إن كنتم تتبعونهم… فمن تتبعون؟
من القضايا التي كثر فيها التشدد والتصنيف داخل بعض الأوساط السلفية: قضية الأناشيد الإسلامية.
فقد يُصوَّر الاستماع إلى الأناشيد أحيانًا وكأنه منكرٌ على إطلاقه، ويُشنَّع على من يسمعها أو ينشدها، وربما صار ذلك سببًا للطعن في الأشخاص وتصنيفهم.
لكن السؤال هنا بسيط:
إذا كان هؤلاء العلماء من أئمتكم الذين تحتجون بأقوالهم، فلماذا لا يُؤخذ بتفصيلهم في هذه المسألة؟
ولننظر إلى أقوال عدد من أبرز العلماء الذين يُحتج بهم في المدرسة السلفية.
أولًا: الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
لم يحكم الشيخ ابن باز على الأناشيد الإسلامية حكمًا مطلقًا بالتحريم، بل قرر أن المسألة تحتاج إلى تفصيل.
ومما نُقل عنه:
«الأناشيد الإسلامية فيها تفصيل، لا يمكن الجواب عنها مطلقًا، لا بد يكون فيها تفصيل».
ثم بيّن أن الأنشودة إذا كانت مشتملة على معانٍ صحيحة، كالحث على مكارم الأخلاق، والجهاد في سبيل الله، وبر الوالدين، وإكرام الجار، والإخلاص لله، وغير ذلك من المعاني المشروعة، وكانت خالية مما يخالف الشرع، فلا حرج فيها.
وقال رحمه الله في موضع آخر:
«الأناشيد الإسلامية مثل الأشعار؛ إن كانت سليمة فهي سليمة، وإن كانت فيها منكر فهي منكر».
وهذا أصل مهم:
ليس كل ما يسمى نشيدًا مباحًا، وليس كل ما يسمى نشيدًا محرمًا.
بل يُنظر في مضمونه وطريقة أدائه وما يصاحبه من أمور.
ثانيًا: الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
والشيخ ابن عثيمين أيضًا لم يتعامل مع الأناشيد بحكم واحد يشمل جميع صورها.
فقد بيّن أن الأناشيد في بدايتها كانت خالية من بعض الأمور التي طرأت عليها لاحقًا، وأنه إذا كانت خالية من المحاذير التي ذكرها فهي جائزة.
ومعنى كلامه أن الحكم يتغير بحسب الصورة والمحتوى وطريقة الأداء.
فليس من المنهج العلمي أن تُجمع جميع الأناشيد في حكم واحد، ثم يُنسب ذلك إلى الشيخ ابن عثيمين مطلقًا.
ثالثًا: الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله
أما الشيخ عبد الله بن جبرين فقد صرّح باختياره جواز الأناشيد إذا سلمت من المحاذير.
ومما نُقل عنه:
«ولكن المختار عندي: جواز ذلك إذا سلمت من المحذور».
وبيّن أن من الأناشيد ما يشتمل على الحماس وتشجيع المسلمين على الأعمال الصالحة، والتحذير من المعاصي، وبعث الهمم إلى فعل الخيرات.
وهنا يظهر بوضوح أن الشيخ لم يجعل مجرد كون الكلام نشيدًا سببًا للتحريم.
رابعًا: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله
والألباني كذلك لم يحكم على الأناشيد ذات المعاني الإسلامية بالتحريم على إطلاقها.
بل ذكر شروطًا وضوابط، منها أن تكون المعاني إسلامية، وألا يصاحبها شيء من آلات المعازف، وأن تخلو من المخالفات الشرعية، وألا تتحول إلى عادة تستغرق وقت المسلم وتصدّه عن القرآن وطلب العلم والدعوة.
إذن القضية عنده أيضًا ليست:
نشيد = حرام.
بل:
نشيد له محتوى وطريقة وأحوال وضوابط، فينظر فيه على هذا الأساس.
خامسًا: اللجنة الدائمة للإفتاء
وهذه نقطة مهمة جدًا لمن يحتج بفتاوى اللجنة الدائمة.
فقد ورد في بعض فتاواها جواز الاستعاضة عن الأغاني المحرمة بالأناشيد الإسلامية التي تشتمل على الحكم والمواعظ والعبر، وتبعث الحماس والغيرة على الدين، وتنفر من الشر، وتدعو إلى طاعة الله.
لكنها في الوقت نفسه وضعت ضوابط، منها ألا يجعلها المسلم وِردًا دائمًا وعادة مستمرة، وأن يكون القرآن والأذكار النبوية أعظم عنايته.
وهذا يدل مرة أخرى على أن الكلام ليس عن تحريم الأناشيد بإطلاق، وإنما عن ضوابط وشروط وصور مختلفة.
إذن أين المشكلة؟
المشكلة ليست في أن يختار شخصٌ من أهل العلم قولًا معينًا في مسألة الأناشيد.
فالمسألة فيها تفصيل، والعلماء أنفسهم اختلفت عباراتهم وتشددهم بحسب صور الأناشيد وأحوالها.
لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول رأي فقهي في صورة معينة من الأناشيد إلى قاعدة عامة للتبديع والتصنيف والتشنيع على الناس.
فإذا كان كبار العلماء الذين يُحتج بهم قد فرّقوا بين:
النشيد السليم
و
النشيد المشتمل على محاذير
فكيف يُقال بعد ذلك:
كل الأناشيد محرمة؟
وأين ذهب التفصيل الذي قرره هؤلاء العلماء؟
والأهم من ذلك:
إذا كان ابن باز وابن عثيمين والألباني وابن جبرين وغيرهم من العلماء الذين يُقدَّمون بوصفهم من أئمة المنهج السلفي، فهل تُقبل أقوالهم عندما توافق موقفًا معينًا، ثم تُترك أقوالهم الأخرى عندما لا توافقه؟
هل المرجع هو الدليل وكلام العلماء، أم أن الموقف المسبق هو الذي يُختار له من أقوال العلماء ما يؤيده؟
هذه ليست دعوة إلى أن تكون الأناشيد كلها مباحة.
وليست دعوة إلى إطلاق الباب بلا ضوابط.
بل هي دعوة إلى الإنصاف في النقل عن العلماء.
فالأنشودة التي تشتمل على محرمات أو ألفاظ فاسدة أو أداء محرم يُحكم عليها بحسب ما فيها.
أما الأنشودة الخالية من المحاذير، ذات المعاني المباحة أو النافعة، فلا يصح أن تُلحق تلقائيًا بكل صورة محرمة لمجرد أنها تسمى «نشيدًا».
خلاصة المسألة
أقوال هؤلاء العلماء تدل على أمر واضح:
الأناشيد ليست حكمًا واحدًا في جميع صورها.
بل منها ما يُقبل، ومنها ما يُرد، بحسب:
مضمونها ومعانيها.
طريقة أدائها.
ما يصاحبها من آلات أو محاذير.
أثرها على المسلم.
وعدم تحولها إلى ما يصد عن القرآن والعلم والذكر.
فإذا كنتم تحتجون بابن باز وابن عثيمين والألباني وابن جبرين في مسائل المنهج والعقيدة والفقه…
فخذوا كلامهم في الأناشيد أيضًا كما هو، بتفصيله وضوابطه، لا كما تريدون أن يكون.
والسؤال الذي يبقى مطروحًا:

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق