الجمعة، 25 سبتمبر 2026

فتنة التجريح والهجر بين أهل السنة

 

فتنة التجريح والهجر بين أهل السنة

حين يتحول الخلاف إلى تفرّق وامتحان للناس

ليست كل خلافات أهل السنة فتنة، ولا كل ردٍّ على خطأ مذمومًا، فالنصيحة وبيان الحق والرد على الخطأ من أصول الدين وآدابه.

لكن الخطر يبدأ حين يتحول التجريح والتحذير والهجر من وسائل شرعية تضبطها المصلحة والعدل والعلم، إلى حالة من التربص، وتصيد الأخطاء، وامتحان الناس، وإلزامهم بمواقف معينة، ثم تبديع من لم يوافق عليها.

وقد حصل في هذا الزمان أن انشغل بعض المنتسبين إلى السنة ببعضهم: تجريحًا وتحذيرًا وهجرًا، فترتب على ذلك التفرق والاختلاف وتنافر القلوب، في وقت كان الأولى فيه أن تتآلف القلوب، وتتعاون الجهود، ويقف أهل السنة صفًا واحدًا في مواجهة أسباب الانحراف والجهل والفتن.

ويمكن أن يرجع أصل هذه المشكلة إلى أمرين:


أولًا: الانشغال بتتبع الأخطاء والتوسع في التجريح والتحذير

من الناس من أصبح شغله الشاغل البحث عن أخطاء العلماء وطلبة العلم والدعاة، في الكتب والأشرطة والمحاضرات والمقالات، ثم بناء الأحكام على تلك الأخطاء، والتوسع في التحذير ممن وقع فيها.

وقد يكون الخطأ أمرًا اجتهاديًا، أو مسألة تحتمل أكثر من وجه، أو تصرفًا لا يستحق أن يُجعل سببًا لإسقاط الرجل والتحذير منه.

بل قد يصل الأمر إلى التجريح بسبب مشاركة شخص في محاضرة أو ندوة أو نشاط لجمعية معينة، مع أن هذه الجهة نفسها قد شارك فيها بعض كبار العلماء أو أفتوا في بعض مسائلها.

وهنا ينبغي أن يكون الإنسان أكثر احتياطًا في إطلاق الأحكام، وألا يتسرع في تخطئة غيره لمجرد أنه اتخذ رأيًا اجتهاديًا لا يوافق رأيه.

ومن القواعد المهمة في هذا الباب: أن اتهام رأي الإنسان ومناقشته أهون من اتهام قصده ودينه ومنهجه، ولا سيما إذا كان الأمر من مسائل الاجتهاد التي قال فيها أهل العلم بأقوال متعددة.


ثانيًا: أن يتحول الرد على الخطأ إلى صراع مفتوح

قد يبدأ الأمر برد علمي على خطأ وقع فيه أحد أهل العلم أو الدعاة.

ثم يرد الطرف الآخر على الرد.

ثم يبدأ كل طرف في البحث في كتابات الطرف الآخر القديمة والحديثة، وتسجيل الملاحظات عليه، وتصيد العبارات، وجمع الهفوات، وربما البحث عن زلات لسان أو عبارات تحتمل أكثر من وجه.

ثم يدخل المؤيدون على الخط، فيتحول الخلاف بين شخصين إلى خصومة بين مجموعتين.

ويبدأ بعض الأتباع في مطالبة الآخرين باتخاذ موقف:

ما رأيك في فلان؟

هل توافق فلانًا في رده على فلان؟

هل تتبرأ من فلان؟

فإذا وافقهم سلم، وإذا خالفهم بُدِّع وهُجر، وربما أصبح هو نفسه موضع تحذير وتجريح!

وهكذا تتسع دائرة الخلاف، ويصبح الناس منشغلين بالأشخاص أكثر من انشغالهم بالعلم.


حين تتحول وسائل التواصل إلى ساحات للفتنة

وقد زادت شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من انتشار هذه الظاهرة.

فبدل أن ينشغل طالب العلم بقراءة كتاب نافع، أو دراسة مسألة، أو سماع درس علمي، أصبح بعض الشباب يقضي ساعات طويلة في متابعة ما يكتبه هذا عن ذاك، وما يقوله ذاك عن هذا.

وكلما ظهر رد جديد، ظهرت معه ردود وتعقيبات وتسجيلات ومقاطع جديدة.

فيتحول طالب العلم من طالب علم إلى متابع دائم للخصومات.

وهذا من أكثر الأمور التي تستنزف الوقت، وتورث الوحشة، وتُضعف الأخوة، وتشتت الجهود.

ومن المؤسف أن يصبح حال بعض المنتسبين إلى العلم أشبه بمن يتابع نتائج المباريات، يشجع هذا الفريق ضد ذاك، ثم يخاصم أخاه المسلم بسبب خلاف لا يستحق كل هذا التنازع.


فما طريق السلامة من هذه الفتنة؟

السلامة لا تكون بإلغاء النصيحة، ولا بمنع الرد على الخطأ، وإنما تكون بضبط ذلك بالعلم والعدل والرفق والمصلحة.

ومن أهم ما ينبغي مراعاته:

1 ـ أن ينشغل الإنسان بإصلاح نفسه قبل تتبع عيوب غيره

من أكثر الناس حاجة إلى محاسبة نفسه ذلك الذي جعل حياته قائمة على البحث عن أخطاء الآخرين.

فبدل أن يستهلك وقته في تتبع العثرات، عليه أن يسأل نفسه:

ماذا أصلحت من عيوبي؟

وماذا تعلمت من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؟

وماذا قدمت للناس من علم أو نفع؟

فالإنسان أحوج إلى حسناته من غيره، فلا يبددها في الخصومات والتجريح والنيل من الناس.


2 ـ الاشتغال بالعلم النافع بدلًا من الاشتغال بالأشخاص

من الخير للإنسان أن يشتغل بما يبني:

تعلمًا، وتعليمًا، ودعوةً، وتأليفًا، وإصلاحًا.

فأهل البناء يتركون وراءهم علمًا ينتفع به الناس، أما من جعل جلَّ وقته في تتبع الأشخاص والردود والخصومات، فقد لا يترك بعده إلا سجلًا طويلًا من المنازعات.

ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يسأل نفسه دائمًا:

هل ما أفعله الآن يبني علمًا، أم يوسع خصومة؟


3 ـ ألا يتحول السؤال عن العلماء إلى عادة يومية

من المؤسف أن يتحول بعض طلبة العلم إلى ما يشبه الباحث عن "المواقف":

ما رأيك في فلان؟

ماذا تقول في كلام فلان؟

هل فلان سلفي؟

هل نحضر له؟

هل نقرأ له؟

هل نحذر منه؟

وهكذا يصبح جزء كبير من وقت طالب العلم مستهلكًا في السؤال عن الأشخاص بدل السؤال عن العلم نفسه.

والأولى أن يكثر طالب العلم من قراءة الكتب النافعة، ودراسة مسائل الاعتقاد والفقه والحديث والتفسير، والاستفادة من العلماء الموثوقين، بدل أن يجعل محور حياته متابعة التصنيفات والخصومات.


4 ـ لا بد أن يكون التجريح والتحذير منضبطًا بالعلم والعدل

ليس كل خطأ موجبًا لإسقاط صاحبه، وليس كل مخالفة سببًا للهجر، وليس كل اجتهاد خالف فيه الإنسان غيره موجبًا للتحذير منه.

فالواجب التفريق بين:

الخطأ والاجتهاد،

والبدعة والانحراف،

والزلة العابرة والمنهج المستمر،

والخطأ الذي يُنصح صاحبه فيه،

والخطأ الذي يحتاج إلى بيان وتحذير لمصلحة معتبرة.

وهذه مسائل علمية دقيقة، لا ينبغي أن يتصدر لها كل أحد.

ومن كان عنده علم بأحوال شخص معين، فليتق الله في كلامه، وليتحرَّ الدقة، وليتذكر أن الكلام في أعراض المسلمين وأحوالهم ليس مجالًا للهوى والانتصار للنفس.


5 ـ الرد على الخطأ يكون بالرفق والعدل

إذا ظهر خطأ واضح، وكان الرد عليه نافعًا، فليكن الرد:

بعلم، وعدل، ورفق، وحسن قصد.

فالغاية من النصيحة هي إصلاح الخطأ، لا التشفي من المخطئ.

وكم بين من يقول:

"هذا القول خطأ، والصواب كذا..."

وبين من يجعل خطأً واحدًا مدخلًا لإسقاط تاريخ رجل كامل، وتشويه كل ما عنده من علم ونفع.

والمنهج العادل يقتضي أن يُقبل الحق ممن جاء به، وأن يُرد الخطأ ممن أخطأ فيه، دون أن يتحول ذلك إلى خصومة شخصية.


6 ـ إذا انتهى الرد، فلا تجعل حياتك كلها ردودًا

إذا رد الإنسان على خطأ، وأوضح وجه الصواب، فقد أدى ما عليه في الجملة.

فلا ينبغي أن يجعل حياته بعد ذلك قائمة على مراقبة الشخص المردود عليه، وانتظار كلامه الجديد، والبحث عن أخطائه القادمة.

بل يعود إلى العلم والعمل والتعليم.

وهذا من أعظم ما يحتاج إليه طالب العلم:

أن يعرف متى يتكلم، ومتى يسكت، ومتى ينصرف عن الخصومة إلى ما هو أنفع.


7 ـ لا تجعلوا مواقفكم من الأشخاص امتحانًا للناس

من أخطر مظاهر هذه الفتنة أن يُمتحن المسلم بموقفه من الأشخاص.

فيقال له:

هل تؤيد فلانًا؟

هل توافق فلانًا؟

هل ترد على فلان؟

فإذا وافق، عُدَّ من أهل السنة، وإذا خالف، أُلحق به ما لا يستحق من الأوصاف والأحكام.

وهذه طريقة خطيرة في التعامل مع الناس؛ لأنها تجعل الولاء والبراء قائمين على الأشخاص، بدل أن يكون الميزان هو الحق والدليل.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

«فليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها غير النبي ﷺ...»

وبيّن كذلك أن من أسباب التفرق أن يُنصب شخص أو كلام، فيوالى عليه ويعادى، فتتفرق الأمة بسببه.

وقال رحمه الله في موضع آخر:

«وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى».

وهذه قاعدة عظيمة في التعامل مع الخلافات داخل أهل السنة:

أن يكون المقصود من العلم جمع القلوب على الحق، لا تقسيمها إلى جماعات حول الأشخاص.


8 ـ الهجر ليس غاية في نفسه

الهجر في الشريعة ليس مجرد إعلان غضب، ولا وسيلة لإشباع الرغبة في الانتقام.

وإنما ينظر فيه إلى المصلحة والقدرة والنتيجة.

فقد يكون الهجر نافعًا في بعض الأحوال، وقد يكون غير نافع في أحوال أخرى، وقد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية تزيد الفرقة والعداوة.

ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الهجر والعقوبة إنما ينظر فيهما إلى المصلحة الشرعية، وأنه إذا لم يكن في الهجر مصلحة راجحة، فلا يكون هو المقصود لذاته.

ومن هنا لا يصح أن يتحول الهجر إلى سلاح يوزعه بعض طلبة العلم على بعضهم البعض، فيُهجر هذا لأنه لم يوافق، ويُهجر ذاك لأنه لم يشارك في التحذير، ويُهجر ثالث لأنه رفض أن يدخل في الخصومة أصلًا.


9 ـ لا تجعلوا الخلاف في الأشخاص سببًا لتمزيق الأخوة

قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

والأصل أن يكون أهل العلم والدعوة متعاونين على البر والتقوى، متناصحين فيما بينهم، محافظين على روابط الأخوة.

وإذا وقع الخلاف، فليكن الخلاف في المسألة، لا في الأشخاص.

ولنفرق بين:

"أخطأ فلان في هذه المسألة"

وبين:

"فلان لا خير فيه، ولا يؤخذ عنه، ويحذر منه في كل شيء".

فالعبارة الأولى تناقش خطأً محددًا، أما الثانية فقد تهدم مكانة الإنسان كلها بسبب موقف أو مسألة.


10 ـ من حسن إسلام المرء أن يترك ما لا يعنيه

قال رسول الله ﷺ:

«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

وهذا الحديث أصل عظيم في تهذيب النفس وحفظ الوقت وصيانة القلب واللسان.

وقد نقل الحافظ ابن رجب رحمه الله أن هذا الحديث من أصول الآداب، وأن جملة عظيمة من آداب الخير ترجع إلى مثل هذه الوصايا النبوية.

وما أحوج طالب العلم اليوم إلى هذا الأدب!

فليس كل ما يُنشر يحتاج إلى تعليق.

وليس كل خطأ يحتاج إلى رد.

وليس كل رد يحتاج إلى متابعة.

وليس كل خلاف يحتاج إلى موقف.

وليس كل شخص يحتاج إلى أن تبحث عن حكمك عليه.


طالب العلم يحتاج إلى العلم أكثر من حاجته إلى الخصومات

من أعظم الخسائر أن يتحول طالب العلم من قارئ للكتب إلى متابع للردود، ومن طالب للمعرفة إلى باحث عن التصنيفات، ومن محب للعلماء إلى منشغل بالخلافات بينهم.

إن العلم يحتاج إلى وقت، والعمر قصير، والمسائل كثيرة، والإنسان مسؤول عن وقته.

فليكن اهتمامه بالقرآن، والحديث، والفقه، والعقيدة، والسيرة، والأخلاق، وسائر أبواب العلم النافع، وليستفد من كتب العلماء وفتاواهم وبحوثهم، بدل أن يستهلك عمره في متابعة ما يقال هنا وهناك.


كلمة أخيرة

لسنا بحاجة إلى إسكات النصيحة، ولا إلى منع العلماء من الرد على الأخطاء، وإنما نحن بحاجة إلى إعادة النصيحة والرد والهجر إلى ميزان العلم والعدل والمصلحة.

فالخطأ يُبيَّن، والمخطئ يُنصح، والحق يُقبل ممن جاء به، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ.

لكن في الوقت نفسه:

لا يجوز أن يتحول الخطأ إلى إسقاط شامل.

ولا يتحول الرد إلى خصومة.

ولا يتحول التحذير إلى هوس.

ولا يتحول الهجر إلى وسيلة للتشفي.

ولا يتحول الولاء للأشخاص إلى امتحان للناس.

ولا يتحول طلب العلم إلى متابعة يومية للخصومات.

إن من الحكمة أن يعرف طالب العلم متى يتكلم، وماذا يقول، ولمن يقول، ومتى يسكت، ومتى ينصرف إلى ما هو أنفع.

وما أحوجنا جميعًا إلى أن نتذكر أن المقصود من العلم هو الهداية والإصلاح والبناء، لا تكثير الخصومات، ولا تمزيق الصفوف، ولا إشغال الناس ببعضهم عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

فطريق السلامة ليس في ترك بيان الحق، وإنما في بيان الحق بعلم وعدل ورحمة، والاشتغال بما ينفع، وترك ما لا يعني، وحفظ الأخوة ما أمكن إلى ذلك سبيلًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق