الخميس، 24 سبتمبر 2026

السلفيون والتوحيد… هل اختُزلت العقيدة في مسائل بعينها؟

 

السلفيون والتوحيد… هل اختُزلت العقيدة في مسائل بعينها؟

من أكثر الكلمات حضورًا في الخطاب السلفي المعاصر:

التوحيد… العقيدة… الشرك… البدعة… الأسماء والصفات.

ولا شك أن التوحيد أصل الإسلام وأساسه، وأن الدعوة إلى عبادة الله وحده هي جوهر دعوة الأنبياء جميعًا.

لكن السؤال الذي يطرحه إبراهيم العسعس في كتابه:

📚 «السلف والسلفيون: رؤية من الداخل»

ليس:

هل التوحيد مهم؟

فهذا أمر لا خلاف عليه.

وإنما السؤال:

كيف عرض السلف التوحيد؟ وكيف تعاملوا مع الانحرافات العقدية في عصورهم؟ وهل يجوز أن تتحول بعض مسائل العقيدة إلى مقياس دائم للولاء والبراء؟


🔹 التوحيد الذي جاءت به دعوة الأنبياء

ينطلق المؤلف من حقيقة أساسية:

دعوة الأنبياء لم تكن مجرد إثبات وجود الله.

فالمشركون الأوائل لم يكونوا ـ في الجملة ـ ينكرون وجود الله، بل كانوا يقرون بأنه الخالق والرازق والمتصرف.

لكن المشكلة كانت في إفراد الله بالعبادة والطاعة والخضوع.

ولهذا كانت كلمة:

«لا إله إلا الله»

أعظم من مجرد الاعتراف بأن الله موجود.

إنها تعني أن العبادة والخضوع والطاعة التي هي من خصائص الألوهية لا تكون إلا لله.

ومن هنا كانت قضية توحيد الألوهية في غاية الأهمية في دعوة الأنبياء.


🔹 السلف لم يعيشوا في فراغ

وهنا ينتقل المؤلف إلى قضية منهجية مهمة.

فالسلف لم يكونوا يعرضون جميع مسائل العقيدة بالطريقة نفسها وفي الدرجة نفسها في كل عصر.

بل كانوا أبناء عصرهم، يتفاعلون مع الواقع الذي يعيشونه، ويواجهون الانحرافات التي تظهر أمامهم.

فإذا ظهر انحراف عقدي معين، برزت الحاجة إلى بيانه والرد عليه.

وإذا ظهرت بدعة تنتشر بين الناس، أصبحت مواجهتها من أولويات العلماء.

وهذا يفسر لنا لماذا نجد بعض كتب العقيدة في مرحلة تاريخية معينة تركز بصورة كبيرة على:

الأسماء والصفات، أو القدر، أو الإرجاء، أو مسائل الكلام، أو غيرها.

فليس معنى ذلك أن هذه المسألة وحدها هي كل العقيدة.

بل هي قضية برزت في ذلك السياق التاريخي، فاحتاج العلماء إلى بيان الحق فيها.


🔹 الشافعي وابن تيمية نموذجًا

يستشهد المؤلف بأقوال لعلماء من أئمة السلف وأهل السنة، ويشير إلى أن القارئ عندما يجد عالمًا مثل الإمام الشافعي رحمه الله يذكر مسائل معينة في تعريف السنة، أو يجد ابن تيمية رحمه الله يركز على مسائل الأسماء والصفات والقدر وغيرها، فلا ينبغي أن يفهم من ذلك أن هذه المسائل وحدها تمثل جميع جوانب العقيدة الإسلامية.

بل ينبغي أن نفهم:

ما القضية التي كان العالم يعالجها؟

وما الانحراف الذي كان يواجهه؟

وما الظروف العلمية والفكرية التي أحاطت به؟

وهذا فهم مهم في قراءة كتب التراث.


🔹 من فقه السلف: معرفة انحراف العصر

ومن الأفكار المركزية في هذا المبحث أن من فقه العالم أن يعرف الانحراف البارز في عصره، وأن يعطيه من البيان والرد بقدر حجمه وخطره.

فالطبيب لا يعالج جميع الأمراض بالطريقة نفسها.

وكذلك العالم لا يتعامل مع جميع الانحرافات بالأسلوب نفسه، ولا يجعل كل قضية هي القضية الأولى في كل زمان ومكان.

فإذا كان الانحراف العقدي الذي يهدد المجتمع هو قضية معينة، فمن الطبيعي أن يحتل مساحة كبيرة من خطاب العلماء.

أما نقل ذلك الخطاب من سياقه التاريخي، ثم تحويله إلى برنامج ثابت لا يتغير، فقد يؤدي إلى خلل في ترتيب الأولويات.


🔹 المشكلة ليست في الحديث عن الأسماء والصفات

وهنا يؤكد المؤلف ـ كما يظهر من سياق المبحث ـ أن الاعتراض ليس على تعليم مسائل العقيدة، ولا على بيان الحق في الأسماء والصفات، ولا على الرد على البدع.

فهذه مسائل مهمة.

وإنما الاعتراض على شيء آخر:

أن تتحول بعض هذه المسائل إلى موضوع امتحان دائم للناس، ومقياس للولاء والبراء، بينما توجد قضايا أخرى قد تكون أكثر حضورًا وخطرًا في الواقع.

وهذا فرق جوهري.

فبين أن تقول:

«هذه مسألة عقدية يجب تعليمها وبيان الحق فيها.»

وبين أن تقول:

«هذه المسألة هي المعيار الذي نقيس به الناس ونحدد به سلفيتهم.»

مسافة كبيرة.


🔹 متى يتحول التوحيد إلى «اختبار للأشخاص»؟

من أخطر ما يناقشه المؤلف أن بعض القضايا العقدية قد تتحول من موضوع علمي إلى أداة لتصنيف الناس.

فيصبح السؤال:

هل وافقني فلان في هذه المسألة؟

بدل أن يكون:

ما الدليل في هذه المسألة؟

ثم لا يلبث الأمر أن يتطور:

وافقني → فهو سلفي.

خالفني → فهو ليس سلفيًا.

ثم:

ليس سلفيًا → لا يُوالى.

وهكذا تنتقل المسألة من دائرة البحث العلمي إلى دائرة الولاء والبراء والتصنيف.

وهنا يرى المؤلف أن المشكلة ليست في أصل القضية العقدية، وإنما في طريقة توظيفها.


🔹 وماذا عن واقع المسلمين؟

وهنا يطرح المؤلف سؤالًا أكثر اتساعًا:

إذا كانت الحركة التي تسمي نفسها «سلفية» ترى أنها حركة إسلامية شاملة هدفها إصلاح واقع المسلمين واستئناف الحياة الإسلامية، فهل يكفي أن تنشغل بمسائل عقدية جزئية، بينما توجد انحرافات أخرى في واقع الأمة تحتاج إلى معالجة؟

وهذا يقودنا إلى قضية:

ترتيب الأولويات.

فليس المطلوب إهمال مسائل العقيدة.

ولكن المطلوب أن نضع كل قضية في مكانها، وأن ندرك:

ما القضية الأهم في هذا الزمان؟

وما القضية التي تحتاج إلى جهد أكبر؟

وما الانحراف الذي يهدد الناس فعلًا؟


🔹 توحيد الألوهية أوسع من مجرد بعض المسائل

ومن النقاط التي يركز عليها المؤلف:

إذا كان توحيد الألوهية يعني إفراد الله بالعبادة والطاعة والاتباع والخضوع، فإن مقتضياته لا تتوقف عند قضية واحدة.

بل تمتد إلى حياة المسلم كلها.

ولهذا فإن الحديث عن التوحيد ينبغي أن يكون حديثًا عن:

🔸 عبادة الله وحده.
🔸 إخلاص الدين له.
🔸 طاعته واتباع أمره.
🔸 رفض الشرك به.
🔸 تحكيم شرعه.
🔸 تصحيح علاقة الإنسان بربه.
🔸 إصلاح واقع المسلمين وفق مقتضيات الإسلام.

ومن هنا لا يصح اختزال التوحيد في باب واحد من أبواب العقيدة ثم إهمال بقية مقتضياته.


🔹 والسؤال الأصعب: ماذا عن الانحرافات الكبرى في الواقع؟

يذهب المؤلف إلى أن لكل عصر انحرافاته البارزة.

ولهذا فإن من المهم أن يسأل الداعية:

ما هو الشرك أو الانحراف الأكبر حضورًا في واقع الناس اليوم؟

وما الذي يحتاج إلى مواجهة وإصلاح؟

وهل الأولوية أن ننشغل بقضايا نظرية دقيقة لا تكاد تمس حياة عامة المسلمين، بينما توجد انحرافات عملية واسعة الانتشار؟

المقصود هنا ليس إسقاط مسائل العقيدة، وإنما:

إعادة النظر في ترتيب الأولويات.


🔹 العقيدة أولًا… نعم، ولكن!

قد يقول قائل:

العقيدة هي الأساس، ولذلك يجب أن نبدأ بها.

وهذا صحيح من حيث الأصل.

لكن المؤلف يناقش معنى «العقيدة أولًا» بطريقة مختلفة:

نعم، العقيدة أساس.

لكن ما هي العقيدة التي نريد أن نبني عليها؟

وهل العقيدة مجرد مجموعة من المسائل التي يحفظها الطالب؟

أم أنها إيمان يغيّر:

العبادة والسلوك والطاعة والموقف من الباطل والواقع والحياة؟

فإذا تحولت العقيدة إلى معلومات نظرية لا أثر لها في حياة الإنسان، فقد فقدت شيئًا من مقصدها العملي.


🔻 الخلاصة

ليس الخلاف إذن حول أهمية التوحيد.

ولا حول وجوب تعليم العقيدة.

ولا حول ضرورة محاربة الشرك والبدع.

وإنما القضية في:

كيف نفهم التوحيد؟

وكيف نعرضه؟

وكيف نرتب قضاياه؟

وهل نجعل بعض المسائل معيارًا دائمًا للحكم على الأشخاص؟

فالمنهج الذي نحتاجه هو أن نعرف الحق بدليله، وأن نفهم كلام العلماء في سياقه، وأن ندرك أن تركيز عالم على قضية معينة في عصره لا يعني بالضرورة أن تلك القضية هي كل الدين، أو أنها يجب أن تتحول إلى معيار وحيد للحكم على المسلمين في كل زمان.

العقيدة أساس… لكن الإسلام أوسع من أن يُختزل في قضية واحدة.

والتوحيد ليس مجرد عنوان نرفعه، بل حقيقة ينبغي أن تظهر في:

عبادتنا، وأخلاقنا، وطاعتنا لله، ومواقفنا، وتعاملنا مع الناس، وإصلاحنا لواقعنا.

📚 مستفاد من مبحث «السلفيون والتوحيد» في كتاب: «السلف والسلفيون: رؤية من الداخل» — إبراهيم العسعس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق