الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

خدعوك فقالوا: رسلان «شيخ المحنة»!

 





🟥 خدعوك فقالوا: رسلان «شيخ المحنة»!

أيشبه الإمام أحمد بن حنبل… أم أحمد بن أبي دؤاد؟

ما زال بعض أتباع التيار الرسلاني يكررون مقولةً عجيبة، وهي وصف الشيخ محمد سعيد رسلان بأنه «شيخ المحنة»، في تشبيهٍ له بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وكأن الرجلين عاشا التجربة نفسها، ووقفا الموقف نفسه، وتحملّا التبعات نفسها.

لكن…

هل يصح هذا التشبيه أصلًا؟

إذا أردنا أن نقارن، فعلينا أن نقارن المواقف لا الألقاب، والوقائع لا الشعارات.


🔹 أولًا: ما كانت محنة الإمام أحمد؟

كانت محنة خلق القرآن من أشهر المحن في التاريخ الإسلامي.

وقد ثبت الإمام أحمد رحمه الله على ما يعتقده حقًا، ولم يغيّر موقفه تحت ضغط السلطة، رغم ما تعرض له من السجن والضرب والإيذاء.

ولم يكن موقفه متعلقًا بشخص الخليفة، ولا بحزب سياسي، ولا بخلاف شخصي مع أحد.

بل كان موقفًا علميًا عقديًا واضحًا:

القرآن كلام الله غير مخلوق.

وظل ثابتًا على ذلك، حتى انتهت المحنة، وانكشف بطلان القول الذي أُجبر العلماء على اعتناقه.

وهنا تحديدًا تكمن عظمة موقف الإمام أحمد:

أنه لم يجعل قربه من السلطة معيارًا للحق، ولم يجعل رضا الحاكم ميزانًا للحكم على العلماء.


🔹 ثانيًا: أين هي «المحنة» التي ثبت عليها رسلان؟

السؤال هنا ليس سبًّا ولا تشهيرًا، وإنما هو سؤال منطقي:

ما هي القضية التي دخل فيها رسلان محنةً مع السلطة، وثبت فيها حتى تحمل السجن والتعذيب والأذى، كما وقع للإمام أحمد؟

الإمام أحمد كان في مواجهة سلطةٍ تريد إلزام العلماء بموقف عقدي معين.

أما تشبيه رسلان به فيحتاج إلى إثبات أن هناك موقفًا مماثلًا من حيث طبيعة العلاقة بالسلطة، وحجم التضحية، ونوع القضية، والثبات عليها.

وإلا أصبح لقب «شيخ المحنة» مجرد شعارٍ يُرفع لإضفاء هالة تاريخية على شخصية معاصرة.


🔹 ثالثًا: الإمام أحمد لم يكن يزن الحق برضا الحاكم

من أعظم الفروق بين التجربتين أن الإمام أحمد لم يجعل مخالفة الحاكم جريمةً في ذاتها.

فقد ثبت على موقفه رغم أن السلطة كانت تضغط عليه لتغيير رأيه.

أما الخطاب الذي يُنسب إلى التيار الرسلاني في مسائل الحكام، فقد اشتهر بالتشديد الشديد في منع نقدهم، والتحذير من الكلام عليهم، واعتبار كثير من صور الاعتراض عليهم من أبواب الفتنة والخروج.

وهنا يظهر السؤال:

كيف يصح تشبيه من جعل طاعة الحاكم وحفظ مكانته محورًا في خطابه، بإمامٍ اشتهر بثباته أمام سلطةٍ كانت تضغط عليه لتغيير موقفه العلمي؟

المقارنة هنا لا تستقيم بمجرد إطلاق لقب «شيخ المحنة».


🔹 رابعًا: الإمام أحمد لم يجعل العلماء خصومًا لمجرد مخالفتهم

الإمام أحمد كان عالمًا من علماء الأمة، وكانت له مواقف علمية وفقهية، وكان الخلاف معه أو منه جزءًا من الحياة العلمية الطبيعية.

أما ظاهرة التوسع في التجريح والتبديع والتصنيف، وتحويل الخلاف بين الدعاة والعلماء إلى معارك في الولاء والبراء، فهي قضية أخرى تحتاج إلى نقد مستقل.

فالعالم الذي يحمل همَّ الأمة ينبغي أن يكون همه:

جمع الكلمة، وتقليل الخصومة، وحفظ مكانة العلماء، وفتح أبواب الاجتهاد والخلاف السائغ.

لا أن يصبح كل مخالف مشروعَ تصنيفٍ وتجريح.


🔹 خامسًا: والأغرب أن التشبيه يقود إلى شخصية أخرى!

إذا كان المقصود من تشبيه رسلان بالإمام أحمد أنه كان قريبًا من السلطة، وأنه يدافع عن موقفها، وأنه يواجه العلماء والدعاة المخالفين لها، فهنا تصبح المقارنة التاريخية أكثر إثارة للتأمل.

فبدل أن نبحث عن أوجه الشبه مع الإمام أحمد بن حنبل، قد يجد القارئ نفسه أمام صورة مختلفة تمامًا، وهي صورة أحمد بن أبي دؤاد، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بمحنة خلق القرآن.

وليس المقصود مساواة الرجلين في كل شيء، فهذا يحتاج إلى دليل مستقل، وإنما المقصود:

أن معيار المقارنة ينبغي أن يكون الموقف من السلطة والعلماء، لا مجرد ادعاء التعرض للمحنة.

فابن أبي دؤاد كان من الشخصيات التي ارتبط اسمها بالمحنة، وكان له نفوذ لدى السلطة، وشارك في توجيهها ضد مخالفيها من العلماء.

وهنا يصبح السؤال أكثر دقة:

من الذي يقف أمام السلطة دفاعًا عن استقلال العلماء؟ ومن الذي يقف مع السلطة في مواجهة العلماء؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن تُناقش.


🔹 سادسًا: الإمام أحمد لم يكن «شيخ المحنة» لأنه عُذِّب فقط

العبرة ليست في السجن وحده، ولا في الضرب وحده، ولا في إطلاق لقب «شيخ المحنة».

العبرة في:

لماذا عُذِّب؟

وماذا كان موقفه؟

وهل غيّر موقفه لإرضاء السلطة؟

وهل جعل قربه من الحاكم معيارًا للحكم على العلماء؟

هذه الأسئلة هي التي تحدد حقيقة التشابه أو الاختلاف.

فالإمام أحمد لم ترفع مكانته لأنه تعرض للأذى فحسب، وإنما لأنه ثبت على ما يراه حقًا، ولم يبع موقفه العلمي مقابل السلامة أو رضا السلطة.


🔥 الخلاصة

لا يكفي أن نقول:

«فلان شيخ المحنة»

ثم نضع إلى جواره اسم الإمام أحمد بن حنبل.

فالإمام أحمد ليس لقبًا يُستعار، ولا صورةً تاريخية تُستخدم لتجميل مواقف المعاصرين.

الإمام أحمد مدرسة في استقلال العالم عن السلطة، والثبات على الموقف العلمي، وتحمل تبعات الكلمة.

ومن أراد أن يشبه أحدًا بالإمام أحمد، فعليه أن يقارن:

المواقف بالمواقف،
والثبات بالثبات،
والعلاقة بالسلطة بالعلاقة بالسلطة،
والتعامل مع العلماء بالتعامل مع العلماء.

أما مجرد إطلاق لقب «شيخ المحنة»، فلا يصنع محنةً، كما أن تكرار التشبيه لا يصنع تشابهًا.

ولذلك نقول:

خدعوك فقالوا: رسلان «شيخ المحنة»!

فإذا كانت المقارنة بالإمام أحمد، فليُعرض علينا الموقف الذي يشبه موقف الإمام أحمد، لا مجرد اللقب.

والله يهدي الجميع إلى الحق والإنصاف.

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

🐭 رأى فأرًا… ثم أصابه العمى! اختزال علم الأمة في ثلاثة علماء جريمة!

 



🐭 رأى فأرًا… ثم أصابه العمى!

اختزال علم الأمة في ثلاثة علماء جريمة!

يُحكى أن رجلًا لم يعرف من عالم الحيوان إلا الفأر.

ثم أصابه العمى، فأصبح إذا سمع الناس يتحدثون عن حيوانٍ آخر، لم يجد في ذهنه إلا الفأر مقياسًا يقيس عليه كل شيء!

إذا قالوا: جمل، سأل:
أليس يشبه الفأر في كذا؟!

وإذا قالوا: غزال، قال:
أليس له ذيل؟!

وإذا تحدثوا عن النحل أو النمل، ظل يبحث عن أي صفة يمكن أن يربطها بالفأر!

فالمشكلة لم تكن في الجمل ولا في الغزال ولا في النحل…

المشكلة أنه لم يعرف إلا الفأر!

وهذه الحكاية تصلح مثالًا على ظاهرة موجودة عند بعض المتحمسين؛ حيث ضاق أفقهم عن التراث العلمي الواسع للأمة، حتى أصبحوا لا يكادون يعرفون من العلماء المعاصرين إلا:

ابن باز، وابن عثيمين، والألباني رحمهم الله.

ولا شك أن هؤلاء علماء لهم قدرهم، ولهم جهودهم واجتهاداتهم، ولا علاقة لهذا الكلام بانتقاصهم أو التقليل من شأنهم.

لكن السؤال:

هل يجوز أن يتحول ثلاثة علماء إلى ميزانٍ يُقاس به علماء الأمة جميعًا؟!

إذا ذُكر ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والطبري، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور في التفسير…

قيل:
هل وافقوا ابن باز وابن عثيمين والألباني؟!

وإذا ذُكر أبو الحسن الأشعري، والباقلاني، والقاضي عياض، والقشيري، والغزالي، والعز بن عبد السلام، والنووي، وابن عساكر، والسيوطي وغيرهم…

قيل:
هل وافقوا ابن باز وابن عثيمين والألباني؟!

وإذا ذُكر أئمة الحديث:

البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ويحيى بن معين، والدارقطني، وابن حجر، والعراقي، والمنّاوي وغيرهم…

عاد السؤال نفسه:

هل وافقوا ابن باز وابن عثيمين والألباني؟!

وإذا ذُكرت مدارس الفقه وأئمته:

أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وداود الظاهري، وابن حزم، وابن عبد البر، والنووي، وابن رشد وغيرهم…

فإن المعيار عند البعض يعود إلى السؤال نفسه:

هل قالوا ما قاله هؤلاء الثلاثة؟!

بل حتى في علوم اللغة والأدب والأصول والفكر والتاريخ، تجد أحيانًا أن أسماء القرون الطويلة من التراث تُستبعد أو تُهمّش لمجرد أنها لا تنتمي إلى المدرسة التي اعتاد الشخص القراءة من خلالها.

وهنا نقول:

⚠️ مهلاً!

هل بدأ العلم الإسلامي في القرن الأخير؟

هل كان علماء الأمة طوال القرون الماضية مجرد أسماء لا قيمة لها حتى نعرض أقوالهم جميعًا على آراء ثلاثة علماء معاصرين؟

وهل كل عالم لم يوافق هؤلاء الثلاثة يصبح جاهلًا، أو مبتدعًا، أو لا يُعتد بكلامه؟!

إن كان الأمر كذلك… فماذا بقي من تراث الأمة؟!

لقد عرفت الأمة الإسلامية خلال قرون طويلة مدارس متعددة في:

التفسير، والحديث، والفقه، وأصول الفقه، والعقيدة، واللغة، والتاريخ، والفلسفة، والتزكية وغيرها.

واختلف علماؤها، وتحاوروا، ورد بعضهم على بعض، واختار كل إمام ما ظهر له أنه أقرب إلى الدليل.

ولم يكن اختلافهم يعني أن أحدهم امتلك مفتاح العلم كله، ولا أن بقية الأمة أُخرجت من دائرة العلم.

📌 المشكلة ليست في أن تختار عالمًا…

من حقك أن تثق بعالم، وأن ترجح قولًا، وأن تتبع مدرسة فقهية أو منهجًا علميًا تراه أقرب إلى الصواب.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول:

الاختيار → إلى احتكار

والترجيح → إلى إلغاء

والاحترام → إلى تقديس

والمخالفة → إلى اتهام

فتصبح القاعدة عند البعض:

من وافق علمائي فهو عالم،
ومن خالفهم فليس بعالم!

وهذه ليست طريقة علمية في قراءة تراث أمة امتدت قرونًا.

🔎 العالم يُقرأ بدليله، لا بمجرد اسمه

ليس المطلوب أن نتخلى عن العلماء المعاصرين، ولا أن ننتقص من ابن باز أو ابن عثيمين أو الألباني رحمهم الله.

بل المطلوب أن نضعهم في مكانهم الطبيعي داخل سلسلة طويلة من علماء الأمة، لا أن نجعل السلسلة كلها تتوقف عندهم.

فهم علماء من علماء الأمة، وليسوا الأمة كلها.

والعلم لا يصبح حقًا لأن فلانًا قاله، ولا يصبح باطلًا لأن فلانًا لم يقله.

بل يُنظر في:

الدليل، وصحة الاستدلال، وفهم النص، وأقوال أهل العلم، وسياق المسألة، ومجموع الأدلة.

🐭 ولهذا تبقى الحكاية معبّرة:

رأى فأرًا… ثم أصابه العمى!

فلم يعد يرى الجمل جملًا، ولا الغزال غزالًا، ولا النحل نحلًا…

بل صار كل شيء عنده فأرًا!

وكذلك العلم:

إذا لم نقرأ إلا مدرسة واحدة، ثم جعلناها المقياس الوحيد لكل العلماء، فقد نعرف جزءًا من التراث ونظن أننا عرفنا التراث كله.

✨ خلاصة القول

علم الأمة أوسع من ثلاثة علماء،
والتراث الإسلامي أكبر من مدرسة واحدة،
والعلم لا يُختزل في أسماء معدودة.

احترم العلماء، واقرأ لهم، وانتفع بعلمهم…

لكن لا تجعل ثلاثة علماء ميزانًا لأربعة عشر قرنًا من العلم!

فمن عرف نافذة واحدة من بيتٍ واسع، لا يصح أن يزعم أنه رأى البيت كله.

السلفية المدخلية هل تركوا المذاهب ليردموا الخلاف… فإذا بالخلاف يتّسع؟

 

هل تركوا المذاهب ليردموا الخلاف… فإذا بالخلاف يتّسع؟

كبار العلماء اختلفوا في «السنة والبدعة»… فمن أين جاء الاحتكار؟

من المتفق عليه أن التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يجعل رأيه الشخصي تشريعًا ملزمًا للناس.

لكن هنا سؤال مهم:

إذا كان الحكم على فعلٍ ما بأنه «سنة» أو «بدعة» سيترتب عليه تبديع الناس وتخطئتهم وربما هجرهم، فهل أصبح هذا الحكم حكرًا على عدد محدود من العلماء، لا يُسمح بمخالفتهم؟

المشكلة تظهر بوضوح عندما نجد أن علماء الاتجاه نفسه قد اختلفوا في وصف بعض المسائل:

① تخصيص يوم الجمعة لزيارة القبور

نجد من العلماء من حكم عليه بالبدعة، بينما نُقل عن آخرين القول بمشروعيته.

② استعمال المسبحة في الذكر

فبينما شدّد بعض العلماء في إنكارها، أجازها آخرون، ومنهم من صرّح بأنها وسيلة مباحة للذكر.

③ افتتاح المحافل بقراءة القرآن

اختلفوا أيضًا في هذه المسألة؛ فمنهم من أنكر تخصيصها على هذه الهيئة، ومنهم من أجازها ولم ير فيها بدعة محرمة.

④ التمايل عند قراءة القرآن

لم يكن الحكم واحدًا عند الجميع؛ فهناك من أنكره وعدّه من المحدثات، بينما لم ير آخرون فيه ذلك الحكم المطلق.

⑤ احتفالات تكريم حفظة القرآن

حتى هذه الصورة من التكريم اختلفوا في وصفها؛ فبينما أنكرها بعضهم باعتبارها من المحدثات، أجازها آخرون باعتبارها من العادات ووسائل التشجيع على الخير.

⑥ تقبيل المصحف

اختلف العلماء في حكمه أيضًا؛ فمنهم من منعه لعدم ورود دليل خاص، ومنهم من أجازه باعتباره تعظيمًا للمصحف لا عبادة مستقلة.

⑦ اتخاذ المحاريب في المساجد

لم يكن الحكم فيها واحدًا؛ فمن العلماء من عدّها من المحدثات، بينما رأى آخرون أنها من الأمور الجائزة التي استقر عليها عمل المسلمين.

⑧ الخطوط الموجودة في فرش المساجد لضبط الصفوف

اختلفت عبارات العلماء في حكمها؛ فمنهم من أنكرها، ومنهم من أجازها باعتبارها وسيلة لتنظيم الصفوف وتحقيق مقصد شرعي.

⑨ التهنئة بالعام الهجري الجديد

كذلك اختلفت الفتاوى في هذه المسألة بين المنع والكراهة والجواز، مما يدل على أن المسألة ليست من القطعيات التي يصح جعل المخالف فيها مبتدعًا.

⑩ الحديث عن الهجرة في بداية العام

اختلفت طريقة العلماء في التعامل معها أيضًا: هل تُمنع باعتبار تخصيص وقت لم يخصصه الشرع، أم تُعد من باب التذكير بالسيرة والأحداث التاريخية؟


إذن… أين المشكلة؟

إذا كان الجميع يقول:

«نحن نرجع إلى الكتاب والسنة»

فهذا أمر حسن لا خلاف فيه.

لكن الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يعني أن كل من قال: "هذا بدعة" قد امتلك حكمًا قطعيًا لا يجوز مخالفته.

فالاختلاف في فهم النصوص، وفي دلالاتها، وفي تحقيق المناط، وفي التفريق بين العبادة والعادة، وبين المقصد والوسيلة، وبين التخصيص التعبدي والتخصيص التنظيمي؛ كل ذلك من أسباب اختلاف العلماء.

ولهذا وُجدت المذاهب الفقهية، وتعددت اجتهادات العلماء، ولم يكن اختلافهم في كل مسألة دليلًا على أن أحدهم ترك الكتاب والسنة.

بل السؤال الأهم:

إذا كان كبار العلماء أنفسهم قد اختلفوا في وصف أفعال معينة بأنها سنة أو بدعة

فكيف تحوّل بعض أتباع المدرسة المعاصرة هذا الوصف إلى معيار لتصنيف المسلمين وتبديعهم، وكأن الحكم في المسألة لا يحتمل إلا قولًا واحدًا؟

ثم إن الأخطر من الخلاف الفقهي هو تحويل الخلاف الاجتهادي إلى معركة تصنيف:

هذا مبتدع لأنه فعل ما أراه بدعة.
وهذا ضال لأنه لم يوافقني.
وهذا ليس من أهل السنة لأنه لم يأخذ بحكمي في المسألة.

وهنا يتحول الخلاف من خلاف فقهي قابل للنقاش إلى سلطة تصنيفية تملك مفاتيح «السنة» و«البدعة»!


السنة والبدعة ليستا بطاقة حزبية

ليس كل فعل لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا لمجرد أنه لم يفعله، كما أن وصف الفعل بالبدعة يحتاج إلى تحرير دقيق لنوع الفعل، وقصده، وصفته، ودليله، وهل هو عبادة مقصودة لذاتها أم وسيلة أو عادة أو تنظيمًا.

ولهذا كان العلماء يختلفون، ويتناقشون، ويرد بعضهم على بعض، من غير أن يجعلوا كل مخالف في مسائل الاجتهاد مبتدعًا خارجًا عن السنة.

فإذا كان الهدف من ترك المذاهب هو تقليل الخلاف والعودة إلى الدليل، فإن النتيجة ينبغي أن تكون:

مزيدًا من الإنصاف، وفهمًا أوسع للخلاف، واحترامًا للاجتهاد.

لا أن يتحول الأمر إلى:

مذهب غير معلن… ومجموعة محدودة من الأقوال التي يصبح مخالفتها سببًا للتبديع!

والخلاصة:

الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يلغي الاجتهاد، والاحتكام إلى الدليل لا يعني احتكار فهم الدليل، والاختلاف في مسائل السنة والبدعة لا يجعل أحد الطرفين بالضرورة مبتدعًا.

فإذا كان كبار العلماء قد اختلفوا في مسائل عديدة من هذا الباب، فالأولى أن نتعلم منهم أدب الخلاف وسعة الاجتهاد، لا أن نجعل الخلاف نفسه سببًا لتبديع المسلمين وتصنيفهم.

قصة وعبرة - يُحكى أن رجلاً لم يعرف من الحيوانات، والهوام، ودواب الأرض سوى "الفأر"، ثم كُفَّ بصره!

  






«حين يصبح "الفأر" مقياساً لكل شيء!» 🐁📖

 يُحكى أن رجلاً لم يعرف من الحيوانات، والهوام، ودواب الأرض سوى "الفأر"، ثم كُفَّ بصره!

فصار كلما تحدث الناس عن الجمل سألهم: ألا يشبه الفأر؟

وإذا تحدثوا عن الغزال قال: أليس له ذيل طويل كالفأر؟

وإذا ذكروا النحل سأل: أليس له أذنان صغيرتان كالفأر؟

باختصار.. الرجل بات لا يرى من عالمه الواسع سوى الفأر!

💡 ولله درّ الأمثال؛ فهذا حال بعض المتتطوعين للإفتاء والفكر اليوم:

لا يكاد الواحد منهم يعرف من بحور التراث الإسلامي الواسعة سوى أسماء محدودة (كابن باز، ابن عثيمين، الألباني، والفوزان -رحمهم الله جميعاً-)، فيقيس عليها كل شيء، وينكر ما سواها، كأن الدين اختزل في زاوية ضيقة!

  • حين يتحدث الناس عن عمالقة #التفسير (ابن عباس، مجاهد، الطبري، ابن كثير، القرطبي، الشعراوي، وغيرهم...)

    يأتي ليسأل: ألا يشبه هؤلاء ابن باز وابن عثيمين؟

  • حين يتحدث الناس عن أعلام #العقيدة والكلام (أبو الحسن الأشعري، القاضي عياض، الغزالي، النووي، العز بن عبد السلام، السيوطي...)

    يسأل بجهل: ألا يشبه هؤلاء فلان وفلان؟

  • حين يتحدث الناس عن حفاظ #الحديث الشريف (أبو هريرة، البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، الحافظ ابن حجر...)

    يعود ليسأل نفس السؤال التعسفي!

  • حين يتحدث الناس عن أساطين #الفقه والمذاهب (الأوزاعي، الليث بن سعد، سفيان الثوري، الإمام مالك، الشافعي، ابن حزم...)

    يُصرّ على قياسهم بمكياله الصغير!

  • حين يتحدث الناس عن أقطاب #اللغة والأدب (سيبويه، الزمخشري، الفراهيدي، الجرجاني...)

    يُخضعهم لنفس المعيار الأعور!

  • حين يتحدث الناس عن الفلاسفة والمفكرين والمصلحين المعاصرين (ابن رشد، ابن النفيس، محمد الغزالي، القرضاوي، البوطي، الددو، وغيرهم كثر...)

    يبقى سجين تلك الدائرة المغلقة، لا يرى أفقاً أوسع، ولا يعترف بغنى الأمة وتنوع مدارسها!

🌟 الخلاصة:

اتساع المعرفة ورحابة الفكر هما سمة العقل الحي. إن حصر الميراث الإسلامي الضخم في قالب واحد وفردي هو أشبه بصاحب القصة الذي أعمى بصره وبصيرته، فصارت الدنيا في عينه "فأراً" واحداً لا يُرى سواه!

فلا تكن كصاحب الفأر؛ فبساتين الفكر الإسلامي أرحب وأوسع بكثير مما تتخيل. 🌍📚

«حين يصبح "الفأر" مقياساً لكل شيء!» 🐁📖

 




«حين يصبح "الفأر" مقياساً لكل شيء!» 🐁📖

 يُحكى أن رجلاً لم يعرف من الحيوانات، والهوام، ودواب الأرض سوى "الفأر"، ثم كُفَّ بصره!

فصار كلما تحدث الناس عن الجمل سألهم: ألا يشبه الفأر؟

وإذا تحدثوا عن الغزال قال: أليس له ذيل طويل كالفأر؟

وإذا ذكروا النحل سأل: أليس له أذنان صغيرتان كالفأر؟

باختصار.. الرجل بات لا يرى من عالمه الواسع سوى الفأر!

💡 ولله درّ الأمثال؛ فهذا حال بعض المتتطوعين للإفتاء والفكر اليوم:

لا يكاد الواحد منهم يعرف من بحور التراث الإسلامي الواسعة سوى أسماء محدودة (كابن باز، ابن عثيمين، الألباني، والفوزان -رحمهم الله جميعاً-)، فيقيس عليها كل شيء، وينكر ما سواها، كأن الدين اختزل في زاوية ضيقة!

  • حين يتحدث الناس عن عمالقة #التفسير (ابن عباس، مجاهد، الطبري، ابن كثير، القرطبي، الشعراوي، وغيرهم...)

    يأتي ليسأل: ألا يشبه هؤلاء ابن باز وابن عثيمين؟

  • حين يتحدث الناس عن أعلام #العقيدة والكلام (أبو الحسن الأشعري، القاضي عياض، الغزالي، النووي، العز بن عبد السلام، السيوطي...)

    يسأل بجهل: ألا يشبه هؤلاء فلان وفلان؟

  • حين يتحدث الناس عن حفاظ #الحديث الشريف (أبو هريرة، البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، الحافظ ابن حجر...)

    يعود ليسأل نفس السؤال التعسفي!

  • حين يتحدث الناس عن أساطين #الفقه والمذاهب (الأوزاعي، الليث بن سعد، سفيان الثوري، الإمام مالك، الشافعي، ابن حزم...)

    يُصرّ على قياسهم بمكياله الصغير!

  • حين يتحدث الناس عن أقطاب #اللغة والأدب (سيبويه، الزمخشري، الفراهيدي، الجرجاني...)

    يُخضعهم لنفس المعيار الأعور!

  • حين يتحدث الناس عن الفلاسفة والمفكرين والمصلحين المعاصرين (ابن رشد، ابن النفيس، محمد الغزالي، القرضاوي، البوطي، الددو، وغيرهم كثر...)

    يبقى سجين تلك الدائرة المغلقة، لا يرى أفقاً أوسع، ولا يعترف بغنى الأمة وتنوع مدارسها!

🌟 الخلاصة:

اتساع المعرفة ورحابة الفكر هما سمة العقل الحي. إن حصر الميراث الإسلامي الضخم في قالب واحد وفردي هو أشبه بصاحب القصة الذي أعمى بصره وبصيرته، فصارت الدنيا في عينه "فأراً" واحداً لا يُرى سواه!

فلا تكن كصاحب الفأر؛ فبساتين الفكر الإسلامي أرحب وأوسع بكثير مما تتخيل. 🌍📚

غلاة التجريح والشيعة الروافض - حين يتحول الولاء إلى امتحان… والجرح إلى منهج!

 

غلاة التجريح والشيعة الروافض

حين يتحول الولاء إلى امتحان… والجرح إلى منهج!

ليس المقصود من هذه المقارنة القولَ بأن غلاة التجريح والشيعة متماثلون في العقائد والأحكام؛ فهذا غير صحيح.

وإنما المقصود التنبيه إلى تشابه بعض الأساليب والمنطلقات في التعامل مع المخالف؛ حين يتحول الولاء لشخص أو جماعة إلى اختبارٍ دائم، وحين يصبح الطعن في الآخرين معيارًا للانتماء، وحين يُحمَل الكلام المحتمل على أسوأ الوجوه، ثم تُبنى عليه أحكام قاسية.

ومن أبرز أوجه الشبه:


01 | البداية من الطعن في أهل الفضل

اشتهر الغلاة من الشيعة بالطعن في عدد كبير من الصحابة رضي الله عنهم، حتى صار الطعن في السابقين من أعلام الأمة جزءًا من منظومتهم العقدية عند طوائف منهم.

وفي المقابل، نجد عند بعض غلاة التجريح انتقالًا من الطعن في المتقدمين إلى الطعن في العلماء والدعاة المعاصرين، حتى أصبح الاشتغال بتتبع الأخطاء والتصنيف والتبديع شغلًا دائمًا.

فالاختلاف في الأشخاص لا ينبغي أن يتحول إلى منهج قائم على إسقاط أهل العلم والدعوة.


02 | حمل الكلام المحتمل على أسوأ المحامل

من الأساليب التي تُنتقد عند الغلاة: أخذ نص أو عبارة محتملة، ثم حملها على أسوأ معنى ممكن، وإغفال السياق والقرائن وبقية كلام المتكلم.

وهذا الأسلوب قد يظهر كذلك عند بعض غلاة التجريح؛ فتجد العبارة التي تحتمل أكثر من معنى تُفسَّر بالمعنى الذي يحقق الإدانة، ثم تُبنى عليها أحكام كبيرة.

والعدل يقتضي أن يُفسَّر كلام المسلم بأحسن ما يحتمل ما دام السياق يسمح بذلك، وألا يتحول الاشتباه إلى يقين، ولا الاحتمال إلى حكم.


03 | «كان صالحًا… لكن تلاميذه انحرفوا!»

من المقولات المشهورة في بعض الخطابات الطائفية تصورٌ مفاده أن الأصل كان صالحًا، ثم إن معظم من حوله انحرفوا بعده.

وهذا المعنى يمكن أن يظهر عند بعض غلاة التجريح في صورة أخرى:

الشيخ الكبير صالح وعالم جليل،
لكن معظم تلاميذه ومن أخذوا عنه قد انحرفوا،
ولم يبقَ على الطريق الصحيح إلا قلة قليلة!

وهنا ينبغي أن نتساءل:

هل يُقاس الحق بعدد الأشخاص الذين بقوا مع الشيخ أو فارقوه؟

أم أن الحق يُعرف بالدليل، ويُنظر في كل عالم أو داعية بما يقول ويفعل، دون تحويل الأشخاص إلى معسكرات مغلقة؟


04 | احتكار فهم القرآن والسنة

من أخطر مظاهر الغلو أن تتحول جماعة أو مدرسة أو مجموعة من الأشخاص إلى المرجع الوحيد لفهم الكتاب والسنة.

وهذا المعنى لا يختص بطائفة بعينها؛ فقد يقع فيه أي تيار إذا أصبح يقول ضمنيًا:

نحن الذين نفهم النصوص،
ونحن الذين نفهم العلماء،
ومن خالف فهمنا فقد خالف السنة!

ثم يتطور الأمر إلى مرحلة أخطر:

لا يكفي أن تقرأ كلام العالم بنفسك، بل لا بد أن تعرف أولًا ماذا قال «أئمتنا» في كلامه!

وهنا يتحول الاتباع من اتباع الدليل إلى اتباع قراءة الجماعة للدليل.


05 | الحكم على النيات وشق الصدور

وهذه من أخطر النقاط.

فالحكم على قول الإنسان أو فعله شيء، والحكم على نيته الباطنة شيء آخر.

قد يقول شخص قولًا خاطئًا، فنناقشه ونرد عليه.

وقد يقع في خطأ، فنبيّن خطأه.

لكن أن نقول:

  • قال ذلك لأنه يريد كذا.

  • فعل ذلك لأنه يخفي كذا.

  • أظهر السلفية وهو في الحقيقة صاحب بدعة.

  • لبس كذا ليعطي الناس انطباعًا معينًا.

  • استضاف فلانًا لأنه يريد تمرير فكرته.

فهنا ننتقل من نقد الظاهر إلى ادعاء معرفة الباطن.

وهذا باب خطير؛ لأن النيات لا يعلمها إلا الله، وما في القلوب ليس مجالًا للتخمينات والاتهامات.

ومن الأمثلة على ذلك أن يُحمَل كلام أحد المشايخ على معنى لم يقله، ثم يُحكم عليه بأنه قصد معنى معينًا، أو أن تُنقل عنه عبارة مبتورة، ثم يُبنى عليها حكم شديد.

والأشد من ذلك أن يصل الأمر إلى الجزم بما كان في قلب المتكلم أو السائل:

«لم يخطر بباله كذا…»

فمن أين عُرف ما خطر بباله وما لم يخطر؟

هل أصبحت القلوب كتابًا مفتوحًا لمن يريد إصدار الأحكام؟


06 | الحب لا يكفي… لا بد من البراءة من «الآخر»

في بعض الخطابات الطائفية لا يكفي أن تقول:

أنا أحب النبي ﷺ، وأحب عليًا رضي الله عنه.

بل يُطلب منك أن تثبت ولاءك أكثر:

تبرأ من أبي بكر وعمر!

وهذا الأسلوب يمكن أن يتكرر بصورة أخرى عند بعض غلاة التجريح:

قد تقول:

أنا أحب الشيخ الألباني رحمه الله، وأحترم علمه، وأنتفع بكلامه.

فيأتيك السؤال:

وماذا تقول في فلان وفلان من تلاميذه؟

فإن لم توافق على إسقاطهم أو تبديعهم أو الطعن فيهم، أصبحت أنت نفسك موضع اتهام.

وهنا يتحول الولاء من محبة واحترام إلى اختبار براءة واصطفاف.


07 | «من لم يطعن فيهم فهو منهم»

وهذه من أخطر صور الغلو.

في بعض البيئات الطائفية:

من لم يتبرأ من الشخص الذي نطعن فيه، فهو على ضلال.

وعند بعض غلاة التجريح تظهر صورة قريبة:

من لم يبدّع فلانًا، أو لم يحذر منه، أو لم يوافقنا في إسقاطه، فهو مبتدع أو متعاطف مع أهل البدع.

وهنا يصبح الإنسان مطالبًا لا بمجرد بيان موقفه العلمي، وإنما بالاشتراك في إسقاط الآخرين.

فتتحول المسألة من:

ما الدليل على خطأ فلان؟

إلى:

لماذا لم تطعن في فلان مثلنا؟!

وهذا فرق كبير.


08 | الاعتقاد أولًا… ثم البحث عن الأدلة

من أخطر الأخطاء المنهجية أن يبدأ الإنسان بالحكم، ثم يبحث بعد ذلك عن الأدلة التي تؤيده.

فيقرر أولًا:

فلان مبتدع.
فلان إخواني.
فلان متستر.
فلان منحرف.

ثم يبدأ في جمع المقاطع والعبارات والأخطاء التي يمكن توظيفها لإثبات الحكم السابق.

والمنهج العلمي الصحيح ينبغي أن يكون بالعكس:

ننظر في الأدلة أولًا، ونفهم الكلام في سياقه، ونجمع القرائن، ثم نصل إلى الحكم.

وقد نبّه ابن القيم رحمه الله إلى خطر أن يعتقد الإنسان الحكم أولًا ثم يستدل له؛ لأن ذلك من مسالك الهوى.


الخلاصة

المشكلة ليست في أن نختلف مع عالم أو داعية.

وليست المشكلة في أن نرد على خطأ أو نحذر من منهج نراه منحرفًا.

إنما المشكلة حين يتحول النقد إلى صناعة، والتجريح إلى هوية، والتبديع إلى معيار للولاء، والاختلاف العلمي إلى امتحان للأشخاص.

عندها يصبح المطلوب من المسلم ليس أن يعرف الدليل، وإنما أن يعرف:

من نطعن فيه؟
ومن نمدحه؟
ومن يجب أن نحذر منه؟
ومن يجب أن نتبرأ منه؟

وهنا يفقد النقد وظيفته العلمية، ويتحول إلى منظومة للفرز والإقصاء.

والواجب على طالب العلم أن يتعلم العدل مع الموافق والمخالف، وأن يفرق بين الخطأ والانحراف، وبين نقد القول والحكم على صاحبه، وبين الحكم على الظاهر والدخول في النيات.

فليس كل من أخطأ مبتدعًا،
وليس كل من خالفنا ضالًا،
وليس كل من لم يوافقنا في الحكم على شخص صار من أتباعه.

والحق لا يحتاج إلى شق الصدور، ولا إلى تصفية الحسابات، ولا إلى امتحان الناس في الأشخاص؛ وإنما يحتاج إلى علمٍ ودليلٍ وعدل.

نسأل الله أن يهدي من اغتر بالغلو في التجريح، وأن يرزقنا جميعًا الإنصاف، والعدل، وحسن الظن، واتباع الحق حيث كان.

تسوية الصفوف ليست بإلصاق الكعوب!

 


تسوية الصفوف ليست بإلصاق الكعوب!

الشيخ بكر أبو زيد يردّ على التكلّف في تطبيق السنة

من المسائل التي كثر فيها التكلّف في تطبيق سنة تسوية الصفوف: ما يفعله بعض المصلين من ملاحقة من بجانبه، وإلصاق الكعب بالكعب بصورة متكررة، حتى يلتوي بقدمه ويغيّر موضع وقوفه، ظنًّا منه أن هذا هو المقصود من السنة.

واللافت أن الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، عضو هيئة كبار العلماء سابقًا، تناول هذه المسألة بوضوح في رسالته:

«لا جديد في أحكام الصلاة»

وبيّن أن هذه الهيئة الزائدة في إلصاق الكعب بالكعب ليست هي المقصودة من تسوية الصفوف، فقال:

«وهذه هيئة زائدة على الوارد، فيها إيغال في تطبيق السنة... وتكلّف ظاهر، وفهم مستحدث فيه غلو في تطبيق السنة، وتضييق ومضايقة، واشتغال بما لم يُشرع».

ثم يوضح الشيخ أن المطلوب في الصف هو:

تقويم الصف، وسد الفُرج، والتراص، والمحاذاة، وإتمام الصف الأول فالأول.

أما أن يلاحق المصلي جاره بقدمه، ويلوي عقبه حتى يلتصق كعبه بكعبه، فهذا – كما يقرر الشيخ – ليس هو المقصود من السنة.


فماذا تعني المحاذاة إذن؟

يقول الشيخ بكر أبو زيد إن النبي ﷺ لما أمر بالمحاذاة بين المناكب والأكعب، ورد كذلك الأمر بالمحاذاة بين الأعناق.

فهل المقصود أن تتحول هذه النصوص إلى إلصاق حرفي دائم بين كل جزء من أجزاء الجسم؟

يجيب الشيخ بوضوح:

لا.

فإلصاق العنق بالعنق مستحيل، وإلصاق الركبة بالركبة متعذر، وإلصاق الكعب بالكعب على الصورة التي يتكلفها بعض الناس يؤدي إلى الحركة والمضايقة والانشغال عن مقصود الصلاة.

والمقصود من هذه الألفاظ – كما يقرر – هو:

إقامة الصف، والموازاة، والمسامتة، وسد الخلل، واستقامة الصف من غير عوج ولا فُرج.

وهذا هو المقصود الذي تتحقق به سنة تسوية الصفوف.


وهذا تؤيده عبارة الحافظ ابن حجر

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في بيان معنى تسوية الصفوف:

«والمراد بتسوية الصفوف: اعتدال القائمين فيها على سمت واحد، أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف».

وهذا المعنى تؤيده الأحاديث الواردة في تسوية الصفوف.

فقد قال النعمان بن بشير رضي الله عنه:

«كان النبي ﷺ يسوينا في الصفوف كما يُقوَّم القدح، حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه وفقهنا، أقبل ذات يوم بوجهه، فإذا رجل مُنتبذ بصدره، فقال: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».

فتأمل التعبير:

«يسوينا في الصفوف»

ثم قال:

«لتسون صفوفكم»

فالحديث يتحدث عن استقامة الصف وانتظامه وسد خلله، لا عن تحويل إلصاق الكعوب إلى مقصود مستقل بذاته.


لكن ماذا عن قول البخاري: «إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم»؟

قد يقول قائل:

إذا كان البخاري رحمه الله قد بوّب:

«باب إلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم في الصف»

فكيف يقال إن الإلصاق ليس مقصودًا؟

الجواب أن الحافظ ابن حجر نفسه حمل ذلك على المبالغة في تعديل الصف وسد خلله، لا على أن يبقى المصلون في كل قيام يبحث كل واحد منهم عن كعب جاره ليلصقه بكعبه.

ويؤكد ذلك ما جاء في رواية النعمان بن بشير رضي الله عنه:

«فرأيت الرجل يُلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه».

فإذا أخذنا اللفظ على ظاهره الحرفي في كل موضع، للزم إلصاق الركبة بالركبة على نحو دائم، وهذا متعذر عمليًا.

فدلّ ذلك على أن المقصود هو:

المبالغة في تسوية الصف، وسد الخلل، وتحقيق المحاذاة والاستقامة.


السنة لا تحتاج إلى تكلّف

المشكلة ليست في الحرص على السنة؛ فالحرص على السنة أمر محمود.

وإنما المشكلة حين يتحول الحرص على السنة إلى هيئة لم يقصدها الشارع، فينشغل المصلي بقدم جاره أكثر من انشغاله باستقامة صلاته، ويتحول الوقوف في الصف إلى ملاحقة للأقدام والكعاب.

فالسنة في تسوية الصفوف هي:

الاستقامة، والمحاذاة، والتراص، وسد الفُرج، وإتمام الصفوف، وعدم ترك الخلل بينها.

أما التكلف، والملاحقة، وليّ القدم، ومضايقة المصلين بحجة تحقيق الإلصاق الحرفي، فليس هو المقصود من السنة.

الخلاصة

تسوية الصفوف عبادة، لكن فهم العبادة لا يكون بالتكلف، وإنما بفهم النصوص كما فهمها أهل العلم.

فالغاية هي صف مستقيم متراص متصل بلا خلل ولا فرج، وليس أن يتحول الكعب إلى محور الحركة في كل قيام.

السنة: أن تستقيم في صفك… لا أن تنشغل بكعب جارك!

فقه تسوية الصفوف: الفرق بين السنة الثابتة والتكلف المحدث

 


  • فقه تسوية الصفوف: الفرق بين السنة الثابتة والتكلف المحدث


  • 📌 حقيقة "إلصاق الكعب بالكعب" في الصلاة.. تحقيق علمي دقيق للعلامة بكر أبو زيد

    كثيرًا ما نرى في صلاة الجماعة من يبالغ في إلصاق قدمه بقدم جاره وليّ عقبه بشدة، فما هو الحكم الشرعي والفهم الصحيح لتسوية الصفوف؟

    في رسالته القيمة "لا جديد في أحكام الصلاة"، يوضّح عضو هيئة كبار العلماء الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله) حقيقة هذه المسألة بأسلوب علمي رصين:

    🔹 ما هي الهيئة المحدثة؟ ما يفعله بعض المصلين من ملاحقة من على يمينه أو يساره، وليّ العقبين ليلصق كعبَه بكعب جاره، فهذه هيئة زائدة فيها إيغال وتكلف ظاهر وفهم مستحدث لم يشرعه النبي ﷺ.

    🔹 الوجه الأول للبطلان (فقه المصافة):

    • المصافة الحقيقية تبدأ من الإمام؛ فيتراص المصلون ذات اليسار (أو اليمين حسب الصف) على سمت واحد في تقويم الصف وسد الفُرَج بالمحاذاة العامة للعنق، والمنكب، والكعب.

    • أما ملاحقة الجار بالقدم وليّ القدم حتى يتم الإلصاق، فهو غلط بيّن، وتضييق على المصلين، وتفويت لتوجيه رؤوس الأقدام إلى القبلة، واقتطاع لمحل قدم الغير بغير حق.

    🔹 الوجه الثاني (دلالة ألفاظ السنة):

    • أمر النبي ﷺ بالمحاذاة بين (المناكب والأكعب والأعناق)، والمقصود بذلك هو المسامتة وسد الخلل واستقامة الصف بلا عوج، وليس حقيقة "الإلصاق المادي المستحيل" (كإلصاق العنق بالعنق أو الركبة بالركبة في كل قيام).

    • نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله أن المراد بالترجمة في صحيح البخاري هو المبالغة في تعديل الصف وسد خلله لا التكلف الدائم.

    • قال الخطابي رحمه الله في صفة لين المناكب: (معناه لزوم السكينة والطمأنينة في الصلاة، لا يلتفت ولا يُحاشر منكبُه منكبَ صاحبه).

    💡 خلاصة الفهم النبوي: تسوية الصفوف تعني الاستقامة، واعتدال القائمين على سمت واحد، وسد الفرج والخلل، تماماً كما كان النبي ﷺ يسوي الصفوف كقوم القِدْح، بعيداً عن التعذر والتكلف والمعاناة والاشتغال بما لم يُشرع.

    #فقه_الصلاة #تسوية_الصفوف #السنة_النبوية #فوائد_فقهية

  • الأحد، 20 سبتمبر 2026

    هل «كل حاكم ولي أمر»… وهل «ربيع من أهل الحق»… وهل «كل من لم يُبدِّع المبتدع فإنه مبتدع»؟

     

    هل «كل حاكم ولي أمر»… وهل «ربيع من أهل الحق»… وهل «كل من لم يُبدِّع المبتدع فإنه مبتدع»؟

    أين الدليل؟

    من أبرز الإشكالات في بعض الخطابات الجدلية المعاصرة أنها لا تبدأ بإثبات المقدمة، وإنما تبدأ بافتراضها، ثم تبني عليها سلسلة من الأحكام، ثم تجعل مخالفة تلك الأحكام دليلًا على ضلال المخالف!

    والقاعدة البسيطة في كل حوار علمي:

    إذا كانت المقدمة محل نزاع، فلا يجوز أن تجعلها دليلًا على النتيجة، بل يجب أن تثبتها أولًا.

    ومن هنا تبرز ثلاثة أسئلة أساسية:

    هل كل حاكم مسلم هو بالضرورة «ولي أمر شرعي»؟

    وهل مجرد تصنيف ربيع المدخلي في «أهل الحق» يجعله حَكَمًا على المخالفين؟

    وهل كل من لم يُبدِّع من وُصف بأنه مبتدع يصبح مبتدعًا بمجرد ذلك؟

    لننظر في هذه المقدمات واحدةً واحدة.


    أولًا: هل «كل حاكم ولي أمر»؟

    من أكثر المقدمات التي تُبنى عليها أحكام شديدة في الخطاب المدخلي:

    «كل حاكم مسلم هو ولي أمر، ومن طعن فيه فقد طعن في ولي الأمر، ومن طعن في ولي الأمر فهو من الخوارج.»

    لكن قبل الانتقال إلى هذه النتيجة، هناك سؤال سابق:

    ما الدليل على أن كل حاكم مسلم هو «ولي أمر شرعي» بالمعنى الفقهي الذي تترتب عليه أحكام ولي الأمر؟

    فهنا يجب التفريق بين أمرين:

    وجود الحاكم واقعًا، وبين ثبوت جميع الأحكام الشرعية المتعلقة بولاية الأمر عليه.

    فقد يكون الإنسان حاكمًا بالفعل بحكم الواقع السياسي والقانوني، لكن هذا لا يعني أن كل الأحكام الفقهية المتعلقة بالإمامة العظمى تنطبق عليه تلقائيًا دون بحث في شروطها وصورها وأحوالها.

    ولهذا لا يصح أن يبدأ النقاش من:

    «هذا ولي أمر»

    ثم يُقال للخصم:

    «إذن أنت خارجي لأنك خالفته.»

    بل يجب أن يكون النقاش أولًا:

    ما المقصود بولي الأمر؟ وما شروط ثبوت هذه الولاية؟ وما الأحكام التي تترتب عليها؟ وهل تنطبق هذه الشروط على الصورة محل البحث؟

    هذه الأسئلة لا يجوز تجاوزها بالقفز إلى النتيجة.

    كما أن الجمع بين النصوص الواردة في السمع والطاعة، والنصوص المتعلقة بالحكم بكتاب الله، والنصوص المتعلقة بالكفر البواح، يحتاج إلى جمعٍ بين الأدلة وفهم سياقاتها ودلالاتها، لا إلى جعل حديث واحد مفتاحًا لإلغاء بقية النصوص.

    فالنقاش العلمي ليس في مجرد رفع شعار:

    «السمع والطاعة لولي الأمر»

    بل في تحديد:

    من هو ولي الأمر شرعًا؟ وما حدود الطاعة؟ وما الفرق بين توصيف الواقع السياسي وبين الحكم الفقهي على ذلك الواقع؟


    ثانيًا: هل «ربيع من أهل الحق»؟

    المقدمة الثانية التي تتكرر في بعض المناقشات:

    «ربيع المدخلي من أهل الحق، ومن طعن فيه فقد طعن في أهل الحق، ومن طعن في أهل الحق فهو مبتدع أو منحرف.»

    وهنا نعود إلى القاعدة نفسها:

    هل ثبوت كون ربيع من «أهل الحق» هو أمر متفق عليه بين جميع الخصوم؟

    بالطبع لا.

    فالخصم الذي ينتقد ربيعًا ينازع أصلًا في هذا التصنيف.

    فإذا قلت له:

    «أنت مخطئ لأنك طعنت في ربيع، وربيع من أهل الحق»

    فأنت لم تقدم له دليلًا على صحة موقفك، بل كررت المقدمة التي ينازعك فيها.

    وهذا من صور المصادرة على المطلوب.

    فالطريقة العلمية هي أن تناقش كلام ربيع نفسه:

    هل الدليل الذي استند إليه صحيح؟

    هل النص الذي نقله ثابت؟

    هل فهمه للنص صحيح؟

    هل حكمه على الشخص الآخر قائم على بينة؟

    هل النتيجة التي وصل إليها لازمة من مقدماته؟

    أما مجرد القول:

    «لا يجوز الطعن في ربيع لأنه من أهل الحق»

    فهذا لا يحسم النزاع؛ لأن كونه من أهل الحق هو نفسه جزء من النزاع.

    ومن هنا لا يصح أن يتحول تصنيف شخص عند جماعة معينة إلى قاعدة يُحاكم بها جميع المخالفين.


    ثالثًا: هل «كل من لم يُبدِّع المبتدع فهو مبتدع»؟

    وهذه من أكثر القواعد التي تحتاج إلى تفصيل.

    قد يقول أحدهم:

    «فلان يثني على فلان المبتدع، ومن لم يُبدِّع المبتدع فهو مبتدع.»

    لكن قبل إصدار الحكم، هناك سلسلة من الأسئلة التي لا بد من الإجابة عنها:

    1 ـ هل ثبت أصلًا أن الشخص الأول «مبتدع»؟

    فقد يكون الحكم نفسه محل خلاف.

    ولا يجوز أن تبدأ بعبارة:

    «هذا مبتدع»

    ثم تجعل هذا الحكم دليلًا على صحة بقية الأحكام.

    2 ـ هل ثبتت نسبة القول أو الفعل إليه؟

    لا يكفي أن يُقال:

    «فلان قال كذا.»

    بل لا بد من إثبات النص، وصحة نسبته، وفهمه في سياقه.

    3 ـ هل الكلام المنقول بدعة فعلًا؟

    فليس كل خطأ بدعة، وليس كل مخالفة في مسألة علمية موجبة لإسقاط الشخص.

    4 ـ هل الشخص الذي أثنى عليه يعلم حقيقة المخالفة؟

    فقد يثني الإنسان على عالم أو داعية في جوانب معينة، دون أن يكون موافقًا له في كل مسائله.

    5 ـ هل كل ثناء يعني التزكية المطلقة؟

    وهذه نقطة مهمة؛ فالإنسان قد يثني على شخص في علمه أو خلقه أو موقف من المواقف، ولا يعني ذلك أنه يوافقه في جميع آرائه.

    6 ـ وهل يلزم من الخطأ أو المخالفة الحكم بالبدعة؟

    هذه مسألة أخرى تحتاج إلى دليل مستقل.

    فلا يصح أن تتحول المسألة إلى سلسلة هكذا:

    فلان مبتدع → فلان أثنى عليه → إذن فلان موافق له → إذن هو مبتدع.

    كل حلقة من هذه السلسلة تحتاج إلى إثبات.


    وماذا عن نسبة الأقوال إلى سيد قطب؟

    ومن الأمثلة التي تكشف خطورة هذه الطريقة في التعامل مع النصوص، ما يُقال أحيانًا في نسبة القول بخلق القرآن إلى سيد قطب.

    فالمنهج الصحيح لا يبدأ بالحكم:

    «سيد قطب يقول بخلق القرآن.»

    ثم يبحث بعد ذلك عن عبارة يمكن حملها على هذا المعنى.

    بل يبدأ بالسؤال:

    هل قال سيد قطب فعلًا إن القرآن مخلوق؟

    فإن لم تثبت هذه النسبة نصًا، فلا يجوز أن تُبنى عليها أحكام عقدية كبيرة.

    ثم ننتقل إلى السؤال الثاني:

    ما النص الذي استندوا إليه؟

    ثم:

    ما سياقه؟

    ثم:

    ما معنى الألفاظ التي استخدمها؟

    ثم:

    هل هذا المعنى هو بالفعل قول القائلين بخلق القرآن؟

    ثم:

    هل توجد نصوص أخرى من كلامه تفسر مراده؟

    هذه هي الطريقة التي ينبغي أن نتعامل بها مع النصوص.

    فالخلاف لا يُحسم باقتطاع عبارة، ثم تحميلها معنى اصطلاحيًا لم يرده صاحبها.


    لا بد من التفريق بين «النقد» و«التبديع»

    حتى لو ثبت أن عالمًا أو داعية أخطأ في مسألة، فلا يعني ذلك تلقائيًا أنه أصبح مبتدعًا.

    فالبشر يخطئون، والعلماء يخطئون، والاختلاف في بعض المسائل لا يعني بالضرورة سقوط العدالة أو إسقاط الشخص كله.

    ولهذا يجب التفريق بين:

    الخطأ

    والمخالفة

    والقول الشاذ

    والبدعة

    والتبديع

    والإسقاط الكامل للشخص.

    فهذه ليست مرحلة واحدة، ولا يصح الانتقال من الأولى إلى الأخيرة بلا أدلة وضوابط.


    والمشكلة الأكبر: حين يتحول الحكم إلى قاعدة عامة

    إذا قال شخص:

    «ربيع حكم على فلان بأنه مبتدع، إذن هو مبتدع.»

    قلنا:

    أثبت أولًا صحة حكم ربيع.

    وإذا قال:

    «فلان أثنى على مبتدع، إذن هو مبتدع.»

    قلنا:

    أثبت أولًا أن الشخص الذي أثنى عليه مبتدع، ثم أثبت أن الثناء عليه يعني الموافقة على بدعته، ثم أثبت أن ذلك يستوجب الحكم على المثني عليه.

    وإذا قال:

    «هذا الحاكم ولي أمر، ومن خالفه خارجي.»

    قلنا:

    أثبت أولًا أن هذا الحاكم هو ولي الأمر الشرعي بالمعنى الذي تترتب عليه هذه الأحكام.

    هذه ليست مراوغة في الحوار.

    بل هي أبسط قواعد الاستدلال:

    كل نتيجة تحتاج إلى مقدماتها، وكل مقدمة محل نزاع تحتاج إلى دليل.


    الخلاصة

    ليس الاعتراض على الأشخاص هو القضية الأساسية.

    القضية هي:

    كيف نصل إلى الحكم؟

    فإذا قيل:

    «كل حاكم ولي أمر»

    فالسؤال:

    أين الدليل على هذا الإطلاق؟

    وإذا قيل:

    «ربيع من أهل الحق»

    فالسؤال:

    هل هذا محل اتفاق أم أنه أصل النزاع؟

    وإذا قيل:

    «كل من لم يُبدِّع المبتدع فهو مبتدع»

    فالسؤال:

    هل ثبتت بدعة الأول؟ وهل ثبتت دلالة الثناء عليه؟ وهل ثبت لزوم التبديع من ذلك؟

    وهنا تظهر القاعدة التي ينبغي أن تحكم كل نقاش:

    لا تُلزم خصمك بمقدمة لم يسلّم بها… بل أثبتها أولًا.

    فإذا ثبتت المقدمة، انتقلنا إلى النتيجة.

    أما أن تكون المقدمة هي محل النزاع، ثم تجعلها دليلًا على خطأ المخالف، فذلك ليس برهانًا، وإنما هو مصادرة على المطلوب.

    قبل أن تقول: «أنت مبتدع»… أثبت أولًا المقدمة التي بنيت عليها حكمك.

    فأين الدليل؟

    مغالطة المداخلة الكبرى: يفرضون المقدمة أولًا… ثم يحاكمونك بالنتيجة!

     



    مغالطة المداخلة الكبرى:

    يفرضون المقدمة أولًا… ثم يحاكمونك بالنتيجة!

    من أكثر المغالطات شيوعًا في الخطاب المدخلي أن يبدأ النقاش من مقدمة لم يثبتوها أصلًا، ثم يبنوا عليها أحكامًا كبيرة، فإذا رفض الخصم المقدمة نفسها، عاملوه وكأنه ملزم بالنتيجة التي ترتبت عليها!

    وهنا يجب أن ننتبه إلى قاعدة بسيطة في كل حوار علمي:

    لا يجوز أن تُلزم خصمك بنتيجة مبنية على مقدمة لا يسلّم بها، إلا بعد أن تثبت له صحة تلك المقدمة.

    فالمشكلة ليست دائمًا في النتيجة وحدها، وإنما في الطريق الذي أوصل إليها.


    ① وليست كل مقدمة مدخلية حقيقةً مسلَّمة

    من أمثلة ذلك قولهم:

    «كل حاكم مسلم هو ولي أمر شرعي، ومن طعن فيه فقد طعن في ولي الأمر، ومن طعن في ولي الأمر فهو خارجي.»

    لكن السؤال الذي يسبق كل ذلك:

    هل ثبت أصلًا أن كل حاكم مسلم هو ولي أمر شرعي بالمعنى الذي يريدونه؟

    فإن كان الخصم لا يسلّم بهذه المقدمة، فلا معنى لأن تقول له:

    «أنت طعنت في ولي الأمر!»

    لأنك لم تثبت له أولًا أن الشخص الذي تتحدث عنه ولي أمر شرعي بالمعنى محل النزاع.

    وهنا يتحول النقاش من بحث الدليل إلى مجرد مصادرة على المطلوب.

    كما أن الجمع بين النصوص المتعلقة بالحكم والإمارة يحتاج إلى دراسة أصولية دقيقة، لا إلى مجرد انتزاع جملة من حديث وإسقاطها على كل صورة دون النظر في بقية النصوص ودلالاتها وشروطها ومناطاتها.

    ولهذا فالقضية ليست:

    «هل نطيع ولي الأمر أم لا؟»

    بل قبل ذلك:

    «من هو ولي الأمر شرعًا؟ وما شروط هذا الوصف؟ وما حدود الأحكام المترتبة عليه؟»

    وهذا بحث مستقل لا يجوز حسمه بمجرد إطلاق اللقب.


    ② «ربيع المدخلي من أهل الحق» ليست حجة على من لا يسلّم بذلك

    ومن الأمثلة الأخرى:

    يقال للخصم:

    «من طعن في ربيع المدخلي فقد طعن في عالم من أهل الأثر، ومن طعن في أهل الأثر فهو من أهل البدع!»

    لكن هنا وقعنا في الدائرة نفسها:

    هل ثبت أولًا أن ربيع المدخلي هو من أهل الحق الذين يحرم الطعن فيهم بهذا الإطلاق؟

    الخصم أصلًا ينازع في هذه المقدمة.

    فلا يصح أن تقول له:

    «أنت مخطئ لأنك طعنت في ربيع، وربيع من أهل الحق.»

    ثم تجعل طعنه في ربيع دليلًا على خطئه!

    لأنك استخدمت محل النزاع نفسه دليلًا على صحة النتيجة.

    وهذه صورة من المصادرة على المطلوب.

    والمنهج العلمي يقتضي أن تناقش كلام الرجل:

    هل قوله صحيح أم خطأ؟

    هل دليله صحيح أم فاسد؟

    هل نسب إليه الكلام أصلًا؟

    هل فهم كلامه في سياقه أم اقتُطع من موضعه؟

    أما مجرد القول:

    «هذا طعن في ربيع»

    فليس برهانًا على بطلان الطعن.


    ③ «فلان لم يبدّع من بدّعه ربيع» لا تكفي وحدها لتبديعه

    ومن أكثر القواعد التي تتكرر في هذا الباب:

    «فلان يثني على مبتدع، ومن لم يبدّع المبتدع فهو مبتدع.»

    لكن هذه القاعدة نفسها مبنية على مقدمات تحتاج إلى إثبات:

    أولًا: هل الشخص الذي وُصف بأنه «مبتدع» ثبتت بدعته أصلًا؟

    ثانيًا: هل ثبتت صحة الحكم الذي صدر فيه؟

    ثالثًا: هل ثبت أن الناقد الذي أصدر الحكم أهلٌ لهذا الحكم؟

    رابعًا: هل ثبت أن الشخص الآخر كان يعلم حقيقة حال من أثنى عليه؟

    خامسًا: هل كل ثناء على شخص يعني الموافقة على جميع أفكاره ومناهجه؟

    سادسًا: هل كل خطأ أو مخالفة تستوجب إسقاط الشخص وتبديعه؟

    هذه أسئلة لا يمكن تجاوزها بالقفز مباشرة إلى النتيجة.


    قبل أن تحكم على شخص… أثبت سلسلة الاستدلال كاملة

    عندما يراد تبديع شخص أو إسقاطه، فهناك مراحل لا بد من المرور بها:

    ① إثبات نسبة القول إليه.

    فلا يكفي أن تقول:

    «فلان قال كذا.»

    بل يجب أن تأتي بالنص الصحيح، وتثبت صحة نسبته إليه.

    ② فهم الكلام في سياقه.

    فقد يكون اللفظ محتملًا، أو يكون المراد منه غير ما فهمه الناقد.

    ③ إثبات أن المعنى المقصود خطأ أو بدعة.

    فليس كل ما خالف فهم الناقد يكون بدعة.

    ④ إثبات أن الخطأ مؤثر في الحكم على الشخص.

    فالناس يخطئون، والعلماء يخطئون، وليس كل خطأ يساوي سقوط صاحبه.

    ⑤ التفريق بين الخطأ والتبديع.

    فقد يخطئ العالم في مسألة، ولا يلزم من ذلك أن يصبح مبتدعًا.

    ⑥ مراعاة التناقض في المعيار.

    فإذا كان الخطأ نفسه موجودًا عند من يصدر الحكم، فلا بد من بيان سبب اختلاف الحكم في الحالتين.

    ⑦ ثم بعد ذلك كله يأتي الحكم على الشخص.

    أما القفز من:

    «فلان أخطأ»

    إلى:

    «فلان مبتدع»

    ثم إلى:

    «كل من أثنى عليه مبتدع»

    ثم إلى:

    «كل من لم يبدعه فهو مبتدع»

    فهذا ليس استدلالًا بسيطًا، بل سلسلة من النتائج تحتاج كل حلقة فيها إلى دليل مستقل.


    ومثال سيد قطب يكشف المشكلة بوضوح

    من أشهر ما يتكرر في هذا الباب اتهام سيد قطب بأنه يقول بخلق القرآن بناءً على عبارات تُفهم خارج سياقها.

    وهنا يجب أن يكون السؤال الأول:

    هل قال سيد قطب فعلًا: «القرآن مخلوق»؟

    فإن لم يقلها بهذا اللفظ، فلا يجوز أن ننسب إليه هذا القول لمجرد تفسيرنا لعبارة وردت في سياق معين.

    ثم يأتي السؤال الثاني:

    ما معنى العبارة في سياقها الكامل؟

    ثم السؤال الثالث:

    هل هذا المعنى هو فعلًا القول بخلق القرآن عند من قال به؟

    ثم السؤال الرابع:

    هل السياق الذي وردت فيه العبارة يؤيد هذا الفهم أم ينقضه؟

    هذه هي الطريقة العلمية في التعامل مع النصوص.

    فلا يكفي أن نأخذ كلمة، ثم نبني عليها عقيدة كاملة، ثم نبني على تلك العقيدة حكمًا على صاحبها.


    القاعدة الذهبية في كل مناظرة

    إذا أردت أن تحاكم شخصًا إلى قاعدة معينة، فاسأله أولًا:

    هل تسلّم بهذه القاعدة؟

    فإن قال: نعم، انتقل النقاش إلى تطبيقها.

    وإن قال: لا، فلا يجوز أن تبدأ بمحاسبته على النتيجة المترتبة عليها، بل يجب أن تعود خطوة إلى الوراء:

    أثبت صحة القاعدة أولًا.

    وهذا هو الفرق بين الحوار العلمي والإلزام الحزبي.

    الحوار العلمي يقول:

    هذه مقدمتنا، وهذا دليل صحتها، وهذه النتيجة المترتبة عليها.

    أما الإلزام الحزبي فيقول:

    نحن نؤمن بهذه المقدمة، ولذلك يجب عليك أن تقبل نتيجتها، ومن رفضها فهو مخالف أو مبتدع!

    والفرق بين المنهجين كبير.


    الخلاصة

    ليست المشكلة في أن يختلف الناس في تقييم ربيع المدخلي، أو غيره من العلماء والدعاة.

    فالاختلاف في تقييم الأشخاص أمر لا يُحسم بالألقاب، وإنما بالدليل والنص والتحقيق والمقارنة.

    لكن المشكلة حين تتحول أحكام جماعة على الأشخاص إلى مقدمات مقدسة، ثم يُطلب من الخصم أن يقبلها أولًا حتى يمكن بعد ذلك محاكمته إليها.

    ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح دائمًا:

    أثبت المقدمة أولًا… ثم طالبني بالنتيجة!

    أما أن تقول:

    «ربيع عالم؛ إذن من طعن فيه مبتدع»

    أو:

    «فلان مبتدع؛ إذن من لم يبدّعه فهو مبتدع»

    أو:

    «هذا حاكم ولي أمر شرعي؛ إذن كل من خالفه خارجي»

    فكل هذه النتائج تتوقف على مقدمات سابقة.

    ومن لم تثبت مقدمته، لم تثبت نتيجته.

    وهذه ليست قضية مدخلية أو سلفية أو أشعرية أو غير ذلك؛

    بل هي قاعدة في أبسط قواعد التفكير والاستدلال:

    لا تُلزم خصمك بما لم يسلّم به، بل أقِم الدليل على صحة ما تريد أن تلزمه به أولًا.

     

    هل كل حاكم مسلم هو ولي للأمر مهما فعل؛ حتى ولو حكم بغير ما أنزل الله؛ حتى ولو كان عميلا للكفار ضد المسلمين؛ حتى ولو كان خادما مطيعا للماسو*نية؟

     



    #الرد_على_أشهر_مغالطات_المداخلة

    من أشهر مغالطات المداخلة اكتفاؤهم باستخراج أقوال الشخص الذي يريدون الطعن فيه ونشرها دون البرهان على وجه النكارة فيها؛ بل لا تجدهم يستطيعون إثبات الخطأ فيها ولا يستطيعون إثبات صدق القضية المناقضة لها.
    فالمداخلة ينطلقون من المسلّمات الحزبية المدخلية ويلزمون بها غيرهم؛ فهم يفترضون موافقة كل الناس لقواعدهم أصالة ثم يكون نقاشهم مع مخالفيهم حول تنزيل تلك القواعد على الأشخاص.
    #المثال_الأول: تجد المداخلة ينطلقون من مسلّمة (كل حاكم مسلم فهو ولي للأمر مهما فعل؛ حتى ولو حكم بغير ما أنزل الله؛ حتى ولو كان عميلا للكفار ضد المسلمين؛ حتى ولو كان خادما مطيعا للماسو*نية).
    فهم ينطلقون من هذه المقدمة؛ ثم يصفون كل من تحدث عنهم بسوء فضلا عن الذي يخرج عليهم بأنه خارجيّ يطعن في ولاة الأمر.
    بينما مخالفهم لا يسلّم لهم بصحة إطلاق وصف "ولي الأمر" على هؤلاء؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما أقام فيكم كتاب الله) فوضع شرط الحكم بكتاب الله كي يكون الحاكم ولي أمر شرعي؛ ومن الردود المضحكة التي حاول المداخلة أن يردوا بها على هذا الاستدلال قولهم (هذا الحديث مخصص بحديث: إلا أن تروا كفرا بواحا) علما أن المعلوم عند كل عاقل له مسحة من علم بأصول الفقه أو مسحة من عقل يفكر ويفهم؛ أن التخصيص يكون باستثناء بعض الجزئيات من الكليّة الأعم كأن تُخصص ميتة السمك وميتة الجراد من جنس الميتة المحرمة فتستثنى ولا يكون التخصيص بذكر كلية تختلف عن سابقتها في المحمول أصلا؛ وإنما يقال هذا إضافة لهذه النقطة مع تلك؛ فيصبح شرط الحكم بكتاب الله مضافا لشرط الإسلام وعدم الكفر؛ لا أن يكون أحدهما مخصصا للآخر؛ ولا يمكن لعاقل أن يتحدث عن تخصيص حديث "إلا أن تروا كفرا بواحا" لحديث "ما أقام فيكم كتاب الله" إلا بعد أن يكون شرط عدم الكفر البواح جزئية متعلقة بكلية شرط الحكم بكتاب الله؛ ثم لو حملنا هذا الكلام على ما أراد لكان الحديث مصادما له لا مخصصا له؛ وذلك لأن الكلية ستُنقض جميعا لا أن يستثنى منها بعض أجزائها؛ فيصبح شرط "ما أقام فيكم كتاب الله" بحسبهم شرطا ملغى غير فعال لم يستثن منه شيء بل ألغي كله وهذا مناقض لدعواهم بالتخصيص حتى على فرض محاولة التسليم بصحة ما أرادوا قوله.
    كذلك استدلالهم بحديث "سيكون من بعدي أمراء لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي.....إلى غاية قوله: فاسمع وأطع" فهذا الحديث لو حُمل على المعنى الذي أرادوه لكان مصادما للحديث الأول مناقضا له إذ يشترط النبي أن يكون الحاكم حاكما بما أنزل الله ثم يسقط هذا الشرط وحاشَ أن يتناقض النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما لا يمكننا حمله على محمل الناسخ والمنسوخ لأن كلا الحديثين متعلقان بالمستقبل والنسخ يتعلق بحكم وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تم إلغاؤه؛ ومعلوم أن مسألة الخلافة والحكم والإمارة تكون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا واضح لا ينبغي أن يخالف فيه عاقل.
    والمعنى الصحيح للحديث المذكور عند قوله "لا يستنون بسنتي ولا يهتدون بهداي" أن يُحمل على بعض المخالفات التنفيذية لا التشريعية؛ بخلاف من يضع دستوره ويعلن فيه أن القانون أساسا مخالف لحكم الله؛ كذلك يُحمل الحديث على مخالفة الحاكم للهدي والسنن في المستحبات أو الواجبات التي تتعلق به أو ببعض أفعاله دون أن تمس القانون التشريعي للدولة.
    ثم إن من العلماء الذين يشيد المداخلة بهم من يرى أن الحكم بغير ما أنزل بصيغة تغيير قوانين الشريعة المنصوص عليها كفر أكبر ومن هؤلاء أحمد شاكر؛ ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ؛ ومعظم مشايخ اللجنة الدائمة؛ ومن أجل هذه القضية أثنى الفوزان على كتاب "رفع اللائمة عن فتاوى اللجنة الدائمة" وهو كتاب في الرد على علي الحلبي رحمه الله ومن عجائب المداخلة استدلالهم بهذا الكتاب للطعن في علي الحلبي رغم أن المسألة التي تناولها الكتاب هي محل اتفاق بين ربيع والحلبي ولهما نفس التأصيلات والأقوال فيها؛ بل يشترك معهم حتى الألباني فيها؛ وعلى هذا القول الذي يقرره معظم مشايخ اللجنة الدائمة يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا أصلا؛ خاصة وأنهم لا يعذِرون بالجهل فلو كان الأمر كذلك لتناقض هذا الحديث مع حديث "إلا أن تروا كفرا بواحا" إذ كيف يشترط الكفر البواح لإسقاط ولايته ثم يحرم الخروح عليه حتى ولو وقع في الكفر البواح؛ بل الحديث معارض لحديث "ما أقام فيكم كتاب الله" وليس مخصصا له.
    فقد يقال: فما قولكم في أردوغان وهو يحكم بغير ما أنزل الله ؟ فنقول: أردوغان أيضا ليس ولي أمر شرعي بالمفهوم الإسلامي وإنما شرعيته ديموقراطية علمانية كشرعية سائر الحكام وهو نفسه لا يسمي نفسه ولي أمر شرعي؛ وإنما نؤيده بصفته مصلحا ونعتبره ولي أمر كوني "أي واقع الحال أن يكون ولي أمر" كما هو حال سائر الحكام وأحكام الولي الشرعية تختلف عن الولي الكوني؛ وما يمكن وصف أردوغان به أن يكون بين حالين: إما معذور لعدم قدرته على تطبيق الشريعة نظرا لصلاحيته المحدودة ووجوب التدرج في الأمر كما عُذر النجاشي بذلك وإما أن يكون مشروعا لإقامة النظام الإسلامي وبعد قيام النظام يكون الحاكم فيه ولي أمر شرعي إسلامي.
    وليس المراد هنا مناقشة قضية الخروج وعدم الخروج على الحكام وإنما تحديد ماهية منصب ولي الأمر الشرعي.
    والمصيبة أن المداخلة لا يعلمون أن الألباني "الذي ينتسبون إليه كذبا وزورا" يقول بأن ولي الأمر هو الذي يحكم بالشريعة فقط.
    بل إن الحكام أنفسهم لا يسمون أنفسهم ولاة أمر فهم يعلمون أن هذا المنصب لازمه إعلان النظام الإسلامي في الحكم؛ وحتى صلاحيات رئيس الجمهورية ليست نفسها صلاحيات ولي الأمر (حتى المنصب من الناحية العملية ليس واحدا).
    ولو كان المداخلة أصحاب منهج أكاديمي علمي لناقشوا مخالفيهم في هذه المقدمة أولا قبل محاولة إلزامهم بما لا يلتزمون به.
    #المثال_الثاني: ينطلق المدخلي من مقدمة لا يُسلم بصحتها إلا المداخلة ومن شابههم من الجامية فيقولون (الشيخ ربيع المدخلي عالم من أهل الأثر) ثم ينطلقون إلى كلام قديم لأهل الأثر القدامى قالوا فيه (من علامات أهل البدع الطعن في أهل الأثر) فيستدل المداخلة بهذا الكلام على تبديع كل من يطعن في ربيع المدخلي.
    والمشكلة أنهم يحاولون إلزام خصومهم بهذه المقدمة رغم أنهم لا يسلمون لهم بصحتها؛ فلو سلموا لهم بصحة هذه المقدمة لما احتاجوا إلى مخالفتهم أصلا؛ بل لو اعتقدوا أن ربيع المدخلي من أهل الأثر واعتقدوا أنه على حق لما طعنوا فيه أساسا.
    ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل استدلالا كهذا في النقاش؛ لما قال له سهيل بن عمر (لو آمنا بأنك نبي لما قاتلناك) فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه (امح "رسول الله") ليترك فقط عبارة "هذا ما اصطلح عليه سهيل بن عمر ومحمد بن عبد الله.
    فحتى ولو كان الخصم كافرا فلا يمكن لعاقل أن يستدل عليه بالمستدَلِّ عليه فيقع في الدور؛ فلا يمكن أن نقول (الدليل على نبوة محمد هو قول الله "محمد رسول الله") وذلك لأن الكافر الذي لا يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا يؤمن بالبديهة بأن يكون القرآن كلام الله؛ فلو آمن بالقرآن لآمن بنبوة محمد وما احتاج عندئذٍ لمثل هذا الدليل؛ كذلك لا يمكن الاستدلال من باب أولى على ضلال الطاعنين في ربيع المدخلي بادعاء تصنيف ربيع المدخلي مع أهل الحق؛ فلو آمنوا بأنه من أهل الحق لما طعنوا فيه أساسا.
    فلا يمكن أن يقول عاقل (أنت ضال لأنك تطعن في ربيع المدخلي لأنه على حق) إلا إن حاولت البرهان على أنه على الحق؛ ولا يمكنك البرهان على ذلك إلا بالرد على هذه الطعونات ردا علميا بدل رفضها لمجرد كونها "طعونات في ربيع" وإلا لجاز للهندوسي وصف غيره بالضلال بدعوى طعنهم في آلهته التي يراها آلهة حق دون أن يبرهن على أحقيتها فهذه مصادرة عن المطلوب.
    #المثال_الثالث: من طعونات المداخلة قولهم (فلان يثني على المبتدع الفلاني ومن لم يبدع المبتدع فإنه مبتدع).
    والمصيبة في هذه القاعدة انطلاق المداخلة من مقدمة غير مسلم بها وهي (المبتدع الفلاني) فقد لا يسلم لهم الخصم بأن هذا الشخص الذي يثني عليه مبتدع حتى يلحق به من أثنى عليه؛ وقد يكون ربيع المدخلي هو المبتدع في رأي هذا الخصم.
    فقبل أن يصح تبديعهم له بهذه القاعدة يلزمهم إثبات كل الخطوات التالية:
    1 - أولا وجب على من يريد تصنيف غيره في خانة المبتدعة أن لا يكون هو الآخر مبتدعا "فليس كل من نصب نفسه حكما يكون حكما" ومثال ذلك: لا يمكن أن أنصب نفسي حكما بين صينيين يختصمان أيهما الأقوى في اللغة الصينية وأنا أجنبي عن الصينية أصلا ولا أعرف منها شيئا.
    2 - قبل أن يلزم المداخلة الناس بتجريحات ربيع لغيره حتى نصف مجروحه بالمبتدع وجب التحقق من عدالة ربيع المدخلي أولا؛ وقبل أن يُسمح له بإخبارنا "من الضال ومن صاحب الحق" وجب أن نتأكد من كونه صاحب حق أولا؛ وقبل أن نناقش معه قاعدة "ليس كل من وقع في البدعة وقعت البدعة عليه" وجب علينا التأكد من عدم وقوعه في البدعة أصلا؛ وقبل مناقشته في موازنة السلبيات والإيجابيات عند غيره وجب علينا التأكد من ماهية سلبياته وإيجابياته أولا.
    3 - قبل تبديع الشخص وجب عليهم إثبات نسبة الكلام الذي استنكروه إليه "نصا" وليس كما يفعلون إذ ينقلون فهمهم المعوج للكلام على أنه نقل للكلام؛ فتجدهم يقولون "سيد قطب يقول بأن القرآن مخلوق" فلو فتشت في كتبه كلها لن تجده قال الكلام بهذا اللفظ ولا بهذا المعنى؛ وإنما الذي قاله (هذا القرآن من صنع الله وليس من صنع محمد صلى الله عليه وسلم) والصنع هنا من الصنيع لا الصناعة والصنيع هو الفِعل والكلام فعل؛ فمعنى كلام سيد قطب هو "هذا القرآن من فعل الله وليس من فعل محمد" وكلام الله فعل "صفة فعلية" ومن كان له أدنى معرفة بفهم الكلام في سياقه علم أن الكلام ظاهر معناه ليس مجملا فضلا على أن يكون دالا على ما أرادوه.
    ولو كان سيد قطب يريد القول بخلق القرآن لاستدل عليه بما يستدل به المعتزلة والجهمية؛ وسيد قطب كان في سياق الرد على غير المسلمين الذين يقولون "القرآن من صنع محمد وليس من صنع الله" فذهب يستدل على صحة نسبة القرآن إلى الله فلما انتهى ذكر مقولته هذه على نفس وزن المقولة التي كان بصدد الرد عليها.
    ومعلوم أن القائلين بخلق القرآن يذكرون ذلك في معرض الحديث عن الصفات ليحاججوا به المسلمين؛ ولا يستدلون على خلق القرآن بإثبات النبوة بل يستدلون عليه بأدلة إما أن تكون آيات من القرآن يراد بها إلزام المسلمين المخالفين لهم وإما بأدلة عقلية متعلقة بموضوع الحدوث والحركة والأجزاء والتجريد والتعين وغير ذلك "مما لا يفهمه ربيع المدخلي أصلا".
    4 - بعد نقل الكلام صحيحا عن صاحبه ننظر "هل المقصود من الكلام ما فهمه المداخلة أم أن المشكلة في فهمهم له بالمقلوب ؟"
    5 - فإن كان الكلام كما فهموه نظرنا "هل الكلام خاطئ أصلا أم أن المخالف لذلك الكلام هو المخطئ؟" ومعلوم أن ربيع المدخلي بدّع كثيرا من الناس بسبب أقوال يراها خطأ بينما هي صواب محض؛ والخطأ والجهل أو اتباع الهوى يكمن في رأيه المخالف لها وكان الأولى أن يكون متَّهما لا متِّهما لغيره بما هو فيه.
    مثال ذلك: تبديعه لمن قال بأن خبر الآحاد يفيد غلبة الظن ما لم تحتف به القرائن؛ وقصد بذلك تبديع الشيخ المرأبي رغم أن الألباني الذي يتمسح به ربيع يقول نفس ما قاله المأربي.
    كما أن أساطين المحدثين يقولون بمثله ولعلي أفصل هذه المسألة في بابها.
    6 - لو سلمنا أن واحدا من الشيوخ أخطأ في مسألة معينة انتقدها عليه ربيع المدخلي؛ فيجب النظر في نوعية الخطأ وأسبابه؛ وإلا فلا يوجد بشر إلا وأخطأ؛ وربيع بالذات له من الأخطاء الكارثية ما لا يمكن إحصاؤه بسهولة؛ فليس كل من وقع في الخطأ يسقط بالضرورة وإلا سقط الناس جميعا.
    7 - لو افترضنا أن الخصم الذي يرد عليه ربيع ارتكب كارثة يستحق أن يسقط بسببها؛ فقبل النظر في نقد ربيع له وجب علينا التأكد من عدم وقوع ربيع أو غيره من مشايخ المداخلة في نفس الكارثة
    فلا يمكن لهم الرد على من ارتكب كارثة حمل السلاح على المسلمين ثم يحملونه في ليبيا ويستحلون دماءهم؛ ولا يمكنهم انتقاد الخوارج وهم جسدوا منهج الخوارج في أسوأ صوره في ليبيا.
    8 - حتى ولو وقع الشخص الذي بدعوه فيما يستحق أن يكون فيه مبتدعا ولم يقع المداخلة في مثل بدعته؛ فليس بالضرورة أن يكون كل من أثنى عليه مبتدعا؛ وذلك لأنه قد لا يعلم منه تحقق كل الخطوات التي سبق ذكرها حتى يشنع عليه أو يبدعه.
    #الشاهد:ورسالتي لكل مدخلي يقرأ مقالي كالتالي: قبل أن تلزم خصمك بمقدمة برهن له على صحتها أولا؛ فتسليمك بصحتها لا يعني أن تكون صحيحة عنده.
    فإن لم تتفق معه على تلك المقدمة فيستحيل أن تناقشه في النتيجة المترتبة عليها وسيكون إلزامك له بها محض تضييع للوقت؛ والناس الذين يفهمون في الحجاج ومناهج الاستدلال يرفضون مناقشة من كان هذا حاله لأنهم لا يعتبرونه أهلا للحوار أصلا إذ يجهل بديهيات طرق الاستدلال؛ فكيف به لو دخل إلى تفاصيل الاستدلال المباشر وطرقه (القياس والتمثيل والاستقراء) والاستدلال غير المباشر وطرقه (الإثبات بالنقيض وبعكس النقيض والعكس المستوي) لن يكون قادرا عندئذ على متابعة مناظرة فضلا على المشاركة فيها.
    كتبه #صهيب_بوزيدي
    عرض أقل

    السلفية المدخلية تعلّقوا بحديث «الفرقة الناجية » وتركوا تعاليم القرآن ليفرقوا بين المسلمين


    -
    السلفية المدخلية تعلّقوا بحديث «الفرقة الناجية » وتركوا تعاليم القرآن ليفرقوا بين المسلمين

    تعلّقوا بحديث «الفرقة» وقالوا: «نحن الفرقة التي على الحق»… لكن القرآن يضع معيارًا آخر!

    من أكثر العبارات التي تتكرر في الخطاب الديني المعاصر:

    «نحن الفرقة الناجية»!

    «نحن وحدنا أهل السنة»!

    «ومن خالفنا فهو من الفرق الهالكة»!

    ثم يُستدل بحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وكأن الحديث أعطى كل جماعة الحق في أن تضع نفسها في خانة «الفرقة الناجية»، وتضع مخالفيها في خانة الفرق الهالكة.

    لكن هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا ونسأل:

    هل هذه الطريقة في تصنيف المسلمين والحديث عن النجاة تنسجم فعلًا مع ميزان القرآن؟

    أم أن القرآن يضع أمامنا ميزانًا أوسع وأدق؟


    أولًا: القرآن يحذّر من تحويل الدين إلى أحزاب

    يقول الله تعالى:

    ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾

    [الأنعام: 159]

    ويقول سبحانه:

    ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

    [الروم: 32]

    فالقرآن لا يقدم لنا صورة مشرقة عن الإنسان الذي يجعل نفسه جزءًا من حزب ديني مغلق، ثم يفرح بما عنده ويظن أن الحق قد أصبح ملكًا خاصًا لجماعته.

    بل يلفت النظر إلى خطورة أن تتحول الأمة إلى شيع وأحزاب، وكل حزب يرى نفسه وحده على الصواب. وقد حمل بعض المفسرين هذه الآيات على أهل الكتاب، بينما وسّع بعضهم دلالتها لتشمل أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة؛ ولذلك لا يصح اقتطاعها من سياقها أو جعلها حكمًا آليًا على كل اختلاف بين المسلمين.


    ثانيًا: القرآن يأمر بالاعتصام… لا باحتكار النجاة

    قال تعالى:

    ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

    [آل عمران: 103]

    تأملوا كلمة:

    ﴿جَمِيعًا﴾

    فالخطاب القرآني يتجه إلى جمع المسلمين على أصل الدين، لا إلى أن تتحول كل جماعة إلى محكمة تصدر الأحكام على بقية المسلمين.

    فالقرآن يريد:

    الاعتصام بحبل الله.

    ولا يقول:

    اعتصموا بجماعة تحمل اسمًا معينًا.

    ولا يقول:

    اجعلوا جماعتكم هي المعيار الذي يُقاس به إيمان الناس.


    ثالثًا: القرآن يجعل معيار التفاضل التقوى

    قال الله تعالى:

    ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

    [الحجرات: 13]

    لم يقل:

    أكثركم انتسابًا إلى جماعة.

    ولا:

    أكثركم إطلاقًا للأحكام على المخالفين.

    ولا:

    أكثركم ادعاءً لامتلاك «الفرقة الناجية».

    بل جعل المعيار:

    التقوى.

    ولهذا فليس من المنهج القرآني أن يتحول اسم الجماعة إلى صك نجاة، أو يتحول اسم المخالف إلى صك هلاك.


    رابعًا: حتى مع الخصومة… القرآن يأمر بالعدل

    قال تعالى:

    ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

    أي إن بغضك لمن يخالفك لا يعطيك رخصة في الظلم.

    فكيف بمن يجعل الخلاف في مسألة عقدية أو فقهية سببًا لإسقاط المخالف، والطعن في إيمانه، واحتقاره، ثم يزعم أن ذلك كله دفاع عن «السنة»؟

    القرآن يطالبك بالعدل مع خصمك قبل أن يطالبك بالانتصار عليه.


    خامسًا: وماذا عن حديث «الفرقة الناجية»؟

    هنا ينبغي أن نكون علميين ومنصفين.

    حديث افتراق الأمة ورد بطرق وروايات متعددة، وأصل خبر الافتراق صححه عدد من أهل الحديث، كما صحح الحاكم بعض طرقه، واستدل به علماء آخرون.

    لكن ألفاظ الحديث وطرقه ليست على درجة واحدة.

    فالروايات تختلف في بعض التفاصيل:

    • هل العدد ثلاث وسبعون على هذه الصورة في جميع الطرق؟
    • ما اللفظ الثابت في وصف الفرقة الناجية؟
    • هل ثبتت زيادة «كلها في النار إلا واحدة» في كل طريق؟
    • وهل ثبتت عبارة «ما أنا عليه وأصحابي» بنفس القوة الحديثية في جميع الروايات؟

    ولهذا وجد بين أهل العلم نقاش في تصحيح بعض الطرق والألفاظ، حتى إن بعض العلماء ضعّفوا زيادة «كلها في النار إلا واحدة»، بينما صححها آخرون بمجموع الطرق.

    إذن لا يصح أن نتعامل مع كل لفظة وكل رواية وكأنها في درجة واحدة من الثبوت، ثم نبني عليها أحكامًا خطيرة على ملايين المسلمين.


    سادسًا: وحتى من صحح الحديث لا يقول إن الحديث رخصة للتفرقة

    وهذه نقطة مهمة جدًا.

    حتى بعض المصادر التي تصحح حديث الافتراق تؤكد أن الحديث إخبار بما سيقع، وليس أمرًا بتأسيس الفرقة، وأن المطلوب من الأمة هو الاجتماع على الكتاب والسنة وعدم التفرق.

    وهنا يظهر الخلل في طريقة استعمال الحديث.

    فالنبي ﷺ – على فرض ثبوت الحديث بلفظه المختلف فيه – يخبر عن وقوع الافتراق.

    أما بعض الناس فيحولون الخبر إلى:

    «إذن نحن الفرقة الناجية، وأنتم من الفرق الهالكة!»

    وهذه قفزة تحتاج إلى دليل.


    سابعًا: من قال إن جماعته هي «الفرقة الناجية»؟

    السؤال الأهم:

    إذا كان الحديث يخبر عن فرقة ناجية، فأين النص الذي يقول إن اسمها هو اسم جماعتك المعاصرة؟

    وأين النص الذي يقول إن كل من خالفك في مسائل الاجتهاد أو في بعض مسائل العقيدة يدخل تلقائيًا في الفرق الهالكة؟

    بل إن بعض أهل العلم أنفسهم يحذرون من التسرع في تنزيل عدد الفرق على جماعات محددة، ولا يرون أنه يمكن الجزم بأن جماعة معينة هي واحدة من تلك الفرق بمجرد الدعوى.

    فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتحول الحديث عند بعض الناس إلى قائمة جاهزة لتصنيف المسلمين؟


    ثامنًا: القرآن لا يطلب منا أن نبحث عن «هالكين» بقدر ما يطلب منا أن نكون من أهل الإيمان

    القرآن عندما يتحدث عن النجاة لا يجعل الخطاب قائمًا على:

    «أنا من الفرقة الفلانية، إذن أنا ناجٍ.»

    بل يكرر أوصافًا واضحة:

    الإيمان.

    التقوى.

    العمل الصالح.

    العدل.

    الإخلاص.

    الاعتصام بالله.

    اتباع الحق.

    قال تعالى:

    ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

    وقال:

    ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾

    فالنجاة في القرآن ليست بطاقة حزبية.


    الخلاصة

    لسنا بحاجة إلى إنكار السنة حتى نرفض احتكار السنة.

    ولسنا بحاجة إلى رد حديث الافتراق جملةً حتى نقول:

    لا يجوز تحويله إلى سلاح لتقسيم المسلمين واحتكار النجاة.

    ولسنا بحاجة إلى إنكار وجود الخلاف والفرق حتى نقول:

    ليس كل من خالفني أصبح من أهل النار.

    فإذا كان القرآن يقول:

    ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

    ويقول:

    ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

    ويقول:

    ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

    ويقول:

    ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

    فلا يصح أن نحول حديثًا عن وقوع الافتراق إلى وسيلة لصناعة المزيد من الافتراق.

    الحديث – إذا صححناه – يخبر عن واقعٍ سيقع، ولا يمنح أحدًا تفويضًا إلهيًا ليضع نفسه وحده في خانة «الناجين» ويضع ملايين المسلمين في خانة «الهالكين».

    فالحق ليس ملكًا لجماعة،

    والسنة ليست اسمًا حزبيًا،
    **
    والنجاة ليست شعارًا يُرفع،**
    **
    والميزان في النهاية هو: كتاب الله، وهدي رسوله ﷺ، والعدل، والتقوى، والصدق مع الحق.**

    فلا تجعلوا حديث «الفرقة» سببًا لمزيد من الفرق… واجعلوا القرآن هو الميزان الذي يجمع ولا يُستعمل لتكريس الخصومة.