إذا كان ابن جبرين من علمائكم… فكيف تُفسَّر شهاداته في سلمان العودة وسفر الحوالي؟
هناك أسماء من العلماء لا يكاد يختلف المنتسبون إلى التيار السلفي في مكانتهم العلمية، ومن هؤلاء الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله.
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس عن سلمان العودة أو سفر الحوالي ابتداءً، ولا عن الاتفاق مع كل ما صدر عنهما أو الاختلاف فيه، وإنما عن منهج التعامل مع شهادة عالم كبير فيهما، خاصة عندما تكون شهادته صريحة ومتعددة ومبنية ـ بحسب ما نُقل عنه ـ على معرفة ومجالسة وقراءة وسماع.
فإذا كان ابن جبرين من علمائكم، فكيف تُفسَّر شهاداته في سلمان العودة وسفر الحوالي؟
أولًا: ماذا قال ابن جبرين عن سلمان العودة وسفر الحوالي؟
نُقل عن الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله في حديثه عن عدد من الدعاة قوله عن سلمان العودة إنه من أئمة الدعوة، وعن سفر الحوالي أنه من أهل التوحيد والعقيدة السليمة والمتبعين للسلف الصالح.
كما أثنى على ناصر العمر وعائض القرني، وذكرهم ضمن دعاة وعلماء قال عنهم إنهم من أهل العلم الشرعي الصحيح.
وهذه ليست مجرد عبارات عابرة من قبيل الثناء الاجتماعي، بل جاءت في سياق حديث مطول عن دعوتهم وعلمهم وعقيدتهم وما قدموه.
فكيف نفهم هذه الشهادة إذا كان بعض من ينتسبون إلى المنهج السلفي قد تعاملوا مع هؤلاء الدعاة لاحقًا بمنطق مختلف تمامًا؟
ثانيًا: ابن جبرين لم يكتفِ بالثناء العام على سلمان العودة
ومن أقوى النصوص المنقولة عن الشيخ ابن جبرين تزكيته للشيخ سلمان العودة قبل دخوله السجن بفترة وجيزة، والمؤرخة في 27/4/1415هـ.
وقد ذكر ابن جبرين أنه تعرّف إلى سلمان العودة، وجالسه مرارًا، وقرأ بعض كتبه ونشره، وحضر بعض دروسه ومحاضراته، وسمع الكثير من أشرطته.
ثم تحدث عن سعة علمه، وتبحره في الشريعة والسنة، وحفظه للأحاديث، واستحضاره للأدلة، وما وهبه الله من الذكاء والفهم والإدراك والاستنباط.
بل إنه ذكر أنه عرفه متقيدًا بمذهب أهل السنة والجماعة في أبواب من الاعتقاد، وأنه رأى منه محاربة للشبهات والتيارات المخالفة للإسلام.
ثم قال في ختام تزكيته ما معناه أن ما أُشيع عنه من التهم لا ينبغي أن يُصدَّق دون معرفة الحقائق.
فالسؤال هنا ليس: هل سلمان العودة معصوم من الخطأ؟
فالجواب واضح: لا أحد من العلماء والدعاة معصوم من الخطأ.
وإنما السؤال:
كيف تُفسَّر هذه الشهادة الصريحة من عالم كبير عرف الرجل وجالسه وقرأ كتبه وسمع دروسه، ثم وصفه بهذه الأوصاف؟
ثالثًا: ابن جبرين يقرر قاعدة في التعامل مع العلماء والدعاة
الأهم من مجرد أسماء سلمان العودة وسفر الحوالي أن ابن جبرين قرر في كلامه قواعد عامة في التعامل مع العلماء والدعاة.
فقد سُئل عن شخص يقوم بتبديع طالب علم عُرف بأنه من أهل السنة والجماعة، وزكاه عدد من العلماء والمشايخ، بسبب وقوعه في خطأ أو أكثر.
فكان جوابه ـ بحسب النص المنقول عنه ـ واضحًا في التحذير من هذا الأسلوب.
وأوضح أن العالم قد يقع في الخطأ، وأن مجرد وجود خطأ لا يعني إسقاط مكانته ولا تحويله إلى مبتدع.
وهذه قاعدة مهمة جدًا:
الخطأ لا يساوي بالضرورة الانحراف، والانحراف في مسألة لا يعني بالضرورة إسقاط الشخص كله.
رابعًا: ماذا قال عن اقتطاع كلام العلماء؟
ومن أكثر النقاط أهمية في كلام ابن جبرين تحذيره من أخذ مقطع من كلام العالم وترك بقية كلامه.
وبيّن أن بعض الناس قد يأخذون قطعة من جملة، ثم يبنون عليها حكمًا كبيرًا، دون الرجوع إلى السياق السابق واللاحق، أو إلى مجموع كلام العالم.
وهذا منهج في غاية الأهمية في قراءة كلام العلماء.
فليس من الإنصاف أن نبحث عن عبارة محتملة، ثم نبني عليها حكمًا شاملًا على صاحبها، بينما توجد في كلامه مواضع أخرى تشرح مقصوده وتبين مراده.
ولهذا كان من قواعد الإنصاف:
أن يُجمع كلام العالم قبل الحكم عليه، وأن يُفسَّر كلامه بكلامه، وألا تُجعل العبارة المحتملة حاكمة على مجموع كلامه.
خامسًا: لا تذكر السيئات وتكتم المحاسن
ومن القواعد التي تظهر بوضوح في كلام ابن جبرين نقده لمنهج الاقتصار على أخطاء الدعاة وإخفاء محاسنهم.
فقد سُئل عن شباب جعلوا منهجهم التشهير ببعض الدعاة وطلبة العلم، وإظهار سلبياتهم فقط، وعدم ذكر حسناتهم، بحجة التحذير منهم.
فأنكر هذا الأسلوب، وقرر أن الإنصاف يقتضي أن تُذكر المحاسن والمساوئ معًا.
وهذه قاعدة لا تخص سلمان العودة ولا سفر الحوالي وحدهما، وإنما هي قاعدة عامة في التعامل مع كل عالم وداعية:
لا تجعل الخطأ كلَّ الصورة، ولا تجعل الحسنة تمحو الخطأ، بل ضع الأمور في مواضعها.
سادسًا: هل كل خطأ يوجب التبديع؟
في كلامه عن البدع، فرّق ابن جبرين بين درجاتها، ولم يجعل جميع البدع في مرتبة واحدة.
كما قرر في مسألة تبديع أهل العلم أن الحكم لا ينبغي أن يبنى على مجرد خطأ أو عبارة محتملة.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر مهم:
النقد العلمي شيء، والتبديع والتشهير والإسقاط شيء آخر.
يمكن للباحث أن يقول:
«هذا القول خطأ.»
ويمكنه أن يناقش الدليل ويبين وجه الاعتراض.
لكن الانتقال من نقد قول معين إلى إسقاط الشخص وتبديعه يحتاج إلى علم ودليل وضوابط، وليس إلى مجرد تجميع العبارات والمقاطع.
سابعًا: ابن جبرين يحذر من تتبع العثرات
ومن العبارات البارزة في كلامه نقده لمنهج الذين يتتبعون الزلات، ويحملون الكلام ما لا يحتمل، ويجمعون المقاطع والأخطاء ليجعلوا منها قضية كبرى.
وهنا تظهر مسألة تستحق التأمل:
إذا كان العالم الذي يُرجع إليه بعض المنتسبين إلى السلفية يحذر من تتبع العثرات، واقتطاع الكلام، وكتمان المحاسن، وسوء الظن، والتسرع في التبديع…
فهل يصح بعد ذلك أن يتحول هذا الأسلوب نفسه إلى منهج دائم في التعامل مع العلماء والدعاة؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
ثامنًا: ابن جبرين لم يجعل الاختلاف الاجتهادي سببًا للتضليل
ومن النصوص المهمة في المادة المنقولة عنه حديثه عن التفريق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة في كلام سلمان العودة.
فبدل أن يتعامل مع المسألة بمنطق:
«خالفني إذن هو مبتدع»،
حملها على الاجتهاد، وذكر أن سلمان اعتمد في ذلك على أحاديث، وأن المسألة لا يلزم أن تكون طعنًا في العقيدة، وأن مثل هذا التفريق ليس من المسائل التي يُضلَّل بها.
وهنا قاعدة أخرى:
ليس كل اختلاف علمي أو اجتهادي اختلافًا في أصول المنهج، وليس كل خطأ في الفهم موجبًا لإخراج صاحبه من دائرة أهل السنة.
تاسعًا: ليس المطلوب أن نقول إن سلمان أو سفر لا يخطئان
ومن المهم أن يكون الكلام منصفًا.
هذه التزكيات لا تعني أن سلمان العودة أو سفر الحوالي معصومان من الخطأ.
ولا تعني أن كل ما قالاه صحيح.
ولا تعني أن العالم الذي زكّى شخصًا يمنع الآخرين من نقد أقواله.
فالعلماء بشر، يصيبون ويخطئون.
لكن الفرق كبير بين:
نقد قول بالدليل
وبين:
إسقاط شخص كامل بسبب مجموعة من العبارات المنتقاة.
والفرق أكبر بين:
بيان الخطأ
وبين:
التشهير والتبديع والطعن في النيات.
عاشرًا: السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه
إذا كان الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله من العلماء الذين يُحتج بكلامهم ويُعتد بشهادتهم…
وإذا كان قد عرف سلمان العودة وجالسه وقرأ كتبه وسمع دروسه، ثم أثنى على علمه ومنهجه…
وإذا كان قد وصف سفر الحوالي بأنه من أهل التوحيد والعقيدة السليمة والمتبعين للسلف الصالح…
وإذا كان قد حذّر في الوقت نفسه من اقتطاع كلام العلماء، وتتبع زلاتهم، وكتمان محاسنهم، والتسرع في تبديعهم…
فالسؤال المشروع هو:
كيف تُفسَّر هذه الشهادات مع بعض الخطابات التي ظهرت لاحقًا في التعامل مع هؤلاء الدعاة؟
هل نأخذ من ابن جبرين تزكيته لهم ونضعها في الاعتبار؟
أم نأخذ منه أيضًا قواعده في الإنصاف وحسن الظن وعدم تتبع العثرات؟
أم ننتقي من كلامه ما يوافق موقفنا ونترك ما لا يوافقه؟
وهنا يظهر الاختبار الحقيقي للمنهج:
هل نأخذ كلام العلماء باعتباره منهجًا متكاملًا، أم ننتقي منه ما يخدم موقفًا سابقًا؟
الخلاصة
المقصود من هذه الشهادات ليس تحويل سلمان العودة أو سفر الحوالي إلى شخصيات فوق النقد، ولا القول إن كل ما صدر عنهما صواب.
وإنما المقصود التذكير بقاعدة أوسع وأهم:
العلم والإنصاف لا يجتمعان مع الانتقائية.
فإذا كان ابن جبرين عالمًا معتبرًا عندك، فخذ أيضًا بمنهجه في التعامل مع العلماء:
لا تقتطع الكلام من سياقه.
لا تجعل الخطأ الواحد عنوانًا على الرجل كله.
لا تكتم المحاسن وتذكر المساوئ فقط.
لا تتسرع في التبديع.
لا تتبع العثرات.
واحمل كلام أخيك المسلم على أحسن المحامل ما وجدت إلى ذلك سبيلًا.
وفي النهاية، لا نطالب أحدًا بأن يوافق سلمان العودة أو سفر الحوالي في كل مسألة، وإنما نطالب بميزان واحد في التعامل مع الجميع:
الدليل في نقد الأقوال، والعدل في الحكم على الأشخاص، والإنصاف في عرض الصورة كاملة.
فإذا كان ابن جبرين من علمائكم، فهذه شهاداته، وهذا منهجه في التعامل مع العلماء والدعاة.
والسؤال يبقى مفتوحًا: هل نأخذ بكلامه كله، أم ننتقي منه ما يوافقنا فقط؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق