📌 وقفة علمية هادئة حول: حديث افتراق الأمة.. هل هو مسوغ للتضليل والتكفير؟
يتداول بعض المسلمين أحاديث قد تُستخدم –عن حسن نية أو سوء فهم– للتضليل والتفريق بين أبناء الأمة الواحدة، ومن أبرزها: "حديث افتراق الأمة".
ولأن هذا الموضوع يُبنى عليه أحيانًا طعن وتجهيل لخير العلماء والدعاة والمخالفين في الرأي، كان لزاماً تحرير القول فيه علمياً ومنهجياً بعيداً عن التعصب.
🔍 أولاً: وقفة مع السند وصحة الصدور
لا ينبغي التعامل مع هذا الحديث وكأنه نص قطعي متواتر لا يُقبل فيه النقاش، بحيث يُعدّ من ردّه مخالفاً لرسول الله ﷺ! فالحقيقة العلمية تؤكد أن "حديث افتراق الأمة إلى فرق فوق السبعين كلها في النار إلا واحدة" فيه كلام طويل عريض بين المحدثين ثبوتًا ودلالة:
ليس في الصحيحين: لم يخرجه البخاري ولا مسلم في صحيحيهما؛ برغم أهمية موضوعه، مما يدل على أنه لم يصح على شرطهما.
رواية دون زيادة النار: الرواية الثابتة نسبياً (عند أبي داود والترمذي وغيرهما) تقتصر على ذكر الإعداد فقط دون زيادة "كلها في النار إلا واحدة"، والتي تدور حولها المعركة والنزاع.
كلام الأئمة في رواته: دار مدار تلك الروايات على طرق ضعيفة أو رجال في حفظهم مقال (مثل محمد بن عمرو بن علقمة)، وصفه الحافظ ابن حجر بأنه "صدوق له أوهام"، والصدق وحدَه لا يكفي إن لم يصاحبه تمام الضبط.
حكم كبار المحققين:
قال الإمام ابن حزم: إن زيادة "كلها هالكة إلا واحدة" موضوعة لا تصصح مرفوعة ولا موقوفة.
وصفها العلامة ابن الوزير في "العواصم والقواصم" بأنها زيادة فاسدة غير صحيحة القاعدة، وحذر من الاغترار بها لأنها تُستخدم لتضليل الأمة وتكفير بعضها لبعض.
نقل الإمام الشوكاني تضعيف جماعة من المحدثين لزيادة "كلها في النار إلا واحدة".
🧠 ثانياً: إشكال المتن والمخالفة للقرآن الكريم
إلى جانب ضعف الأسانيد واختلاف الأئمة فيها، فإن المعنى الذي تفترضه هذه الزيادة يصطدم مع صريح القرآن الكريم:
الله سبحانه وتعالى يقول في وصف هذه الأمة:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110].
أمّا المعنى المستفاد من ظاهريّة الحديث (بافتراق الأمة لـ 73 فرقة كلها في النار مقابل 71 لليهود و72 للنصارى) فيجعل الأمة المحمدية "شرّ الأمم" التي هلك جُلّها، بينما يفضل عليها اليهود والنصارى! وهذا باطل قطعاً ومصادم لفضل هذه الأمة وخيريتها.
💡 ثالثاً: حتى لو صحّ الحديث، فما هو معناه الصحيح؟
على فرض صحة الحديث أو تحسينه عند بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية أو الحافظ ابن حجر بطرقه:
ليس مؤبداً: لا يدل على أن هذا الافتراق دائم إلى قيام الساعة، فقد توجد فرقة وتنقرض ويمحوها الحق ويذهب أثرها، وهذا ما حصل تاريخياً للكثير من الفرق المنحرفة.
هم جزء من أمة الإجابة: قوله ﷺ "تفتق أمتي" دليل على أنهم –رغم بدعتهم– لم يخرجوا عن الملة ولم ينفصلوا عن جسم الأمة المسلمة.
ليس خلوداً في النار: كون بعضهم يدخل النار لا يعني الخلود فيها كالكفار، بل مصيرهم كعصاة الموحدين؛ يدركهم عفو الله، أو شفاعة الشافعين، أو ما كفرته حسناتهم والمصائب التي مستهم، خصوصاً من بذل وسعه في طلب الحق فأخطأ الطريق وتجاوز الله عن خطئه.
🎯 الخلاصة والهدف
إن بيان حال هذه الأحاديث واختلاف الأئمة حولها، يهدف إلى سحب البساط من تحت دعاوى التضليل والتكفير المتبادل بين المسلمين وعلماؤهم ودعاتهم.
فديننا أوسع من أن نضيقه بالظنون، وأعظم من أن نمزق صفوفنا باسم أحاديث اختلف أئمة الشأن في صحتها. ولنكن كما أمرنا الله تعالى: رحماء بيننا، صفاً واحداً في وجه التحديات.
المصدر بتصرف واختصار: كتاب "الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم" – للدكتور يوسف القرضاوي (ص 24-28).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق