الجمعة، 25 سبتمبر 2026

منهج أهل السنة في نصح الحاكم: السرية ليست قاعدة مطلقة

 


منهج أهل السنة في نصح الحاكم: السرية ليست قاعدة مطلقة

العلامة عبد الله بن قعود رحمه الله يقرر منهجًا يقوم على التفصيل ومراعاة الأحوال

من القضايا التي يكثر فيها التعميم والاختزال: مسألة نصح الحاكم وإنكار المنكر أمامه أو عليه.

فهل الأصل أن تكون النصيحة سرًّا دائمًا؟
وهل الإعلان بالنصيحة ممنوع في جميع الأحوال؟

العلامة عبد الله بن قعود رحمه الله يقرر أن المسألة ليست بهذه الصورة المطلقة، وإنما فيها تفصيلٌ يختلف باختلاف الأحوال والظروف والمصالح والمفاسد.

وقد سُئل رحمه الله:

ما هو منهج أهل السنة في نصح الحاكم؟ هل هو الإعلان بإنكار المنكر أو الإسرار به؟

فأجاب:

المناصحة من حيث الأصل

قال رحمه الله:

«أنا أرى أن الأمر فيه تفصيل».

ثم بيّن أن المناصحة في أصلها من الأمور المهمة في دين المسلم، فقال:

«المناصحة من حيث المبدأ جزء من الاعتقاد... المناصحة جزء من عقيدة المسلم، أُخذت البيعة بها: وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم».

فأصل مناصحة من ولاه الله أمر المسلمين أمر مقرر، وإنما الكلام في كيفية أداء هذه النصيحة وأسلوبها.


أما أسلوب المناصحة فليس واحدًا في جميع الأحوال

وهنا تأتي النقطة الأهم في كلام الشيخ رحمه الله، إذ يقول:

«بقي أسلوب المناصحة... أنا أرى أن الأمر يختلف باختلاف الأحوال».

ثم ذكر من الأمور التي ينبغي مراعاتها:

  • وضع الحاكم وتسلطه.

  • قوة الناصح ومكانته.

  • قدرة الناصح على مواجهة الحاكم.

  • مدى تحصّن الناصح من الضرر.

  • طبيعة الأمر الذي تقع فيه المناصحة.

  • المصالح والمفاسد المترتبة على طريقة النصيحة.

وهذا يعني أن طريقة النصيحة ليست قالبًا واحدًا يُطبَّق على كل زمان ومكان وكل واقعة.


إذا كان المنكر علنيًا

يقول الشيخ رحمه الله:

«فأنا أرى إن كان هذا الأمر الذي سيُنصح به أمر ظاهر ومعلن وواضح... فالمنكر المعلن الواضح الظاهر أرى أنه لا حرج في أن يناصح الحاكم... إذا كان المنكر واضحًا وواقعًا في الناس وعلنيًا».

ثم يقرر قاعدة مهمة:

«فالقاعدة السليمة أن ما يُنكر إذا كان علنًا عولج ونُصح به علنًا».

وهذه العبارة جديرة بالتأمل؛ لأنها تدل على أن إطلاق القول بأن نصح الحاكم لا يكون إلا سرًا في جميع الأحوال ليس هو التفصيل الذي ذهب إليه الشيخ في هذه الفتوى.


وإذا كان الأمر خفيًا؟

وفي المقابل، إذا كان الأمر غير ظاهر للناس، ولم يكن منكرًا معلنًا، فإن الشيخ يقرر أن الأصل في مثل هذه الحالة أن تكون النصيحة سرية.

فيقول رحمه الله:

«أما إذا كان المنكر لم يظهر، ولم يُعلم للناس... خفي، فهنا... المفروض أن تكون المناصحة به سرًا».

إذن المسألة عنده ليست:

«سرًّا دائمًا»

ولا:

«علنًا دائمًا»

بل هي:

مناصحةٌ تتغير طريقتها بحسب طبيعة المنكر والظروف والآثار المترتبة عليها.


ليس كل إعلانٍ ممنوعًا، وليس كل إعلانٍ مطلوبًا

ويؤكد الشيخ هذا المعنى بوضوح حين يقول:

«فأنا لست مع من يقول: انصحوا سرًا أو فرادى، ولا مع من يقول: لا، انصحوا علنًا وجماعة، فالكل مطلوب لكن باختلاف الأحوال».

وهذه من أهم العبارات في كلامه؛ لأنها ترفض تحويل وسيلة النصيحة إلى قاعدة جامدة لا تتغير مهما تغيرت الظروف.


الاعتبار بالمصلحة ودرء المفسدة

ثم يلفت الشيخ إلى جانب مهم من الفقه في هذه المسألة، وهو مراعاة المصالح والمفاسد.

فيقول:

«المسلم يراعي الظروف ويراعي الأحوال ويراعي المصالح ويراعي المفاسد».

لكنه يوضح أن هذه المراعاة ليست خضوعًا للأهواء السياسية أو للأشخاص، وإنما ينبغي أن تكون:

«وفق شرع الله ومنطلقة من قواعد الكتاب ومن قواعد السنة».

وهذا قيد مهم؛ فالمقصود ليس أن يجعل الإنسان المصلحة ذريعة لتعطيل النصوص، ولا أن يجعل الخوف ذريعة لترك الحق، وإنما يوازن بين المصالح والمفاسد وفق الضوابط الشرعية.


والسكوت عن المنكر ليس هو قول المنكر

ومن أقوى ما ورد في كلام الشيخ قوله:

«يجوز له في بعض المواقف أن يسكت عن منكر، لكن لا يجوز له أن يقول منكرًا، فرق بين أن تقول منكر وفرق بين أن تسكت عن المنكر».

وهذه قاعدة تحتاج إلى فهم دقيق:

هناك فرق بين أن يسكت الإنسان عن منكر مراعاةً لظرف أو مفسدة متوقعة، وبين أن يتحول إلى مؤيد للمنكر أو متكلم بالباطل.

فالسكوت في بعض الأحوال قد يكون من باب درء المفسدة ومراعاة القدرة والظروف، أما أن يتكلم الإنسان بما هو منكر، فهذه مسألة أخرى.


الخلاصة

كلام الشيخ عبد الله بن قعود رحمه الله يرسم صورة أكثر تفصيلًا من الاختزال الشائع لمسألة نصح الحاكم.

فليس كل نصحٍ علنيًا ممنوعًا بإطلاق،
وليس كل نصحٍ علنيًا مطلوبًا بإطلاق،
وليس كل نصحٍ سريًا هو الخيار الصحيح في كل واقعة.

بل يُنظر إلى:

طبيعة المنكر، وظهوره، وحال الحاكم، وقدرة الناصح، والظروف المحيطة، والمصالح والمفاسد المترتبة على أسلوب النصيحة.

وهذا هو الفقه الذي يمنع من تحويل وسيلةٍ من وسائل النصيحة إلى قاعدة مطلقة تُطبَّق على جميع الوقائع دون نظرٍ إلى اختلاف الأحوال.

المصدر

شريط: «وصايا للدعاة – الجزء الثاني»
للشيخ عبد الله بن حسن القعود رحمه الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق