سيد قطب وتكفير الناس
يتّهم بعض المسلمين - مِمَّن لم يفهم موقف
وأقوال الشهيد سيّد قطب رحمه الله فهماً سليماً - بأنه يكفّر المسلمين !
ولا شك أنّ السبب وراء هذا الإتهام
هو إلتباس المفاهيم وخلط لبعض المصطلحات التي استخدمها الإسلام في وضع الأمور في
نصابها .
ولا شك أيضاً إن شاء الله في صلاح نية المسلمين الذين اتّهموا الشهيد بذلك
.
ولكن غير المسلمين من أعداء وخصوم الشهيد رحمه الله يتّهمونه بتلك التهمة
مكيدة ومؤامرة لإسقاط منزلته وتشويه صورته عند المسلمين ، وهم يعلمون أنهم يكذبون
!
ومكيدتهم ومؤامرتهم هذه هي لضرب الإسلام وإبعاد المسلمين
عن الفهم الراقي الصحيح الحقيقي للإسلام ، والذي بيّنه الشهيد سيّد قطب في كتاباته
!
ولهذا يقومون بطرح الشبهات حول سيّد قطب
رحمه الله وأفكاره وكتاباته ، واختلاق الإفتراءات والأكاذيب ، بغية أن لا يقترب المسلمون منه ويبتعدون عن
كتبه وما تركه من إشراقات ومفاهيم عظيمة تُفْهِمُ المسلمين حقيقة دينهم وتوقظهم من
سباتهم وينشر غسيل أولئك في الشمس !
ويقوم هؤلاء بخلط
الأمور – عن قصد – لإرباك الصف المؤمن وتلبيس الفهم عند الناس بمزج نظام المجتمع والشعب
ووضعه في بوتقة واحدة واعتبارهما مفهوماً واحداً لا فرق بينهما فنظام المجتمع هو
الشعب والإثنان سواء !
وهم يعلمون جيّداً
أنّ هناك فرق بين المجتمع كنظام وبين الشعب كأفراد ، وأن الشهيد سيّد قطب رحمه
الله يوجه سهامه إلى أنظمة المجتمع ومَن يسير عليها ، لا إلى الشعب كأفراد مسلمين
!
المجتمع الإسلامي والشعب المسلم
كثير مـن الناس قد
لا يفرّقون بين المجتمع كنظام ، وبين الشعب كأفراد ، فيظنون أنّ الإثنين سواء !
فإذا قيل : هذا
المجتمع غير إسلامي ، ظنّوا أنّ هذا الكلام هو تكفير للمسلمين والحكم على الأفراد وإخراجهم من الإسلام !
وهــذا خطــأ كبير
– في الفهم – من قِبَل بعض المسلمين ، وهو في نفس الوقت تضليل للناس – مِن قِبَل
أعداء الإسلام – وخلط للأوراق !
فالمجتمع شيء ،
والشعب شيء آخر .
ولماذا – إذن –
هما مصطلحان متغايران إذا لم يكن هناك فرق بينهما ؟ !
فالمقصود بالمجتمع
هو : النظام الذي يُطبّق على الشعب ويسير عليه .
ويُقصد بالشعب :
أفراد المجتمع .
فكما أن هناك فرقٌ
واضح بين ذات الإنسان وبين أعماله !
وكذلك هناك فرقٌ
كبير بين المجتمع كنظام وبين أفراد الشعب .
ولتوضيح ذلك أكثر
نضرب مثالاً :
هنـاك رجلٌ سكّير
، يلعب الميسر ، ويقتل الأبرياء ، ويظلم
الناس ، ويسرق أموالهم ، و . . . و . . .
إلخ .
ومع كلّ هذه الموبقات فهو لا يصلّي ، ولا يصوم ، ولا يزكّي أمواله ، ولا
يذكر الله تعالى ، ولا . . . ولا . . . إلخ .
ولكنّه – مع كلّ هذا – فهو يؤمن
بالله تعالى ، ويؤمن برسول الله ؛ أنّه رسول من عند الله تعالى ، ويؤمن باليوم
الآخر ؛ يوم القيامة ، ويؤمن بالقرآن ، .
. . إلخ . ولكنّه لا يستطيع السيطرة على نفسه الأمّارة بالسوء ، فاتّبع – لذلك –
هواه .
فلا نستطيع أن نحكم على هذا الرجل بالكفر ، طالما أنّه يؤمن بالله ورسوله
واليوم الآخر والقرآن و . . . و . . . إلخ .
ولكنّنا نستطيع وبكل قوّة ووضوح وصراحة أن نقول عن هذا الرجل : إنّ أخلاقه
، وسلوكه ، وتعامله ، وحياته كلّها غير إسلامي ، ولا يمتّ إلى الإسلام بأية صلة
!
فهل كلامنا هذا خطأ ، ويُعتبر تكفير لهذا الرجل ورميه بالكفر والخروج من دائرة الإسلام ؟
!
وهل يُلام ويُتّهم - مَن حكم عليه هذا الحكم - بأنه كفّره وأخرجه من الملة
؟ !
وهل يحكم أحد من المسلمين عليه بغير ذلك ، ويعتبر أخلاق وتصرفات وحياة ذلك الشرير حياة
إسلامية أمر بها الكتاب والسنة ؟ !
لا أظن أن يكون هناك مسلم يحكم عليه بغير ذلك الحكم !
وكذلك نستطيع أن نقول عن نظام – غير مستمدّ من الإسلام – يُراد تطبيقه على
الناس الذين يعيشون في ذلك المجتمع .
نستطيع بكل أريحية أن نقول : إنّ هذا النطام هو نظام جاهلي .
والناس الذين ارتضوا هذا النظام ويعيشون وحياتهم كلها تسير على ضوئه ، هم
في جاهلية ويعيشون في جاهلية .
فسيّد قطب رحمه الله تعالى يصف المجتمع والأفراد الذين يستمدّون قِيَمهم
وأفكارهم ونظام حياتهم من غير الإسلام يصفهم بالجاهلية .
وهذا الوصف
للأنظمة والأعمال بالجاهلية لا يعني أن أصحابها كفّار ، كما نرى النبيّ r
يصف بعض الأعمال بالجاهلية بل وبالكفر ، ويقسم r على بعض
الأعمال أن أصحابها لا إيمان لهم ولا دين .
ولم يفهم أحد عـن
هذه الأحاديث ؛ أنه تكفير من النبيّ r لأصحابها ، حاشا الخوارج !
شريعة الله حاكمة ليس بالحدود وحدها
مما له علاقة بموضوعنا هنا هو : أنّ
كثيراً من المسلمين عندما يسمعون : المطالبة بتطبيق الشريعة ، ويسمعون ادّعاء بعض
الحكومات بأنّهم يطبّقون الشريعة الإسلامية ، فَهُمْ على ضوء هذا يظنون أنّ شريعة
الله هي فقط الحدود ؛ من قطع يد السارق الضعيف ، وجلد الزاني الضعيف ، وما إلى ذلك
!
بينما أعداء الإسلام يعلمون جيّداً
أن شريعة الله تعالى ليس ذلك فقط ولكنّهم يساهمون في تخليط الأمور ويتمادون في ذلك
.
لا شك أنّ هذا الظنّ وهذا الفهم هو
تقزيم للإسلام العظيم وتصغيره وتشويه معالمه بجعله فقط حدوداً وعقوبات !
فهل إذا نفّذت أمريكا ، أو بريطانيا
، أو فرنسا – مثلاً .
هل إذا نفّذوا حد قطع يدّ السارق ،
أو جلد الزاني – مثلاً – ستصبح مجتمعاتهم بذلك مجتمعات إسلامية ؟ !
فإذا كان الفهم للشريعة بهذه الصورة
فلا شك أن تلك المجتمعات أصبحت مجتمعات إسلامية تطبق نظام الإسلام ، بغض النظر عن
أفراد شعوبها !
وهذا لا يقول به إلّا مَن لا يعرف ما يقول !
تعريف الشريعة :
[ تُعرّف الشريعة
في الإصطلاح بأنّها : ما شرعه الله سُبحانه لعِباده من الأحكامِ التي جاء بها نبيٌّ
من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،
سواءً كانت هذه الأحكام أحكاماً إعتقاديّةً
أو أحكاماً عمليّةً ليُؤمنوا بها فتكون سعادتهم في الدنيا
والآخرة ،
وبِإضافة لفظ الإسلام
إلى الشريعة كان مَعنى الشريعة الإسلاميّة :
ما نَزل به الوَحي
على مُحمّد صلى الله عليه وسلّم من الأحكام التي تُصلِح أحوال الناس فـي الدنيا والآخرة
سواءً في ذلك الأحكام العقائديّة ، أو الأحكام العمليّة ، أو الأخلاق ]
.
الفرق بين الشريعة والفقه
[ هناك
مجموعة من الفروق بين الشريعة والفقه تتمثّل بالآتي
:
* لفظ الشريعة أعمّ وأشمل من لفظ الفقه ؛ فالشريعة تشمل
جميع الأحكام التي هي: الأحكام العقائديّة ، والأحكام الأخلاقيّة ، والأحكام
العمليّة ،
أمّا لفظ الفقه فهو يَشمل الأحكام العمليّة فقط .
تُعدّ الشريعة
هي الأحكام التي أنزلها الله سبحانه عزّ وجلّ على رسوله محمّد صلى الله عليه وسلم
في القرآن الكريم أو في السنّة النبوية ؛
أي إنّ الشريعة الإسلامية قائمةٌ على الوحي ،
* أمّا الفقه فأحكامه تنقسم لقسمين :
أ - أحكام
مستفادة من النص دون بحث مثل :
قول الله سبحانه : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ
وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ
وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ
اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن
لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ
أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ
الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
غَفُورًا رَّحِيمًا )
فالآية واضحةٌ وصريحةٌ في المُحرّمات من النساء فلا
يُحتاج إلى بحثٍ واجتهادٍ في مَعرفتهنّ .
ب - أحكام
مُستفادة من النص يَستنبطها ويَستخرجها الباحث من خلال استقرائِه للنّصوص الشرعية ،
وهذا القسم من الأحكام أكثر من القسم الأوّل ، وذلك
بحُكم كَثرة الحوادِث والمُستجدّات ] .
صرح كامل متكامل
نستطيع أن نصوّر
الإسلام وشريعته – للتوضيح – كبناية من عدة طوابق :
1 – قاعدة وأساس
هذه البناية وهذا الصرح الكبير هو : العقيدة والإيمان .
فالمجتمع الإسلامي
الذي يُراد إنشاؤه هو الذي أساسه العقيدة الإسلامية ؛ أي : يجب أن يُربّى الشعب
على العقيدة والإيمان .
يجب أن ينشأ الفرد
في المجتمع وهو أن يكون :
أ - عميق الإيمان
بالله تعالى ، وعارفاً بصفاته العليا .
ب - يؤمن بمحمّدٍ rكنبيٍّ ؛ أرسله
الله تعالى بآخر رسالة ؛ رحمة للعالمين .
ج – أن يؤمن
إيماناً عميقاً باليوم الآخر ؛ يوم الحساب والجزاء لأعمال بني آدم جميعاً .
د – يؤمن
بالملائكة والجنّ ، وعالم الغيب ؛ من القيامة والبعث للحساب ، والجنة والنّار ، و
. . . و . . . إلخ
أي : يؤمن بالقرآن
الكريم المنزّل على رسول الله محمد r
جملة وتفصيلاً .
2 – الطابق الأول
من البناية ، يتمثّل في الإبتعاد عن الرذايل ، والإتّصاف بالأخلاق الكريمة .
أي : التخلية عن
الصفات الذميمة ؛ مثل : الكذب ، والغدر ، والفسق والفجور ، والتهتك ، والتبذل ،
والجبن ، والأثرة والأنانية ، والهلع والجزع ، وعمل السيئات ، و . . . و . . . إلخ .
والتحلية بالصفات الحميدة ؛ مثل : الصدق ،
والوفاء ، والعفة ، والشجاعة ، والنخوة ، والنجدة ، والإيثار ، والصبر ، وعمل
الصالحات ، و . . . و . . . إلخ .
3 – الطـابق
الثـاني من البناية ، يتمثّل في الشعائر التعبّدية والأذكار ، مثل الصلاة ،
والزكاة ، والصيام ، والحج ، والأذكار ، والصلاة على رسول الله r ، ووو
4 – الطابق الثالث
من البناية ، يتمثّل في المعاملات وأحكامها ؛ المعاملات المالية ، والجنائية ،
والقضائية ، والأحوال الشخصية ، وما إلى ذلك .
5 – الطـابق
الرابـع من البناية ، يتمثّل في الحدود والعقوبات ؛ ومنها : حد السرقة ، والقتل ،
والزنا ، و . . . و . . . إلخ .
أي : إنّ الدولة
التي تجعل كلّ إمكانياتها وطاقاتها في سبيل إنشاء مجتمع ؛ يؤمن شعبه بالله تعالى
وبصفاته ، ويوقّره ويتّقيه ، ويُتّصف بالأخلاق الحميدة ، ويحرص على العبادات
ويحافظ عليها .
وتكون قوانينها
وأنظمتها وجيشها وشرطتها سياجاً لتلك القِيَم ومحافظةً عليها .
وكلّ ذلك حسب منهج
القرآن من أوامر الله تعالى ونواهيه ، وحسب سنّة النبيّ r
حينذاك نستطيع أن
نقول : أن هذا المجتمع هو المجتمع الإسلامي !
وليس معنى هذا :
أن هذا المجتمع يخلو من المعاصي والموبقات ، وأنّ أفراد الشعب أصبحوا جميعهم
ملائكة معصومون .
لا ، ولكنّ
الغالبية العظمى منهم قد ربّتهم الدولة على تلك القِيَم والمباديء العظيمة وسـخرت جميع إمكانياتها في هذا الإتجاه ، وحرصت
على حراسة مباديء الإسلام !
أي : يجب على
الدولة أن تربّي أولادها وشعبها ، بحيث تنشأ تلك البناية بكل طوابقها التي ذكرناها
. عند ذاك تكون تلك الدولة دولة إسلامية !
أي : يجب عليها تسخير
كافة إمكانياتها وطاقاتها من أجل الوصول إلى ذلك الهدف النبيل ؛ من الإعلام ؛ سواء
كان مرئياً ، أومقروءاً ، أو مسموعاً .
وكذلك المدارس ،
والمعاهد ، والجامعات ، والمنظمات المختلفة ، والجمعيات بكافة أنواعها ، والجيش ،
والشرطة ، والقوانين ، بحيث لا تتعارض أي جهاز من تلك الأجهزة مع مباديء الإسلام
وشريعته .
هذا هو المجتمع
الذي يطبّق الشريعة ! وليس ذاك الذي ينفّذ بعض الحدود والعقوبات فقط ، وعلى
الضعفاء ، ويترك الكبراء والأقوياء ، ينفردون بأكل السحت العظيم ، ويعيثون في
الأرض فساداً ، من غير محاسبة ، ثمّ يدّعي ويزعم أنّه يطبّق الشريعة وأن مجتمعه هو
مجتمع إسلامي !
فإذا رأيت مَن
يحكم على مجتمع ، وهو لا توجد فيه تلك البناية بأساسها وطوابقها الأربعة ، ولا
توجّه الدولة طاقاتها وامكانياتها ولا تسخرها في سبيل إنشاء تلك البناية ، ولا تقوم
بتعهدها والمحافظة عليها .
إذا رأيت مَن يحكم
على ذلك المجتمع بأنه مجتمع إسلامي ، فاعلم أنه لم يفهم الإسلام ، ولم يفهم القرآن
ولا السُنّة ، ولم يفهم الشريعة حق الفهم وإن زعم ذلك !
أصل الأخطاء والشبهات
نحن بدايــة لا
نقول بإنّ الشهيد سـيّد قطب رحمـه الله تعالـى هو معصوم كالأنبياء لا نقول ذلك ولا ندّعيه ، فحاله كحال غيره من
ناقديه فهُم أيضاً ليسوا بمعصومين .
ومَنْ ذا الذي
يقطع ويحكم بأن الذي ينتقد الشهيد هو على الصواب في اجتهاداته وأنّ سيّد قطب رحمه
الله هو على الخطأ ؟ !
وعدم معصومية
الشهيد ليس معناه أنّه ارتكب ما يرميه به ناقدوه .
ولاسيما إذا علمنا
أن تلك الأخطاء والعظائم التي يلصقونها ويرمون بها الشهيد هي جسيمة وسافرة يعلمها صغار طلبة العلم فكيف
يرتكبها الشهيد سيّد قطب رحمه الله وهو مَن هو ؟ !
فَمِنْ أين طفحت وخرجت
تلك الشبهة ؟
البشرية ارتدّت وعادت إلى
الجاهلية
يستدلّ أحدهم
بقولٍ للشهيد سيّد قطب رحمه الله على تكفيره للناس .
وهو – طبعاً – لا يدعو لسيّد قطب بالرحمة بل
يقول : تجاوز الله عنه !
وكأنّ الشهيد
ارتكب عظيمة لا يستحق معها الرحمة وقال قولاً زوراً منكراً ! !
وقول الشهيد الذي
يستدل به هو :
( البشرية عـادت إلى الجاهلية وارتدت
عن لا إله إلا الله ، فأعطت لهؤلاء العباد « الذين شرعوا السياسة والنظام
والتقاليد والعادات والأزياء والأعياد
» خصائص الألوهية ولم تعد توحّد الله وتخلص له الولاء ،
البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن
في مشارق الأرض ومغاربها لا إله إلا الله بلا مدلول ولا واقع ،
وهؤلاء أِثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيام لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من
بعدما تبين لهم الهدى ، ومن بعد أن كانوا في دين الله ) .
ونقول باديء ذي
بدء :
ليـس معنـى
العبادة هنا هو الصلاة والركوع والسجود ! بل يقصد الشهيد رحمه الله بالعبادة : الطاعة
والإنقياد والخضوع والتذلل !
فـ( مدارُ العبادةِ في اللغة والشرع على التذلّلِ والخضوعِ والانقيادِ.
والعبادةُ في اللغة من الذلة ) .
( وَمَعْنَى
العبادةِ فِي اللُّغَةِ الطاعةُ مَعَ الخُضُوعِ ،
وَمِنْهُ طريقٌ مُعَبَّدٌ إِذا كَانَ مُذَلَّلًا بِكَثْرَةِ الوطءِ
) .
ثم إن الشهيد رحمه
الله – هنـا – استخدم مصطلحين ووصف بهما البشرية عامة وهما : الجاهلية ، والردّة .
1 – لو رجعنا إلى
بيان الفرق بين المجتمع والشعب ، لتبيّن لنا ما يقصده سيّد ، رحمه الله : ( السياسة
والنظام والتقاليد والعادات والأزياء والأعياد ) .
فهل تلك الأمور
مأخوذة من الكتاب والسنّة ، والناس يعيشون ويسيرون فيها على ضوء الكتاب والسنة
وشريعة الله تعالى ؟ !
هل السياسة التي
تسير عليها كافة المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون هي سياسة إسلامية ، يرضاها
الله تعالى ، ويرضاها رسوله r
؟ !
وهل هي أنظمة
إسلامية ؛ مسستمدة من الكتاب والسنة ؟ !
وهل أنّ العادات
والتقاليد ، والأزياء ، والأعياد ؛ التي تُفرض على المسلمين ، هي إسلامية ؛ مأخوذة
من القرآن الكريم ، ومن أحاديث رسول الله r ؟ !
وهل هذه الأمور
تتعلّق بذوات الأفراد ، أم تتعلق بأعمالهم
، وتتعلق بأنظمة وتوجّهات الدولة ؟
2 – هل كلمة : الجاهلية
، والردّة ، تعني – دائماً – الكفر والخروج من ملّة الإسلام ، والخروج
من الدّين ؟
الجاهلية
لنرَ هل كلمة (
الجاهلية ) ومشتقاتها تعني التكفير ورمي صاحبه بالكفر الذي يُخرجه من الملّة
ويخلّده في النار ؟ !
أ – يقول الله
تعالى : ( قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ
أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) .
قال الإمام إبن
جرير الطبري رحمه الله : [ وقوله : ( فلا تسألن ما ليس لك به علم )
، نهيٌ من الله تعالى ذكرهُ نبيه نوحًا أن يسأله أسباب أفعاله التي قد طوى علمها
عنه وعن غيره من البشر .
يقول له تعالى ذكره : إني يا نوح قد أخبرتك عن سؤالك سبب
إهلاكي ابنك الذي أهلكته ، فلا تسألن بعدها عما قد طويتُ علمه عنك من أسباب أفعالي
، وليس لك به علم
" إني أعظك
أن تكون من الجاهلين " في مسألتك إياي عن ذلك .
* * *
وكان ابن زيد يقول في قوله : ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين
) ، ما : -
18249- حدثني به يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن
زيد في قوله : ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) ، أنْ تبلغ الجهالة
بك أن لا أفي لك بوعد وعدتك ، حتى تسألني ما ليس لك به علم ] .
لقد فعل سيّدنا نوح ، عليه السلام – هنا – وهو من أولي
العزم ، عملاً ؛ هو من عمل الجاهلين – حاشاه – ولم يكن يعلم أنّ عمله هذا من عمل
الجاهلين .
والله سبحانه وتعالى قد علّمه ذلك ونهاه سبحانه عنه !
ولا يستغربنّ أحد ذلك ؛ فالأنبياء – عليهم السلام – قد
يحدث منهم شيء من هذا القبيل !
فلقد سأل سيّدنا
موسى عليه السلام في بداية أمره – وهو من أولي العزم كذلك – ربّه أمراً لا يكون ،
ولا يجوز – وهو لا يعلم – حيث قال كما ذكره الله تعالى : ( قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) . فقال الله تعالى له : ( لَنْ تَرَانِي ) .
فقد سأل الله تعالى أن يراه في الدنيا ، وهذه لا تكون
هنا ، وقد علّمونا هم ذلك بعد أن علّمهم الله تعالى .
وقد نهى الله تعالى – هنا – سيّدنا نوحاً أن يكون من الجاهلين
.
أي : أنّ هذا الأمر ؛ وهو سؤالك نجاة إبنك ، وتظنّ أنّي
وعدتّك بنجاته ، ومجرّد إحتمال ظنّك أنّي أخلفت وعدي .
مجرّد إحتمال وظن ، يطوف بالخيال ، بأنّ الله تعالى يخلف
وعده ، أو ينسى وعوده سبحانه ، مجرد هذا الخيال وهذا الأمر ، هو من أمر وصفات
الجاهلين الذين لا يعرفون الله تعالى ، وإنّي أنصحك وأحذّرك أن تكون منهم !
فهل وصف هذا الأمر من الله تعالى لسيّدنا نوح عليه
السلام بالجاهلية ، يُعتبر تكفيراً له وإخراجه من الدّين ؟ !
تَبَرُّجَ
الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى
ب – يقول الله تعالى : ( وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) .
قال الحافظ إبن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه
الآية الكريمة :
[ قَالَ مُجَاهِدٌ
: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَخْرُجُ تَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الرِّجَالِ ،
فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الْجَاهِلِيَّةِ
وَقَالَ
قَتَادَةُ : { وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى } يَقُولُ :
إِذَا خَرَجْتُنَّ مِنْ بُيُوتِكُنَّ - وَكَانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةٌ
وَتَكَسُّرٌ وتغنُّج - فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ .
وَقَالَ
مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : { وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى }
وَالتَّبَرُّجُ
: أَنَّهَــا تُلْقِـي الْخِمَـارَ عَلَـى رَأْسِهَـا ، وَلَا تَشُـدُّهُ
فَيُوَارِي قَلَائِـدَهَـا وَقُرْطَهَــا وَعُنُقَهَــا ، وَيَبْدُو ذَلِــكَ
كُلُّهُ مِنْهَــا ، وَذَلــِكَ التَّبَرُّجُ ، ثُــمَّ عُمَّتْ نِسَاءُ
الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّبَرُّجِ ]
.
[ أي لا
تتبرجن مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى . والتبرج : التبختر ، وإظهار
الزينة والمحاسن ]
.
وقال الشيخ السعدي ، رحمه الله :
[ أي : لا
تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات ، كعادة أهل الجاهلية الأولى ، الذين لا
علم عندهم ولا دين ، فكل هذا دفع للشر وأسبابه ]
.
ألا تتبرّج كثيرات من النساء المسلمات في عصرنا ؟ ألا
تبدو قلائدهنّ وأقراطهنّ وأعناقهنّ ؟
ألا يتبخّرنَ ، ويُظهرنَ زينتهنَ ومحاسنهنّ ، ويخرجنَ
متجملات ، متطيّبات ؟
أوَلن ترقص بعض النساء – في الملاهي – شبه عارية ، وهن
يزعمن الإيمان بالله تعالى والإيمان برسوله r ؟ !
ألا نستطيع أن نقول في هذه الحالة : أنّهنّ يتبرّجنَ
تبرّج الجاهلية الأولى ؟
هل إذا قلنا ذلك ،
يعني : أنّنا كفّرناهنّ وأخرجناهنّ من ملة الإسلام ؟
أم أنّنـا نعنـي :
أنّهـنّ لا يلتزمن بشريعة الإسلام ، ولم يجعلن الإسلام منهج حياتهنّ ، بل يتّبعنَ
العادات والتقاليد الجاهلية ، حالهنّ حال السكّير الشرير الذي ذكرناه سابقاً ؟ !
ما الفرق بين هذا
الحكم على المتبرّجات من نساء المسلمين ، وبين الحكم على الدول والمجتمعات التي لا
تهتدي بهدي القرآن والسنة ؟
لماذا الحكم في
الحالة الأولى ليس بتكفير ، أما في الحالة الثانية فهو تكفير ؟ !
ومعنى الكلام –
وهو موجّه بالدرجة الأولى لنساء النبيّ r : إذا خرجتن من البيت استرن زينتكنّ ومحاسنكنّ
، وتقيّدنَ – في ذلك – بشريعة الإسلام ، ولا تتّبعنَ عادات وتقاليد الكفار ؛ التي
كانت لا تراعي الدّين ، بل تأمر بكشف العورات والفسوق والمجون !
إِنَّكَ امْرُؤٌ
فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ
ج – قـال رسول
الله r
لأبـي ذرّ الغفاري t
: ( يَـا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ
) .
وذلك كما روى
الشيخان – البخاري وسلم – ( عَنِ
المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، قَالَ : لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ ،
وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ،
فَقَالَ : إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ
بِأُمِّهِ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
« يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ؟ إِنَّكَ
امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ
تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا
يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا
يَغْلِبُهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ » )
.
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث :
[ أَيْ هَذَا
التَّعْيِيرُ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ فَفِيكَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ
وَيَنْبَغِي
لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ فَفِيهِ النَّهْيُ
عَنِ التَّعْيِيرِ وَتَنْقِيصِ الْآبَاءِ
وَالْأُمَّهَاتِ وَأَنَّهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ ]
.
وقال الحافظ إبن
حجر العسقلاني رحمه الله :
[ أَيْ خَصْلَةٌ
جَاهِلِيَّةٌ مَعَ أَنَّ مَنْزِلَةَ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْإِيمَانِ فِي الذُّرْوَةِ
الْعَالِيَةِ وَإِنَّمَا وَبَّخَهُ بِذَلِكَ عَلَى عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ تَحْذِيرًا
لَهُ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِ ذَلِكَ
لِأَنَّهُ
وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعُذْرِ لَكِنْ وُقُوعُ ذَلِكَ
مِنْ مِثْلِهِ يُسْتَعْظَمُ أَكْثَرَ مِمَّنْ هُوَ دُونَه ]
.
وقال رحمه الله
أيضاً :
[ وَالْجَاهِلِيَّةُ
مَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا هُنَا الْجَهْلُ
أَيْ إِنَّ فِيكَ جَهْلًا
وَقَوْلُهُ
قُلْتُ عَلَى سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ أَيْ هَلْ فِيَّ جَاهِلِيَّةٍ
أَوْ جَهْلٍ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ]
.
وقال رحمه الله :
[ فَبَيَّنَ لَهُ
كَوْنَ هَذِهِ الْخَصْلَةِ مَذْمُومَةً شَرْعًا ]
.
فهل قول النبيّ r
لأبي ذر t
: إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ يعني :
تكفيرٌ له ؟ !
لا شك بأن هذا
الكلام ليس هو تكفير له .
بل هو نصيحة
وتعليم وتذكير من النبيّ r
لصاحبه أبي ذرّ t
، وكأنه r
يقول له :
إنّ تقييم الناس
حسب ألوانهم ، وتفضيل بعضهم على بعض بسبب ذلك هو من قِيَم الجاهلية ؛ أهل الضلال
والكفر ، وبالتالي فهو غير صحيح بل هو باطل .
إنّما القِيَم
الحقيقية التي أوحاها الله تعالى إليّ هي : أنّ الناس كلّهم إخوة ؛ من أب واحدٍ ،
وأمٍّ واحدة ( آدم وحواء ) لا يتفاضلون فيما بينهم باللون ، ولا باللسان ، ولا
بالعشيرة ، ولا بالقوم ، ولا بالوطن ، ولا بما شابه ذلك .
بل هم يتفاضلون
فيما بينهم بالتقوى ؛ فمن اتّقى الله تعالى أكثر فهو أفضل مهما كان لونه ، أو
لسانه ، أو عشيرته ، أو قومه ، أو وطنه ، . . .
و وجود هذه الصفة
الجاهلية وبقائها في الصحابيّ الجليل أبي ذرّ لا يجعله كافراً !
جُلّ ما تفعله هذه
الصفة الجاهلية فيه هو وجود نقص من بعض القِيَم والمباديء الإسلامية التي ينبغي أن
يتّصف بها .
والمقصود : أنّ
الإتّصاف ووصف البعض بالجاهلية لا يعني : تكفيره وإخراجه من ملّة الإسلام .
بل معناه : أنّ
المتّصف حياته بالجاهلية هو : أنه يسير فيها حسب النُظم ، والقِيَم ، والأحكام ،
والعادات ، والتقاليد التي يسير عليها أهل الجاهلية وأهل الضلال والكفر . والمفروض في المسلم أن يكون منهج حياته ،
ومبادئه ، وقِيَمه ، وأخلاقه ، وعاداته وتقاليده مأخذوذة من الكتاب والسنة .
ولمــاذا نرى
البعض ، يرمـون كبـار الأئمة والدعاة بتشبههم بالكفار - وذلك بسبب ما يلبسون من
الملابس - ولا يتّهمهم أحد بأنّ هذا تكفير لهم وإخراجهم من ملّة الإسلام ؟ ! .
خِلاَلٌ مِنْ خِلاَلِ الجَاهِلِيَّةِ
د – ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : « خِلاَلٌ مِنْ خِلاَلِ الجَاهِلِيَّةِ
الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ » وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ ، قَالَ
سُفْيَانُ وَيَقُولُونَ إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ )
.
و ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " شُعْبَتَانِ لَا تَتْرُكُهُمَا أُمَّتِي :
النِّيَاحَةُ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ " ) .
قال النبيّ r - هنا – أنّ صفتان توجد في أمّته لا تتركهما ، وهما : النياحة ،
والطعن في الأنساب .
وقد حكم ترجمان القرآن
والحبر البحر ؛ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، بأنهما صفتان للجاهلية !
أي : هاتان الصفتان مأخوذة
من الجاهلية ؛ من أهل الضلال والكفر !
فهل الذي يقوم بهذين
المنكرين من المسلمين هو بهما كافر ، بسبب نعت ابن عباس لهما بأنهما من خلال
الجاهلية ؟ !
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل
رحمه الله في مسنده :
[ عن أبي هريرة ، أن رسول الله -
صلي الله عليه وسلم – قال :
"
ثلاث من عمل أهل الجاهلية لا يتركهن أهل
الإِسلام : النياحة ، والاستسقاء بالأنواء " ، وكذا ، قلت لسعيد : وماهو ؟
قال : " دعوى الجاهلية : يا آل فلان ، يا آل فلان ، يا آل فلان " ] .
قال محققه : الشيخ أحمد محمد شاكر ، رحمه الله :
[ إسناده صحيح ] .
وعن
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : ( غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ثَابَ
مَعَهُ نَاسٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا ،
وَكَانَ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ ، فَكَسَعَ
أَنْصَارِيًّا ، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا ،
وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ ، وَقَالَ
المُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ،
فَخَرَجَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " مَا بَالُ دَعْوَى
أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ ؟
ثُمَّ قَالَ : مَا شَأْنُهُمْ " فَأُخْبِرَ
بِكَسْعَةِ المُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ ،
قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : « دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ » ) .
فها
هو النبيّ r
يصف هذا المنكر الذي فعله الأنصاري والمهاجري بالجاهلي
الجاهلية
لا تعني تكفير الناس
بعد
ثبوت هذه الأحاديث الشريفة ؛ والتي يصف فيها النبيّ r
بعض الأعمال بأعمال أهل الجاهلية ؛ أهل الضلال والكفر .
وقال –
في بعضها – بأنّ أمته لا تتركها .
أي :
إنّ المسلمين ( من أمة النبيّ r
) يقترفون هذه الأعمال الجاهلية ، فهل يعني ذلك : أنّهم كفّار وأنّ النبيّ r
قد كفّرهم وأخرجهم من ملّة الإسلام علماً أنّه r
قال : ( من أمتي ) ؟ !
فالجاهلية إذن عبارة عن الأعمال التي فيها
إستمداد قِيَم الحياة ومبادئها والأفكار والتصوّرات بعيداً عن شريعة الله تعالى
وأوامره ونواهيه .
ونستطيع
– على ضوء هذا – أن نقول : إنّ الذين يعيشون حياتهم بتصورات وأفكار بشرية - تفرضها
عليهم الدول والحكومات ؛ وهي تخالف الإسلام .
نستطيع
أن نقول عنهم : إنّهم يعيشون في جاهلية أو : أنّ حياتهم هي حياة جاهلية وهذا المجتمع هو مجتمع جاهلي .
ومن
واجب العلماء – الذين جعلهم الله تعالى أمناء على هذا الدين – أن يبيّنوا هذا
الأمر بياناً واضحاً جليّاً لا يكون فيه لبس ولا غبش ولا غموض ، حتى لا تلتبس
الحقائق والمفاهيم فيُحكم على تصرفات وأعمال الذين منهج حياتهم مستمدة من أفكار
بشر مثلهم – ولا سيما وهي تخالف الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لنا – فتُلبّس على
الناس وتُشوّه الإسلام فيقال : هؤلاء حياتهم حياة إسلامية ، وهذا المجتمع هو مجتمع
إسلامي ، بما يؤول إلى معنى أنّ الناس يعيشون فيه طِبقاً لأوامر الله تعالى
ونواهيه !
وهذا
الحكم هو تقييم للأعمال والتصرّفات ، وهو – لا شك ولا ريب – يختلف عن الحكم عليهم –
كأفراد – بالكفر أو الإسلام .
ولقد
عمّم الإمام البخاري رحمه الله – في صحيحه – فجعل المعاصي كلّها من الجاهلية فقال
:
[ بَابٌ :
المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ ، وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا
بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ ] .
وكلُّ
ذلك من أجل : ( لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ )
.
ولماذا ؟
الجواب
: لأن [ سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت ، أمكن اجتنابها ، والبعد منها ، بخلاف ما
لو كانت مشتبهة ملتبسة ، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل ]
.
وَقِتَالُهُ كُفْرٌ
أما استخدام كلمة الكفر فلا يُراد منها الإخراج من ملة
الإسلام دائماً !
وذلك للأدلة التالية :
أ – قال رسول الله r :
[ سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ] .
فهل قتال المسلم – ولاسيما من المسلم – هو كفر يخرج من
الملّة ؟ !
لقد وصف النبيّ r هذا القتال بالكفر ، فهل هو يُخرِج من ملّة
الإسلام ؟ !
[ ( كفر ) لا
بمعنى الخروج عن الملَّةِ ، أو بمعناه ، لكنه قاتل المسلم ، أو قتله مستحلًّا لذلك
،
أو المرادُ
: الكفرُ اللغويُّ ، وهو الستر ؛
لأنه
بقتاله له ستَر مالَه عليهِ من حقّ الإعانةِ وكفِّ الأذى ،
أو
عبَّر به مبالغة في التحذير عن ذلك ؛ لأنه أغلظُ منَ السبِّ ، وإنِ اشترك في الفسق
، ولهذا عبَّر فيهِ بالكفرِ وفي السبابِ بالفسوقِ .
وفي
الحديث : تعظيمُ حقِّ المسلم ، والحكمُ على من سبَّهُ بالفسقِ ]
.
[ قيل :
مقابلته بالفسوق يقتضي أن يكونَ المرادُ من الكفر ههنا ، الكفر المخرج عن الملة .
والجواب
: أنه أطلقَ الكفر على الفسوق تغليظًا ،
ولو
قال : وقتاله فسوق ، لساوى حال السِّباب ، مع أن القتال أشدُ من السِّباب ،
فلإظهار هذه الشِّدة أطلقَ عليه الكفر . وهذا
الذي يُعنونَ بقولهم : إنه محمولٌ على التغليظ . . .
وقيل :
إنه محمولٌ على التَّشبُه كقوله : « لا تَرْجِعُوا بعدي كفارًا يضربُ بعضُكم رقاب بعض »
ومعلومٌ
أن المرءَ لا يصير كافرًا بضرب الرقاب ، ولكن لما كان شأنُ القتل أن يجري بين مسلم
وكافر، لا بين مسلم ومسلم فمن ضرب رقبة أخيه وقاتل ، فقد تشبه بالكفار ، وفعل ما
يفعلُهُ الكفار ، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم . وهذا هو المختار عندي في الجواب ،
والله أعلم ] .
وقال الإمام بدر
الدين العيني رحمه الله :
[ لم يرد بقوله : ( وقتاله
كفر ) ، حَقِيقَة الْكفْر الَّتِي هِيَ خُرُوج عَن الْملَّة ،
بل إِنَّمَا
أطلق عَلَيْهِ : الْكفْر ، مُبَالغَة فِي التحذير ،
وَالْإِجْمَاع
من أهل السّنة مُنْعَقد على أَن الْمُؤمن لَا يكفر بِالْقِتَالِ ، وَلَا بفعل
مَعْصِيّة أُخْرَى ،
وَقَالَ
ابْن بطال : لَيْسَ المُرَاد بالْكفْر الْخُرُوج عَن الْملَّة بل كفران حُقُوق
الْمُسلمين لِأَن الله تَعَالَى جعلهم أخوة ، وَأمر بالإصلاح بَينهم ، ونهاهم
الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن التقاطع والمقاتلة ،
فَأخْبر أَن من فعل ذَلِك فقد كفر حق أَخِيه الْمُسلم ،
وَيُقَال
: أطلق عَلَيْهِ الْكفْر لشبهه بِهِ ، لِأَن قتال الْمُسلم من شَأْن الْكَافِر ،
وَيُقَال
: المُرَاد بِهِ الْكفْر اللّغَوِيّ ، وَهُوَ السّتْر ، لِأَن حق الْمُسلم على
الْمُسلم أَن يُعينهُ وينصره ويكف عَنهُ أَذَاهُ ، فَلَمَّا قَاتله كَأَنَّهُ كشف
عَنهُ هَذَا السّتْر،
وَقَالَ
الْكرْمَانِي : المُرَاد أَنه يؤول إِلَى الْكفْر لشؤمه ، أَو أَنه كَفعل
الْكَفَّارَ
وَقَالَ
الْخطابِيّ : المُرَاد بِهِ الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى ، فَإِن ذَلِك فِي حق من
فعله مستحلاً بِلَا مُوجب وَلَا تَأْوِيل ،
أما
المؤول فَلَا يكفر وَلَا يفسق بذلك ، كالبغاة الخارجين على الإِمَام بالتأويل ،
وَقَالَ
بَعضهم : فِيمَا قَالَه الْكرْمَانِي بُعد ، وَمَا قَالَه الْخطابِيّ أبعد مِنْهُ .
ثمَّ قَالَ : لِأَنَّهُ لَا يُطَابق التَّرْجَمَة ، وَلَو كَانَ مرَادا لم يحصل
التَّفْرِيق بَين السباب والقتال ، فَإِن مستحلاً لعن الْمُسلم بِغَيْر تَأْوِيل
كفر أَيْضا .
قلت :
إِذا كَانَ اللَّفْظ مُحْتملا لتأويلات كَثِيرَة ، هَل يلْزم مِنْهُ أَن يكون
جَمِيعهَا مطابقـا للتَّرْجَمَة ؟ فَمن ادّعى هَذِه الْمُلَازمَة فَعَلَيهِ
الْبَيَان ، فَإِذا وَافق أحد التأويلات للتَّرْجَمَة ، فَإِنَّهُ يَكْفِي للتطابق
.
وَقَوله
: وَلَو كَانَ مرَادا لم يحصل التَّفْرِيق ... الخ ،
غير مُسلم لِأَنَّهُ تَخْصِيص الشق الثَّانِي بالتأويل لكَونه مُشكلا بِحَسب
الظَّاهِر ، والشق الأول لَا يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل لكَون ظَاهره غير مُشكل .
فَإِن
قلت : جَـاءَ فِي رِوَايَة مُسلم : ( لعن الْمُسلم كقتله ) ، قلت : التَّشْبِيه
لَا عُمُوم لَهُ ، وَوجه التَّشْبِيه هُوَ حُصُول الْأَذَى بِوَجْهَيْنِ :
أَحدهمَا : فِي الْعرض ، وَالْآخر : فِي النَّفس . فَإِن قلت : السباب والقتال
كِلَاهُمَا على السوَاء فِي أَن فاعلهما يفسق ولايكفر ، فلِمَ قَالَ فِي الأول
فسوق ، وَفِي الثَّانِي كفر ؟ قُلْنَا : لِأَن الثَّانِي أغْلظ، أَو لِأَنَّهُ
بأخلاق الْكفَّار أشبه ]
.
إذن
قتال المسلم من مسلم مثله ليس كفراً يُخرج من الملّة ! علماً أنّ النبيّ r
قد أطلق الكفر على ذلك !
ولم
يفهم عالم ولا إمام أنّ مَن فعله أصبح كافراً خارجاً عن الإسلام !
لا
ترجعوا بعدي كفارًا
ب –
قـال رسول الله r
: ( لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ )
.
[ وليس معنى قوله : ( لا ترجعوا بعدى كفارًا )
النهى عن الكفر الذى هو ضد الإيمان بالله ورسوله ،
وإنما
المراد بالحديث النهى عن كفر حق المسلم الذى أمر به النبى ( صلى الله عليه وسلم )
من التناصر والتعاضد ،
والكفر
فى لسان العرب : التغطية ،
وكذلك
قوله : ( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) يعني : قتاله كفر بحقه وترك موالاته ،
للإجماع على أن أهل المعاصى لا يكفرون بارتكابها .
وقال
أبو سليمان الخطابى : قيل : معناه لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا أن تقاتلوا ويضرب
بعضكم رقاب بعض ]
.
وقال الحافظ
السيوطي رحمه الله :
[ أَي لَا تَفعلُوا
فعل الْكفَّار فتشبهوهم فِي حَال قتل بَعضهم بَعْضًا ]
.
[ أي : لا تتشبهوا
بالكفار في قتل بعضهم بعضًا ]
.
فلم يقل أحدٌ من
الأئمة والعلماء أنّ القتال بين المسلمين فيما بينهم هو كفر يخرج من الملّة ، على
الرغم من أنّ النبيّ r
قال : قتاله كفر !
بل وكأنهم قالوا :
إنّ القتال بين المسلمين هو تشبّه بالكفّار الذين يقاتلون المسلمين
وكيف يقولـون بالكفر وهم ( العلماء ) يقرأون في
كتاب الله تعالى قولـه سبحانه : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى
الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ
اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )
.
ومن هذا الباب
أيضاً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إثْنَتَانِ
فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى
الْمَيِّتِ )
.
وقوله r : ( العَهْـدُ الَّذِي بَيْنَنَـا وَبَيْنَهُـمُ
الصَّـلَاةُ ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ )
.
وأخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه :
عن أبي ذر t ، أنّه سمع النبيّ r يقول :
( لَيْسَ مِنْ
رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ - وَهُوَ يَعْلَمُهُ - إِلَّا كَفَرَ ، وَمَنِ
ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) .
وعن أبي هريرة t عن النبي r قال :
( لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ
أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ )
.
وقال النبيّ r :
( أَيُّمَا
عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ )
.
هذه بعض الأمثلة ؛ من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية
الشريفة ، عن إستخدام كلمتي ( الجاهلية ) و ( الكفر ) فـي معانـي لا تخرج أصحابهما
من ملّة الإسلام !
هل تارك الصلاة هو خارج الملّة لوصفه بـ( كَفَر ) ؟
وها هو الشيخ الألباني رحمه الله قد قال :
[ أما من تركها
كسلاً معترفاً بوجوبها ويتمنى من الله عز وجل أن يهديه وأن يوفقه للصلاة فهذا ليس
بكافر كفراً يرتد به ويخرج به من الملة . . .
فإذا
كان هذا التارك للصلاة مؤمناً في قلبه معترفاً بما فرض الله عليه من فرائض لكنه
يعرف بأن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والتجارة وإلى آخره لا شك أن هذا التعلل
مردود عليه ،
ولكن
يشفع له أن لا يُكفَّر ما دام أنه يؤمن بما شرع الله تبارك وتعالى . . .
فتارك
الصلاة هكذا لا يحكم بأنه كافر إلا إذا جحد ذلك جحداً فحينئذٍ يكفر ؛
ولذلك
كان مذهب جماهير العلماء عدم تكفير تارك الصلاة إلا مع الجحد ،
وهذه
رواية عن الإمام أحمد نفسه فهو وافق فيه جماهير الأئمة على أن الترك إن كان ليس عن
جحد فهو فسق وليس كفر . . .
ليس
هذا هو أول حديث يقال فيه من فعل كذا فقد كفر، عندكم الحديث المشهور : « من حلف
بغير الله فقد أشرك ، كفر » ألا نقول نحن من قال : « وحياة أبي » إنه ارتد عن دينه
.
وأنتم
تعلمون مثلاً حديث عمر بن الخطاب في صحيح البخاري لما سمعه الرسول عليه السلام
يحلف بأبيه فقال عليه السلام : « لا تحلفوا بآبائكم من كان منكم حالفاً فليحلف
بالله أو ليصمت »
وفـي حديث ابنه عبد الله بن عمر قال : قال رسول
الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : « من حلف بغير الله فقد أشرك » وفي رواية أخرى : فقد كفر ،
فلا
يلزم من مجيء لفظة من فعل كذا فقد كفر أي : أنه كفر كفر ردة
وإنما
له معان كثيرة ، منها مثلاً : كفر أي أشرف على الكفر . . كفر كفراً عملياً ونحو ذلك من المعاني التي
يضطر إليها أهل العلم بالتوفيق بين النصوص :
« من
ترك الصلاة فقد كفر » نقول : « من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة » . .
من قـال
: « لا إله إلا الله نفعته يوماً من دهره » كما جاء في حديث البزار وغيره ، « أيما
عبد أبق من مولاة فقد كفر »
هذه
الألفاظ كثيرة وكثيرة جداً فقد كفر فقد كفر ولا يوجد حديث يُفَسَّر هكذا على ظاهره
إذا جاء بلفظ فقد كفر .
هذا
الحديث حديث : « من ترك الصلاة فقد كفر » يعامل نفس المعاملة التي تعامل بها
الأحاديث الأخرى التي تشترك مع حديث الصلاة في لفظة « فقد كفر » ،
فهنا
تأتي تآويل كثيرة لهذا النص فكثير من الأحاديث مثلاً : « لا يدخل الجنة قتات» . .
« لا يدخل الجنة نمام »
هل
معنى ذلك أنه كفر بسبب نميمته ؟ الجواب : إن كان
يستحل ذلك بقلبه فقد حرمت عليه الجنة . . إن كان يعترف بتحريم ذلك ويعترف بأنه
مخطئ وأنه مذنب ومجرم ؛ فهو أمره إلى الله كما قال عز وجل : { إِنَّ اللَّهَ لا
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } ( النساء :48
) .
فترك
الصلاة هو فعل يعرض صاحبه أن يموت والعياذ بالله على غير الإيمان ، وترك الصلاة هو
من شيم الكفار الذين لا يصلون . . لا يؤتون الزكاة ولا يصلون ،
فالمسلم
إذا لم يصل فقد شابه الكفار ، فكفره هنا كفر عملي
والأحاديث
كثيرة وكثيرة جداً التي لا بد من تأويلها مثلاً : قال
عليه الصلاة والسلام فـي حجة الوداع وقد خطب فيهم أمر جرير بن عبد الله البجلي أن
يستنصت الناس ، فقال عليه السلام :
« لا
ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » . .
ومثل
قوله عليه السلام : « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » فإذا قتل مسلم مسلماً أو
قاتله فهل هذا يرتد عن دينه ؟
الجواب
: لا ؛ لأن الله قال : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا
الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } ( الحجرات :
9 )
فاعتبر كلاًّ من الطائفتين الباغية والمبغي
عليها من المؤمنين مع أن الرسول يقول في الحديث السابق : « سباب المسلم فسوق
وقتاله كفر »
فبماذا
يفسر هنا الكفر ؟ كفر دون كفر . . كفر عملي . .
وهكذا
أيضاً أحاديث الصلاة التي فيها التصريح بأن من ترك الصلاة فقد كفر ،
إما أن
يقال أشرف على الكفر الاعتقادي .. أشرف أن يموت على غير ملة الإسلام ، أو أنه كفر
كفراً عملياً ،
هـذا
التأويـل لا بد منه حتى لا نضرب أحاديث الرسول عليه السلام بعضها ببعض ]
.
يَدْرُسُ
الْإِسْلَامُ
وقد أخرج الإمام إبن ماجه رحمه الله حديثاً في سننه
وصحّحه محقّقوه وصحّحة الشيخ الألبانـي رحمه الله عَـنْ
حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَـانِ t ، قَـالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r
:
( "
يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ ، حَتَّى لَا يُدْرَى مَا
صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ .
وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ فِي لَيْلَةٍ ، فَلَا يَبقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ ،
وَتَبْقَى
طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ ، الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ ، يَقُولُونَ :
أَدْرَكْنَا
آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَنَحْنُ
نَقُولُهَا " .
فَقَالَ
لَهُ صِلَةُ : مَا تُغْنِي عَنْهُمْ
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ
وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ ؟
فَأَعْرَضَ
عَنْهُ حُذَيْفَةُ ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ
عَنْهُ حُذَيْفَةُ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ ، فَقَالَ : يَا
صِلَةُ ، تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ، ثَلَاثًا ] .
فكتب الشيخ الألباني رحمه الله على هذا الحديث تعليقاً فقال :
[ في الحديث فائدة فقهية هامة ، وهي
أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة ،
ولو كان لا يقوم بشئ من أركان الإسلام الخمسة الأخرى ، كالصلاة وغيرها ،
ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في
حكم تارك الصلاة ، خاصة مع إيمانه بمشروعيتها ، فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك
، بل يفسق ،
وذهب أحمد – في رواية – إلى أنه يكفر ، وأنه يقتل ردة لا
حداً ، وقد صح عن الصحابة أنهم كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه
كفر غير الصلاة ، رواه الترمذي والحاكم ،
وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور ، وأن ما ورد عن الصحابة ليس نصاً على
أنهم كانوا يريدون بالكفر هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار ، ولا يحتمل أن يغفره
الله له ،
كيف ذلك وهذا حذيفة بن اليمان – وهو من كبار أولئك الصحابة – يرد على صلة بن
زفر – وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له – فيقول :
( مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا
صَلَاةٌ . . . ) فيجيبه حذيفة بعد إعراضه عنه : ( يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ
ثَلَاثًا ) ،
فهذا نص من حذيفة رضي الله عنه على أن تارك الصلاة – ومثلها بقية الأركان –
ليس بكافر ،
بل مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة ، فاحفظ هذا فإنه قد لا تجده في
غير هذا المكان ، وفي الحديث المرفوع ما يشهد له ، ولعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله
تعالى .
ثم وقفت على ( الفتاوى الحديثية ) للحافظ السخاوي ، فرأيته يقول بعد أن ساق
بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة – وهي مشهورة معروفة – :
( ولكن ، كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجودها مع كونه ممن
نشأ بين المسلمين ، لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداً بإجماع المسلمين . فإن رجع إلى الإسلام
، قبل منه ، وإلا قتل ،
وأما من تركها بلا عذر – بل تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها - , فالصحيح المنصوص الذي
قطع به الجمهور أنه لا يكفر ، وأنه – على الصحيح أيضاً – بعد إخراج الصلاة الواحدة
عن وقتهـا الضروري – كأن يترك الظهر مثلاً حتى تغرب الشمس ، أو المغرب حتى يطلع الفجر
– يستتاب كمـا يستتـاب المرتد ، ثـم يقتل إن لم يتب ، ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر
المسلمين ، مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه ،
ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه ، وهو وجوب العمل ، جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صح أيضاً عنه صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال (خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ . . . . [ فذكر
الحديث ، وفيه ] : إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ) ،
وقال أيضاً : ( مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
دَخَلَ الْجَنَّةَ ) . إلى غير ذلك ،
ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة
ويورثونه ، ولو كان كافراً ، لم يغفر له ، لم يرث ولم يورث ) .
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في ( حاشيته على المقنع ) ،
وختم البحث بقوله : ( ولأن ذلك إجماع
المسلمين ، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة
عليه ، ولا منع ميراث موروثه ، مع كثرة تاركي الصلاة ، ولو كفر ، لثبتت هذه الأحكام
،
وأمـا الأحاديث المتقدمة ، فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على
الحقيقة ، كقوله عليه الصلاة والسلام : ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ
كُفْرٌ ) وقوله : ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ) ، وغير ذلك . قال
الموفق : وهذا أصوب القولين ) .
أقول ( الألباني ) : نقلت هذا النص من ( الحاشية ) المذكورة ، ليعلم بعض متعصبة
الحنابلة أن الذي ذهبنا إليه ليس رأياً تفردنا به دون أهل العلم بل هو مذهب جمهورهم ، والمحققين من علمـاء الحنـابلة
أنفسهم ، كالموفق هذا – وهو ابن قدامة المقدسي – وغيره ،
ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة ، تحملهم إن شاء الله تعالى على ترك غلوائهم
، والاعتدال في حكمهم ] .
لاَ
يُؤْمِنُ
قال
رسول الله r
: ( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا
يُحِبُّ لِنَفْسِهِ )
.
وقال r : ( فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ )
وقال r : ( « وَاللَّهِ لاَ
يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ » قِيلَ : وَمَنْ يَا
رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : « الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ » )
.
فماذا
يقول المسلمون الذين يتّهمون الشهيد سيّد قطب رحمه الله بتكفير المسلمين عن هذه الأحاديث
؟ وكيف يفهمونها ؟
هل
يعني : أن الذين لا يحبّون لأخيهم ما يحبّونه لأنفسهم هم كفّار خارجون من ملّة
الإسلام ؟ !
وهل
يعني : أنّ الإنسان الذي جاره يتخوف
أو يتوقع منه أن يوصل إليه شرًّا ، فهو لا يأمن شره هو
إنسان كافر خارج عن الملة ؟ !
وماذا
يقولون عن قول رسول الله r : ( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ
لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ) .
هل يقولون للذين لا يحفظون الأمانات ، والذين
لا يوفون بالعهود هم كفار خارجون عن ملّة الإسلام لأن النبيّ r قال عنهم :
أنهم لا إيمان لهم ولا دين ؟ !
ولماذا استخدم النبيّ r تلك الكلمات المشابهة التي
تحمل معنيين فأكثر ؟ !
أليس من أجل خطر وأهمية تلك الأمور ؟ !
وكذلك
قال النبيّ r : ( المُسْلِمُ مَنْ
سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ )
.
فهل
الإنسان الذي لا يسلم المسلمون منه فهو يؤذيهم إما بيده أو بلسانه هو إنسان كافر
لأنّ النبيّ r قال عنه : هو ليس بمسلم ؟ !
فهذه
الأوصاف التي أطلقها النبيّ r على هؤلاء هي ليست تكفيراً لهم ولا إخراجاً لهم عن الإسلام .
بل
هي أوصاف لتلك الأعمال المنكرة ليعلموا أن هذه الأعمال هي ليست أعمال مسلمين
ومؤمنين كاملي الإيمان ، بل هي من أعمال مَن لا إيمان لهم ولا دين !
فهي
للردع والزجر ونفي الفضيلة عن تلك الموبقات .
أنظر إلى ما قاله r من هذا الباب :
قال r : ( لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ،
وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ
يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ، يَرْفَعُ النَّاسُ
إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) .
فهل الزنا وشرب الخمر والسرقة كفر ، مَن فعلها لا إيمان
له فيخلد في جهنم ؟
هل قال ذلك غير الخوارج ؟
[ قــال الخطـابي : الخوارج ومن يذهب مذهبهم ممن يكفر المسلمين بالذنوب
يحتجون به ، ويتأولونه على غير وجهه ،
وتأويله عند العلماء على وجهين :
أحدهما : أن معناه النهي وإن كانت صورته
صورة الخبر ،
يريد : لا يَزنِ الزاني بحذف الياء ، ولا
يسرقِ السارقِ بكسر القاف على معنى النهي . يقول : إذ هو مؤمن لا يزني ولا يسرق
ولا يشرب الخمر ، فإن هذه الأفعال لا تليق بالمؤمنين ولا تشبه أوصافهم .
والوجه الآخر : أن هذا كلام وعيد
لا يراد به الإيقاع ، وإنما يقصد به الردع والزجر ، فقوله : " المسـلم مـن ســلم المســلمون مـن لسـانه
ويده " وقوله : " لا إيمان لمن لا أمانة له " وقوله : " ليس
بالمسلم من لم يأمن جاره بوائقه "
وهذا كله على معنى الزجر والوعيد أو نفي
الفضيلة وسلب الكمال دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله . . .
وقال الإِمام النووي : الصحيح الذي قاله
المحققون : أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان ، وإنما تأولناه لحديث
أبي : " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وسرق " ]
.
إطلاق الكفر على فعلٍ
ليس معناه تكفير صاحبه
عندما يطلق أحد الأئمة والعلماء على فعلٍ ما أنه كفر
فليس معنى ذلك أنه تكفير لصاحبه وإخراجه من الإسلام .
وهذا الأمر هو معلوم – نظرياً فقط ! –
عند كثير ممن ينتقد الشهيد سيّد قطب رحمه
الله .
ولكن عملياً كأنهم ينسون كلّ تلك القواعد
والأصول الحاكمة في ذلك ، أوكأنّهم لم يسمعوا بذلك في يوم من الأيّام !
قال الحافظ إبن تيمية رحمه الله :
[
فَيُطْلِقُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ
الْقَائِلِ ؛ كَمَا قَالَ السَّلَفُ مَنْ قَالَ : الْقُرْآنُ
مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ
فَهُوَ كَافِرٌ
وَلَا
يَكْفُرُ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ ]
.
[ عَـنْ
أَحْمَد وَهُـوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَامَّةِ أَئِمَّةِ
السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ ؛ مَنْ قَالَ :
الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي
الْآخِرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ . . .
التَّكْفِيرَ
لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَقِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ وَأَنَّ تَكْفِيرَ
الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ ]
.
وقال رحمه الله :
[ فَإِنَّ نُصُوصَ
" الْوَعِيدِ " الَّتِي فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَنُصُوصَ
الْأَئِمَّةِ بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُسْتَلْزَمُ
ثُبُوتُ مُوجَبِهَا فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ
إلَّا
إذَا وُجِـدَتْ الشُّـرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِـعُ لَا فَـرْقَ فِـي ذَلِـكَ
بَيْـنَ الْأُصُـولِ وَالْفُـرُوعِ ]
.
فهاهو الحافظ إبن
تيمية رحمه الله يقول : بأنّ نصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم
ثبوت موجبها في حق المُعَيّن !
ويقول : إنّ قول
الأئمة : مَن فعل كذا فهو كافر ليس معناه تكفير الشخص المعيّن الذي يفعل كذا ! !
فهو رحمه الله
تعالى كأنه قد دافع عن الشهيد سيّد قطب رحمه الله وأبعد عنه تلك التُّهم الجائرة
من وراء سجف الغيب ! !
علماً أنّ سيّد
قطب رحمه الله لم يستخدم كلمة ( الكفر ) في كتاباته .
بل إنّ الحافظ إبن
تيمية رحمه الله كأنه شجّع الشهيد سيّد قطب رحمه الله في إطلاقه كلمة ( الجاهلية
) على الأنظمة المزرية والمجتمعات التي لا
ترفع رأسها للشريعة التي بعث الله بها رسوله r !
فقد قال رحمه الله
:
[ أَنَّ التَّكْفِيرَ
الْعَامَّ - كَالْوَعِيدِ الْعَامِّ - يَجِبُ الْقَوْلُ
بِإِطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ .
وَأَمَّا
الْحُكْمُ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ أَوْ مَشْهُودٌ لَهُ بِالنَّارِ :
فَهَذَا يَقِفُ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَقِفُ عَلَى
ثُبُوتِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ ]
.
فقد أوجب
رحمه الله إطلاق التكفير العام دون تكفير شخص معيّن بدون دليل !
وقال ذلك استناداً
إلى آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله r .
أما الآيات
القرآنية – كمثال – فكقول الله تعالى : ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ
عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ . الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ . وَيَمْنَعُونَ
الْمَاعُونَ )
.
فويلٌ لكلّ مَن
توجد فيه هذه الصفات ! فهل إذا قرأت هذه الآيات وهدّدت بها أصحابها تكون قد حكمت
على أشخاص معيّنين بالويل ؟ !
وهل إذا رأيت
شخصاً يطعن في نسب مسلم تقول : هذا الشخص كافر بنص حديث رسول الله r
؟ !
سيّد قطب لا يكفّر
إذن تبيّن لنا –
بأدلة الكتاب والسنة وأقوال الأئمة والعلماء :
1 - أن أقوال سيّد
قطب رحمه الله واستخدامه لكلمة ( الجاهلية ) ليس بتكفير للمجتمع ولا للمسلمين .
وأنّ الذين
يتّهمونه بذلك هم قد غاب عنهم فهم الكتاب
والسنة وأقوال العلماء والأئمة على وجه الدقة !
2 – أنّ إطلاق
كلمـة ( الجـاهلية ) هو إطلاق شرعي ؛ جاءت في القرآن الكريم واستخدمها النبيّ r واستخدمها
الأئمة والعلماء .
3 – وأنّ الإطلاق
العام لكلمات التكفير والتفسيق ليس ممنوعاً شرعاً ، بل هو واجب كما قال الحافظ ابن
تيمية رحمه الله ! ! ( لتستبين سبيل
المجرمين ) ! !
4 – وأنّ الشهيد
سيّد قطب رحمه الله لم يرتكب محذوراً
باستخدامه لكلمة الجاهلية وارتداد الناس ورجوعهم إلى الجاهلية .
أليس الإرتداد
يعني : التقهقر والتراجع إلى الوراء .
ألم يرجع المسلمون
عن الإلتزام بالشريعة بعد أن كان أجدادهم ملتزمون ؟ !
هل المسلمون في
هذا العصر النكد يساوون ويشبهون الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في الإلتزام
بدين الله تعالى ، أم عادوا إلى اتّباع أهوائهم ونبذ أوامر الله تعالى ونواهيه
وراء ظهورهم كأهل الجاهلية ؟ !
أفلا يجوز وصْف
حال المسلمين وما وقعوا فيه من المنكرات حق الوصف ، بل يجب على العالِم أن يمدحهم
ولا يجرح مشاعرهم ولا ينبّههم ؟ !
الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومسائل الجاهلية
وللشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله رسالة خاصة ألّفها وسمّاها ( مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول
الله r أهل الجاهلية ) .
وهو ألّف هذه الرسالة وذكر
فيها مائة وثمان وعشرين مسألة جاهلية للكفّار قبل الإسلام ؛ للكتابيين والأميين .
والغاية التي تُفهم من
الرسالة : أنه يوجد مسلمون يعيشون في هذا العصر ، وتشبه حياتهم العيش في تلك
الجاهلية ، فيجب عليهم التخلّص منها وإنقاذ أنفسهم والرجوع إلى الإسلام ؛ إلى
الكتاب والسنة .
وأحد الذين شرحوا هذه
الرسالة هو : الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ، وهو أحد الذين ينتقدون ويتّهمون
الشهيد سيّد قطب رحمه الله بتكفيره للمسلمين ، ويعتبره على منهج الخوارج ومن
غلاتهم
! !
وهو من أتباع الشيخ محمد بن
عبد الوهاب ومن المعجبين به والمقلدين له .
فها هو الشيخ محمد بن عبد
الوهاب يؤلف رسالة خاصة ويذكر فيها مائة وثمان وعشـرين مسألة يسمّيها بالجاهلية ،
ويُعرض فيها بالمسلمين على أنّ فيهم هذه الجاهليات وإن لـم يصرّح بذلك – حسب علمي ، وإلّا ربّما
صرّح بذلك وأنا الآن لا يحضرني ذلك
فلماذا لم يعترض وينتقد
الشـيخُ الفوزان الشيخَ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ويقول : هذا تكفير للمسلمين ولا يجوز ذلك ؟ !
بل قام الشيخ الفوزان بشرحها ، وقال في شرحها ووصف أحوال
المسلمين بالجاهلية وأكّدها وكرّرها مراتٍ ومرات !
وأنا سأذكر هنا بعض الأمثلة
مما قاله وليس كلّه .
دعاء الأولياء والصالحين
1 – ذكر الشيخ محمد بن عبد
الوهاب رحمه الله المسألة الاولى ؛ التي كانت الجاهلية عليها وهي : دعاء الأولياء
والصالحين .
واستدلّ بآيات القرآن الكريم منها : قوله تعالى : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ
وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ )
.
وقوله تعالى :
( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى )
.
جاء في شرحه للشيخ الفوزان ما نصه :
[ والعجيب أنهم يقرؤون
القرآن ويمرون على هذه الآيات ولا ينتبهون لها ، ومع هذا يستمرون على عبادة
القبور ، وهي من فعل الجاهلية ،
وهذا لأنهم لم يعرفوا ما كانت عليـه الجـاهلية
، لـم يعرفوا أنّ هـذا مـن أمور الجـاهلية ، هذا نتيجة الجهل بأمور الجاهلية ]
.
أ – قال الشيخ الفوزان في شرحه الذي نقلناه عنه :
[ والعجيب أنهم
يقرؤون القرآن ويمرون على هذه الآيات ] .
نسأل هنا سؤالاً وهو : مَن هم الذين يقرؤون القرآن
ويمرون على تلك الآيات ؟
هل هم اليهود والنصارى أم البوذيون أم عرب قبل الإسلام ؟
مَن يقصد بهم الشيخ الفوزان ؟
أليس يقصد بذلك
المسلمين الذين ينتقدهم ممّن يقرؤون القرآن ؟ !
إذن هذه الرسالة كُتِبَت لوصف مسلمي عصرنا بالجاهلية !
فلماذا هذا العمل مقبول منهم ولا بأس عليه ولا غبار ؟
ولكنه مرفوض من سيّد قطب وهو غير جائز وهو منكر وتكفير ؟
!
ب - وقال أيضاً
:
[ ومع هذا يستمرون على عبادة القبور ] .
ونسأل الشيخ الفوزان : ما هو حكم عبادة القبور ؟ !
إن كان الجواب : لا بأس به وهو جائز فلِم الإنكار إذن ؟
وإن كان : شركاً وكفراً ، أليس في هذا الحكم تكفيراً
وإخراجاً من الإسلام ؟ !
فمَن الذي يرمي الناس بالكفر : سيّد قطب أم مَن ينتقده
في ذلك ؟
ج – وجاء في شرحه أيضاً :
[ وهي من فعل الجاهلية ، وهذا لأنهم لم يعرفوا ما كانت
عليـه الجـاهلية ، لـم يعرفوا أنّ هـذا مـن أمور الجـاهلية ، هذا نتيجة الجهل
بأمور الجاهلية ] .
كم مرة إستخدم الشيخ الفوزان في هذه الفقرة القليلة كلمة
: الجاهلية ؟ !
لقد استخدمها أربع مرات ! !
ويؤاخذون على الشهيد سيّد قطب رحمه الله استخدامه لتلك
الكلمة !
إقتداؤهم بفسقة العلماء وجهّال العباد
2 – ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المسألة
التاسعة ؛ التي كانت الجاهلية عليها وهي : إقتداؤهم بفسقة العلماء وجهّال العباد .
واستدلّ بآيات القرآن الكريم منها : قوله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ
الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )
.
وقوله تعالى : ( لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا
تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ )
.
جاء في شرح الشيخ الفوزان لهذه المسألة :
[ والآن إذا صار للواحد رغبة في شيء . . .
إلخ
هذا إنما يفعله أهل الأهواء ، والعياذ بالله ، الذين ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا
مِنْ دُونِ اللَّهِ ) التوبة : 31 . . .
فأخذ أقوال العلماء والعبّاد قضية مسلمةً دون عرض على
الكتاب والسنة ، هي طريقة أهل الجاهلية ، الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ]
.
أ - قول الشيخ
الفوزان : ( والآن ) . يعني : أنّه يتحدّث عن مسلمي عصرنا ، وليس عن أهل الكتاب
والبوذيين – ولاسيما قبل الإسلام .
يعني : أنه فهم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
أنه يقارن مسلمي عصرنا مع أهل الجاهلية ؛ قبل الإسلام .
ب – نسأل سؤالاً وهو : هل أن الذين هم على طريقة أهل
الجاهلية الذين اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، هل هم مسلمون ؟
وسؤالاً آخر : مَن هم المقصودون بهم ؟
هل المقصود بهم مَنْ هم من المسلمين ؟ وهل هذا تكفير لهم
؟
أم أنه وصفٌ
لحالهم لا غير وليس تكفيراً لهم ؟
فماذا فعل الشهيد سيّد قطب رحمه الله غير ذلك ؟
إعتياض اليهود عن التوراة بكتب
السحر
3 – ذكر الشيخ
محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المسألة السادسة عشرة ؛ التي كانت الجاهلية عليها
وهي : إعتياض اليهود عن التوراة بكتب السحر .
واستدلّ بآيات من القرآن الكريم وهي : قوله تعالى : ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ
اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ )
.
قال الشيخ الفوزان في شرحه لهذه المسألة :
[ وكذلك كلّ مَن
ترك الحق ، فإنه يبتلى بالباطل ،
فالذي يترك منهم دعوة الرسل من الدعوة إلى التوحيد
وإفراد الله بالعبادة ، وبيان ذلك ،
يبتلى بأنه يروّج للشرك والخرافات ، ويستدل لها ،
ويروجها عند الناس على أنها حق ،
وهذا واقع كثير من علماء الخرافيين وعلماء
القبوريين ، بدلاً أن يدعو إلى توحيد الله وإلى كتاب الله وسنة رسول
الله ، يدعون إلى الباطل ويدعون إلى الله وإلى عبادة القبور ، والتعلق بالأموات
؛
ويلتمسون لذلـك الشبهـات التي يروجونها على الناس ،
فيشتغلون وقتهم في الباطل ، والعياذ بالله
]
.
أ – قال الشيخ الفوزان : [ يروّج للشرك والخرافات ، ويستدل لها ، ويروجها
عند الناس على أنها حق ] .
فالذي يروّج للشرك بالله تعالى ، ما هو حكمه ؟ هل هو
مسلم ؟
ب – من هم هؤلاء الذين يروّجون للشرك ويستدلون لها
ويروّجونها عند الناس ؟
يجيب الشيخ الفوزان على هذا السؤال بقوله :
[ وهذا واقع
كثير من علماء الخرافيين وعلماء القبوريين ، بدلاً أن يدعو إلى توحيد الله وإلى
كتاب الله وسنة رسول الله ، يدعون إلى الباطل ويدعون إلى الله وإلى عبادة القبور ،
والتعلق بالأموات ؛
ويلتمسون لذلـك الشبهـات التي يروجونها على الناس ،
فيشتغلون وقتهم في الباطل ] ! !
فهـل أبقـى الشيخ للتكفيريين شيئاً ؟ ويُتّهم الشهيد
سيّد قطب رحمه الله بأنه يكفّر المسلمين !
نسبتهم الباطل إلى الأنبياء
4 – ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المسألة
السابعة عشرة ؛ التي كانت الجاهلية عليها وهي : نسبتهم الباطل إلى الأنبياء .
فقال رحمه الله :
[ نسبة باطلهم إلى الأنبياء كقوله : ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ) [ البقرة : 102 ] ، وقوله :
( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا ) [ آل عمران : 67 ] .
فقال الشيخ الفوزان في شرحه :
[ من مناهج
الجاهلية : أنهم ينسبون ما هم عليه من الكفر والضلال إلى الأنبياء كما نسبت اليهود السحر إلى سليمان . . .
وكذلك من هذه الأمة مَن ينتسبون إلى الأئمة وهم يخالفونهم في العقيدة ، فينتسبون
إلـى أبي حنيفة وإلى مالك وإلى الشافعي
وإلى أحمد ، وهم على عقيدة المعتزلة والأشاعرة ، وينسبون هذا
الإعتقاد والباطل إلى أئمة السلف ]
.
فإذا كانوا مختلفين في العقيدة ، فهل
الطوائف جميعها مسلمون ؟
وهل الإختلاف في العقيدة هو كالإختلاف في مسائل الفقه ؟
هل نسبة العقيدة الباطلة إلى أئمة السلف هي إسلامية أم
جاهلية ؟
إتّخاذهم الدين لهواً ولعباً
5 – ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المسألة
الثانية والعشرين ؛ التي كانت الجاهلية عليها وهي : إتّخاذهم الدين لهواً ولعباً
.
فقال الشيخ الفوزان في شرحه لهذه المسألة :
[ ويشبههم الآن الذين يتّخذون الأناشيد التي
يسمونها الإسلامية ، ويجعلونها من وسائل الدعوة إلى الله ، كما يقولون ،
والدعوة إلى الله عز وجل من الدين ، ولا
يدخل فيها شيء من الأغاني ومن الأنغام والتنغيمات التي تلهي النفوس ،
وتشغل الناس عن ذكر الله وعن قراءة القرآن ، وهي من
شعارات المناهج الحزبية ، وليست من وسائل الدعوة
]
.
أ – قول الشيخ الفوزان : [ ويشبههم الآن ] .
فهو تشبيه هؤلاء المسلمين بأولئك الجاهليين الكفار ! ولا
أدري ماذا يسمّيه هو ؟
ب – أما أن الأناشيد الإسلامية ليست من وسائل الدعوة إلى
الله فهذا رأي واجتهاد الشيخ وليس إجماعاً بين علماء الأمة !
ج – وتشغيل المسلمين بذكر الله وقراءة القرآن ليل نهار
هو ليس من منهج الإعتدال وليس هو من منهج أهل السنة والجماعة .
(عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ ، قَالَ :
- وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:
لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ ؟ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ : قُلْتُ
: نَافَقَ حَنْظَلَةُ ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : قُلْتُ :
نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا
بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ
عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ
وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ ، فَنَسِينَا كَثِيرًا ،
قَالَ
أَبُو بَكْرٍ : فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا
وَأَبُو بَكْرٍ ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ ، يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « وَمَا ذَاكَ ؟ » قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ
عِنْدَكَ ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ
، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ
وَالضَّيْعَاتِ ، نَسِينَا كَثِيرًا
فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي ، وَفِي الذِّكْرِ ، لَصَافَحَتْكُمُ
الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً
وَسَاعَةً » ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) .
[ وَقَوله
: " سَاعَة وَسَاعَة " مَعْنَاهُ : سَاعَة لقُوَّة الْيَقَظَة وَسَاعَة
للمباح وَإِن أوجبت بعض الْغَفْلَة .
وَهَذَا
لِأَن الْإِنْسَان لَو حقق مَعَ نَفسه مَا بَقِي فَلَا بُد للمتيقظ من
التَّعَرُّض لأسباب الْغَفْلَة ليعدل مَا عِنْده ،
وَمن
أَيْن يقدر على الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع من يرى الْأَمر كَأَنَّهُ معاين ،
وَإِن من الْغَفْلَة لنعمة عَظِيمَة ، إِلَّا أَنَّهَا إِذا زَادَت
أفسدت ، إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن تكون بِمِقْدَار مَا يعد ]
[ يَعْنِي
لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُنَافِقًا بِأَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ عَلَى الْحُضُورِ وَفِي
وَقْتٍ عَلَى الْفُتُورِ، فَمِنْ سَاعَةِ الْحُضُورِ تُؤَدُّونَ حُقُوقَ رَبِّكُمْ
، وَفِي سَاعَةِ الْفُتُورِ تَقْضُونَ حُظُوظَ أَنْفُسِكُمْ ،
وَيُحْتَمَلُ
أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ لِلتَّرْخِيصِ أَوْ
لِلتَّحَفُّظِ لِئَلَّا تَسْأَمَ النَّفْسُ عَنِ الْعِبَادَةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنْ يَا حَنْظَلَةُ هَذِهِ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ
مَشَقَّةٌ لَا يُطِيقُهَا كُلُّ أَحَدٍ فَلَمْ يُكَلَّفْ بِهَا ،
وَإِنَّمَا الذِّكْرُ يُطِيقُهُ الْأَكْثَرُونَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَلَى
هَذِهِ الْحَالَةِ سَاعَةً ، وَلَا عَلَيْهِ بِأَنْ يَصْرِفَ نَفْسَهُ
لِلْمُعَافَسَةِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا سَاعَةً أُخْرَى ] .
[ فبين
الرسول صلى الله عليه وسلم أن ذلك ليس نفاقا ممنوعا وأنهم غير مكلفين بأن يكونوا
على التفكر الدائم والمراقبة المستمرة وإلا كانوا كالملائكة وصاحبتهم
الملائكة ولكن المطلوب منهم أن يكونوا على التقوى والخشية وقتا وأن ينشغلوا
بالدنيا المباحة وبزينتها المسموح بها وقتا آخر على أن لا تطغى وتسيطر
الدنيا على قلب المؤمن فيكون من الخاسرين ] .
ثـم
مَـن - غير جماعة معيّنة معروفة - قال إن الأناشيد الإسلامية حرام ؟ وأين الدليل
القطعي أو الراجح في ذلك ؟ ومَن يقول إنها ليست من أساليب الدعوة إلى الدين ؟
وإن
كانت هذه المسألة هي ليست من صلب موضوعنا وليس موضعها هنا ، ولكننا تعرضنا لها
عرضاً ومررنا عليها مَرّ الكرام لأن الشيخ الفوزان حكم على المسلمين ووصفهم
بالجاهلية بسببها وجعلهم ممن يتّخذون دينهم لهواً ولعباً ! !
تأليف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله
6 - ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المسألة
السابعة والعشرين ؛ التي كانت الجاهلية عليها وهي : تأليف الكتب الباطلة ونسبتها
إلى الله .
فقال رحمه الله :
[ تصنيف الكتب
الباطلة ونسبتها إلى الله كقوله : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )
] .
فقال الشيخ الفوزان :
[ من آفات
اليهود أنهم يؤلفون المؤلفات ويكتبونها بأيديهم ، ويضمنونها الباطل ، ويقولون :
هذا من عند الله ؛ ليحصلوا على مكافأة من الناس ،
أو يبيعوا هذه الكتب في الأسواق وتدر عليهم أموالاً .
وتصنيف الكتب الضالة وترويجها على الناس حرفة اليهود
، ومَن تشبّه بهم من هذه الأمة . . .
وما أكثر تصنيف الكتب في هذه الأيام ، أو الرسائل ، أو
الفتاوى الضالة الباطلة باسم الإسلام ، وهذا مثل فعل اليهود ]
.
[ ومَن تشبّه
بهم من هذه الأمة ] [ باسم الإسلام ] [ وهذا
مثل فعل اليهود ] .
الأخذ بالإفتراق وترك الإجتماع
7 - ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المسألة
الثلاثين ؛ التي كانت الجاهلية عليها وهي : الأخذ بالإفتراق وترك الإجتماع .
فقــال رحمـه الله : وهـي من عجـائب آيات الله أنهم لما
تركوا وصية الله بالإجتماع ، وارتكبوا ما نهى الله عنه من الإفتراق ، صار كل حزب
بما لديهم فرحين
فقال الشيخ الفوزان :
[ فهؤلاء
الذين يريدون توحيد المسلمين كما يقولون ، يقال لهم : إذا كنتم تريدون
توحيد المسلمين ، وحِّدوا العقيدة ؛
بأن تكونوا جميعاً على عقيدة التوحيد التي جاء بها
رسول الله r ، ولا تتركوا الناس ،
هذا قبوري ، وهذا صوفي ، وهذا شيعي ، وحدوا العقيدة
أولاً ، واعتصموا بلا إله إلا الله ،
ثم وحدوا الحكم بما أنزل الله ، فارجعوا إلى كتاب الله
وسنة رسوله ، وانبذوا القوانين والأنظمة والعادات القبلية ، وغير ذلك ]
.
إن الشيخ يحكم على الناس بأنّهم مختلفون في العقيدة ،
وليسوا على عقيدة التوحيد التي جاء بها رسول الله r ، ولم يعتصموا بلا إله إلا الله !
فهل مَن كانت هذه عقيدته يعتبر مسلماً ؟ !
وبماذا يختلف الشيخ الفوزان عن الشهيد سيّد قطب ، وبماذا
امتاز عنه في وصف الناس ؟ علماً أن الشهيد
سيد قطب وصفهم بأنهم يعيشون عيشة جاهلية ، وعلمنا أنه لا يريد تكفيرهم ، بل إن
قصده هو : أن نظام حياتهم الذي يسيرون عليه غير مستمد من شريعة الله تعالى !
والشيخ الفوزان يصف المسلمين بأنهم مختلفون في العقيدة ،
وليسوا على عقيدة التوحيد التي جاء بها رسول الله r ، ولم
يعتصموا بلا إله إلا الله ! !
وأورد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله قول الله تعالى
:
[ ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) [ التوبة : 31 ] ] .
قال حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد
الوهاب رحمهم الله في شرحه لأقوال جدّه :
[ ش : وفي الحديث الصحيح : أنّ رسول الله r تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي ، فقال : يا رسول الله ،
لسنا نعبدهم . قال : (( أليس يحلّون ما حرم الله فتحلونه ، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه ؟ )) قال : بلى . فقال النبيّ r : (( فتلك عبادتهم ))
.
فصارت طاعتُهم في المعصية عبادة لغير الله ، وبها
اتخذوهم أرباباً ، كما هو الواقع في هذه الأمة ، وهذا من الشرك الأكبر المُنافي
للتوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله .
فتبيّن بهذه الآية : أن كلمة الإخلاص نفت هذا كلَّه ،
لمنافاته لمدلول هذه الكلمة . فأثبتوا ما نفته من الشرك ، وتركوا ما أثبتته من
التوحيد ]
.
[ كما هو الواقع في هذه الأمة ، وهذا من الشرك الأكبر
المُنافي للتوحيد ] ! ! .
نسأل الشيخ الفوزان : هل هذا الكلام يُعتبر تكفيراً
للمسلمين ؟ !
وقال الشيخ الألباني رحمه الله وهو يردّ على أحد منتقديه
ما نصه :
[ " تنبيه " : إطلعنا بعد صف هذه الملزمة على
كتاب " التوصل إلى حقيقة التوسل " للشيخ محمد نسيب الرفاعي ، الذي ذيل
اسمه عليه بلقب " مؤسس الدعوة السلفية وخادمها " ،
وتقتضينا الأمانة العلمية ، والنصيحة الدينية وقول كلمة
الحق أن نبين حكم الله كما نفهمه ، وندين الله تعالى به في هذا اللقب فنقول :
إن من نافلة القول أن نبين أن الدعوة إنما هي دعوة
الإسلام الحق كما أنزله الله تعالى على خاتم رسله وأنبيائه محمد صلى الله عليه
وسلم ،
فالله وحده سبحانه هو مؤسسها ومشرعها ، وليس لأحد من
البشر كائناً من كان أن يدعي تأسيسها وتشريعها ، وحتى النبي الأكرم محمد صلوات
الله وسلامه عليه إنما كان دوره فيها التلقي الواعي الأمين ، والتبليغ الكامل
الدقيق ،
ولم يكن مسموحاً له التصرف في شيء من شرع الله تعالى
ووحيه ،
ولهذا فادعاء إنسان مهما علا وسما تأسيس هذه الدعوة
الإلهية المباركة إنما هو في الحقيقة خطأ جسيم وجرح بليغ ، هذا إن لم يكن
شركاً أكبر ، والعياذ بالله ]
.
[ هذا إن لم يكن
شركاً أكبر ] . [ والعياذ بالله ] .
هل رمى سيّد قطب مسلمين ودعاة – لاسيما للدعوة السلفية
وخادمها – بهذا الإتّهام ؟ !
هل اتّهم أحدٌ الشيخ الألباني ، وقبله حفيد الشيخ محمد
بن عبد الوهاب بأنهم يكفّرون المسلمين ؟ !
وقال الشيخ الألباني أيضاً في بعض مخالفيه والذين هم
أيضاً محدّثين :
[ وكذلك من شيوخه بعض الغماريين المشهورين بحقدهم
وعدائهم الشديد لأهل السنة والتوحيد ]
.
فما هو التوحيد ، الذي يحقد ويعادي الغماريين بشدة أهله
؟
تعريف التوحيد
[ معنى التوحيد في اللغة مأخوذ من وحَد
الشيء أي جعله واحداً ،
أمَّا المعنى الشرعي للتوحيد فهو :
إفراد الله - تعالى- بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات ،
ويُعرِّف الإمام ابن القيم - رحمه الله
- التوحيد بقوله :
( ليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه
: لا خالق إلا الله ، وأن الله رب كل شيء ومليكه ، كما كان عبَّاد الأصنام مقرين بذلك
وهم مشركون ،
بل التوحيد يتضمن محبة الله
، والخضوع له ، والتذلل على بابه ، وكمال الانقياد لطاعته ، وإخلاص العبادة له ، وإرادة
وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال ، والمنع والعطاء ، والحب والبغض ، مما
يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها ) ،
فتوحيد القلب يتضمَّن المعرفة الحقيقية
لمعنى التوحيد بما فيه من النفي والإثبات ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قال:
لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله ، حرم ماله ودمه وحسابه على الله )
]
.
فهـل الذي يحقد ويعادي الذين يدعون إلى إفراد الله
بالعبادة ، والمحبة ، والخضوع ، والتذلل على بابه ، وكمال الإنقياد لطاعته ،
وإخلاص العبادة له ، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال ، و و و . . . إلخ
ومع كلّ هذه الموبقات فهو يعادي ويحقد على أهل سنة رسول
الله r .
وسنة رسول الله r ، هي :
أقواله ، وأفعاله ، وتقريراته ، ومنهجه r .
فهل تظن أن مَن هذه صفته قد بقي له من الإسلام شيء ؟ !
أليس هذا هو تكفير للمسلمين ؟ بل لعلماء المسلمين ؟
هل فعل سيّد قطب رحمه الله عشر معشار هذا ؟
فخطاب سيّد قطب هو للفسقة والظلمة والمستبدين من الناس .
بينما خطاب الشيخ الألباني هنا هو لعلماء المسلمين
!
ونرى أتباع الشيخ الألباني لا يتّهمونه بتكفير المسلمين
بل يتّهمون سيّد قطب بذلك لماذا ؟ !
وقال الشيخ الألباني رحمه الله :
[ وقد استعان الأنصاري بأحد أعداء السنة وأهل
الحديث ودعاة التوحيد المشهورين بذلك ألا وهو الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي ]
!
!
حصحص الحق
1 – أظن أنه قد حصحص الحقّ وظهرت الحقّيقة جليّة في أنّ
الشهيد سيّد قطب رحمه الله تعالى بريء من
تكفير الناس .
وأنّ استخدامه لكلمة ( الجاهلية ) في وصف أوضاع
المجتمعات وتصرفات الناس هو إسـتخدام شرعي ؛ حيث جـاء فـي كتـاب الله تعالـى وفـي
أحـاديث رسول الله r ، وفي أقوال العلماء .
وهو يعتبر ذكاء وفطنة – بتوفيق من الله تعالى – من سيّد
قطب رحمه الله في اختياره لهذه الكلمة التي تطابق ما عليه الناس تمام المطابقة .
فلا هو رمي الناس بالتكفير ولا هو تساهل وتغافل عنهم في
خروجهم عن طاعة الله ورسوله واتّباعهم للشهوات !
فهو استخدام لكلمة هي بين : المغالاة ، والتساهل !
وهو – أيضاً – مطلوب شرعاً لأنّ الله تعالى يقول :
( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ
الْمُجْرِمِينَ )
.
فلا بدّ من أن توصف الأعمال بأوصافها الحقيقية المطابقة
حتى يتبيّن الحق من الباطل ليحيى مَن حيّ عن بيّنة ويهلك مَن يهلك عن بيّنة !
شهادة الأقربين
وها هو شقيق الشهيد وأقرب الناس إليه ؛ الأستاذ الكبير محمد
قطب رحمه الله تعالى يقول :
[ إن كتابات سيد قطب قد تركزت حول موضوع معيّن ، هو بيان
المعنى الحقيقي لـ" لا إله إلا الله " ،
شعورًا منه بأن كثيرًا من الناس لا يدركون هذا المعنى
على حقيقته ،
وبيان المواصفات الحقيقية للإيمان كما وردت في
الكتاب والسنة ،
شعورًا منه بأن كثيرًا من هذه المواصفات قد أهمل
أو غفل الناس عنه .
ولكنه مع ذلك حرص حرصًا شديدًا على أن يبين أن كلامه هذا
ليس مقصودًا به إصدار أحكام على الناس
وإنما المقصود به تعريفهم بما غفلوا عنه من هذه
الحقيقة ليتبينوا هم لأنفسهم إن كانوا مستقيمين على طريق الله كما ينبغي
أم أنهم بعيدون عن هذا الطريق فينبغي عليهم أن يعودوا إليه
ولقد سمعته بنفسي أكثر من مرة يقول " نحن
دعاة ولسنا قضاة " ] .
ويضيف الأستاذ محمد قطب في فقرة أخرى :
[
" كما سمعته أكثر من مرة يقول : " أن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة
قاطعة لا تقبل الشك ، وهذا أمر ليس في أيدينا
ولذلك فنحن لا نتعرض لقضية الحكم على الناس
فضلًا عن كوننا دعوة ولسنا دولة ،
دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم ]
.
الكلام المُحكَم
ولماذا نذهب بعيداً ، فها هو الشهيد سيّد قطب رحمه الله
نفسه ؛ كلامه - المحكم غير المتشابه - يفصل في هذا الموضوع .
وهو كلام قاله قبل استشهاده بفترة قليلة جداً في سؤال
وجواب من المحقق الذي كان يحقق معه ، حيث
قال رحمه الله :
[ إننا لم نكفر الناس وهذا نقل مشوه
إنما نحن نقول : إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة
العقيدة ، وعدم تصور مدلولها الصحيح ، والبعد عن الحياة الإسلامية ، إلى حال تشبه
حال المجتمعات في الجاهلية ،
وإنه من أجل هذا لا تكون نقطة البدء في الحركة هي قضية
إقامة النظام الإسلامي ، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة والتربية الأخلاقية
الإسلامية . . فالمسالة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر
مما تتعلق بالحكم على الناس ! ]
.
وجاء في التحقيق معه :
[ س : هل ترى أن هناك فرقـا بين المسلم المنتمي لجماعـة
الإخوان وغير المنتمي لتلك الجماعة ؟ .
ج : الذي
يميز الإخوان أن لهم برنامجا محددا في تحقيق الإسلام فيكونون مقدمين في
نظري على من ليس لهم برنامج محدد . . .
س- فلِمَ التميز إذن بين أفراد هذه الجماعة وبين
المسلمين قاطبة وهم جميعا أصحاب عقيدة وأهداف وبرنامج ؟
جـ - التمييز فى رأيى ليس تمييز شخص على شخص ولكن فقط
باعتبار أن الجماعة ذات برنامج وأن كل فرد فيها مرتبط بهذا البرنامج لتحقيق
الإسلام عمليا ، وهذا وجه التمييز فى رأيى . . .
س : هـل كنتم ترون أن وجود الأمة المسلمة قد انقطع منذ
مدة طويلة ولا بد من إعادتها للوجود ؟
ج : لا بد
من تفسير مدلول كلمة الأمة المسلمة التي أعنيها
فالأمة المسلمة هي التي تحكم كل جانب من جوانب
حياتها الفردية والعامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية شريعة الله
ومنهجه .
وهي بهذا الوصف غير قائمة الآن في مصر ولا في أي
مكان في الأرض وإن كان هذا لا يمنع من وجود الأفراد المسلمين
لأنه فيما يتعلق بالفرد الاحتكام إلى عقيدته وخلقه وفيما يتعلق بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها كله . . .
س - وما التناقضات الموجودة بين نظام الحكم القائم وبين
النظام الذى تراه وتسعى من أجله ؟
جـ- شريعة الله ليست قاعدة التشريع فى الأوضاع
القائمة والمطلوب هو أن تكون شريعة الله هى قاعدة التشريع ]
.
الفصل الثاني
أوضح التفاسير : محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب . ص 513 .
فتح الباري ( 10 / 468 ) .
[ قال الشيخ الألباني ] : صحيح - الأدب المفرد : البخاري -
المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي . ص143
مسند الإمام أحمد ( 7 / 323 – 324 ) .
منحة الباري
بشرح صحيح البخاري المسمى «تحفة الباري» -
زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي المصري
الشافعي ( 1 / 221 ) .
فيض الباري
على صحيح البخاري : ( أمالي ) محمد أنور شاه بن معظم شاه
الكشميري الهندي ثم الديوبندي ( 1 / 222 ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاري ( 1 / 279 ) .
شرح صحيح البخارى لابن بطال ( 10 / 18 ) .
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ( 1 / 87 ) .
منحة الباري بشرح صحيح البخاري المسمى « تحفة
الباري » : زكريا بن
محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري ، زين الدين أبو يحيى السنيكي المصري الشافعي ( 1 / 365 ) .
ورواه الإمام
أحمد في مسنده ، والنسائي في سننه الكبرى
، وابن حبان في صحيحه ، والبيهقي في السنن الكبرى ، والحاكم في المستدرك ،
وقال هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ لَا تُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ بِوَجْهٍ
مِنَ الْوُجُوهِ . . . وَلِهَذَا الْحَدِيثِ
شَاهِدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا جَمِيعًا» ووافقه الذهبي وقال : صحيح ولا تعرف له علة .
وقال الشيخ الألباني : صحيح ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط : إسناده جيد . وفي مكان
آخر : إسناده قوي
سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من
فقهها وفوائدها ( 1 / 175 – 177 ) .
قال الشيخ الألباني : صحيح .
سنن ابي داود –
شعيب الأرنؤوط ( 7 / 75 – 76 ) .
مجموع الفتاوى ( 7 / 619 ) .
مجموع الفتاوى ( 10 / 372 ) .
فتح المنعم شرح صحيح
مسلم : الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين ( 10 / 307 ) .
التوسل أنواعه وأحكامه
. ص 89 – 90
مجلة المجتمع الكويتية
. العدد ( 271 ) في 21 /10 / 1975م .