الاثنين، 21 سبتمبر 2026

🐭 رأى فأرًا… ثم أصابه العمى! اختزال علم الأمة في ثلاثة علماء جريمة!

 



🐭 رأى فأرًا… ثم أصابه العمى!

اختزال علم الأمة في ثلاثة علماء جريمة!

يُحكى أن رجلًا لم يعرف من عالم الحيوان إلا الفأر.

ثم أصابه العمى، فأصبح إذا سمع الناس يتحدثون عن حيوانٍ آخر، لم يجد في ذهنه إلا الفأر مقياسًا يقيس عليه كل شيء!

إذا قالوا: جمل، سأل:
أليس يشبه الفأر في كذا؟!

وإذا قالوا: غزال، قال:
أليس له ذيل؟!

وإذا تحدثوا عن النحل أو النمل، ظل يبحث عن أي صفة يمكن أن يربطها بالفأر!

فالمشكلة لم تكن في الجمل ولا في الغزال ولا في النحل…

المشكلة أنه لم يعرف إلا الفأر!

وهذه الحكاية تصلح مثالًا على ظاهرة موجودة عند بعض المتحمسين؛ حيث ضاق أفقهم عن التراث العلمي الواسع للأمة، حتى أصبحوا لا يكادون يعرفون من العلماء المعاصرين إلا:

ابن باز، وابن عثيمين، والألباني رحمهم الله.

ولا شك أن هؤلاء علماء لهم قدرهم، ولهم جهودهم واجتهاداتهم، ولا علاقة لهذا الكلام بانتقاصهم أو التقليل من شأنهم.

لكن السؤال:

هل يجوز أن يتحول ثلاثة علماء إلى ميزانٍ يُقاس به علماء الأمة جميعًا؟!

إذا ذُكر ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والطبري، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور في التفسير…

قيل:
هل وافقوا ابن باز وابن عثيمين والألباني؟!

وإذا ذُكر أبو الحسن الأشعري، والباقلاني، والقاضي عياض، والقشيري، والغزالي، والعز بن عبد السلام، والنووي، وابن عساكر، والسيوطي وغيرهم…

قيل:
هل وافقوا ابن باز وابن عثيمين والألباني؟!

وإذا ذُكر أئمة الحديث:

البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ويحيى بن معين، والدارقطني، وابن حجر، والعراقي، والمنّاوي وغيرهم…

عاد السؤال نفسه:

هل وافقوا ابن باز وابن عثيمين والألباني؟!

وإذا ذُكرت مدارس الفقه وأئمته:

أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وداود الظاهري، وابن حزم، وابن عبد البر، والنووي، وابن رشد وغيرهم…

فإن المعيار عند البعض يعود إلى السؤال نفسه:

هل قالوا ما قاله هؤلاء الثلاثة؟!

بل حتى في علوم اللغة والأدب والأصول والفكر والتاريخ، تجد أحيانًا أن أسماء القرون الطويلة من التراث تُستبعد أو تُهمّش لمجرد أنها لا تنتمي إلى المدرسة التي اعتاد الشخص القراءة من خلالها.

وهنا نقول:

⚠️ مهلاً!

هل بدأ العلم الإسلامي في القرن الأخير؟

هل كان علماء الأمة طوال القرون الماضية مجرد أسماء لا قيمة لها حتى نعرض أقوالهم جميعًا على آراء ثلاثة علماء معاصرين؟

وهل كل عالم لم يوافق هؤلاء الثلاثة يصبح جاهلًا، أو مبتدعًا، أو لا يُعتد بكلامه؟!

إن كان الأمر كذلك… فماذا بقي من تراث الأمة؟!

لقد عرفت الأمة الإسلامية خلال قرون طويلة مدارس متعددة في:

التفسير، والحديث، والفقه، وأصول الفقه، والعقيدة، واللغة، والتاريخ، والفلسفة، والتزكية وغيرها.

واختلف علماؤها، وتحاوروا، ورد بعضهم على بعض، واختار كل إمام ما ظهر له أنه أقرب إلى الدليل.

ولم يكن اختلافهم يعني أن أحدهم امتلك مفتاح العلم كله، ولا أن بقية الأمة أُخرجت من دائرة العلم.

📌 المشكلة ليست في أن تختار عالمًا…

من حقك أن تثق بعالم، وأن ترجح قولًا، وأن تتبع مدرسة فقهية أو منهجًا علميًا تراه أقرب إلى الصواب.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول:

الاختيار → إلى احتكار

والترجيح → إلى إلغاء

والاحترام → إلى تقديس

والمخالفة → إلى اتهام

فتصبح القاعدة عند البعض:

من وافق علمائي فهو عالم،
ومن خالفهم فليس بعالم!

وهذه ليست طريقة علمية في قراءة تراث أمة امتدت قرونًا.

🔎 العالم يُقرأ بدليله، لا بمجرد اسمه

ليس المطلوب أن نتخلى عن العلماء المعاصرين، ولا أن ننتقص من ابن باز أو ابن عثيمين أو الألباني رحمهم الله.

بل المطلوب أن نضعهم في مكانهم الطبيعي داخل سلسلة طويلة من علماء الأمة، لا أن نجعل السلسلة كلها تتوقف عندهم.

فهم علماء من علماء الأمة، وليسوا الأمة كلها.

والعلم لا يصبح حقًا لأن فلانًا قاله، ولا يصبح باطلًا لأن فلانًا لم يقله.

بل يُنظر في:

الدليل، وصحة الاستدلال، وفهم النص، وأقوال أهل العلم، وسياق المسألة، ومجموع الأدلة.

🐭 ولهذا تبقى الحكاية معبّرة:

رأى فأرًا… ثم أصابه العمى!

فلم يعد يرى الجمل جملًا، ولا الغزال غزالًا، ولا النحل نحلًا…

بل صار كل شيء عنده فأرًا!

وكذلك العلم:

إذا لم نقرأ إلا مدرسة واحدة، ثم جعلناها المقياس الوحيد لكل العلماء، فقد نعرف جزءًا من التراث ونظن أننا عرفنا التراث كله.

✨ خلاصة القول

علم الأمة أوسع من ثلاثة علماء،
والتراث الإسلامي أكبر من مدرسة واحدة،
والعلم لا يُختزل في أسماء معدودة.

احترم العلماء، واقرأ لهم، وانتفع بعلمهم…

لكن لا تجعل ثلاثة علماء ميزانًا لأربعة عشر قرنًا من العلم!

فمن عرف نافذة واحدة من بيتٍ واسع، لا يصح أن يزعم أنه رأى البيت كله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق