هل كل بدعة ضلالة؟ أم أن المشكلة في فهم كلمة "كل"؟
يستدل المانعون لكل مستحدث بقول النبي ﷺ:
«كل بدعة ضلالة»
ويظنون أن كلمة "كل" هنا لا تقبل أي استثناء، وأنها تشمل جميع المحدثات دون تفصيل.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح أولاً:
هل لفظ "كل" في القرآن والسنة يُراد به دائماً العموم المطلق؟
الجواب: ليس بالضرورة.
فالقرآن نفسه استعمل كلمة "كل" في مواضع أريد بها الخصوص، كقوله تعالى عن الريح التي أُرسلت على قوم عاد:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾
ومع ذلك لم تُدمر السماوات ولا الأرض ولا الجبال، وإنما دمرت كل ما أُمرت بتدميره.
وكذلك قال الله تعالى عن ملكة سبأ:
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾
ومن المعلوم أنها لم تُؤتَ كل شيء على الإطلاق، وإنما كل ما يحتاجه الملك من أسباب السلطان.
فإذا كان لفظ "كل" قد يأتي في لغة القرآن والسنة ويراد به العموم المقيد، فمن الطبيعي أن يبحث الفقيه عن مراد النص، لا أن يكتفي بظاهر اللفظ مجرداً عن بقية الأدلة.
ولهذا نجد أن الصحابة أنفسهم أحدثوا أموراً بعد وفاة النبي ﷺ، كجمع القرآن، وزيادة الأذان الأول للجمعة، وجمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، ولم يروا أن ذلك معارضة لحديث «كل بدعة ضلالة»، لأنهم فهموا أن المذموم هو ما خالف أصول الدين، لا كل وسيلة أو اجتهاد جديد.
فالواجب أن تُفهم النصوص جميعها في ضوء بعضها، لا أن يُؤخذ نص ويُترك غيره.
الخلاصة:
ليس الخلاف في صحة الحديث، فهو حديث صحيح، وإنما الخلاف في فهم المراد من لفظ "البدعة"، وكيف تُجمع النصوص وأفعال الصحابة في هذه المسألة.
سؤال للنقاش:
هل يكفي التمسك بظاهر لفظ "كل" للحكم على جميع المحدثات، أم أن فهم النصوص يحتاج إلى جمع الأدلة والنظر في استعمالات اللغة والشرع؟
المقال (3)
جمع القرآن... بدعة أم فقه؟
بعد وفاة النبي ﷺ واستشهاد عدد كبير من حفاظ القرآن في معركة اليمامة، خشي الصحابة أن يضيع شيء من القرآن بذهاب حفظته.
فعرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يُجمع القرآن في مصحف واحد.
لكن أبا بكر تردد في البداية وقال:
"كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟"
إنها العبارة نفسها التي تتكرر اليوم في كثير من القضايا.
إلا أن عمر رضي الله عنه ظل يبين له أن في ذلك مصلحة عظيمة لحفظ كتاب الله، حتى شرح الله صدر أبي بكر لهذا الرأي، وقال:
"هو والله خير."
فجمع القرآن في مصحف واحد، ثم أجمعت الأمة على هذا العمل، وأصبح من أعظم مناقب أبي بكر رضي الله عنه.
ولو كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ دليلاً كافياً على التحريم، لما وافق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة على هذا العمل.
إن هذا الموقف يعلمنا قاعدة مهمة:
أن ترك النبي ﷺ لشيء لا يعني دائماً منعه، بل قد يتركه لأن سببه لم يوجد في حياته، فإذا وجد السبب بعد وفاته، اجتهد الصحابة في ضوء مقاصد الشريعة وأصولها.
الخلاصة:
جمع القرآن لم يكن استدراكاً على الدين، بل كان تطبيقاً لمقاصده، وحفظاً لأعظم مصدر من مصادره.
سؤال للنقاش:
لو بقي الصحابة على ظاهر قول: "لم يفعله رسول الله ﷺ"، فهل كان القرآن سيُجمع في مصحف واحد؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق