الجمعة، 25 سبتمبر 2026

ستة أسئلة تحتاج إلى جواب

 

دعوى السلفية ومنهج الطاعة والتصنيف

ستة أسئلة تحتاج إلى جواب

كثيرًا ما تُقدَّم «المدخلية» باعتبارها امتدادًا خالصًا لمنهج السلف وأهل السنة والجماعة، ويُجعل مخالِفوها في دائرة البدعة أو الخروج أو الانحراف.

لكن الانتساب إلى السلفية ليس مجرد شعار، وإنما هو منهج في فهم النصوص، والتعامل مع الحكام، والعلماء، والدعاة، والمخالفين.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى طرح عدد من الأسئلة المنهجية:

هل كل ما يُنسب إلى «المدخلية» يطابق فعلًا أصول أهل السنة؟ وهل يمكن أن يتحول بعض الاجتهادات المعاصرة إلى قواعد عامة تُلزم بها الأمة؟

وفيما يأتي ست مسائل تستحق المراجعة والنقاش العلمي:


أولًا: هل طاعة ولي الأمر طاعة مطلقة؟

من الأصول الثابتة في السنة أن طاعة ولي الأمر ليست طاعة مطلقة بلا قيد، وإنما تكون في المعروف.

قال النبي ﷺ:

«السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».

وهو حديث ثابت في صحيح البخاري وصحيح مسلم.

كما ورد:

«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

وقد صححه عدد من أهل الحديث بمجموع طرقه وشواهده.

وهذا يقرر قاعدة واضحة:

طاعة ولي الأمر تكون في المعروف، أما المعصية فلا تجوز طاعته فيها.

ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين:

وجوب طاعة ولي الأمر في المعروف،
وتحويل طاعته إلى قاعدة مطلقة لا تقبل التقييد بالنصوص الشرعية.

فالميزان في الإسلام هو الكتاب والسنة، وليس الأشخاص.


ثانيًا: هل النصح للحاكم يعني إسقاط الإنكار على الظلم؟

من الخطأ أن تتحول المحافظة على الاستقرار إلى تعطيل مبدأ النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد جاء في الحديث:

«أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر».

وقد صحح الحديث عدد من أهل الحديث، منهم النووي والألباني وشعيب الأرناؤوط، مع وجود كلام لأبي حاتم في إرساله من طريق طارق بن شهاب؛ وله شواهد وطرق أخرى.

وهذا يدل على أن السلطان ليس فوق النصيحة والحق.

لكن ينبغي أيضًا عدم تحويل الحديث إلى ذريعة للفوضى أو الفتنة؛ فالمسألة تحتاج إلى فقه في المصالح والمفاسد، ومعرفة بالقدرة والنتائج والوسائل المشروعة.

فالمطلوب ليس تقديس الحاكم، كما أنه ليس إشعال الفتن.

وإنما المطلوب:

نصيحة بلا تقديس، وإنكار بلا فوضى، وطاعة في المعروف بلا تأليه للأشخاص.


ثالثًا: هل الجماعة تعني الدولة دائمًا؟

من أكثر المسائل التي تحتاج إلى تحرير علمي: استعمال مصطلح «الجماعة» وكأنه يعني بالضرورة الدولة أو السلطة السياسية القائمة.

فالجماعة في التراث الإسلامي مفهوم أوسع من مجرد الانتماء إلى جهاز سياسي، وقد استُعملت كلمة الجماعة في نصوص العلماء بمعانٍ متعددة، تحتاج إلى فهمها في سياقها.

ومن ثم لا يصح أن تتحول المعادلة إلى:

الدولة = الجماعة
ومخالفة الدولة = خروج على الجماعة.

فهذه صياغة تحتاج إلى دليل وتفصيل.

فالسلطة السياسية شيء، ومفهوم الجماعة في الدين شيء آخر، والخلط بينهما قد يؤدي إلى نتائج خطيرة في الحكم على الناس.

كما أن وصف كل معارض سياسي أو ناقد للسلطة بأنه «خارجي» ليس حكمًا يُبنى على مجرد المعارضة، بل يحتاج إلى تعريف دقيق للخوارج، وإلى التحقق من الأوصاف التي تنطبق على الشخص أو الجماعة.


رابعًا: هل كل الحركات الإسلامية المخالفة للمدخلية خوارج؟

من القضايا التي تستحق المراجعة كذلك التوسع في استعمال مصطلح «الخوارج».

فالخلاف مع جماعة أو حركة إسلامية لا يكفي وحده لإدخالها في مسمى الخوارج.

كما أن الحكم على الجماعات والأفراد ينبغي أن يكون قائمًا على:

العقيدة المعلنة، والأصول الفكرية، والأعمال الفعلية، والنصوص الموثقة، والتفريق بين الخطأ والصواب، وبين الشخص والفكرة.

ولا يجوز أن يصبح مصطلح «خارجي» مجرد أداة لإسقاط المخالف.

وفي المقابل، لا يصح أيضًا تبرئة أي جماعة من أخطائها لمجرد رفعها شعار الإسلام.

فالميزان واحد للجميع: الدليل والعدل والإنصاف.


خامسًا: ماذا عن المواقف السياسية والاصطفافات؟

هنا ينبغي أن نكون أكثر دقة.

فاتهام جماعة أو تيار بأنه يتعاون مع أجهزة أمنية، أو يشارك في اعتقالات أو تعذيب أو قتل اتهام خطير لا يكفي فيه النقل المجرد أو الشهادة غير الموثقة.

ولهذا لا يصح أن ننسب مثل هذه الأفعال إلى «المدخلية» بإطلاق إلا مع:

تحديد البلد، وتحديد الفترة الزمنية، وتحديد الأشخاص أو التنظيمات، وتقديم مصادر موثوقة على الواقعة نفسها.

وهذا لا يعني تجاهل الوقائع إن ثبتت، بل يعني أن العدل في الخصومة يقتضي التوثيق.

فالمنهج العلمي لا يقول:

«قيل عنهم كذا، إذن كلهم كذلك».

بل يقول:

«من ثبت عليه فعلٌ فليتحمل مسؤوليته، ولا يُحمَّل غيره ما لم يثبت عليه».

وهذا أقرب إلى العدل الذي أمر الله به.


سادسًا: هل احترام العلماء يتحول إلى تقديس الأشخاص؟

من أخطر الظواهر في أي تيار ديني أن يتحول احترام العالم إلى تعطيل للعقل والاجتهاد والنظر في الدليل.

العالم يُحترم، ويُنتفع بعلمه، ويُرجع إليه، لكن لا أحد بعد رسول الله ﷺ معصوم من الخطأ.

وقد كان علماء الإسلام أنفسهم يقررون أن أقوالهم ليست وحيًا، وأن العالم قد يصيب وقد يخطئ.

ولهذا فإن تحويل عدد محدود من العلماء إلى مرجعية نهائية في التبديع والتفسيق والتصنيف والحكم على الدعاة يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة، ولا يكفي فيه مجرد الثقة بالأشخاص.

فإذا كان العلماء أنفسهم غير معصومين، فكيف يصبح كلام أحدهم ميزانًا نهائيًا يُحكم به على الناس؟

الدليل فوق الأشخاص، والحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق.


الخلاصة: السلفية ليست أسماءً ولا شعارات

إذا كان الانتساب إلى السلف يعني اتباع الكتاب والسنة بفهم العلماء المعتبرين، فإن ذلك يقتضي أيضًا:

العدل مع المخالف.

والبعد عن الغلو في الأشخاص.

والتفريق بين الطاعة في المعروف والطاعة المطلقة.

والتفريق بين النصيحة المشروعة والفوضى.

والتفريق بين المخالف وبين الخوارج.

والتفريق بين نقد الفكرة واتهام أصحابها.

والتفريق بين الخطأ الثابت والاتهام الذي يحتاج إلى بينة.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس:

«من قال إنه سلفي؟»

بل:

«هل ما يقوله ويفعله يوافق الدليل والعدل ومنهج أهل السنة فعلًا؟»

فالانتساب وحده لا يكفي.

وكذلك الخصومة وحدها لا تكفي.

والميزان الذي ينبغي أن يجتمع عليه الجميع هو:

الكتاب والسنة، والعدل، والإنصاف، والتثبت، واحترام العلماء، وعدم تقديس الأشخاص.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي خطاب ديني؛ بصرف النظر عن اسمه، أو جماعته، أو شعاره.

«السلفية» أم «التلفية»؟

 

«السلفية» أم «التلفية»؟

حين يتحول اتباع السلف إلى خصومة وتصنيف وطعن في العلماء والدعاة

مقدمة: سلفية تُصلح أم «تلفية» تُخاصم؟

السلفية في أصل معناها ليست اسمًا لمعركة مع المسلمين، ولا مشروعًا لتتبع العلماء والدعاة، ولا قائمة طويلة من الأسماء التي يجب التحذير منها.

السلفية ـ كما يُفترض في شعارها ـ تعني الرجوع إلى الكتاب والسنة، وفهمهما على منهج السلف، وتعظيم الدليل، والعدل، والتقوى، وحسن الاتباع.

لكن ماذا يحدث عندما يتحول هذا الشعار عند بعض المنتسبين إليه إلى ممارسة مختلفة؟

حين يصبح الشاب مشغولًا بمن نرد عليه أكثر من انشغاله بما يتعلمه؟

وحين يعرف أسماء من يُحذَّر منهم أكثر مما يعرف كتب العلم؟

وحين يصبح تصنيف الدعاة أهم من فهم أقوالهم؟

وحين تتحول المسائل الخلافية إلى معارك دائمة؟

وحين يصبح تتبع الزلات والبحث عن العثرات طريقًا لإسقاط العلماء والدعاة؟

هنا يحق لنا أن نسأل ـ من باب النقد والمراجعة ـ:

هل ما نراه امتداد حقيقي لمنهج السلف، أم أننا أمام صورة أخرى يمكن أن نسميها ـ على سبيل النقد ـ «تلفية»؛ لأنها بدل أن تبني العلم والأخلاق والأخوة، تُتلفها بالخصومة والتصنيف والطعن؟


أولًا: السلفية التي نعرفها من السلف... ماذا كانت تصنع؟

إذا تحدثنا عن اتباع السلف، فلا ينبغي أن نختزل السلف في قوائم الأشخاص والتحذيرات.

السلف كانوا أهل علم وعبادة وتقوى، وكانوا يختلفون في مسائل كثيرة، ومع ذلك لم يكن كل اختلاف بينهم سببًا لإلغاء الأخوة أو إسقاط المخالف.

كان العلم عندهم مسؤولية.

وكان الكلام في الناس أمرًا خطيرًا.

وكانت العدالة والورع وحفظ اللسان من أخلاق طالب العلم.

ولهذا فإن الانتساب إلى السلف لا ينبغي أن يكون مجرد شعار، بل ينبغي أن يظهر أثره في:

العلم، والعدل، والتواضع، والإنصاف، وحسن الخلق، والرحمة بالمسلمين.

فإذا غابت هذه المعاني، وبقيت أسماء السلف وشعاراتهم فقط، فالمشكلة ليست في الاسم، وإنما في الفجوة بين الشعار والممارسة.


ثانيًا: حين يصبح طالب العلم مشروعَ مُصنِّف

طالب العلم في بداية طريقه يحتاج إلى أن يتعلم:

القرآن، والحديث، والفقه، وأصول الاستدلال، واللغة، ومناهج العلماء، وآداب الاختلاف.

لكن بعض الخطابات المعاصرة تدفع بالشاب سريعًا إلى عالم آخر:

من المبتدع؟
من الحزبي؟
من المميع؟
من الخارجي؟
من الذي لا يُسمع له؟
ومن الذي يجب التحذير منه؟

فيتحول الشاب من طالب علم إلى مراقب للأشخاص.

ويصبح جزء كبير من اهتمامه:

من معنا؟ ومن علينا؟ ومن تكلم فيمن؟ ومن رد على من؟ ومن أثنى على من؟

وهنا تبدأ المشكلة.

فبدل أن يكون السؤال:

«ماذا قال؟ وما دليله؟»

يصبح:

«إلى أي قائمة ينتمي؟»


ثالثًا: من مناقشة الأقوال إلى محاكمة الأشخاص

المنهج العلمي يبدأ من الفكرة:

هذا القول صحيح أو خطأ، وهذه أدلته، وهذا وجه الصواب فيه.

أما ثقافة الخصومة فتبدأ من الشخص:

هذا فلان، إذن نعرف مسبقًا ماذا سنقول عنه.

وهنا يصبح اسم الشخص مؤثرًا في الحكم على كلامه.

فإن كان من الموافقين، حُملت عبارته على أحسن المحامل.

وإن كان من المخالفين، بدأ البحث عن الزلات والقرائن والتهم.

ثم تتراكم الأمور:

عبارة محتملة → خطأ → انحراف → تصنيف → تحذير → إسقاط.

وهذه ليست دائمًا نتيجة لازمة للنقد العلمي، وإنما قد تكون نتيجة ثقافة تصنيف لا تعرف متى تتوقف.


رابعًا: المسائل الخلافية... من العلم إلى الوقود

لا مشكلة في أن يناقش المسلمون مسائلهم الخلافية.

فالمولد، والأناشيد، وبعض مسائل الفقه، وقضايا العمل الجماعي وغيرها، كلها يمكن أن تكون محل بحث ونقاش.

لكن المشكلة حين تصبح هذه القضايا وقودًا دائمًا للخصومة.

فبدل أن يقول طالب العلم:

هذه مسألة اختلف فيها العلماء، وهذه أدلة كل فريق، وهذا ما أراه راجحًا.

يُدفع به إلى:

هذا مبتدع!
هذا مميع!
هذا منحرف!
احذر منه!
لا تستمع إليه!

فتتحول المسألة من بحث علمي إلى معركة هوية.

وهنا لا يعود الخلاف وسيلة لفهم العلم، وإنما يصبح وسيلة لتقسيم الناس.


خامسًا: «التحذير» الذي لا ينتهي

من أكثر الكلمات تداولًا في بعض البيئات المدخلية:

التحذير.

والتحذير في نفسه قد يكون مشروعًا إذا استند إلى العلم والعدل والحاجة.

لكن ماذا يحدث عندما يتحول التحذير إلى مشروع دائم؟

تحذير من داعية.

ثم تحذير من داعية آخر.

ثم تحذير من طالب علم.

ثم تحذير من كتاب.

ثم تحذير ممن أثنى على ذلك الداعية.

ثم تحذير ممن لم يوافق على التحذير.

حتى يجد الشاب نفسه وسط شبكة لا تنتهي من:

«احذر من فلان» و«لا تسمع لفلان» و«لا تجلس مع فلان».

وهنا يجب أن نسأل:

إذا كان مشروعنا الديني قائمًا بصورة أساسية على التحذير من المسلمين، فأين مساحة البناء؟


سادسًا: تربية الشباب على تتبع الزلات

الشاب الذي يُربى على العلم يتعلم كيف يبحث عن الحق.

أما الشاب الذي يُربى على الخصومة فقد يتعلم كيف يبحث عن الزلة.

مقطع قديم.

عبارة مجتزأة.

فتوى مختلفة.

خطأ في تعبير.

موقف لم يعجبهم.

ثم تبدأ عملية التداول:

انظروا ماذا قال!

ثم يتحول الخطأ إلى مادة للتشهير، وربما إلى سبب للحكم على الرجل كله.

وهذا خلل في ميزان النقد.

فالإنصاف لا يعني السكوت عن الخطأ، وإنما يعني وضع الخطأ في حجمه الحقيقي.

فليس كل زلة انحرافًا، وليس كل اجتهاد مخالف بدعة، وليس كل خطأ في عبارة سببًا لإسقاط صاحبه.


سابعًا: حين يُربى الشاب على سوء الظن

إذا ظل الشاب يسمع باستمرار:

احذر من فلان، ولا تثق بفلان، ولا تجلس مع فلان، وانتبه لمن يمدح فلانًا...

فإن النتيجة الطبيعية قد تكون تكوين عقلية شديدة الارتياب.

كل كلمة تصبح علامة.

وكل علاقة تصبح تهمة.

وكل ثناء يصبح قرينة.

وكل اختلاف يصبح دليلًا على الانحراف.

وهنا يتحول طالب العلم إلى شخص يرى النيات خلف الكلمات، ويقرأ المقاصد من غير بينة.

وهذه ليست قوة في المنهج، وإنما قد تكون صورة من صور سوء الظن الذي يفسد العلاقات العلمية والدعوية.


ثامنًا: من الخلاف العلمي إلى الحقد والغل

الخلاف إذا خرج من دائرة العلم ودخل دائرة النفس، تغيّر كل شيء.

لم يعد الهدف تصحيح الخطأ، بل الانتصار على الشخص.

لم يعد المقصود بيان الحق، بل التشفي بالمخالف.

لم يعد السؤال: كيف نصحح؟

بل: كيف نسقطه؟

وهنا يتحول الاختلاف إلى مشاعر من:

الحقد، والغل، والبغضاء، والتشفي.

وهذه أخطر مرحلة؛ لأن الخصومة لم تعد خلافًا بين عقول، بل أصبحت عداوة في القلوب.


تاسعًا: الاستعلاء على الناس باسم «الحق»

من أخطر ثمار هذه التربية أن يشعر بعض الأتباع بأنهم يملكون الحقيقة كاملة، وأن من خالفهم إنما هو:

جاهل، أو مميع، أو مبتدع، أو متأثر، أو صاحب هوى.

وهكذا يصبح الخلاف سببًا للاستعلاء.

لكن العلم الحقيقي ينبغي أن يزيد صاحبه تواضعًا.

فكلما ازداد الإنسان علمًا، عرف اتساع دائرة المسائل، وتنوع اجتهادات العلماء، وصعوبة إصدار الأحكام على الناس.

أما أن يتحول العلم إلى وسيلة لاحتقار المخالف، فهذه ليست ثمرة تربوية سليمة.


عاشرًا: ماذا يتعلم الشاب من هذه البيئة؟

يتعلم أن:

الاختلاف خطر.

وأن:

المخالف يجب الحذر منه.

وأن:

الخطأ قد يسقط صاحبه.

وأن:

العالم الذي لا يوافقنا لا ينبغي الاستماع إليه.

وأن:

معرفة الأشخاص أهم من معرفة المسائل.

ثم يكبر الشاب وهو يحمل في ذهنه خريطة للخصوم أكثر مما يحمل مشروعًا للعلم والدعوة.

وهنا تظهر المفارقة:

بدل أن نربيه ليكون عالمًا أو داعية أو مصلحًا، نربيه ليكون مفتشًا عن أخطاء الآخرين.


الحادي عشر: أين البناء؟

السؤال البسيط الذي ينبغي طرحه:

ماذا بنى هذا الخطاب في الشباب؟

هل جعلهم أكثر علمًا؟

هل جعلهم أكثر عبادة؟

هل جعلهم أكثر أخلاقًا؟

هل جعلهم أكثر رحمة بالمسلمين؟

هل دفعهم إلى خدمة مجتمعهم؟

هل علمهم كيف يختلفون دون أن يتباغضوا؟

أم جعلهم يعرفون عشرات الأسماء التي يجب التحذير منها، وعشرات العبارات التي يجب الرد عليها؟

إن الدعوة التي لا تنتج علمًا وأخلاقًا وعملًا تحتاج إلى مراجعة.


الثاني عشر: السلفية أم «التلفية»؟

وهنا نصل إلى جوهر العنوان.

إذا كانت السلفية تعني:

اتباع الكتاب والسنة، وتعظيم الدليل، والاقتداء بالسلف، والعدل، والورع، وحسن الخلق، وحفظ اللسان، والرحمة بالمسلمين؛

فإننا لا نستطيع أن نعتبر كل ممارسة تحمل اسم السلفية امتدادًا تلقائيًا لهذا المعنى.

فحين يتحول الخطاب إلى:

تصنيف دائم،
وطعن مستمر،
وتصيد للزلات،
وسوء ظن،
وتحريض على الهجر،
واستعلاء على المخالف،
وتحويل المسائل الخلافية إلى معارك،

فمن حقنا أن نسأل نقديًا:

هل ما زلنا أمام «سلفية» في معناها التربوي، أم أمام «تلفية» تُتلف الأخوة، وتُتلف أدب الخلاف، وتُتلف صورة الدعوة، وتُتلف طاقات الشباب في معارك لا تنتهي؟

إنها ليست مجرد لعبة لفظية.

إنها محاولة لوصف الفجوة بين الاسم والممارسة.


الثالث عشر: النقد ليس المشكلة... ولكن ماذا عن منهج النقد؟

نحن لا نقول:

لا تنتقدوا.

ولا نقول:

لا تحذروا.

ولا نقول:

اتركوا الأخطاء بلا بيان.

بل نقول:

انتقدوا بعلم.

وحذروا بعدل.

وانقلوا بأمانة.

وفرقوا بين الخطأ والانحراف.

وفرقوا بين الاجتهاد والبدعة.

وفرقوا بين نقد القول وإسقاط قائله.

وفرقوا بين النصيحة والتشهير.

فليس كل مخالف مبتدعًا، وليس كل مخطئ ساقطًا، وليس كل اختلاف دليلًا على فساد المنهج.


الخاتمة: أي جيل نريد؟

المشكلة ليست أن يختلف المسلم مع المسلم.

المشكلة أن نربي جيلًا لا يعرف كيف يختلف إلا بالخصومة.

المشكلة ليست أن نرد على عالم أو داعية.

المشكلة أن نجعل الرد على العلماء والدعاة مشروعًا دائمًا يطغى على العلم والبناء.

المشكلة ليست أن نناقش المسائل الخلافية.

المشكلة أن نجعلها معيارًا للحب والبغض، والقبول والرفض، والموالاة والهجر.

والمشكلة ليست في الانتساب إلى السلف.

وإنما في أن يصبح اسم السلفية غطاءً لممارسات لا تشبه في آثارها ما نبحث عنه من علم وعدل ورحمة وإنصاف.

ولهذا فإن السؤال سيبقى مفتوحًا:

«السلفية» أم «التلفية»؟

هل نريد جيلًا يتعلم كيف يبني نفسه ويخدم دينه وأمته؟

أم جيلًا يتعلم كيف يراقب الدعاة، ويصنف العلماء، ويتتبع الزلات، ويبحث عن الخصوم؟

إن اتباع السلف لا يكون بكثرة الشعارات، ولا بكثرة التصنيفات، ولا بكثرة التحذيرات.

وإنما يظهر حين يتحول العلم إلى عدل، والدين إلى أخلاق، والخلاف إلى أدب، والنصيحة إلى رحمة، والدعوة إلى بناء.

فإذا أُتلفت هذه المعاني باسم السلفية، فليس السؤال عن الاسم وحده، وإنما عن حقيقة المنهج الذي يقدمه الاسم للناس.

حين تتحول «السلفية» إلى ثقافة خصومة

 

حين تتحول «السلفية» إلى ثقافة خصومة

تربية الشباب على الطعن والتصنيف والحقد على الدعاة

مقدمة

ليست المشكلة في أن يختلف العلماء، ولا في أن يُناقش الخطأ، ولا في أن يُرد على قول يخالف الدليل.

فالنقد العلمي، والمناقشة، والرد، وبيان الخطأ؛ كلها أمور عرفها العلماء عبر تاريخ الأمة.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الأدوات العلمية إلى ثقافة دائمة للخصومة، وحين يصبح همُّ الشاب الذي يتربى في بعض الأوساط المدخلية ليس كيف يتعلم ويعمل ويبني، وإنما:

من نرد عليه؟
ومن نحذر منه؟
ومن نصنفه؟
ومن نهجره؟
ومن نُسقطه من أعين الناس؟

وحين يصبح الحديث عن الدعاة والعلماء، وتتبع أخطائهم وزلاتهم، وإثارة الخلافات حولهم، مساحة أكبر من الحديث عن العلم والعبادة والأخلاق والعمل والإصلاح؛ فهنا لا بد أن نتوقف ونسأل:

أي تربية هذه؟ وأي جيل نريد أن نصنع؟


أولًا: من تربية الشباب على العلم إلى تربيته على الخصومة

طالب العلم في بداية طريقه يحتاج إلى أن يتعلم:

القرآن، والحديث، والفقه، وأصول الاستدلال، وآداب الاختلاف، ومناهج العلماء، وأخلاق طالب العلم.

لكنه في بعض البيئات التي يغلب عليها الخطاب المدخلي قد يجد نفسه أمام عالم آخر من الأسئلة:

من المبتدع؟
من المميع؟
من الحزبي؟
من الخارجي؟
من الذي لا يُسمع له؟
من الذي يجب التحذير منه؟
من الذي لا يجوز حضور دروسه؟

وهكذا ينتقل الشاب تدريجيًا من مرحلة بناء العلم إلى مرحلة مراقبة الناس.

ويصبح نجاحه لا يُقاس بما حفظه وفهمه من العلم، وإنما بقدرته على معرفة قوائم الأشخاص:

هذا يُؤخذ عنه، وهذا لا يُؤخذ عنه، وهذا يُحذَّر منه، وهذا متهم، وهذا تغير، وهذا عنده انحراف.

فتتحول الساحة العلمية في ذهن الشاب إلى خريطة من الأسماء والتصنيفات بدل أن تكون ميدانًا للعلم والدعوة والإصلاح.


ثانيًا: إثارة الخلافات حتى تصبح هي مادة الدعوة

من أكثر ما يلفت النظر في هذا الخطاب أن بعض المسائل الخلافية تُعاد باستمرار، وكأن مستقبل الدين متوقف عليها.

فتُفتح ملفات:

المولد، والأناشيد، وبعض مسائل اللباس، وبعض صور العمل الجماعي، ومسائل فرعية في العبادة، وأخطاء الدعاة، ومواقف العلماء من بعضهم...

ثم تستمر المعارك حولها سنوات طويلة.

ولا نقول إن هذه المسائل لا تُناقش.

بل تُناقش، ويُعرف فيها قول العلماء وأدلتهم.

لكن السؤال:

هل يعقل أن يتحول الخلاف في المسائل الاجتهادية أو الفرعية إلى وسيلة لتمزيق الصف، وتصنيف المسلمين، وإسقاط الدعاة؟

إن الأمة التي تواجه الجهل والفقر والفساد والتخلف ومشكلات الشباب والأسرة والتعليم تحتاج إلى أكثر من أن يعيش شبابها في معارك لا تنتهي حول الجزئيات.


ثالثًا: من نقد الفكرة إلى إسقاط صاحبها

وهنا تكمن مشكلة أكبر.

فبدل أن يكون السؤال:

هل هذا القول صحيح أم خطأ؟

يتحول السؤال إلى:

من قاله؟

فإذا كان قائله من «الموافقين» حُملت عبارته على أحسن المحامل.

وإذا كان من «المخالفين» بدأت عملية البحث والتنقيب:

من أين أخذها؟
من يجالس؟
من يمدح؟
من أثنى عليه؟
من حضر عنده؟
ماذا قال قبل عشر سنوات؟
هل له عبارة يمكن تفسيرها على وجه آخر؟

ثم تُجمع هذه الجزئيات لتكوين ملف كامل عن الرجل.

وهكذا يصبح تصنيف الشخص أهم من مناقشة كلامه.

وهذا ليس علمًا، بل هو في كثير من الأحيان ثقافة خصومة.


رابعًا: الطعن في العلماء والدعاة تحت عنوان «التحذير»

لقد أصبح لفظ «التحذير» في بعض الخطابات المدخلية عنوانًا واسعًا جدًا.

تحذير من عالم.

تحذير من داعية.

تحذير من طالب علم.

تحذير من جماعة.

تحذير من كتاب.

تحذير من محاضرة.

تحذير من حضور مجلس.

تحذير من الاستماع إلى فلان.

حتى أصبحت بعض البيئات الدينية وكأنها تعيش في حالة إنذار دائم.

والسؤال هنا ليس: هل التحذير جائز؟

فالتحذير من الخطأ قد يكون مشروعًا بل واجبًا في بعض الحالات.

لكن السؤال:

هل كل من خالفكم يجب التحذير منه؟

وهل كل خطأ يوجب إسقاط صاحبه؟

وهل كل اجتهاد مختلف فيه يجعل صاحبه أهلًا للهجر والتبديع؟

وهل أصبحت حماية الشباب تعني عزلهم عن معظم العلماء والدعاة الذين لا يوافقونكم؟

هنا ينبغي أن تكون المراجعة جادة.


خامسًا: تربية الشباب على تتبع العثرات

من أخطر ما يمكن أن يتربى عليه طالب العلم أن يجد لذة في اكتشاف أخطاء الآخرين.

مقطع قديم.

عبارة محتملة.

فتوى مختلفة.

اجتهاد خالف فيه صاحبه جمهور العلماء.

ثم تبدأ الاحتفالات:

وجدنا له خطأ!
انظروا ماذا قال!
لقد انكشف أمره!
احذروا منه!

وكأن العثور على زلة عالم أو داعية أصبح انتصارًا شخصيًا.

لكن أين التربية على قول الله تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؟

أين التربية على الإنصاف؟

أين حسن الظن؟

أين معرفة أن العالم بشر يخطئ ويصيب؟

وأين التفريق بين الخطأ الذي يُصحح وبين الخطأ الذي يتحول إلى أداة للتشهير؟


سادسًا: تحويل الاختلاف إلى عداوة

الاختلاف العلمي لا يعني بالضرورة العداوة.

وقد اختلف كبار العلماء في مسائل كثيرة، وبقي بينهم الاحترام والتقدير.

لكن ثقافة التصنيف تجعل الاختلاف أحيانًا يتحول إلى:

هجر، وقطيعة، وتحذير، وتشويه، وإسقاط، واتهام.

فإذا خالف الشاب شيخه أو مجموعته في مسألة، قيل له:

أنت متأثر بفلان.

وإذا أثنى على عالم مختلف معهم:

لقد ضللت الطريق.

وإذا استمع إلى داعية لا يوافقون عليه:

احذر! لا تسمع له!

وهكذا لا يعود الشاب يتعلم كيف يفكر، بل يتعلم ممن يفكر.

وهذه كارثة تربوية.


سابعًا: صناعة الاستعلاء على بقية المسلمين

من أخطر نتائج هذه التربية أن يشعر بعض الأتباع أنهم يمثلون الطائفة الناجية وحدها، وأن الآخرين جميعًا بحاجة إلى أن يُمتحنوا أمام معاييرهم.

فتصبح لغة الخطاب:

نحن نعرف السنة، وأنتم لا تعرفونها.

نحن نعرف أهل البدع، وأنتم مخدوعون بهم.

نحن نعرف العلماء، وأنتم لا تعرفون من تأخذون عنه.

وهنا تتحول السلفية من مفهوم يُفترض أن يدل على اتباع السلف في العلم والعبادة والأخلاق إلى هوية اجتماعية يشعر صاحبها من خلالها بأنه أعلى من الآخرين.

وهذا يناقض جوهر التربية الإيمانية؛ لأن العلم إذا لم يثمر تواضعًا وعدلًا ورحمة، فما الذي أثمره؟


ثامنًا: الحقد والغل بدل الأخوة

حين يتكرر أمام الشاب يوميًا الحديث عن:

فلان مبتدع،
فلان مميع،
فلان منحرف،
فلان حزبي،
فلان متلون،
فلان لا يُؤخذ عنه،
فلان يجب التحذير منه،

فمن الطبيعي أن تتكون لديه صورة ذهنية عن المجتمع الإسلامي باعتباره مجموعة من الخصوم.

ويكبر الشاب وهو يحمل في قلبه سوء الظن والريبة بدل المحبة والرحمة.

وكلما وجد شخصًا مختلفًا عنه، بحث عن التهمة التي يمكن أن يلصقها به.

وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد خلاف علمي؛ إنها مشكلة في تربية القلب.


تاسعًا: حين يصبح «التحذير» هو المشروع

الداعية الحقيقي ينبغي أن يكون لديه مشروع:

تعليم، وإصلاح، وتربية، ودعوة، وخدمة للمجتمع، وبناء للشباب.

أما أن يصبح المشروع كله:

فلان رد عليه فلان، وفلان حذر من فلان، وفلان بدع فلانًا، ونحن نرد على الجميع...

فهذا يستهلك طاقة الشباب في معارك لا تنتهي.

وتصبح الحركة كثيرة، لكن البناء قليل.

والضجيج مرتفع، لكن الثمرة محدودة.

والشباب يعرفون أسماء عشرات المختلفين، لكنهم لا يعرفون من العلم إلا القليل.


عاشرًا: إهمال البناء والانشغال بهدم الآخرين

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على كل خطاب ديني:

ماذا تبني؟

فإذا كان الخطاب يعلّم الشباب القرآن، والفقه، والأخلاق، والصدق، والصبر، والعمل، وخدمة الناس، وحسن التعامل، فهذا بناء.

أما إذا كان معظم وقته يعلّمهم:

من نطعن فيه، ومن نحذر منه، ومن نصنفه، ومن نهجره، ومن نسقطه،

فإننا أمام خطاب يستهلك طاقة الشباب في هدم الآخرين بدل بناء أنفسهم.

والأمة لا تُبنى بهذه الطريقة.


الحادي عشر: التعصب للأشخاص تحت شعار «اتباع السلف»

المفارقة أن الخطاب المدخلي يكثر من الحديث عن:

اتباع الدليل، وترك التقليد، والرجوع إلى الكتاب والسنة.

لكن التطبيق العملي عند بعض الأتباع قد ينتهي إلى شيء مختلف:

إذا قال الشيخ الذي نتبعه قبلنا.

وإذا تكلم الشيخ الذي نحبه صدقناه.

وإذا تكلم العالم الذي نختلف معه بحثنا عن مداخل للرد عليه.

فتصبح المشكلة في النهاية ليست:

اتباع الدليل.

بل:

من الذي يملك حق تفسير الدليل؟

وهنا تظهر خطورة تحويل بعض الأشخاص إلى مراجع نهائية لا تقبل المراجعة.


الثاني عشر: أليس من حق العلماء والدعاة أن يخطئوا؟

العالم ليس معصومًا.

والداعية ليس معصومًا.

وطالب العلم ليس معصومًا.

والخطأ لا يحتاج إلى تحويل صاحبه إلى عدو.

يمكن أن نقول:

أخطأ فلان في هذه المسألة.

ونذكر الدليل.

ونبين وجه الخطأ.

ثم ننتهي.

لكن ثقافة الخصومة لا تكتفي بذلك.

بل تبدأ من الخطأ الصغير ثم تتوسع:

أخطأ → منحرف → مميع → مبتدع → يُحذر منه → لا يُسمع له → يجب إسقاطه.

وهذه السلسلة تحتاج إلى مراجعة جادة؛ لأن الانتقال من نقد القول إلى إسقاط الشخص ليس أمرًا بسيطًا.


الثالث عشر: من يربي الشباب على هذا الخطاب؟

إذا أردنا إصلاح واقع الدعوة، فعلينا أن نراجع الخطاب الذي نقدمه للشباب.

هل نعلمهم أن المسلم المخالف لنا قد يكون عنده علم لا نملكه؟

هل نعلمهم أن العالم قد يصيب ويخطئ؟

هل نعلمهم أدب الخلاف؟

هل نعلمهم التفريق بين البدعة والخطأ، وبين الخطأ والاجتهاد، وبين المخالفة العلمية والانحراف العقدي؟

أم نعلمهم فقط:

«خذ هذا الاسم، واحذر هذا الاسم»؟

إذا كانت التربية قائمة على القوائم والتصنيفات، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما ينشأ جيل يجيد التصنيف أكثر مما يجيد العلم.


الخلاصة

إن أخطر ما في ثقافة الخصومة أنها لا تكتفي بخلاف العلماء، بل تُحوِّل الخلاف إلى تربية.

تربي الشاب على أن يرى المخالف خصمًا.

وتربيه على أن يبحث عن الزلة.

وتربيه على أن يفرح بسقوط الداعية.

وتربيه على أن يثق بقائمته أكثر من ثقته بالدليل.

وتربيه على أن يظن أن النجاة في معرفة «من نحذر منه» أكثر من معرفته بما يجب أن يتعلمه ويعمل به.

وهنا نقول بوضوح:

لسنا ضد النقد، ولسنا ضد الرد على الأخطاء، ولسنا ضد التحذير حين تدعو إليه الحاجة.

لكننا ضد أن تتحول هذه الأمور إلى منهج تربية كامل.

ضد أن يُختزل الدين في الخصومات.

وضد أن يصبح تصنيف المسلمين مشروعًا دائمًا.

وضد أن يتحول الشباب إلى جنود في معارك لا تنتهي.

وضد أن يُربى الشاب على أن قيمة العالم تُقاس بمدى قربه من جماعتنا، لا بعلمه وعدله وتقواه.

وضد أن يصبح الطعن في الدعاة والعلماء العاملين للإسلام وسيلة لإثبات «السلفية».

فالسلفية التي تُنسب إلى السلف ينبغي أن تُقاس أولًا بما ظهر فيهم من:

علم، وتقوى، وعدل، ورحمة، وتواضع، وإنصاف، وحسن أدب.

أما أن نربي جيلًا يعرف كيف يطعن أكثر مما يعرف كيف يتعلم، وكيف يصنف أكثر مما يعرف كيف يفهم، وكيف يهدم أكثر مما يعرف كيف يبني، فهذه ليست أزمة مخالفين فحسب؛ بل أزمة تربية ومنهج.

ولذلك يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه هذا الخطاب بصدق:

هل نريد شبابًا يحملون رسالة الإسلام، أم شبابًا يحملون قوائم الخصوم؟

هل نريد جيلًا يبني الأمة، أم جيلًا ينشغل بإسقاط أبنائها؟

وهل تكون الدعوة إلى السنة سببًا في زيادة العلم والأخوة والرحمة، أم تتحول إلى بوابة للخصومة والتصنيف والطعن؟

إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي جماعة دينية ليس أن تخطئ في مسألة، وإنما أن تربي جيلًا يرى أخاه المسلم خصمًا قبل أن يراه أخًا.

هكذا يُظلم العلماء والدعاة: الجرح بلا تثبت والتصنيف بلا إنصاف

 

الإنصاف قبل الجرح، والتثبت قبل التصنيف

ثماني قواعد شرعية للحكم على الناس


ليس كل خطأٍ يُسقط صاحبه، ولا كل جرحٍ يُقبل، ولا كل مظهرٍ يدل على التقوى، ولا كل كلمةٍ تُفهم بمعزل عن سياقها ومقصد قائلها.

ومن أخطر أبواب الفتن بين المسلمين: التسرع في تصنيف الناس، والحكم على العلماء والدعاة وطلبة العلم، ونقل الكلام عنهم دون تثبت، ثم بناء المواقف والأحكام على أخبار قد تكون ناقصة أو محرّفة أو أُخرجت من سياقها.

ولهذا كان من المهم أن نضع قضية الحكم على الناس والجرح والتعديل في ميزان من العدل والإنصاف، من خلال ثماني قواعد:


القاعدة الأولى: الإنسان يُنظر إلى مجموع حسناته وسيئاته

قال الله تعالى:

﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
[المؤمنون: 102-103]

فالإنسان لا يُختزل في زلةٍ واحدة، ولا تُمحى حسناته بسبب خطأ وقع فيه، كما أن كثرة الحسنات لا تعني عصمة صاحبها من الخطأ.

قال تعالى في وصف المتقين:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران: 135]

فالعبد الصالح قد يقع في الخطأ، وقد يزل، وقد يقع في معصية، لكن الفرق أن المؤمن لا يصر على خطئه، بل يرجع إلى الله ويتوب ويستغفر.

ولهذا قال الإمام الذهبي في مقدمة ميزان الاعتدال:

«ليس من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ، فالكامل الذي ليس فيه شيء عزيز نادر الوجود».

وهذه قاعدة عظيمة ينبغي ألا تغيب عنا عند الحديث عن العلماء والدعاة وطلبة العلم.

فلا نغلو في أحد، ولا نجعله معصومًا من الخطأ، وفي الوقت نفسه لا نبخسه حقه بسبب هفوة أو زلة.

ويقول الإمام الذهبي رحمه الله:

«إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه للحق، يُغفر له زلله، ولا نضلله، ولا نطرحه، ولا ننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك».

وهذا هو الإنصاف.

نأخذ الحق من العالم، ونرد خطأه، من غير أن نحول خطأه إلى سبب لإهدار جميع فضائله.

وقد قرر الإمام السبكي معنى قريبًا من ذلك فقال:

«من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة».

فليس هناك إنسان كامل من كل وجه.

فمن ذا الذي سلم من الزلل؟ ومن ذا الذي صفا من كل كدر؟


القاعدة الثانية: التثبت في النقل، ومعرفة الصورة الكاملة

من أخطر أسباب الظلم في الحكم على الناس: نقل الأخبار مبتورة، أو الاعتماد على كلامٍ لم يثبت، أو بناء الأحكام على رواية سمعها الإنسان من طرف واحد.

يقول ابن حجر رحمه الله:

«إن الذي يتصدى لضبط الأفعال والأقوال والرجال يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، لا يكتفي بالقول الشائع».

فإذا سمعت أن عالمًا أو داعيةً قال قولًا معينًا، فلا تتعجل في نشره والحكم عليه.

ربما لم يقل ذلك أصلًا.

وربما قاله في سياق آخر.

وربما نُقل كلامه بالمعنى فأُفسد معناه.

وربما كان له كلام آخر يفسر كلامه الأول.

ولهذا فإن التثبت ليس ترفًا، بل هو من مقتضيات العدل.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6]

فإذا ترتب على الخبر الطعن في إنسان أو إسقاطه أو التشهير به، كان التثبت أولى وأوجب.

لا تجعل «قيل» و«سمعت» و«بلغني» و«يقال» مصادرَ للأحكام على الناس.

بل ابحث عن الدليل، وتحقق من الكلام، وانظر في الملابسات والسياق.

فدلائل الأمور أقوى من مجرد الدعاوى، والوقائع الثابتة أولى بالاعتماد من الأخبار المرسلة.


القاعدة الثالثة: التثبت من كلام الأقران في بعضهم

من القواعد المهمة في هذا الباب: أن كلام الأقران في بعضهم يحتاج إلى مزيد من التثبت.

فقد يقع بين العلماء وطلبة العلم وأصحاب الاتجاهات المختلفة خلافٌ علمي أو مذهبي أو شخصي، وقد يؤثر ذلك في بعض الأحكام التي يطلقها أحدهم على الآخر.

ولهذا اشتهرت عند أهل العلم قاعدة:

«كلام الأقران يُطوى ولا يُروى».

والمقصود ليس إسقاط كلام الأقران مطلقًا، ولا أن كل جرح يصدر من قرين مردود، وإنما المقصود أن كلام المتنافسين أو المختلفين يحتاج إلى فحصٍ ودراسة ومعرفة سببه وملابساته، ولا يُقبل لمجرد صدوره.

فالعداوة قد تجعل الإنسان يرى عيوب خصمه أكثر مما يرى محاسنه.

وقد يجعل الخلاف المذهبي أو الفكري بعض الناس يحمل كلام مخالفه على أسوأ المحامل.

ولهذا ينبغي التفريق بين:

نقدٍ علمي قائم على الدليل، وبين كلامٍ تحركه الخصومة أو التعصب أو المنافسة.

والميزان في النهاية هو الدليل والعدل والإنصاف.


القاعدة الرابعة: فهم الألفاظ في سياقها ومقاصدها

ليست كل كلمة تُفهم بمجرد ظاهرها.

فقد يكون اللفظ شديدًا في ظاهره، لكنه لا يراد به التحقير أو الإساءة.

ومن ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه:

«ثكلتك أمك يا معاذ...»

فهذا اللفظ في ظاهره شديد، لكنه لا يعني أن النبي ﷺ أراد الدعاء عليه حقيقة، بل جاء في سياق البيان والتعليم والتنبيه.

وقد قال له ﷺ:

«إني لأحبك يا معاذ»

فمعرفة السياق، والقرائن، وعادة المتكلم، والمقام الذي قيلت فيه العبارة أمور أساسية لفهم الكلام فهمًا صحيحًا.

ويقول الإمام السبكي:

«فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره ومن استن بسنته، مع أن المؤلف لم يرد بذلك الوجه الذي وصل إليه ذلك الرجل».

وهذه مشكلة تتكرر كثيرًا في عصرنا.

يأخذ شخصٌ جملة من كتاب، أو مقطعًا قصيرًا من محاضرة، ثم يبني عليها حكمًا كاملًا على صاحبها، دون أن يرجع إلى بقية كلامه.

وهذا ليس من الإنصاف في شيء.

فإذا كان الرجل معروفًا بالعلم والاستقامة، فلا ينبغي أن نحمل كلامه على أسوأ الاحتمالات لمجرد احتمالٍ بعيد، بل ننظر في كلامه كله، وفي أسلوبه، وفي سياقه، وفي مقصوده.


القاعدة الخامسة: لا تجرح من لا تحتاج إلى جرحه

من أعظم أبواب السلامة: أن يحفظ المسلم لسانه عن أعراض الناس.

فليس كل إنسان يحتاج إلى أن تبحث عن عدالته أو جرحه.

وليس كل خطأ يحتاج إلى إعلان.

وليس كل زلة تستحق أن تتحول إلى قضية عامة.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[الإسراء: 36]

وقال سبحانه:

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾
[الحجرات: 12]

وشأن المسلم أن ينشغل بما ينفعه، وأن يدعو إلى الخير، وأن يرد الخطأ بالحكمة، لا أن يجعل همَّه الأكبر تصنيف الناس وملاحقة زلاتهم وتتبع عيوبهم.

فكم من إنسان أضاع عمره في البحث عن أخطاء الآخرين، بينما غفل عن إصلاح نفسه!

وكم من إنسان انشغل بالمفضول عن الفاضل، وبالجدل عن العبادة، وبالخصومة عن العلم.

فليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله، وليس كل ما تقوله يجب أن تنشره.


القاعدة السادسة: إذا اجتمع الجرح والتعديل فاذكر الأمرين بإنصاف

إذا كان الإنسان معروفًا بخيرٍ وشر، وصوابٍ وخطأ، فلا يجوز أن تنقل جانبًا واحدًا منه وتخفي الجانب الآخر إذا كان المقام يقتضي بيان الصورة كاملة.

فالإنصاف يقتضي أن تقول:

له جهود نافعة، وله أخطاء.

له علم وفضل، وعنده مسائل أخطأ فيها.

له أعمال مشكورة، وله مواقف لا نوافقه عليها.

وهذا أدق من اختزال الإنسان كله في وصف واحد.

ومن الظلم أن يتحول النقد من:

«أخطأ في هذه المسألة»

إلى:

«هو إنسان باطل من جميع الوجوه».

فالعدل يقتضي أن يُذكر للإنسان ما له وما عليه.

ولا يصح أن تكون نظرتنا إلى الأشخاص نظرة انتقائية؛ فنبحث عن أخطاء من نختلف معه، وعن محاسن من نوافقه فقط.

الإنصاف الحقيقي أن ترى الأمرين معًا.


القاعدة السابعة: لا تجعل حسن الهيئة وحده ميزانًا للناس

المظهر قد يكون صالحًا، لكنه ليس وحده دليلًا على صلاح الباطن.

قال الله تعالى عن المنافقين:

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾
[المنافقون: 4]

فلا ينبغي أن نعطي الإنسان قدرًا أكبر من قدره لمجرد مظهره، كما لا ينبغي أن نحكم على إنسان بالفسق أو سوء الدين لمجرد أن مظهره لا يوافق ما نراه نحن.

الناس لا يُعرفون بالمظاهر وحدها، وإنما بالأقوال والأفعال والمواقف والصدق والأمانة والاستقامة.

فالمظهر لا يكفي وحده للحكم على الإنسان، كما أن مخالفة الإنسان في بعض المظاهر لا تعني بالضرورة الحكم على قلبه أو دينه كله.

والميزان هو العدل، والدليل، ومعرفة مجموع حال الإنسان.


القاعدة الثامنة: إذا جاز الجرح فلا يكن بقصد التحقير والتشفي

حتى عندما يكون الكلام عن خطأ شخص أو بيان انحراف قول أو تحذير من أمرٍ معين، ينبغي أن يكون المقصود:

بيان الحق، وحماية الناس من الخطأ، ونصرة الصواب.

لا التشفي، ولا الانتقام، ولا إسقاط الأشخاص، ولا إشباع الخصومات الشخصية.

ومن لطيف ما ذكره الإمام السبكي عن والده أنه قال له في قصة مشهورة:

«شرط الجواز عدم قصد التحقير».

وهذه قاعدة عظيمة في باب الكلام عن الناس.

فقد يذكر الإنسان وصفًا أو لقبًا للتعريف، ولا يقصد به الانتقاص، وقد يذكره بقصد السخرية والتحقير، فيختلف الحكم باختلاف القصد والسياق.

ولهذا ينبغي أن نسأل أنفسنا قبل أن نتكلم عن شخص أو جماعة:

هل أريد بيان الحق، أم أريد إسقاط الشخص؟

هل أريد التحذير من الخطأ، أم التشفي من صاحبه؟

هل أتكلم لله، أم أنتصر لنفسي ولخصومتي؟

فهذه الأسئلة كفيلة بأن تكشف للإنسان شيئًا كثيرًا من دوافعه.


الخلاصة: العدل قبل الحكم

هذه القواعد الثماني تجمع لنا منهجًا مهمًا في التعامل مع الناس:

لا تختزل الإنسان في خطأ.

ولا تقبل خبرًا بلا تثبت.

ولا تجعل كلام الخصوم وحده ميزانًا.

ولا تقتطع الكلام من سياقه.

ولا تبحث عن عيوب الناس بلا حاجة.

ولا تنقل الجرح وتترك التعديل.

ولا تجعل المظهر وحده معيارًا للصلاح.

ولا تجعل النقد وسيلة للتحقير والتشفي.

فالعدل ليس أن تحب من توافقه وتُنصفه، وتبغض من تخالفه وتظلمه.

العدل أن يكون ميزانك واحدًا مع الجميع.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]

وما أحوجنا اليوم إلى هذه الآية في زمنٍ أصبح فيه التصنيف أسرع من التثبت، والجرح أسرع من الفهم، ونشر المقطع أسرع من الرجوع إلى المصدر، والحكم على الأشخاص أسهل من دراسة أقوالهم.

فلنحفظ ألسنتنا، ولنعدل في أحكامنا، ولنفرق بين النقد العلمي والتشهير، وبين بيان الخطأ وإسقاط صاحبه.

فالإنصاف عبادة، والتثبت أمانة، وحفظ أعراض المسلمين من أعظم أبواب التقوى.

اللهم طهّر ألسنتنا من قول الزور، وقلوبنا من الغل والضغائن، وارزقنا العدل فيمن نحب وفيمن نختلف معه، واجعلنا هداةً مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.

ليس كل خطأٍ يُسقط صاحبه، ولا كل جرحٍ يُقبل، ولا كل مظهرٍ يدل على التقوى

 

ثماني قواعد شرعية للحكم على الناس

الإنصاف قبل الجرح، والتثبت قبل التصنيف

ليس كل خطأٍ يُسقط صاحبه، ولا كل جرحٍ يُقبل، ولا كل مظهرٍ يدل على التقوى، ولا كل كلمةٍ تُفهم بمعزل عن سياقها ومقصد قائلها.

ومن أخطر أبواب الفتن بين المسلمين: التسرع في تصنيف الناس، والحكم على العلماء والدعاة وطلبة العلم، ونقل الكلام عنهم دون تثبت، ثم بناء المواقف والأحكام على أخبار قد تكون ناقصة أو محرّفة أو أُخرجت من سياقها.

ولهذا كان من المهم أن نضع قضية الحكم على الناس والجرح والتعديل في ميزان من العدل والإنصاف، من خلال ثماني قواعد:


القاعدة الأولى: الإنسان يُنظر إلى مجموع حسناته وسيئاته

قال الله تعالى:

﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
[المؤمنون: 102-103]

فالإنسان لا يُختزل في زلةٍ واحدة، ولا تُمحى حسناته بسبب خطأ وقع فيه، كما أن كثرة الحسنات لا تعني عصمة صاحبها من الخطأ.

قال تعالى في وصف المتقين:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران: 135]

فالعبد الصالح قد يقع في الخطأ، وقد يزل، وقد يقع في معصية، لكن الفرق أن المؤمن لا يصر على خطئه، بل يرجع إلى الله ويتوب ويستغفر.

ولهذا قال الإمام الذهبي في مقدمة ميزان الاعتدال:

«ليس من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ، فالكامل الذي ليس فيه شيء عزيز نادر الوجود».

وهذه قاعدة عظيمة ينبغي ألا تغيب عنا عند الحديث عن العلماء والدعاة وطلبة العلم.

فلا نغلو في أحد، ولا نجعله معصومًا من الخطأ، وفي الوقت نفسه لا نبخسه حقه بسبب هفوة أو زلة.

ويقول الإمام الذهبي رحمه الله:

«إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه للحق، يُغفر له زلله، ولا نضلله، ولا نطرحه، ولا ننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك».

وهذا هو الإنصاف.

نأخذ الحق من العالم، ونرد خطأه، من غير أن نحول خطأه إلى سبب لإهدار جميع فضائله.

وقد قرر الإمام السبكي معنى قريبًا من ذلك فقال:

«من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة».

فليس هناك إنسان كامل من كل وجه.

فمن ذا الذي سلم من الزلل؟ ومن ذا الذي صفا من كل كدر؟


القاعدة الثانية: التثبت في النقل، ومعرفة الصورة الكاملة

من أخطر أسباب الظلم في الحكم على الناس: نقل الأخبار مبتورة، أو الاعتماد على كلامٍ لم يثبت، أو بناء الأحكام على رواية سمعها الإنسان من طرف واحد.

يقول ابن حجر رحمه الله:

«إن الذي يتصدى لضبط الأفعال والأقوال والرجال يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، لا يكتفي بالقول الشائع».

فإذا سمعت أن عالمًا أو داعيةً قال قولًا معينًا، فلا تتعجل في نشره والحكم عليه.

ربما لم يقل ذلك أصلًا.

وربما قاله في سياق آخر.

وربما نُقل كلامه بالمعنى فأُفسد معناه.

وربما كان له كلام آخر يفسر كلامه الأول.

ولهذا فإن التثبت ليس ترفًا، بل هو من مقتضيات العدل.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6]

فإذا ترتب على الخبر الطعن في إنسان أو إسقاطه أو التشهير به، كان التثبت أولى وأوجب.

لا تجعل «قيل» و«سمعت» و«بلغني» و«يقال» مصادرَ للأحكام على الناس.

بل ابحث عن الدليل، وتحقق من الكلام، وانظر في الملابسات والسياق.

فدلائل الأمور أقوى من مجرد الدعاوى، والوقائع الثابتة أولى بالاعتماد من الأخبار المرسلة.


القاعدة الثالثة: التثبت من كلام الأقران في بعضهم

من القواعد المهمة في هذا الباب: أن كلام الأقران في بعضهم يحتاج إلى مزيد من التثبت.

فقد يقع بين العلماء وطلبة العلم وأصحاب الاتجاهات المختلفة خلافٌ علمي أو مذهبي أو شخصي، وقد يؤثر ذلك في بعض الأحكام التي يطلقها أحدهم على الآخر.

ولهذا اشتهرت عند أهل العلم قاعدة:

«كلام الأقران يُطوى ولا يُروى».

والمقصود ليس إسقاط كلام الأقران مطلقًا، ولا أن كل جرح يصدر من قرين مردود، وإنما المقصود أن كلام المتنافسين أو المختلفين يحتاج إلى فحصٍ ودراسة ومعرفة سببه وملابساته، ولا يُقبل لمجرد صدوره.

فالعداوة قد تجعل الإنسان يرى عيوب خصمه أكثر مما يرى محاسنه.

وقد يجعل الخلاف المذهبي أو الفكري بعض الناس يحمل كلام مخالفه على أسوأ المحامل.

ولهذا ينبغي التفريق بين:

نقدٍ علمي قائم على الدليل، وبين كلامٍ تحركه الخصومة أو التعصب أو المنافسة.

والميزان في النهاية هو الدليل والعدل والإنصاف.


القاعدة الرابعة: فهم الألفاظ في سياقها ومقاصدها

ليست كل كلمة تُفهم بمجرد ظاهرها.

فقد يكون اللفظ شديدًا في ظاهره، لكنه لا يراد به التحقير أو الإساءة.

ومن ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه:

«ثكلتك أمك يا معاذ...»

فهذا اللفظ في ظاهره شديد، لكنه لا يعني أن النبي ﷺ أراد الدعاء عليه حقيقة، بل جاء في سياق البيان والتعليم والتنبيه.

وقد قال له ﷺ:

«إني لأحبك يا معاذ»

فمعرفة السياق، والقرائن، وعادة المتكلم، والمقام الذي قيلت فيه العبارة أمور أساسية لفهم الكلام فهمًا صحيحًا.

ويقول الإمام السبكي:

«فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره ومن استن بسنته، مع أن المؤلف لم يرد بذلك الوجه الذي وصل إليه ذلك الرجل».

وهذه مشكلة تتكرر كثيرًا في عصرنا.

يأخذ شخصٌ جملة من كتاب، أو مقطعًا قصيرًا من محاضرة، ثم يبني عليها حكمًا كاملًا على صاحبها، دون أن يرجع إلى بقية كلامه.

وهذا ليس من الإنصاف في شيء.

فإذا كان الرجل معروفًا بالعلم والاستقامة، فلا ينبغي أن نحمل كلامه على أسوأ الاحتمالات لمجرد احتمالٍ بعيد، بل ننظر في كلامه كله، وفي أسلوبه، وفي سياقه، وفي مقصوده.


القاعدة الخامسة: لا تجرح من لا تحتاج إلى جرحه

من أعظم أبواب السلامة: أن يحفظ المسلم لسانه عن أعراض الناس.

فليس كل إنسان يحتاج إلى أن تبحث عن عدالته أو جرحه.

وليس كل خطأ يحتاج إلى إعلان.

وليس كل زلة تستحق أن تتحول إلى قضية عامة.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[الإسراء: 36]

وقال سبحانه:

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾
[الحجرات: 12]

وشأن المسلم أن ينشغل بما ينفعه، وأن يدعو إلى الخير، وأن يرد الخطأ بالحكمة، لا أن يجعل همَّه الأكبر تصنيف الناس وملاحقة زلاتهم وتتبع عيوبهم.

فكم من إنسان أضاع عمره في البحث عن أخطاء الآخرين، بينما غفل عن إصلاح نفسه!

وكم من إنسان انشغل بالمفضول عن الفاضل، وبالجدل عن العبادة، وبالخصومة عن العلم.

فليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله، وليس كل ما تقوله يجب أن تنشره.


القاعدة السادسة: إذا اجتمع الجرح والتعديل فاذكر الأمرين بإنصاف

إذا كان الإنسان معروفًا بخيرٍ وشر، وصوابٍ وخطأ، فلا يجوز أن تنقل جانبًا واحدًا منه وتخفي الجانب الآخر إذا كان المقام يقتضي بيان الصورة كاملة.

فالإنصاف يقتضي أن تقول:

له جهود نافعة، وله أخطاء.

له علم وفضل، وعنده مسائل أخطأ فيها.

له أعمال مشكورة، وله مواقف لا نوافقه عليها.

وهذا أدق من اختزال الإنسان كله في وصف واحد.

ومن الظلم أن يتحول النقد من:

«أخطأ في هذه المسألة»

إلى:

«هو إنسان باطل من جميع الوجوه».

فالعدل يقتضي أن يُذكر للإنسان ما له وما عليه.

ولا يصح أن تكون نظرتنا إلى الأشخاص نظرة انتقائية؛ فنبحث عن أخطاء من نختلف معه، وعن محاسن من نوافقه فقط.

الإنصاف الحقيقي أن ترى الأمرين معًا.


القاعدة السابعة: لا تجعل حسن الهيئة وحده ميزانًا للناس

المظهر قد يكون صالحًا، لكنه ليس وحده دليلًا على صلاح الباطن.

قال الله تعالى عن المنافقين:

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾
[المنافقون: 4]

فلا ينبغي أن نعطي الإنسان قدرًا أكبر من قدره لمجرد مظهره، كما لا ينبغي أن نحكم على إنسان بالفسق أو سوء الدين لمجرد أن مظهره لا يوافق ما نراه نحن.

الناس لا يُعرفون بالمظاهر وحدها، وإنما بالأقوال والأفعال والمواقف والصدق والأمانة والاستقامة.

فالمظهر لا يكفي وحده للحكم على الإنسان، كما أن مخالفة الإنسان في بعض المظاهر لا تعني بالضرورة الحكم على قلبه أو دينه كله.

والميزان هو العدل، والدليل، ومعرفة مجموع حال الإنسان.


القاعدة الثامنة: إذا جاز الجرح فلا يكن بقصد التحقير والتشفي

حتى عندما يكون الكلام عن خطأ شخص أو بيان انحراف قول أو تحذير من أمرٍ معين، ينبغي أن يكون المقصود:

بيان الحق، وحماية الناس من الخطأ، ونصرة الصواب.

لا التشفي، ولا الانتقام، ولا إسقاط الأشخاص، ولا إشباع الخصومات الشخصية.

ومن لطيف ما ذكره الإمام السبكي عن والده أنه قال له في قصة مشهورة:

«شرط الجواز عدم قصد التحقير».

وهذه قاعدة عظيمة في باب الكلام عن الناس.

فقد يذكر الإنسان وصفًا أو لقبًا للتعريف، ولا يقصد به الانتقاص، وقد يذكره بقصد السخرية والتحقير، فيختلف الحكم باختلاف القصد والسياق.

ولهذا ينبغي أن نسأل أنفسنا قبل أن نتكلم عن شخص أو جماعة:

هل أريد بيان الحق، أم أريد إسقاط الشخص؟

هل أريد التحذير من الخطأ، أم التشفي من صاحبه؟

هل أتكلم لله، أم أنتصر لنفسي ولخصومتي؟

فهذه الأسئلة كفيلة بأن تكشف للإنسان شيئًا كثيرًا من دوافعه.


الخلاصة: العدل قبل الحكم

هذه القواعد الثماني تجمع لنا منهجًا مهمًا في التعامل مع الناس:

لا تختزل الإنسان في خطأ.

ولا تقبل خبرًا بلا تثبت.

ولا تجعل كلام الخصوم وحده ميزانًا.

ولا تقتطع الكلام من سياقه.

ولا تبحث عن عيوب الناس بلا حاجة.

ولا تنقل الجرح وتترك التعديل.

ولا تجعل المظهر وحده معيارًا للصلاح.

ولا تجعل النقد وسيلة للتحقير والتشفي.

فالعدل ليس أن تحب من توافقه وتُنصفه، وتبغض من تخالفه وتظلمه.

العدل أن يكون ميزانك واحدًا مع الجميع.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]

وما أحوجنا اليوم إلى هذه الآية في زمنٍ أصبح فيه التصنيف أسرع من التثبت، والجرح أسرع من الفهم، ونشر المقطع أسرع من الرجوع إلى المصدر، والحكم على الأشخاص أسهل من دراسة أقوالهم.

فلنحفظ ألسنتنا، ولنعدل في أحكامنا، ولنفرق بين النقد العلمي والتشهير، وبين بيان الخطأ وإسقاط صاحبه.

فالإنصاف عبادة، والتثبت أمانة، وحفظ أعراض المسلمين من أعظم أبواب التقوى.

اللهم طهّر ألسنتنا من قول الزور، وقلوبنا من الغل والضغائن، وارزقنا العدل فيمن نحب وفيمن نختلف معه، واجعلنا هداةً مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.

قواعد في الحكم على الناس

 قواعد في الحكم على الناس

الشيخ محمد حسين يعقوب

 

قال فضيلة الشيخ محمد حسين يعقوب في كتابه ( الأخوَّة أيها الإخوة ) ما نصه :

 

وقبل أن ننتقل إلى سبب آخر لتعميق أواصر الأخوة ، ينبغي أن نضع هذه القضية الخطيرة "تصنيف الناس والحكم عليهم" في ميزانها الشرعي ، وذلك من خلال ثماني  قواعد .

القاعدة الأولى : الإنسان يوزن بـحسناته وسيئاته :

قال تعالى : ( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون  ) [ المؤمنون/102ـ103 ]

فأخبرنا الله ـ جل وعلا ـ أن من كانت حسناته هي الراجحة على سيئاته مع الندم على السيئات كان على سبيل النجاة ،وطريق الفوز والفلاح ، ومن مالت سيئاته بحسناته كان الهلاك والعذاب أولى به وهنا فوائد مهمة ينبغي علينا أن نحفظها جيداً ، فليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين.

قال تعالى – في وصف المتقين – : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون )  [ آل عمران/135]

 فالتقي قد يقع في كبيرة ، ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَة ) كبيرة من الكبائر ( أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ  ) صغيرة من الصغائر ، لكنهم يتوبون سريعاً حال يقظتهم من غفلة المعصية فلا يصرون على فعل المعاصي ، بل يستغفرون الله على فعلهم.

يقول الإمام الذهبي في (مقدمة ميزان الاعتدال) : " ليس من شرط الثقة أن يكون معصوماً من الخطايا والخطأ ، فالكامل الذي ليس فيه شيء عزيز نادر الوجود " .

 يقول ابن الأثير في ( اللباب في تهذيب الأنساب ) :" إنَّما السيد من عدت سقطاته ، وأخذت غلطاته ، فهي الدنيا لا يكمل بها شيء ". وقد صح عن النبي e حين سبقت ناقة اليهودي ناقته فقال عليه الصلاة والسلام : "حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" [2] والأمثلة الحية كثيرة  ، فاللهم ارحم الموحدين من المؤمنين.

إخوتاه ..

هذا الميزان ينبغي أن نطبقه مع إخواننا ومشايـخنا ، فلا نغلوا فيهم ، ولا نبخسهم حقهم لمجرد هفوة أو زلة صدرت من أحدهم فالمرء يوزن بتقواه ومن كثرت حسناته تُغوضِيَ عن سيئاته.

استمع لكلام سلفنا وتذكر قول الإمام الشافعي : " إني لأظفر بالمسألة لم أكن قد سمعتها من قبل ، فأود لو أن كل جسمي آذانٌ ليستمتعَ جسمي كما استمتعت أذني " .

     يقول الإمام الذهبي ـ والذهبي ذهبي الكلام ـ " إنَّ الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه ، وعُلم تحريه للحق ، واتسع علمه ، وظهر ذكاؤه ، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه للحق يغفر له زلَله ، لا نضلله ، ولا نطرحه ، ولا ننسى محاسنه ، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ، ونرجو له التوبة من ذلك " أهـ

لذلك علينا ألا نشهر بأحدٍ ، ولا نبالغ في إفشاء ستره ، فلو فتح هذا الباب لما سلم لنا أحدٌ من الأئمة والدعاة ، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون ، وهلك فيه هالكون.

مثلاً : ضعف بعضهم الإمام البخاري فيرد ابن حجر – رحمه الله – فيقول : ومن ضعفه فهو الضعيف.

إخوتاه ..

يقول الإمام السبكي : " من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره فإنَّا لا نلتفت إلى الجرح فيه ، ونعمل فيه بالعدالة " ([3])

فهذا هو الأصل ليس صنف من الناس إلا وفيه عيب ، فمن ذا خلص من الآفات ، ومن ذا صفا من الكدورات ، فاللهم اجبر نقصنا ، واغفر زللنا إليك يا رب المشتكى .

القاعدة الثانية : التحري والتصور لجميع حال ذلك الإنسان:

يقول ابن حجر رحمه الله تعالى : " إن الذي يتصدى لضبط الأفعال والأقوال والرجال يلزمه التحري في النقل فلا يجزم إلا بما يتحققه لا يكتفي بالقول الشائع " أهـ

مثلاً : تجد من الإخوة من يحضر درساً فينقل عن الشيخ كلاماً ربما لم يقله ، أو فهمه بطريق الخطأ، في مثل هذه الأحوال ينبغي أن تتحرى فتسأل الشيخ أو الثقات الأثبات حتى لا تنتشر المقولات الكاذبة عن الدعاة والعلماء.

قال رسول الله e : " بئس مطية الرجل زعموا "(2) فهذه من علامات السند المنقطع ؛ لذلك لابدَّ من اتصال السند ، والتحقق والتحري بنفسك ، خاصةً إذا ترتب على ذلك مفسدة كالطعن في أحد من أهل العلم والصلاح ، وإن كان في الواقعة أمرٌ فادح كموقف أو قول أو فعل في حق المستور فينبغي ألا يبالغ في إفشائه ، بل يكتفي بالإشارة لئلا يكون الأمر فلتة ، أو على غير الوجه الذي تتصوره. لذلك يحتاج المسلم إلى أن يكون عارفاً بمقادير الناس ، وبأحوالهم ومنازلهم فلا يرفع الوضيع ، ولا يضع الرفيع. فيا لله لو أعطى الناس بدعواهم لذهبت أموال وأنفس كثيرة لا يعلمها إلا الله ، فإياك وسماع الدعاوى فإنَّها لا تثمر خيراً ، وأكثر الشرور تأتى من " قيل وقال وسمعت وظننت وبلغني " فإياك .. إياك فمن صحت عدالته ، وعُلم بالعلم عنايته ، وسلم من الكبائر ولزم المروءة ، وكان خيره غالباً ، وشره أقل عمله ، فهذا لا يُقبل فيه قول قائل لا برهان له به. فدلائل الأمور أشد تثبيتاً من شهادات الرجال ، إلا أن يكون في الخبر دليلٌ ، ومع الشهادة برهانٌ ؛ لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق ، ولا يزيد ، ولا يبدل ، وشهادة الإنسان لا تمتنع من ذلك وهذا هو الحق – إن شاء الله – الذي لا حق غيره.

القاعدة الثالثة : التثبت من كلام الأقران وأرباب المذاهب والجماعات في بعضهم البعض:

     كلام الأقران لا يعبأ به خاصة إذا بدا لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد ، كذلك في الإخوة الأقران الذين بينهم وبين بعض تنافس كأصحاب المحلات الواحدة ، أو المهنة المشتركة ، أو أصحاب دعوات مختلفة أو أصحاب أفكار متباينة.

هؤلاء لا يقبل كلام بعضهم في بعض – كما يقول الإمام الذهبي – في قاعدته الذهبية:

" كلام الأقران يُطوى ولا يُروى ، فإن ذُكر تأمله المحدث فإن وجد له متابعاً ، وإلا أعرض عنه ".

مثلاً : يشيع أن تـجد العداوات بين الأصحاب إذا اختلفوا ، وناءت بهم السبل ، أو رجل كان متزوجاً من امرأة فطلقها فيبدأ في التقول عليها ، أو العكس فكل ذلك يُطوى ولا يُروى إلا إذا وُجد الدليل على صدق القائل. ينبغي أن نحمل الكلام محملاً حسناً ، وحسن الظن واجب ، والتأويل الحسن لازم لسلامة الصدر.

القاعدة الرابعة : الخبرة بمدلولات الألفاظ ومقاصدها :

يقول الأدباء : قد يوحش اللفظ ، وكله وُدّ. حين يقول رسول الله e لمعاذ – مثلاً – " ثكلتك أمك" (1) معناها فقدتك ، فاللفظ موحش ولكنه يفيض محبة ، فالرسول أراد أن يفهمه وقد قال له e " إني لأحبك يا معاذ "(2)

ففهم مدلولات الألفاظ ضرورة ، فمن الألفاظ ما يجرى على الألسنة بغير قصد لمدلوله الظاهر، بل يتعارف الناس فيه معنى آخر ، ويتداول بينهم حتى يعود هو المتبادر.

كمثل قولهم : ويله وويل أمه ، تربت يمينه ،... الخ هذه العبارات ، وهنا ينظر أصحاب العقول البصيرة ، فيتأملوا قرائن الحال والمتكلم ، فإن كان ولياً فهو الولاء ، وإن بدا القول خشناً ، وإن كان عدواً فهو البلاء حتى ولو بدا القول حسناً (1)

يقول الإمام السبكي : " فكثيراً ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها ، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره ومن استن بسنته مع أن المؤلف لم يرد بذلك الوجه الذي وصل إليه ذلك الرجل " .

 إذا كان الرجل ثقة مشهوداً له بالإيمان والاستقامة فلا ينبغي أن يُحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه بل ينبغي التأويل الصالح ، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله ، ليس شيء أنفع لمن لا يدري مدلول الألفاظ من أن يسيء الظن بنفسه ، وأن يرجع إلى غيره ، ليس في الدنيا إنسان إلا وهو في حاجة إلى تثقيف وزيادة علم ، والمستعين بغيره أبداً على خير ، فلذلك ينبغي أن نفهم مدلولات الألفاظ ، فإن فهم الألفاظ على وجه خطأ هو الذي يُفسد ويسيء.

القاعدة الخامسة : ألا يـجرح من لا يـحتاج إلى جرحه .

ينبغي على المسلم حفظ لسانه ، وصيانة جارحته عن أعراض  المسلمين ، فليس هو عليهم بحفيظ ولا بمسيطر.

وشأن المسلم أن ينشغل بدعوة الناس وردهم إلى الإسلام رداً جميلاً ، لا أن يوطن نفسه في تصنيف الناس والحكم عليهم.

ومن الناس من لا تحتاج إلى البحث عنه ، لا تفتش عن عدالته أو جرحه ، حتى وإن بدت أمارات حرص ، فلا ينبغي أن تنشغل بالمفضول  – أو قل ما هو من جنس المتروك – عن الفاضل من الأعمال والأقوال والطاعات .

القاعدة السادسة : عدم الاكتفاء بنقل الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل:

     فإذا عُلم عن المرء خيره وشره ، فلا ينبغي أن نكون أصحاب نفوس ذبابية لا تقف إلا على الشيء القذر ، بل ينبغي أن نتحلى بصفة الإنصاف ، وإن كنا في زمان قل فيه من يعرف وأقل منه من يُنصف .

     مثلاً : يسألونك عن بعض الجماعات فتقول : أناسٌ على خير كثير ، نحسبهم مخلصين ، وفي الدعوة مجتهدين ، وأصحاب سمت وأدب وهدى صالح  لكن عندهم بعض البدع .

فلا تنقل أنهم مبتدعة أو على بدعة في بعض ما يصنعون ، ولكن تنقل التعديل والتجريح معاً.


القاعدة السابعة : الحذر من حسن الهيئة :

     فلا يوزن الناس بهيئاتهم ، فهذا مما يشترك فيه المجروحون وأهل العدالة، والصور خداعة ، بل يقاس الناس بأفعالهم ومواقفهم وأقوالهم على موجب الحق والعدل ، فلا نغتر بالشكل أو المظهر.

فليس أحدٌ حجةً على الإسلام بمظهره ، فلا يعظم المرء عندنا لمجرد حسن الهيئة وإظهاره للسنة والتزين بها.

فليس كل من حلق لحيته مجرماً فاسقاً ، ولا كل ملتحٍ صار بلحيته من أولياء الله الصالحين، وإن كنا نقول : حلق اللحية حرام ، وإدمان حلقها كبيرة من الموبقات ، لكن فيمن يحلقون لحاهم أتقياء ، وأنت لا تدرى فليس كل عُذر يذكر.

فليس الحكم على الأشخاص بالمظهر ، قال تعالى عن المنافقين : ( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) [ المنافقين / 4]  فالمظهر ليس شرطاً للعدالة.

القاعدة الثامنة : شرط جواز الجرح عدم قصد التحقير :

     قال الإمام السبكي ـ رحمه الله ـ : " كنت جالساً بدهليز دارنا فأقبل كلب فقلت : اخسأ كلب ابن كلب "  قال : فزجرني والدي من داخل البيت ، قلت : سبحان الله أليس هو كلباً ابن كلب ، فقال: شرط الجواز عدم قصد التحقير ، قلت : وهذه فائدة " أهـ

     مثلاً : أحد الناس مشهور باسم الأعرج – مثلاً – ولا يُعرف إلا بهذه الكنية ، فلا يجوز أن تناديه بهذا إلا بغير قصد التحقير ، وإلا صارت غيبة ، أما إذا قيلت على وجه التعريف فليست بغيبة، وكذلك الشأن في كل الأمور ، إنك عندما تتكلم على جماعة من الجماعات ، أو دعوة من الدعوات ، أو شخص من الأشخاص فلا ينبغي أن تتكلم بنية التحقير والتهوين من شأنه لإيذائه ، وإنما تقصد بيان الحق ونصرة الدين ، فلا تنتصر لنفسك ، أو تكون نيتك طلب العلو بإنزال قدر خصمك ، فإن فعلت فإنك إذاً من الآثمين ، فاللهم طهر ألسنتنا عن قول الزور ، وطهر قلوبنا عن الضغائن والغل والجور ، واجعلنا هداة مهديين لا ضالين ولا مضلين.


الجرح بين العلماء: متى يكون معتبرًا؟ ومتى يكون من كلام الأقران؟

 

الجرح بين العلماء: متى يكون معتبرًا؟ ومتى يكون من كلام الأقران؟

تمهيد

من أدق أبواب العلم وأخطرها: الكلام في العلماء، والحكم على أقوالهم ومناهجهم وأشخاصهم.

فالعالم ليس معصومًا من الخطأ، والنقد العلمي باب معروف عند أهل العلم، وقد مارس أئمة الحديث والفقه والتفسير هذا الباب وفق ضوابط دقيقة، حمايةً للعلم وصيانةً للمنهج.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف العلمي إلى خصومة شخصية، أو المنافسة إلى تجريح، أو الاختلاف إلى إسقاط، ثم يُتعامل مع كل كلام يصدر من عالم في عالم آخر على أنه حكم نهائي لا يقبل النظر أو المناقشة.

ولهذا كان أئمة أهل السنة شديدي التنبيه إلى مسألة كلام الأقران بعضهم في بعض، ودعوا إلى التثبت والعدل والورع، وعدم قبول الجرح لمجرد صدوره.

فالسؤال المهم ليس:

هل تكلم العلماء بعضهم في بعض؟

فالجواب معروف: نعم.

وإنما السؤال:

متى يكون الجرح معتبرًا؟ ومتى يكون من كلام الأقران؟


أولًا: تحاسد العلماء والمنافسة بين الأقران

الحسد والمنافسة بين أهل العلم ليسا أمرين جديدين، فقد نبّه العلماء قديمًا إلى خطورتهما.

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

«تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا، فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون».

وبيّن رحمه الله أن علماء الآخرة لا يجعلون الرياسة وكثرة الأتباع والثناء غايتهم، بل كانوا يخافون من الشهرة والظهور، ويتدافعون الفتوى، ويدعو بعضهم لبعض، ويستفيد بعضهم من بعض.

ثم قال:

«والأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرياسة فيها، ويحبون كثرة الجمع والثناء، وعلماء الآخرة بمعزل من إيثار ذلك».

وقال أيضًا:

«ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف».

وهنا يظهر أصل مهم:

إذا دخل حب الرياسة والمنافسة وحب الظهور في العلاقة بين أهل العلم، فقد يتأثر الحكم على الأقران.

ولهذا لا بد من معرفة حال المتكلم، وحال المتكلم فيه، والظروف التي صدر فيها الكلام.


ثانيًا: السلف نبّهوا إلى خطورة كلام العلماء بعضهم في بعض

نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما:

«خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة».

وقال مالك بن دينار رحمه الله:

«يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض؛ فإنهم أشد تحاسدًا من التيوس».

وقال عبد العزيز بن أبي حازم رحمه الله:

«العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله ذاكره، وإذا لقي من هو دونه لم يزهُ عليه... حتى كان هذا الزمان، فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى يرى الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهى على من هو دونه، فهلك الناس».

ومعنى هذه الكلمات ليس إسقاط النقد العلمي، وإنما التنبيه إلى أن المنافسة بين الأقران قد تؤثر في بعض الأحكام والأقوال.

ولهذا كان العلماء يفرقون بين النقد القائم على البرهان وبين الكلام الذي تحركه النفس والخصومة والمنافسة.


ثالثًا: متى يكون الجرح معتبرًا؟

ليس كل جرح مردودًا، كما أنه ليس كل جرح مقبولًا.

فالجرح المعتبر هو الذي يقوم على علم وعدل وبينة وقرائن صحيحة، وليس مجرد دعوى أو خصومة.

وقد قرر ابن عبد البر رحمه الله أن من صحت عدالته، وثبتت أمانته في العلم، وعُرفت عنايته به، فلا يُلتفت إلى قول الطاعن فيه إلا إذا جاء بما يثبت جرحه على وجه معتبر.

وهذا يقرر قاعدة مهمة:

إسقاط العالم ليس بالأسماء، وإنما بالبراهين.

فليس السؤال:

من الذي تكلم فيه؟

فقط.

بل ينبغي أن يُسأل أيضًا:

ماذا قال؟ ولماذا قال؟ وما دليله؟ وهل فُسِّر جرحه؟ وهل وافقه غيره؟ وهل توجد قرائن تؤيد كلامه أم تدفعه؟

وهذه هي الروح العلمية التي تميز النقد المنضبط عن التشهير.


رابعًا: متى يكون الكلام من كلام الأقران؟

من أبرز القرائن التي تجعل كلام العالم في نظيره محتاجًا إلى مزيد من التأمل:

1 ـ وجود المنافسة

إذا كان المتكلم والمتكلم فيه من المتنافسين في مجال واحد، فلابد من مزيد من التثبت.

2 ـ وجود العداوة أو الخصومة

إذا ثبتت الخصومة بين الطرفين، فإن كلام أحدهما في الآخر لا يُتعامل معه كأنه صادر من شخص محايد.

3 ـ التعصب المذهبي أو الاتجاهي

قد يقع الطعن بسبب اختلاف المذهب أو الاتجاه، ولذلك لا بد من التمييز بين نقد القول بالدليل وبين إسقاط صاحبه بسبب الانتماء أو المخالفة.

4 ـ مخالفة الجرح لما عليه جمهور أهل العلم

إذا كان الرجل معروفًا بالإمامة والعدالة، ووثقه جماعة من الأئمة، ثم انفرد واحد أو عدد قليل بالطعن فيه، وجب النظر في سبب هذا الاختلاف وعدم التسرع في إسقاطه.

5 ـ عدم تفسير الجرح

فالجرح المجمل ليس كالنقد المفصل المبني على وقائع ثابتة.

وهذه الضوابط وغيرها هي التي تجعل الحكم على العلماء قائمًا على العدل والإنصاف، لا على مجرد تكرار العبارات.


خامسًا: ماذا قال الإمام الذهبي في كلام الأقران؟

من أكثر الأئمة وضوحًا في هذه المسألة: الإمام الذهبي رحمه الله.

قال:

«كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبه به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد».

وقال:

«كلام الأقران إذا تبرهن أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى».

وقال:

«كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه».

وقال:

«وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به».

وقال في موضع آخر:

«قلت: هذا من كلام الأقران الذي لا يسمع».

وقال أيضًا:

«وبكل حال كلام الأقران بعضهم في بعض يحتمل، وطيه أولى من بثه».

وقال:

«فلا يعتد غالبًا بكلام الأقران، لا سيما إذا كان بينهما منافسة».

وهذه النقول المتعددة تكشف عن منهج واضح:

كلام الأقران لا يُرفض دائمًا، ولا يُقبل دائمًا؛ بل يُنظر فيه ويُوزن بالعدل والقرائن.


سادسًا: ابن حجر يحذر من قبول كلام الأقران بلا تفصيل

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

«إن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا إذا كان غير مفسر».

وقال أيضًا:

«واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق».

وهذا يبين أن مجرد اختلاف العلماء في بعض المسائل لا يكفي وحده لإسقاط أحدهم.

فقد يختلف العلماء في العقائد أو الفروع أو المناهج، لكن الحكم على الأشخاص يحتاج إلى مزيد من التثبت، ولا سيما إذا كان الكلام صادرًا عن خصم أو منافس.


سابعًا: ابن عبد البر يحذر من إسقاط الأئمة بمجرد الطعن

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله إن من صحت عدالته وثبتت إمامته وعُرفت عنايته بالعلم، لا ينبغي أن يُقبل فيه قول الطاعن بلا بينة عادلة.

ثم أشار إلى أن السلف أنفسهم وقع بينهم كلام بعضهم في بعض، وأن منه ما كان بسبب الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد، ومنه ما كان بسبب التأويل والاجتهاد.

وهذا يقرر أصلًا بالغ الأهمية:

وقوع العالم في كلامٍ على غيره لا يعني بالضرورة أن ذلك الكلام يمثل حكمًا علميًا نهائيًا على المتكلم فيه.

ولهذا لا بد من النظر في الملابسات، ومقارنة الأقوال، ومعرفة موقف بقية أهل العلم.


ثامنًا: السبكي وتحذير شديد من فتح باب التجريح بلا ضوابط

قال تاج الدين السبكي رحمه الله:

«والحذر الحذر من هذا الحسبان، بل إن الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة».

ثم قال:

«ولو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة».

وهذه قاعدة جديرة بالتأمل:

لو جعلنا كل جرح سببًا كافيًا لإسقاط العلماء، لما سلم لنا كثير من أئمة الأمة.

فالجرح ليس كلمة تُردد، وإنما مسؤولية علمية.


تاسعًا: التاريخ العلمي يشهد بوقوع الخلاف بين كبار الأئمة

عند قراءة كتب التراث نجد أمثلة كثيرة على كلام العلماء بعضهم في بعض.

فقد تكلم ابن أبي ذئب في الإمام مالك.

وتكلم سعيد بن المسيب في عكرمة.

وتكلم الثوري في أبي حنيفة.

وتكلم الإمام مالك في محمد بن إسحاق.

ومع ذلك لم يؤدِّ هذا إلى محو مكانتهم العلمية، ولا إلى إلغاء تراثهم، ولا إلى اعتبار كل كلمة قيلت فيهم حكمًا نهائيًا.

بل إن علماء النقد كانوا يدرسون سبب الكلام وملابساته، وقد يردون بعضه أو يؤولونه أو يبينون أنه لا يوجب إسقاط الرجل.

ومن هنا يتضح:

أن وجود الطعن في كتب التراث لا يعني بالضرورة صحة كل طعن، ولا وجوب العمل به على إطلاقه.


عاشرًا: البخاري والذهبي يقدمان أمثلة عملية

قال الإمام البخاري رحمه الله:

«ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك، ولا سقطت عدالة أحد إلا ببرهان ثابت وحجة».

وقال الذهبي رحمه الله في بعض الخلافات بين الأئمة:

«لا يسمع قول ربيعة فيه، فإنه كان بينهما عداوة ظاهرة».

وقال في قيس بن أبي حازم:

«أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه، نسأل الله العافية وترك الهوى».

وقال في ابن صاعد بعد ذكر خصومة بينه وبين ابن أبي داود:

«ونحن لا نقبل كلام الأقران بعضهم في بعض وهما بحمد الله ثقتان».

وهذه التطبيقات العملية مهمة جدًا؛ لأنها تؤكد أن القاعدة لم تكن مجرد كلام نظري، بل مارسها أئمة النقد في أحكامهم على الرجال.


الحادي عشر: لا أحد يسلم من ألسنة الناس

بعد كل هذا، يبقى سؤال:

هل يمكن لعالم أو داعية أو طالب علم أن يسلم من كلام الناس؟

الجواب: ليس إلى ذلك سبيل.

قال الإمام الذهبي رحمه الله:

«وقل من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي، نعوذ بالله من الهوى».

وقال أيضًا:

«فمن ذا الذي يسلم من ألسنة الناس؟! لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء يفتقر إلى وزن بالعدل والورع».

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:

«ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه».

ولهذا فإن طالب العلم العاقل لا يجعل كل طعن يسمعه سببًا للاضطراب، ولا يجعل كل رد عليه معركة جديدة.


الثاني عشر: ليس كل نقد من كلام الأقران

وهنا لا بد من تنبيه مهم جدًا.

القول بأن كلام الأقران يحتاج إلى تثبت لا يعني رفض كل نقد يصدر من عالم في عالم آخر.

فقد يكون العالم قد وقع في خطأ واضح، أو تبنى قولًا باطلًا، أو ثبتت عنه بدعة، أو صدر منه ما يستوجب التحذير منه، فيكون الكلام فيه من باب النقد العلمي والتحذير من الخطأ، وليس بالضرورة من باب الحسد أو المنافسة.

وقد أُشير في المادة الأصلية إلى هذا القيد عند الكلام على موقف الإمام أحمد رحمه الله من الحسن بن علي الكرابيسي وأبي الوليد هشام بن عمار، مع بيان أن التحذير من البدعة الثابتة لا يدخل لمجرد كونه «كلام أقران».

إذن لا يصح أن نقول:

«كل كلام عالم في عالم آخر مردود لأنه من كلام الأقران».

كما لا يصح أن نقول:

«كل جرح صدر من عالم فهو حجة قاطعة».

بل الصواب هو:

النظر في الدليل، والسبب، والقرائن، وحال المتكلم والمتكلم فيه.


الثالث عشر: المشكلة تبدأ عندما يتحول الجرح إلى وسيلة لإسقاط العلماء

من أخطر صور الخلل أن يتحول الجرح من أداة علمية لضبط الرواية والنقد إلى وسيلة لتصفية الخلافات، أو إسقاط المخالفين، أو احتكار الحق.

فيصبح السؤال:

من تكلم في فلان؟

ومن حذر من فلان؟

ومن بدّع فلانًا؟

ومن أسقط فلانًا؟

ثم لا يُسأل:

هل كان كلامه بدليل؟

هل كان مفسرًا؟

هل وافقه غيره؟

هل توجد قرائن تدل على الخصومة أو التعصب؟

وهنا يفقد الجرح قيمته العلمية، ويتحول إلى مجرد سلاح في الخصومة.

والواجب أن يبقى النقد علمًا له ضوابط، لا وسيلة لتوزيع الأحكام وإسقاط الناس.


الرابع عشر: طالب العلم بين الإنصاف والتعصب

طالب العلم المنصف لا يبحث عن عثرات العلماء ليجمعها.

ولا يجعل الخلافات الشخصية بين الأئمة ميزانًا للحكم على الناس.

ولا يقول:

«فلان تكلم في فلان، إذن فلان ساقط».

بل يتثبت، ويقرأ، ويوازن، ويعرف أن العلماء بشر يجتهدون ويصيبون ويخطئون.

وقد يكون العالم الذي أخطأ في شخصٍ ما هو نفسه مصيبًا في موضع آخر، وقد يكون كلامه في مسألة صحيحًا، وفي مسألة أخرى متأثرًا بخلاف أو خصومة.

ولهذا كان من أعظم أخلاق طالب العلم:

العدل.

والإنصاف.

وحسن الظن ما أمكن.

والتثبت قبل الحكم.


الخلاصة: ما الميزان إذن؟

بعد جمع هذه النقول يتضح أن التعامل مع الجرح بين العلماء لا يكون بالعاطفة، ولا بالتقليد الأعمى، وإنما بالميزان العلمي.

فإذا كان الجرح:

مفسرًا، ثابتًا، قائمًا على بينة، خاليًا من قرائن الهوى والتعصب، ومؤيدًا بالأدلة والقرائن؛ فهنا يُنظر فيه ويُعتبر.

أما إذا كان:

مجملًا، أو صادرًا في سياق منافسة، أو عداوة، أو تعصب، أو خصومة، أو انفرد به أحد الأقران مع قيام الأدلة على خلافه؛ فهنا يجب التثبت وعدم التعجل في إسقاط العالم.

وهذا هو معنى كلام الذهبي:

«كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبه به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد».

ومعنى كلام ابن حجر:

«كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا إذا كان غير مفسر».

ومعنى كلام السبكي:

«ولو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة».


الخاتمة

إن الكلام في العلماء أمانة عظيمة، والجرح باب دقيق لا يجوز أن يتحول إلى أداة للخصومة.

فلا ينبغي أن نرفض النقد العلمي الصحيح بحجة «كلام الأقران»، كما لا ينبغي أن نقبل كل طعن لمجرد أن قائله عالم.

الميزان هو الدليل والعدل والإنصاف.

ومن أراد أن يحكم على عالم، فليحكم بعلم.

ومن أراد أن ينتقد قولًا، فليأتِ بالبرهان.

ومن أراد أن ينقل جرحًا، فليتحقق من صحته وسياقه.

ومن أراد أن يختلف، فليختلف بأدب.

أما تحويل الخلافات بين العلماء إلى سلاح لإسقاط الأشخاص، وجمع العثرات، وتصفية الحسابات؛ فليس من الإنصاف في شيء.

فالجرح علمٌ له ضوابط، والكلام في العلماء أمانة، والعدل هو الميزان.

ومن أجمل ما يختم به هذا الباب قول الإمام الذهبي رحمه الله:

«فمن ذا الذي يسلم من ألسنة الناس؟! لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء يفتقر إلى وزن بالعدل والورع».

وهكذا يكون طالب العلم: لا أسيرًا للمدح، ولا أسيرًا للجرح، وإنما أسيرًا للحق والدليل والإنصاف.