الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة والجماعة
أين ذهب جمهور علماء الأمة هم الأشاعرة والماتريدية
؟
لستُ أشعريًّا ولا ماتريديًّا، بل أقول إنني على مذهب أهل الحديث وطريقتهم.
ومع ذلك، لا أرى أن الانتساب إلى الأشعرية أو الماتريدية يقتضي إخراج صاحبه من دائرة أهل السنة والجماعة، ولا يصح أن نحكم على أئمة كبار خدموا الإسلام والحديث والفقه والتفسير واللغة والتاريخ بأنهم أهل بدعة وضلال لمجرد انتسابهم إلى إحدى هاتين المدرستين.
ولعل أول ما ينبغي أن نسأله هنا:
كيف يمكن أن يكون جمهور علماء الأمة عبر قرون طويلة من أهل الضلال، بينما كانوا هم أنفسهم نقلةَ القرآن والحديث والفقه واللغة والتاريخ؟
🔹 حضور واسع في تاريخ العلوم الإسلامية
منذ ظهور المدرسة الأشعرية على يد الإمام أبي الحسن الأشعري، والمدرسة الماتريدية على يد الإمام أبي منصور الماتريدي، أصبح لهذين الاتجاهين حضور واسع جدًا في الحياة العلمية الإسلامية، ولا سيما في مدارس الفقه والكلام والتفسير والحديث والأصول وغيرها.
ولذلك نجد عددًا كبيرًا من كبار العلماء الذين انتسبوا إلى الأشعرية أو الماتريدية، أو عُدّوا من أعلامهما، في مختلف العلوم الإسلامية.
📖 في التفسير وعلوم القرآن
من الأسماء المشهورة التي تُذكر في هذا السياق:
القرطبي، ابن العربي، الرازي، ابن عطية، المحلي، البيضاوي، الثعالبي، أبو حيان، الزركشي، السيوطي، الآلوسي، الزرقاني، النسفي، القاسمي وغيرهم.
وليس المقصود أن هؤلاء العلماء كانوا على درجة واحدة في مسائل الاعتقاد، ولا أن كل واحد منهم أشعري أو ماتريدي بالمعنى نفسه، وإنما المقصود بيان الانتشار الواسع للمدرستين داخل الحركة العلمية الإسلامية.
📚 في الحديث وعلومه
ونجد كذلك أسماء كبيرة ارتبطت بالأشعرية أو الماتريدية أو بالمدرسة الكلامية السنية، مثل:
الحاكم، البيهقي، الخطيب البغدادي، ابن عساكر، الخطابي، أبو نعيم الأصبهاني، القاضي عياض، ابن الصلاح، المنذري، النووي، العز بن عبد السلام، الهيثمي، المزي، ابن حجر، ابن بطال، العراقي، ابن جماعة، العيني، ابن الملقن، ابن دقيق العيد، الزيلعي، السيوطي، السخاوي، المناوي، علي القاري، الزبيدي وغيرهم كثير.
وهؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء عابرة في التاريخ، بل كانوا من كبار من حملوا الحديث وشرحوه، ودوّنوا علومه، ونقلوا لنا جانبًا هائلًا من تراث الأمة.
⚖️ وماذا عن أئمة الفقه وأصوله؟
إذا انتقلنا إلى الفقه وأصوله، ظهرت الصورة بصورة أوضح.
🟢 المدرسة الحنفية
ومن كبار علمائها:
السرخسي، الكاساني، البزدوي، عبد العزيز البخاري، الزيلعي، ابن نجيم، الكمال بن الهمام، ابن أمير الحاج، الشرنبلالي، الحصكفي، ابن عابدين، الطحطاوي وغيرهم.
وقد ارتبط المذهب الحنفي تاريخيًا بالماتريدية في نسبة واسعة من علمائه، وإن كانت هناك استثناءات واختلافات وتفصيلات لا يصح إغفالها.
🔵 المدرسة المالكية
ومن أعلامها:
ابن رشد، القرافي، ابن الحاجب، خليل، الدردير، الدسوقي، زروق، اللقاني، الزرقاني، النفراوي، ابن جزي، العدوي، السنوسي، ابن عليش وغيرهم.
والأشعرية كان لها حضور قوي جدًا في البيئة المالكية عبر قرون طويلة.
🟣 المدرسة الشافعية
وهنا نجد عددًا هائلًا من كبار الأئمة، مثل:
الجويني، الغزالي، الرازي، الآمدي، الشيرازي، الباقلاني، الإسفراييني، النووي، الرافعي، العز بن عبد السلام، ابن دقيق العيد، السبكي، البيضاوي، الإسنوي، ابن الرفعة، زكريا الأنصاري، ابن حجر الهيتمي، الرملي، الشربيني، المحلي وغيرهم كثير.
ومن الصعب جدًا قراءة التاريخ العلمي للمذهب الشافعي دون ملاحظة الحضور القوي للمدرسة الأشعرية فيه.
📜 وماذا عن علماء التاريخ والسير والتراجم؟
الأمر لا يختلف كثيرًا.
فنجد من الأسماء المشهورة:
القاضي عياض، ابن عساكر، الخطيب البغدادي، أبو نعيم الأصبهاني، ابن حجر، المزي، السهيلي، الصالحي، السيوطي، ابن الأثير، ابن خلدون، الصفدي، ابن خلكان وغيرهم.
وهؤلاء جزء أساسي من الذاكرة التاريخية والعلمية للأمة الإسلامية.
🖋️ بل وحتى علماء اللغة
ومنهم:
ابن فارس، الأزهري، ابن الأنباري، ابن مالك، ابن عقيل، ابن هشام، ابن منظور، الفيروزآبادي، الزبيدي، ابن الحاجب، أبو حيان، الجرجاني وغيرهم.
فإذا كان كل من انتسب إلى الأشعرية أو الماتريدية مبتدعًا ضالًا خارجًا عن أهل السنة والجماعة، فماذا نفعل بهذا التراث الضخم الذي تركه هؤلاء العلماء؟
⚔️ وحتى القادة والسلاطين
ولم يكن تأثير هاتين المدرستين مقصورًا على العلماء، بل امتد إلى دول وسلاطين وقادة كان لهم دور بارز في التاريخ الإسلامي.
ومن أشهر الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:
نور الدين زنكي، صلاح الدين الأيوبي، المظفر قطز، الظاهر بيبرس، وعدد من سلاطين الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، ومنهم السلطان محمد الفاتح.
وهنا أيضًا ينبغي التفريق بين المذهب الرسمي للدولة وبين الاعتقاد التفصيلي لكل فرد؛ فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يُختصر في أحكام عامة.
❗ إذن أين المشكلة؟
المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف في بعض مسائل العقيدة إلى حكم شامل على أتباع مدرسة علمية كاملة، ثم يُقال:
الأشاعرة والماتريدية مبتدعة ضالون، وليسوا من أهل السنة والجماعة.
فإذا أطلقنا هذا الحكم بلا تفصيل، فإننا سنجد أنفسنا أمام نتيجة تاريخية وعلمية شديدة الخطورة:
أن عددًا هائلًا من كبار علماء المسلمين عبر قرون طويلة كانوا خارج أهل السنة والجماعة!
وهذا يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله:
هل يُعقل أن يكون جمهور كبار المفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين وشراح الحديث والمؤرخين واللغويين الذين حفظوا لنا علوم الإسلام ونقلوا تراثه، قد كانوا جميعًا تقريبًا من أهل الضلال والهلاك؟
إن هذه النتيجة وحدها ينبغي أن تدفعنا إلى إعادة النظر في طريقة إطلاق الأحكام على المدارس الإسلامية الكبرى.
⚠️ الخلاف شيء… وإخراج المخالف من أهل السنة شيء آخر
ليس المقصود من هذا الكلام أن كل ما قاله الأشاعرة أو الماتريدية صواب، أو أن الخلاف معهم في مسائل الاعتقاد غير موجود.
فبين المدارس الإسلامية خلافات حقيقية في مسائل متعددة، ولا ينبغي إنكار ذلك.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تقول:
«أخطأ الأشاعرة في هذه المسألة»
وبين أن تقول:
«الأشاعرة كلهم أهل بدعة وضلال، وليسوا من أهل السنة والجماعة».
الأول نقد علمي لمسألة محددة.
أما الثاني فهو حكم شامل على مدرسة كاملة وعلى أجيال متعاقبة من العلماء.
وهذا يحتاج إلى قدر كبير من الاحتياط والإنصاف.
🕌 وهل الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة؟
لم يكن هذا التصنيف محل اتفاق على صورة واحدة عند جميع العلماء، لكن وُجد من كبار العلماء من عدّ الأشاعرة والماتريدية ضمن أهل السنة والجماعة، ومنهم علماء من أهل الحديث والحنابلة أنفسهم، وقد نُقل ذلك عن عدد من الأئمة، ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:
ابن الوزير اليماني، وعبد الباقي المواهبي الحنبلي، والسفاريني الحنبلي، ومرعي الكرمي الحنبلي وغيرهم.
وهذا يدل على أن المسألة ليست بالبساطة التي يصورها بعض الخطابات المعاصرة.
🧭 والأهم من ذلك كله…
إذا كان أهل السنة والجماعة في الفقه قد اتسعوا للمذاهب الأربعة:
الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
فلماذا لا يمكن أن يوجد داخل الإطار السني أكثر من مدرسة في مسائل الاعتقاد، مع بقاء الخلاف بينها؟
فالواقع التاريخي للمسلمين يشهد بوجود:
أهل الحديث والأثر
والأشاعرة
والماتريدية
مع وجود اختلافات كبيرة أو صغيرة بين هذه المدارس، ومع وجود تيارات وتفاصيل داخل كل مدرسة نفسها.
✨ الخلاصة
أنا لا أقول:
«كل أشعري أو كل ماتريدي مصيب في كل ما يقول».
كما أنني لا أقول:
«كل من انتسب إلى أهل الحديث مصيب في كل مسألة».
فالحق لا يُعرف بمجرد الانتساب إلى اسم، وإنما يُعرف بالدليل والعلم والإنصاف.
لكنني أقول:
إن اختزال تاريخ أهل السنة والجماعة في اتجاه واحد، ثم إخراج جمهور علماء الأمة من دائرة السنة لمجرد انتسابهم إلى الأشعرية أو الماتريدية، قراءة لا تنسجم مع الواقع التاريخي والعلمي للأمة.
فالأشاعرة والماتريدية لم يكونوا طارئين على تاريخ الإسلام، بل كان لهم حضور عميق في التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والتاريخ والتعليم والقضاء، وخرج من مدارسهم علماء كان لهم أثر بالغ في حفظ علوم الدين ونقلها إلى الأجيال.
ولهذا ينبغي أن يكون الخلاف العقدي:
خلافًا علميًا يُناقش بالدليل، لا سيفًا يُشهر لإخراج أئمة الأمة من الإسلام أو السنة.
والإنصاف يقتضي أن نقرأ تاريخنا كما كان، لا كما نريد له أن يكون.
فإذا كان أهل السنة في الفقه قد تعددت مدارسهم، فلا يلزم أن تكون مسائل الاعتقاد قد اختُزلت تاريخيًا في مدرسة واحدة.
والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق