بالدعوة إليه { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير } [آل عمران:104]، فالبدعة غير المذمومة ـ كما يظهر من كلام الشافعي رضي الله عنه ـ هي "كل خير لا يخالف أدلة الشرع".
بيان أنه لا خلاف في الحقيقة على تعريف البدعة:
وهذا لا يختلف مع قول الذين يقولون: لا يوجد في الشرع بدعة حسنة؛ إذ المقصود بذلك عندهم: أن العمل الذي يخالف أدلة الشرع لا يمكن أن يستحسن شرعاً؛ لأن ذلك تناقض، وهذا ما صرح به ابن تيمية وليس المراد من النقل عنه تقديمه على غيره، إنما المراد بنقل كلامه ـ وهو ممن يميل إلى أن عمل المولد بدعة ـ بيان أن كلامه يقتضي ألا يكون الذين خالفوه في المولد مبتدعين حسب القواعد التي ذكرها هو إذ قال في الفتاوى (10/370): "المحافظة على عموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كل بدعة ضلالة) متعين، وما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال: ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة، كما قال عمر رضي الله عنه: (نعمت البدعة هذه) وإما أن يقال: هذا عام خصت منه هذه الصورة لمعارض راجح، كما يبقى فيما عداها على مقتضى العموم، كسائر عمومات الكتاب والسنة".
وهذا صريح في أن المعارض الراجح خصص عموم "كل بدعة ضلالة" وجعل الصورة المستثناة ليست ضلالة، ولا داخلة في هذا العموم، فالمراد بالمحافظة على العموم هنا ما صرح به في قوله: "يبقى فيما عداها على مقتضى العموم" أي ما عدا المسائل التي قام على تخصيصها دليل شرعي خاص راجح على هذا العموم، أي صار الحديث مخصوصاً؛ ولهذا قال: إن من جعل الحديث باقياً على عمومه، ومن جعله مخصوصاً يرجعان إلى مآل واحد، وذلك في الفتاوى (27/152): "البدعة الحسنة ـ عند من يقسم البدع إلى حسنة وسيئة ـ لابد أن يستحبها أحد من أهل العلم الذين يقتدى بهم، ويقوم دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول: البدعة الشرعية كلها مذمومة... فالبدعة عند هؤلاء: ما لم يقم دليل شرعي على استحبابه ، ومآل القولين واحد"؛ لأن الأول يجعل البدعة هي ما أُحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحينئذ لابد أن يقسم إلى ما وافق الدليل وما خالفه، والثاني يجعل البدعة هي مالا يوافق الدليل، وهذا لا ينقسم إلى قسمين، بل هو الثاني نفسه. أما من يزعم أن كل ما حدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعهد السلف بدعة دون تقسيم، فهذا يخالف القولين معاً.
الأدلة التي تنفي الابتداع عما يستثنى:
والدليل الشرعي الذي يثبت به حسن ما يسمى في اللغة بدعة، أو يخص به عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل بدعة ضلالة) قد يكون نصاً، وقد يكون استنباطاً، كما بين ذلك ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (1/587) فقال: "إما أن يقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع... وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم... ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً".
ومن الاستنباط أنه قد زاد سيدنا عثمان رضي الله عنه الأذان الأول يوم الجمعة، كما رواه البخاري برقم (870): عن السائب بن يزيد قال: "كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء"، وهو يعني أن الصحابة استنبطوا مشروعيته من القرآن أو السنة استنباطاً ـ إذ لا يعلم فيه نص خاص به، لكن لا بد من أن يكونوا قد اعتمدوا على نص، وإن لم يذكروا لنا النص الذي استنبطوا منه؛ لأن الإجماع لا بد له من مستند ـ ثم أجمعوا على ذلك واستقر العمل عليه، "وما علم بالأدلة الشرعية" ـ المذكورة وهي الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً ـ "فهو من الدين الذي شرعه الله حتى لو تنازع أولو الأمر في بعض ذلك" كما يصرح به ابن تيمية في الفتاوى (4/107).
الأدلة وأقوال الأئمة في أن خطأ الاجتهاد ليس بدعة:
وذلك أن اختلاف أهل العلم في الاجتهاد لا يجعل أحد الفريقين مبتدعاً ـ حتى المخطئ منهم ـ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) . والله لا يأجر على البدعة، بل البدعة تجعل صاحبها ضالاً وتجعله في النار (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). وفي مسودة آل تيمية عن الإمام أحمد: "قال: الحق عند الله واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطئ". وفي حلية الأولياء عن الإمام مالك: "شاورني الرشيد أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه؟ فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب".
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المجتهد لا يستطيع أن يجزم بأنه على صواب في معرفة مراد الله تعالى، فقال فيما رواه مسلم برقم (1731)، وهو من وصاياه لبعض قادة الجيوش، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟) ومن لم يستطع أن يجزم بأنه على الصواب كيف يجزم بأن مخالفه على الخطأ؟!
وجاء في رسالة الإمام الشافعي عند التعليق على حديث الاجتهاد الذي سبق ذكره(1) أنه سئل فأجاب: "ما معنى صواب وخطأ؟ قلت: مثل معنى استقبال الكعبة... يتحراها من غابت عنه... فنفس التوجه يحتمل صواباً وخطأ... فقال: [يعني السائل]: أفرأيت الاجتهاد أيقال له: صواب على غير هذا المعنى؟ قلت: نعم على أنه إنما كلف فيما غاب عنه الاجتهاد، فإذا فعل فقد أصاب بالإتيان بما كلف، وهو صواب عنده على الظاهر، ولا يعلم الباطن إلا الله تعالى".
ولذلك قال ابن تيمية : "فهذه المسائل التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل واحد منهم أقر الآخر على اجتهاده... فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي، ونحو ذلك". وإذا كان الأمر كذلك، فإن المنكر على مخالفيه ـ إذا كانوا قد اعتمدوا على أدلة قال بها بعض الأئمة ـ فهو مخالف لهذا النهج متعد على مخالفيه.
الفصل الثاني
الاحتفال بالمولد سنة أم بدعة ؟
وللإجابة عن المولد: أهو سنة أم بدعة؟ ينبغي أن يتحول السؤال إلى صياغة أخرى: هل قام دليل شرعي على استحبابه
فيكون سنة؟ أو لم يقم عليه دليل فيكون بدعة؟
وأدلة الشرع هي الكتاب والسنة القولية والعملية والإقرارية وما يستنبط منها، كما صرح به كل الأئمة، وسبق نقله عن ابن تيمية، وليس الدليل محصوراً في السنة الفعلية، كما يقول كثير من المتسرعين في التبديع: هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو بدعة، أو يقولون: لم يفعله السلف فهو بدعة.
وقد ذكر الإمام السيوطي في رسالته "حسن المقصد في الاحتفال بالمولد" جماعة من العلماء استحبوا الاحتفال بالمولد منهم: ابن دحية، وابن الجزري، وابن ناصر الدمشقي، ومنهم: الحافظ ابن حجر، وكتبوا في ذلك فتاوى، وأقاموا عليها الأدلة، وأيدهم هو على ذلك، وهم أئمة مقتدى بهم، فلا يكون من وافقهم اقتناعاً بأدلتهم مبتدعاً؛ لأنه قصد اتباع الدليل، وكذلك لا يكون مبتدعاً من اتبع فهمهم للدليل ممن لا قدرة علمية له على النظر في الأدلة؛ لأنه بأمر الله اتبعهم، إذ قال تعالى: { فسئلواأَهْلَ الذكر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل:43]
وفي كثرة هؤلاء الأئمة وجه من الترجيح للمقلد، فقد عقد ابن تيمية في المسودة(2) فصلاً في ترجيح المقلد أحد الأقوال لكثرة عدد قائليه من المفتين حالة الفتوى نقل فيه عن ابن هبيرة كلاماً طويلاً، ولم يعارضه، ومنه قوله: "إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد منهم، فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز أن يعمل بقول الواحد"، ثم ذكر أن الأخذ بقول هذا الواحد ينبغي ألا يكون عن هوى وعصبية.
القائل بأن المولد بدعة:
وابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/619) قال عن المحتفلين بالمولد: "والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيداً مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه لو كان خيراً، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا".
وقد ذكر السيوطي في رسالته السابقة : أن الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي ـ المشهور بالفاكهاني ـ يرى الاحتفال بالمولد بدعة، وذكر أدلته تفصيلاً، وناقشه ورد عليه وأدلته المردود عليها لا تزيد على ما ذكر ابن تيمية عند التأمل الصحيح.
خلاصة الرد على مانع الاحتفال:
وخلاصة رد السيوطي: هي أن عدم فعل السلف إنما هو سكوت ، ولم يرد عنهم المنع من الاحتفال، والسكوت يحتج به عند عدم الدليل، فإذا وجد دليل إثبات ـ لاسيما الدليل القولي كالذي يأتي ذكره عن ابن حجرـ كان مقدماً على السكوت، فوجوده يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد سبقنا إلى القول بمشروعيته بواسطة ذلك الدليل، وذلك أهم ـ عند الاستدلال ـ من أن يكون السلف سبقونا إليه. أم ينبغي أن يقدم السكوت منهم على دليل الإثبات المأخوذ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
توضيح حول الاستدلال بعدم فعل السلف:
وقد ذكر ابن تيمية أن عدم فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتج به عند وجود دليل شرعي آخر، فقد قال عند كلامه عن دخول الحمام في الفتاوى (21/313): (ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه بكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخلها... إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية، وهو أضعف من القول باتفاق العلماء، وسائر الأدلة ـ من أقواله كأمره ونهيه وإذنه، ومن قول الله تعالى ـ هي أقوى وأكبر... فنفي الحكم بالاستحباب لانتفاء دليل معين من غير تأمل باقي الأدلة خطأ عظيم).
فيقال هنا لابن تيمية وموافقيه: لا يكفي عدم فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمولد في الاستدلال على عدم مشروعيته، بل لابد من تأمل باقي الأدلة، ولا سيما القولية نصاً واستنباطاً، وإذا كان انتفاء فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع وجود قوله لا ينفي المشروعية، فانتفاء فعل السلف ـ مع وجود قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ أولى بأن لا ينفي المشروعية؛ لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم حجة بنفسه لا يتوقف على غيره، وقد تأمل العلماء الآخرون باقي الأدلة، واستدلوا ببعضها، كما يأتي بيانه ـ إن شاء الله تعالى ـ قريباً.
وأما قول ابن تيمية: (إن السلف لم يفعلوه مع قيام المقتضي وعدم المانع) فإن هذا الاعتراض لا يصح إلا إذا كان القائلون بمشروعية المولد يجعلونه واجباً، أما الاستحباب فلا يصح الاعتراض عليه بهذا، فسيدنا عمر رضي الله عنه قال: إن الاجتماع في التراويح على قارئ واحد أمثل ـ أي أفضل ـ وترك ذلك سنتين من خلافته، ولم يطلبه منه أحد من الصحابة، ولم يقولوا: تركه أبو بكر وهو أفضل منك؛ لأن الأفضلية تقتضي الفعل ولا توجبه، وإلا لما كانت أفضلية، بل تكون إلزاماً، وكذلك استسقى عمر رضي الله عنه بالعباس مع وجود أكثر العشرة المبشرين بالجنة، وهم أفضل، ومثل ذلك أن أهل المدينة في ولاية أبان بن عثمان ـ بين سنتي (76 و 83) ـ قد صلوا التراويح ستاً وثلاثين مع وجود صغار الصحابة وكبار التابعين، ولم ينكروا ذلك ، ولم يقولوا لهم: إن الخلفاء الراشدين تركوا هذه الزيادة، مع وجود المقتضي وهو التقرب إلى الله، ومع عدم المانع؛ وذلك لأن الترك ـ إذا وجد دليل قولي للاستحباب ـ يدل على عدم الوجوب، ولا يدل على وجوب الترك، سواء كان الذي أحدثوه فاضلاً أو مفضولاً، فالمفضول مشروع، يقابله مشروع أفضل منه وكلاهما حق وهدى، ومثله أيضاً أن الصحابة لم يبنوا مثلاً مستشفى للفقراء وقفاً لله تعالى، مع قيام المقتضي وعدم المانع، وقد فعل ذلك الملوك المتأخرون عنهم، فأقرهم أهل العلم، وقالوا: إنه من أفضل العمل؛ لدخوله ضمن عموم الصدقة الجارية في أقواله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يوجد مثله في أفعاله، فإن مقتضي وجود المستشفى للفقراء هو وجود المرضى والجرحى منهم، والمال المحتاج إليه كان موجوداً، لاسيما بعد الفتوحات العظمى، وذوو الخبرة موجودون، وهم الذين كانوا يعالجون الجرحى قبل وجود المستشفيات، ولا مانع من إقامة المستشفى، وكذا يقال في كل المستحبات: إن عدم فعلهم لها يدل على عدم الوجوب فقط، ولا يدل على عدم المشروعية، فإذا وجد دليل الاستحباب من أقواله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أي دليل آخر، فيستحب العمل به، ومنع العمل به استناداً إلى عدم فعلهم مخالف للاستدلال الشرعي من جهتين:
الأولى: أن عدم فعل الصحابة هو انتفاء دليل معين، لا يجوز الاعتماد عليه مع وجود دليل آخر هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو دليل إثبات، وعدم الدليل هو المسمى في أصول الفقه دليل الاستصحاب، وهو كما قال ابن تيمية في الفتاوى (23/15): "التمسك بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقاً، وأدنى دليل يرجح عليه... فهذا باتفاق الناس أضعف الأدلة... وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب الحال".
الثانية: أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم دليل أصلي، أما فعل الصحابة ـ وكذا تركهم بالأولى ـ فهو ليس دليلاً أصلياً، وإنما يستدل به على تقدير أنه معتمد على دليل قوله أو فعله صلى الله عليه وآله وسلم، فترك قوله صلى الله عليه وآله وسلم للأخذ بقولهم معاكس لمنهج الاستدلال، كأنك تقول: أترك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عارض قول الصحابة أو فعلهم أو تركهم، وحقيقة الأمر أنه لا تعارض أصلاً، فالتعارض لا يتصور بين دليل الإثبات ودليل العدم ـ فلا يقال مثلاً في مسألة ثبتت بالسنة دون القرآن: قد تعارض فيها القرآن والسنة، وكذا لا يقال تعارض الحديث الدال على فضيلة المولد مع عدم فعل الصحابة، بل يقال: وجد له دليل من السنة، ولم يوجد له دليل من فعل الصحابة، وهذا الدليل كاف في إثبات الفضيلة ـ وإنما يتصور التعارض بين إثباتين، كما لو فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً وفعل الصحابة خلافه، فيكون الترجيح من حيث الثبوت حينئذ لا بد منه، ولو كان عدم الفعل راجحاً لكان عدم فعله صلى الله عليه وآله وسلم دليلاً راجحاً على فعل الصحابة، ولم يكن فعلهم دليلاً حينئذٍ.
ولو كان عدم وجود قول للسلف في المسألة دليلاً على عدم المشروعية لكان لا يحق للتابعين أن يتكلموا في مسألة سكت عنها الصحابة، وكان لا يحق لأتباع التابعين أن يتكلموا في مسألة سكت عنها التابعون، وهذا مخالف لما نص عليه الإمام أحمد، ففي مسودة آل تيمية ص (336): "قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل:... فإذا وجدت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد... فعن الخلفاء الأربعة... فإذا لم أجد فعن أصحابه الأكابر فالأكابر... فإذا لم أجد فعن التابعين وتابع التابعين"، ولو كان عدم الرواية حجة على عدم المشروعية لكان ينبغي للتابعين أن يقولوا لو كان خيراً لسبقنا إليه الصحابة، وكان ينبغي لأتباعهم أن يقولوا: لو كان خير لسبقنا إليه التابعون.
وما قاله الإمام أحمد مستند إلى ما رواه النسائي وجوّده عن ابن مسعود برقم (5397): (فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه...) ولو كان عدم الرواية دليلاً على عدم المشروعية لما صح أن يقول: (فليجتهد رأيه)، بل يقول: لو كان خيراً لسبقه إليه الصالحون قبله، فلا يجوز له أن يجتهد.
ومن قال: لو كان فعل المولد خيراً لسبقونا إليه يقال له: قد سبقنا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالدلالة على مشروعيته بطريق الأولى، وإنكار الاستدلال بهذا الطريق خروج عن منهج الكتاب والسنة والسلف الصالح، كما يأتي في كلام ابن تيمية قريباً ـ إن شاء الله تعالى ـ وليس واجباً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغنا بطريق العمل في كل ما هو مشروع، بل السنة القولية دليل مستقل، لا يتوقف العمل به على ثبوت فعله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا فعل غيره؛ لأن القول أقوى من الفعل باتفاق، كما تقدم عن ابن تيمية ص (39) هنا.
دليل مُسْتَحِب عمل المولد:
وقد ذكر السيوطي: أن الحافظ ابن حجر استدل ـ على مشروعية عمل المولد، وتوقيت بعض الأعمال الصالحة وتخصيصها بيوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم من كل عام ـ بحديث قولي، هو حديث صوم عاشوراء في البخاري برقم (3216) ومسلم برقم (1130 مكرر) واللفظ له: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صياماً، يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه" وفي رواية لهما "فنحن نصومه تعظيماً له"(1) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم) فقال ـ كما في الحاوي ـ (1/302): "فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادة... وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم".
توضيح استدلال ابن حجر:
وهذا استدلال منه ـ رحمه الله ـ بطريق الأولى، فإذا كانت نجاة موسى عليه السلام تستحق في مناسبتها السنوية شكرنا لله ـ عز وجل ـ فنجاة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يوم هجرته مثلاً أولى؛ لأن النعمة فيها أعظم، وكلما كانت النعمة أعظم كان شكرها أحق؛ ولذا قال الحافظ عن يوم المولد النبوي: "وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم"، فرسالته رحمة، كما قال الله تعالى: { وَمَاْ أَرْسَلْنَاْكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَاْلمَينَ } ، وذاته رحمة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أنا رحمة مهداة)(1) ، وكما قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْت فيهم} [الأنفال:33]، فمع أنهم كانوا كافرين، يتحدون نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان وجود ذاته صلى الله عليه وآله وسلم بينهم دافعاً للعذاب عنهم.
قوة الاحتجاج بطريق الأولى:
والاحتجاج بطريق الأولى من أقوى الأدلة، وتركه مباعدة لمنهج القرآن والسنة، قال عنه ابن تيمية في الفتاوى (21/207): "ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر... بل وكذلك قياس الأولى ـ وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق ـ فإنكاره من بدع الظاهرية، التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا".
وفي الفتاوى (12/349): "الطريقة النبوية السلفية أن يستعمل في العلوم الإلهية قياس الأولى".
شبهة موافقة أهل الكتاب:
وإذا ثبت بالدليل الشرعي استحباب إحياء ذكرى المولد سنوياً، أو ذكرى الهجرة سنوياً، لم يمنع من ذلك أن فيه موافقة لليهود أو النصارى، فإن موافقة اليهود في صوم عاشوراء أقوى، ومع ذلك لم يتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وموافقتهم إنما تمنع فيما ليس له دليل شرعي.
فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بصوم تاسع المحرم ليخالفهم، فالجواب من وجهين:
أولهما: أنه لم يأمر به أمر إلزام، حتى يكون المقتصر على يوم عاشوراء آثماً، إنما التاسع زيادة فضيلة، فالموافقة حاصلة.
ثانيهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخالفهم، بل وافقهم في اليوم، لكن أضاف إليه يوماً آخر، واكتفى بهذا القدر من مخالفتهم، واحتفال المسلمين بيوم مولده صلى الله عليه وآله وسلم فيه وجوه عدة من مخالفة اليهود في يوم عاشوراء بإضافة أعمالٍ غير الصوم، مأخوذة من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا فيه وجوه عدة من مخالفة النصارى في ميلاد نبيهم عليه الصلاة والسلام، فمع اختلاف الكيفية هناك مخالفتهم فيما يعملون من الشعارات الشركية، وشرب الخمور، وغير ذلك.
وخلاصة الأمر: أن أي عمل له دليل شرعي لا ينبغي تركه لأجل مخالفتهم، ومن تركه كان معترضاً على الأدلة.
أعمال المولد :
قال الحافظ ابن حجر في تمام كلامه السابق المنقول عن الحاوي (1/302): "وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى... من التلاوة، والإطعام، والصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية... وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك، فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحاً، بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه، وما كان محرماً أو مكروهاً فيمنع". كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى.
الدليل على أعمال الشكر الأخرى :
ولم يقيد الحافظ الشكر بالصوم، وإن كان المذكور في هذا الحديث وفي حديث صوم كل يوم اثنين(1) هو الصوم؛ وذلك لأن حديث ابن عباس رضي الله عنهما كما قال في فتح الباري (5/799): "يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب، وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى عليه السلام". وعلماء الأصول يقولون: إذا نص الشارع على حكم ، ونص على علته ـ أي على السبب المقصود من مشروعيته ـ فكل عمل يحصل به ذلك المقصود فهو مراد لله بنص الشرع، وفي مسودة آل تيمية (2/736): "الحكم المتعدي إلى الفرع بعلة منصوص عليها مراد بالنص". فكل ما يحصل به الشكر مشروع بدلالة الحديث كأنه مذكور في الحديث نصاً(2).
عمل المولد صورة من مجالس شكر الله تعالى:
والاجتماع لشكر الله على هدايته سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عمل بها أصحابه، فأثنى عليهم أعظم الثناء، كما جاء في صحيح مسلم برقم (2701) عن معاوية رضي الله عنه، وفيه قوله: (وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل، فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)، فالاجتماع على حمد الله تعالى على نعمة الإسلام والتفضل به سنة، والاجتماع لشكر الله تعالى على نعمة إيجاد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جملة ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم دعانا إليه، وهو الصورة العملية لكتاب الله تعالى، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها لمن سألها عن خلقه صلى الله عليه وآله وسلم: (ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان القرآن)كما رواه مسلم برقم (746).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر بعض تفصيلات العبادة التي تؤدى شكراً في كلامه السابق "من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية".
أما التلاوة شكراً فمأخوذة من قوله تعالى: { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } [البقرة:198]، والقرآن أفضل الذكر، مع أن الذكر يحصل بالتهليل والتسبيح والدعاء، وكل ما يسمى في الشرع ذكراً كالتكبير، قال الله تعالى: { ولتكبروا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } [البقرة:185].
والإطعام شكراً ذكر في قوله تعالى: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)
والنحر مراد منه أن يطعمه الفقراء، وإطعامهم صدقة، وباب الشكر بالصدقة واسع.
هل يحصل الشكر بعمل المباحات؟
وأما حصول الشكر بالمباحات ـ التي تعمل في المولد ـ فقد جاء ما يدل عليه في مسند الإمام أحمد برقم (22989) وبرقم (230011)(1) : "أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: (أوف بنذرك)". قال الخطابي في معالم السنن(2) : "ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي تتعلق بها النذور، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... صار فعله كبعض القرب، التي هي من نوافل الطاعات؛ ولهذا أبيح واستحب في النكاح... ومما يشبه هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحسان لما استنشده وقال له: كأنما ينضح به وجوه القوم، وكذلك استنشاده عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهما"(3)، وكذلك الفرح بمولده وبذكرى مولده صلى الله عليه وآله وسلم، وضرب الدف في ذلك صار فعله كبعض القرب، مثلما كان إعلان الفرح بعودته سالماً كبعض القرب، حتى علق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله على النذر، وكان وفاء به بأمره صلى الله عليه وآله وسلم.
الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم أمر إلهي:
على أن الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم داخل تحت امتثال قوله تعالى: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، وهو صلى الله عليه وآله وسلم "رحمة" كما جاء في الحديث (إنما أنا رحمة مهداة).
ما ذكره الحافظ ابن حجر وغيره من أعمال المولد إنما هو مظهر لهذا الفرح، مع كونه مقصوداً به شكر الله تعالى على هذه النعمة العظمى،
فضائل مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
ثم إن إظهار السرور في المدائح النبوية أقوى وأظهر من ضرب الدف، وقد عده الحافظ ابن حجر في كلامه عن المولد قبل المباحات، وعطفه على أنواع العبادات، وقد ذكر في فتح الباري(1) (13/566): أن المدح "ربما كان مستحباً"، وسبقه إلى تفصيل ذلك النووي في شرح صحيح مسلم(2) فقال: "إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد فيه، والدوام عليه، أو الاقتداء به كان مستحباً" ولا ريب أن مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحصل به الحث على الاقتداء به وعلى حبه صلى الله عليه وآله وسلم؛ وجاءت روايات كثيرة أنه كان الصحابة يمدحون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الشعر، كما روى البخاري برقم (1104) عن أبي هريرة مديح عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قوله:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
وفي صحيح مسلم برقم (2490): عن عائشة قول حسان يرد على من هجا النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
هجوت محمد براً تقياً
رسول الله شيمته الوفاء
وفي صحيح مسلم برقم (2489) عنها أيضاً قول حسان يمدح بعض بني هاشم، ويرد على من هجا منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
وبرقم (2488) عن مسروق قول حسان في مدح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
ثم إن في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم شكراً لله عز وجل على إرساله صلى الله عليه وآله وسلم، وعرفاناً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجميل، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أبو داود(1) برقم (4814): (من أبلي بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره)، وفي سننه أيضاً برقم (4779) ورجاله رجال الصحيحين "أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله! ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: (لا، ما دعوتم لهم وأثنيتم عليهم)" والثناء عليهم هو ذكرهم بالخير، وهو مديح، وقد بين الحديث أن ذلك الثناء يجعلهم شركاء في الأجر هم والأنصار، الذين آووا ونصروا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهو أجر عظيم غاية العظم، والأجر لا يكون إلا على طاعة لله.
وفي مدحه صلى الله عليه وآله وسلم شهادة له بما شهد الله له به من البلاغ وحسن الخلق، وكونه قدوة الخير، وفي ذلك أجر عظيم أيضاً.
ردٌ على منكري مدحه صلى الله عليه وآله وسلم:
وبهذا يعرف أن الذين يستنكرون مدحه صلى الله عليه وآله وسلم، ويستدلون بحديث "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" البخاري برقم (3261) يعرف أنهم استدلوا بالحديث في غير موضعه، فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "والإطراء المدح بالباطل"(2) ، وحتى لو كان الإطراء بمعنى المدح مطلقاً فإن تتمة الحديث توضحه وتقيد النهي بأن يكون عن المدح المجاوز للحد كما فعلت النصارى، فإنه لم يقل لا تطروني، ولكن قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم" .
وفعل الصحابة في حضوره صلى الله عليه وآله وسلم، وإقراره لهم على مدحه، وحثه للمهاجرين على أن يثنوا على الأنصار يوضح حديث النهي عن الإطراء تمام الإيضاح، ويدفع كل الشبهات التي يتمسك بها الناهون عن مديحه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال الإمام الطبري في تفسيره (1/482): "معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله".
وأما الذين يقولون إنه صلى الله عليه وآله وسلم غني بمدح ربه له في القرآن عن كل مديح فهم مغالطون؛ لأن محبي مدحه لا يمدحونه لأنه محتاج إلى المدح، بل لينالوا بمدحه العمل بالفضائل التي تقدم ذكرها، فنعوذ بالله من التحايل على أدلة الشرع، وضرب بعضها ببعض، ونسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا حباً لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وآله وصحبه وورثته، وأن يملأها سروراً به وبمدحه صلى الله عليه وآله وسلم.
وإنشاد الشعر في هذه المناسبة ـ وفيه ذكر شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو من باب التذكير بنعمة إيجاده وإرساله وجعله أسوة للمؤمنين، قال الله تعالى فيه: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[آل عمران:164]، وكان الذين ينشدون في حضرته صلى الله عليه وآله وسلم يريدون ذلك التذكير، كما صرح في رواية البخاري برقم (5972) عن سلمة بن الأكوع قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر فقال رجل من القوم: أي عامر لو أسمعتنا من هناتك، فنزل يحدو بهم يذكر: تالله لولا الله ما اهتدينا"، فقوله: "يحدوا بهم يذكر" نص على قصده من إنشاد ذلك الشعر، وقد روى البخاري تمام هذا الشعر في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم (3960) وهو:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا .. ولا تصدقنا ولا صلينا
اغفر فداء لك ما أبقينا
... وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا
إنا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عولوا علينا
والتذكير معناه: الحث على الذكر بمعناه الواسع، وهو هنا بمعناه الخاص، وهو شكر الله عز وجل على هدايته وعلى إرساله سيد المرسلين إلى هذه الأمة؛ لأن هداية الله به كانت، وقد جعله الله واسطة الهداية، بل سماه هادياً فقال:
{ وَإِنَّكَ لتهدي إلى صراط مستقيم } [الشورى:52]، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله"(1) .
استحباب عمل المولد كل يوم اثنين:
وإذا كان الاحتفال السنوي وتوقيته يستند في المشروعية إلى حديث صوم عاشوراء؛ لأن كلاً منهما شكر لله على نعمة عظيمة، فإن الاحتفال الأسبوعي في يوم الاثنين أظهر وأقوى دليلاً؛ لأن صوم يوم الاثنين عبادة شرعت خصوصاً بمناسبة مولده صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء في الحديث في صحيح مسلم برقم (1162): "سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت (أو أنزل علي فيه)" وهذا بيان منه صلى الله عليه وآله وسلم لعلة استحباب صومه، وهذه العلة تتحق بكل عبادة يقصد بها شكر الله تعالى على مولده صلى الله عليه وآله وسلم، كما تقدم تفصيل ذلك في التعليق على كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله، والعادات المباحة التي تقترن بذلك لا تحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل فيها الإباحة، فإذا أضيف إلى ذلك قصد الفرح به صلى الله عليه وآله وسلم كان أقرب إلى المشروعية، كما سبق في حديث أبي داود ـ عن الدف ـ وتعليق المحدثين عليه، والله تعالى أعلم.

الاثنين، 25 سبتمبر 2023

المولد النبوي الشريف في بلاد الحرمين قبل ظهور مَن يُسمُّون أنفسهم سلفيين

 


  • المولد النبوي الشريف في بلاد الحرمين قبل ظهور مَن يُسمُّون أنفسهم سلفيين 👇
    1- " ومن مشاهد مكة المكرمة الكريمة أيضا مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، والتربة الطاهرة التي هي أول تربة مست جسمه الطاهر ، ويُفتح هذا الموضع المبارك أي منزل النبي صلى الله عليه وسلم فيدخله الناس كافة متبركين به في شهر ربيع الأول ويوم الاثنين منه، لأنه كان شهر مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي اليوم المذكور ولد صلى الله عليه وسلم ، وتفتح المواضع المقدسة المذكورة كلها ، وهو يوم مشهود بمكة دائما ".
    - من كتاب "رحلة ابن جبير" لابن جبير الأندلسي ( المتوفي : 614ھ) .
    👇
    ٢- " إن يوم المولد النبوي كان يتخذ عطلة عامة بمكة المكرمة ، وتفتح فيه الكعبة المشرفة ليؤمها الزوار ".
    - الإمام المحدث الفقيه أبو العباس العزفي (المتوفى :633 هـ ) .
    - من كتاب "ورقات في حضارة المرينيين" لمحمد المنوني .
    👇
    ٣- "..... وخصوصا في مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما ، فإنه يطعم فيه شرفاء مكة وكبراءها وفقراءها وخدام الحرم الشريف وجميع المجاورين ، وكان سلطان مصر الملك الناصر رحمه الله يعظمه كثيرا وجميع صدقاته وصدقات أمرائه تجرى على يديه ، وولده شهاب الدين فاضل وهو الآن قاضي مكة شرّفها الله " .
    - قاضي القضاة بمكة الإمام نجم الدين محمد بن الإمام العالم محيي الدين الطبري المكي ( المتوفى : 730ھ)
    - من كتاب "رحلة ابن بطوطة"
    👇
    ٤- " وباب الكعبة المعظمة في الصفح الذي بين الحجر الأسود والركن العراقي ، ويفتح الباب الكريم في كل يوم جمعة بعد الصلاة ويفتح في يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم ".
    - الإمام المؤرخ الرحالة إبن البطوطة ( المتوفى : 779ھ) .
    - من كتابه "رحلة ابن بطوطة" .
    👇
    ٥- " جرت العادة بمكة في ليلة مولد الرسول أن يتهيأ الكبار والعلماء وأعيان البلاد بالفوانيس والشموع فيخرجون إلى بيت المولد لزيارته واحياء ذكرى مولده ".
    - شيخ الإسلام قاضي القضاة خطيب بيت الله الحرام الإمام إبن ظهيرة القريشي ( المتوفى : 910ھ) :
    - من كتاب "في رحاب بيت الله الحرام" للإمام السيد محمد بن علوي المالكي .
    👇
    ٦- " وجرت العادة بمكة في ليلة الإثنين عشر من ربيع الأول في كل عام أن قاضي مكة الشافعي يتهيأ لزيارة هذا المحل الشريف بعد صلاة المغرب في جمع عظيم منهم الثلاثة القضاة ، وأكثر الأعيان من الفقهاء والفضلاء وذوي البيوت بفوانيس كثيرة ، وشموع عظيمة ، وزحام عظيم ...".
    - الامام الحافظ المؤرخ جمال الدين محمد جارالله القريشي المكي (المتوفى :954ھ) .
    - من كتابه " الجامع اللطيف في فضل مكه وأهلها وبناء البيت الشريف" .
    👇
    ٧- " يزار مولد النبي صلي الله عليه وآله وسلم المکاني في الليلة الثانية عشر من شهر ربيع الأول في کل عام ، فيجتمع الفقهاء والأعيان علي نظام المسجد الحرام والقضاة الأربعة بمکة المشرفة بعد صلاة المغرب ....... ، وهذه من أعظم مواکب ناظر الحرم الشريف بمکة المشرفة ويأتي الناس من البدو والحضر وأهل جدة ، وسکان الأودية في تلک الليلة ويفرحون بها " .
    - الإمام المحدث أحد المدرسين بالحرم المكي الشريف قطب الدين الحنفي ( المتوفى 988ھ) :
    - من كتاب " الإعلام بأعلام بیت اﷲ الحرام فی تاریخ مکة المشرفة " .
    👇
    ٨- " ولأهل المدينة به احتفال وعلى فعله إقبال وکان للملك المظفر صاحب ’’أربيل‘‘ بذالك فيها أتم العناية واهتمامًا بشأنه جاوز الغاية ، فأثني عليه به العلامة أبو شامة أحد شيوخ النووي السابق في الاستقامة في کتابة الباعث علي البدع والحوادث وقال : مثل هذا الحسن يندب اليه ويشکر فاعله ويثني عليه ، زاد ابن الجزري : ولو لم يکن في ذالك إلا إرغام الشيطان وسرور أهل الإيمان وإذا کان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيداً أکبر فأهل الإسلام أولي بالتکريم وأجدر ... فقد اتصل بنا أن الزاهد القدوة المعمر أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الرحيم بن إبراهيم جماعة لما کان بالمدينة النبوية علي ساکنها أفضل الصلاة وأکمل التحية کان يعمل طعاماً في المولد النبوي ، ويطعم الناس ويقول : لو تمکنت عملت بطول الشهر کل يوم مولد ".
    -من كتاب " المورد الروي للملا علي القاري المكي" للإمام المحدث الملّا علي القاري المكي ( المتوفى 1014ھ)
    👇
    ٩- " وکنت قبل ذلك بمکة المعظمة في مولد النبي صلي الله عليه وآله وسلم في يوم ولادته ، والناس يصلون علي النبي صلي الله عليه وآله وسلم ويذکرون إرهاصاته التي ظهرت في ولادته ومشاهدة قبل بعثته ، فرأيت أنواراً سطعت دفعة وحدة لا أقول إني أدرکتها ببصر الجسد ، ولا أقول أدرکتها ببصر الروح فقط ، واﷲ أعلم کيف کان الأمر بين هذا وذلك ، فتأملت تلك الأنوار فوجدتها من قبل الملائکة المؤکلين بأمثال هذا المشاهد وبأمثال هذه المجالس ، ورأيت يخالطه أنوار الملائکة أنوار الرحمة ".
    - مسند الهند الإمام المحدث الشاه ولي الله الدهلوي (المتوفى : 1114هـ) .
    - من كتابه " فيوض الحرمين".