🔥 الأشاعرة هم السواد الأعظم من علماء أهل السنة…
والسلفية المعاصرة فئة قليلة لا تمثل أهل السنة جميعًا
لستُ أشعريًّا ولا ماتريديًّا، بل أقول إنني على مذهب أهل الحديث وطريقتهم.
ومع ذلك، فإن الانتساب إلى أهل الحديث لا يعني أبدًا أن نحصر أهل السنة والجماعة في مدرسة واحدة، أو أن نجعل السلفية المعاصرة هي الممثل الوحيد للسنة، ثم ننظر إلى مئات السنين من تاريخ الأمة وكأنها كانت خارج دائرة أهل السنة.
وهنا ينبغي أن نضع سؤالًا مهمًّا أمام أعيننا:
إذا كان الأشاعرة والماتريدية خارج أهل السنة والجماعة، فمن بقي من كبار علماء الأمة عبر القرون؟
فالمسألة ليست أسماء قليلة أو شخصيات هامشية، وإنما نحن أمام تراث علمي هائل شارك في بنائه كبار المفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين واللغويين والمؤرخين والمصلحين.
📚 انظروا إلى تاريخ العلوم الإسلامية
منذ القرون الأولى وحتى العصور المتأخرة، كان للأشاعرة والماتريدية حضور واسع جدًا في المؤسسات العلمية الإسلامية، وفي المذاهب الفقهية، وفي علوم القرآن والحديث واللغة والتاريخ.
وإذا فتحنا كتب التفسير والحديث والفقه والأصول والتراجم، وجدنا أسماءً لا يمكن تجاوزها بسهولة.
📖 في التفسير وعلوم القرآن
من أشهر الأسماء التي ارتبطت بالأشعرية أو الماتريدية، أو عُدّت من أعلام هذه المدارس:
القرطبي، ابن العربي، فخر الدين الرازي، ابن عطية، البيضاوي، أبو حيان، الثعالبي، المحلي، الزركشي، السيوطي، الآلوسي، الزرقاني، النسفي، القاسمي وغيرهم كثير.
وهؤلاء لم يكونوا مجرد ناقلين لمسائل عقدية، بل كانوا من كبار من حفظوا لنا علوم القرآن والتفسير وأصول الفقه واللغة.
📚 وفي الحديث وعلومه
وهنا تظهر المفارقة بصورة أوضح.
فمن الأسماء المشهورة:
الحاكم، البيهقي، الخطيب البغدادي، ابن عساكر، الخطابي، أبو نعيم الأصبهاني، القاضي عياض، ابن الصلاح، المنذري، النووي، العز بن عبد السلام، الهيثمي، المزي، ابن حجر، ابن بطال، العراقي، ابن جماعة، العيني، ابن الملقن، ابن دقيق العيد، السخاوي، المناوي، علي القاري، الزبيدي وغيرهم.
فإذا كان هؤلاء جميعًا ـ أو جمهورًا كبيرًا منهم ـ خارج أهل السنة والجماعة لمجرد انتسابهم إلى الأشعرية أو الماتريدية، فكيف نفهم تاريخ علم الحديث نفسه؟
كيف نفهم كتب الشروح والتخريج والمصطلح والتراجم التي اعتمدت عليها الأمة قرونًا طويلة؟
⚖️ وأين كان الأشاعرة والماتريدية في الفقه وأصوله؟
🟢 الحنفية
ارتبط المذهب الحنفي تاريخيًا ارتباطًا وثيقًا بالماتريدية، ومن أعلامه:
السرخسي، الكاساني، البزدوي، عبد العزيز البخاري، الزيلعي، ابن نجيم، الكمال بن الهمام، ابن أمير الحاج، الشرنبلالي، الحصكفي، ابن عابدين، الطحطاوي وغيرهم.
🔵 المالكية
وكان للأشعرية حضور قوي جدًا في البيئة المالكية، ومن أعلام المالكية:
ابن رشد، القرافي، ابن الحاجب، خليل، الدردير، الدسوقي، زروق، اللقاني، الزرقاني، النفراوي، ابن جزي، العدوي، السنوسي، ابن عليش وغيرهم.
🟣 الشافعية
ولعل هذا المذهب من أوضح الأمثلة على الحضور التاريخي للأشعرية.
ومن أعلامه:
الجويني، الغزالي، الرازي، الآمدي، الشيرازي، الإسفراييني، النووي، الرافعي، العز بن عبد السلام، ابن دقيق العيد، ابن الرفعة، الإسنوي، السبكي، البيضاوي، زكريا الأنصاري، ابن حجر الهيتمي، الرملي، الشربيني، المحلي وغيرهم كثير.
وهنا لا بد من التوقف قليلًا:
هل يمكن أن يكون هذا العدد الهائل من أئمة الفقه والأصول والتفسير والحديث خارج أهل السنة والجماعة؟
إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام مشكلة ليست في هؤلاء العلماء فقط، بل في قراءة التاريخ العلمي الإسلامي كله.
🖋️ وحتى علماء اللغة لم يكونوا بعيدين عن هذه البيئة العلمية
انظر إلى أسماء مثل:
ابن فارس، الأزهري، ابن الأنباري، ابن مالك، ابن عقيل، ابن هشام، ابن منظور، الفيروزآبادي، الزبيدي، ابن الحاجب، أبو حيان، الجرجاني وغيرهم.
هؤلاء أسهموا في حفظ اللغة العربية التي نقرأ بها القرآن والحديث وكتب التراث.
فكيف يمكن أن يكون جمهور هذا التراث العلمي قد كان خارج أهل السنة والجماعة؟
📜 والتاريخ والسير والتراجم شاهد آخر
من أشهر من خدموا هذا الباب:
القاضي عياض، ابن عساكر، الخطيب البغدادي، أبو نعيم الأصبهاني، المزي، ابن حجر، السهيلي، الصالحي، السيوطي، ابن الأثير، ابن خلدون، الصفدي، ابن خلكان وغيرهم.
إنهم جزء من الذاكرة العلمية للأمة، ومن خلال كتبهم عرفنا سير العلماء والرواة والمحدثين والفقهاء والقادة.
⚔️ بل امتد هذا الحضور إلى دول وقادة
ولم يكن الأمر محصورًا في الكتب والمدارس، بل كان لهذه البيئة العلمية حضور في عدد من الدول الإسلامية الكبرى.
ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:
نور الدين زنكي، صلاح الدين الأيوبي، المظفر قطز، الظاهر بيبرس، وعدد من سلاطين الأيوبيين والمماليك، وكذلك السلاطين العثمانيون، ومنهم السلطان محمد الفاتح.
ولا يعني ذلك أن كل شخصية من هذه الشخصيات كانت متطابقة في جميع تفاصيل الاعتقاد، وإنما المقصود بيان الاتساع التاريخي للبيئة السنية التي احتضنت هذه المدارس.
❗ إذن أين المشكلة؟
المشكلة ليست في أن يختلف عالم مع الأشاعرة أو الماتريدية.
ولا في أن ينتقد أصولهم أو يناقش أدلتهم.
فالخلاف العلمي أمر معروف في تاريخ المسلمين.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف إلى إقصاء شامل.
فتصبح العبارة:
«الأشاعرة مبتدعة وليسوا من أهل السنة والجماعة».
ثم يُبنى عليها إخراج أجيال طويلة من العلماء من دائرة السنة.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
إذا كان هؤلاء العلماء جميعًا خارج أهل السنة… فمن يمثل أهل السنة إذن؟
هل يمثلهم عشرات العلماء فقط؟
أم مدارس محددة ظهرت في عصور متأخرة؟
أم تيار معاصر نشأ في بيئة جغرافية محددة ثم أصبح يقدم نفسه باعتباره الممثل الوحيد للسلف وأهل السنة والجماعة؟
⚠️ لا تخلطوا بين «السلف» و«السلفية المعاصرة»
وهذه نقطة في غاية الأهمية.
السلف الصالح شيء، والسلفية المعاصرة كتيار دعوي وتنظيمي وفكري شيء آخر.
لا أحد يملك السلف الصالح، ولا يجوز أن يجعل اسم «السلف» ملكية حصرية لتيار معاصر.
فالمسلمون جميعًا يقولون بمحبة الصحابة والتابعين والاقتداء بهم، وأهل الحديث أنفسهم لم يكونوا تاريخيًا جماعة واحدة ذات خطاب واحد في كل المسائل.
أما السلفية المعاصرة فهي تيار من التيارات الإسلامية الحديثة، له مدارسه ومشايخه ومناهجه واختياراته، ولا يصح أن يتحول وجوده المعاصر إلى معيار نحاكم به تاريخ الأمة كله.
🕌 أهل السنة أوسع من السلفية المعاصرة
إن القول بأن السلفية المعاصرة هي كل أهل السنة يؤدي إلى نتيجة غير منطقية:
فإما أن نقول إن مئات العلماء عبر القرون كانوا خارج أهل السنة،
وإما أن نعترف بأن دائرة أهل السنة أوسع من تيار معاصر بعينه.
والإنصاف يقتضي الثاني.
فالأشاعرة والماتريدية لم يكونوا طارئين على تاريخ الإسلام، بل كانوا جزءًا أساسيًا من الحياة العلمية السنية لقرون طويلة.
وفي المقابل، فإن السلفية المعاصرة ـ مهما كان لها من حضور وتأثير ـ لا تمثل جميع أهل السنة ولا تختصر تاريخهم الطويل.
📌 وماذا عن الحنابلة وأهل الحديث؟
هنا ينبغي أيضًا أن نكون منصفين.
فوجود الأشاعرة والماتريدية بكثرة لا يعني إلغاء مدرسة أهل الحديث والأثر، ولا يعني أن كل ما قاله الأشاعرة والماتريدية صحيح.
بل كان لأهل الحديث والحنابلة حضور عظيم في تاريخ الأمة، ولهم أئمتهم ومدارسهم ومؤلفاتهم.
لكن الخطأ هو أن نحول هذا التنوع إلى معادلة تقول:
أهل الحديث = أهل السنة وحدهم
ثم:
كل من خالفهم في بعض مسائل الاعتقاد = خارج أهل السنة.
هذه معادلة لا تعكس الواقع التاريخي المعقد للتراث الإسلامي.
⚖️ الخلاف لا يعني الإخراج من دائرة السنة
يمكن أن أقول:
أخطأ الأشعري في هذه المسألة.
ويمكن أن يقول أشعري:
أخطأ الحنبلي في هذه المسألة.
ويمكن أن يناقش الماتريدي الأشعري، ويناقش الأشعري الماتريدي، ويناقش أهل الحديث الجميع.
وهذا كله يمكن أن يكون خلافًا علميًا.
لكن تحويل الخلاف إلى:
«نحن أهل السنة وحدنا، والباقون أهل بدع وضلال»
هو الذي يحتاج إلى وقفة طويلة.
🧭 شهادة من داخل المدرسة الحنبلية
واللافت أن القول باتساع دائرة أهل السنة لم يكن حكرًا على الأشاعرة والماتريدية أنفسهم.
فقد وجد من علماء أهل الحديث والحنابلة من لم يجعل الخلاف مع الأشاعرة والماتريدية سببًا لإخراجهم جميعًا من دائرة أهل السنة.
ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:
ابن الوزير اليماني، ومرعي الكرمي، وعبد الباقي المواهبي، والسفاريني وغيرهم.
وهذا يؤكد أن المسألة أكثر تعقيدًا من الصورة الثنائية التي يقدمها بعض الخطاب المعاصر:
«إما أن تكون سلفيًا بالمعنى المعاصر، وإما أنك خارج أهل السنة».
فهذه ليست هي الصورة الكاملة لتاريخ الأمة.
🌍 وماذا عن السلفية المعاصرة؟
السلفية المعاصرة تيار له وجوده وأتباعه وعلماؤه وتأثيره، ولا يصح إنكار ذلك.
لكن وجودها لا يعني أنها تمثل كل أهل السنة.
كما أن انتشارها في بعض البلدان أو المناطق لا يجعلها المعيار الوحيد للحكم على المسلمين في العالم.
فأهل السنة ليسوا شعبًا واحدًا، ولا بلدًا واحدًا، ولا مدرسة واحدة، ولا جماعة معاصرة واحدة.
إنهم تاريخ طويل وواسع، شاركت في بنائه مدارس واتجاهات ومذاهب متعددة.
🔥 الخلاصة
أنا لا أقول إن الأشاعرة معصومون.
ولا أقول إن الماتريدية معصومون.
ولا أقول إن أهل الحديث معصومون.
ولا أقول إن كل من انتسب إلى أي مدرسة كان مصيبًا في كل ما قال.
فالحق أكبر من الأشخاص والمدارس والأسماء.
لكنني أقول شيئًا واضحًا:
لا يجوز اختزال أهل السنة والجماعة في السلفية المعاصرة.
ولا يجوز أن نعامل قرونًا طويلة من علماء الأمة وكأنهم كانوا خارج السنة لمجرد اختلافهم في بعض مسائل الاعتقاد.
فإذا نظرنا إلى تاريخ التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والتاريخ، وجدنا حضورًا واسعًا جدًا للأشاعرة والماتريدية، ووجدنا بينهم أئمة كبارًا كان لهم فضل عظيم في حفظ علوم الإسلام ونقلها وتدريسها.
ولهذا:
الأشاعرة ليسوا هامشًا في تاريخ أهل السنة، والماتريدية ليسوا طارئين على تراث الأمة، والسلفية المعاصرة ليست مرادفًا لأهل السنة جميعًا.
والإنصاف يقتضي أن نقول:
أهل السنة أوسع من مدرسة واحدة، وأكبر من تيار معاصر، وأعمق من أن يُختزل تاريخهم في اتجاه واحد.
ومن أراد أن يناقش الأشاعرة أو الماتريدية فليناقش أقوالهم وأدلتهم ومسائلهم.
أما أن يُعاد رسم تاريخ الأمة كله بحيث يصبح مئات الأئمة والعلماء خارج أهل السنة، فهذه ليست مناقشة علمية بقدر ما هي إعادة تعريف لأهل السنة على مقاس مدرسة معاصرة.
والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق