ردٌّ علمي على من اختزل مذهب الأشاعرة في قائمة من التهم
أخي الكريم، قبل أن تقول: «هذا هو المنهج الأشعري»، ينبغي أولًا أن تكون النقول دقيقة، وأن تُنسب الأقوال إلى أصحابها من مصادرهم، لا أن تُجمع عشرات العبارات المختلف في تحريرها ثم تُقدَّم للقارئ وكأنها محل اتفاق عند جميع الأشاعرة.
وأول ما ينبغي التنبيه إليه:
الأشاعرة مسلمون موحِّدون، يثبتون وجود الله ووحدانيته وكماله، ويؤمنون بالقرآن والرسول ﷺ والبعث والجنة والنار وسائر أصول الإيمان. والخلاف معهم في مسائل من أبواب الصفات وطريقة الاستدلال والتأويل والإثبات، وليس من الإنصاف تحويل الخلاف الكلامي إلى اتهامهم بتكذيب الكتاب والسنة.
ثم لنناقش ما ذكرت نقطةً نقطة:
1️⃣ قولك: «الأشعري يعتقد أن الله ليس على عرشه فوق سماواته»
هذا تبسيط لمذهبهم؛ فالأشاعرة ينزهون الله تعالى عن المكان والجهة والجسمية، ويؤولون بعض النصوص أو يفوضونها بحسب المدرسة والعالم. والخلاف هنا في كيفية فهم نصوص العلو والاستواء، وليس في إنكار وجود الله أو علو شأنه وسلطانه.
والأهم: لا يصح أن تقول عن خصمك: «أنكر النص»، لمجرد أنه لم يفهم النص على طريقتك.
2️⃣ «لا يجوز أن أقول: أين الله؟»
حديث الجارية معروف، لكن تفسيره ودلالته العقدية ليست محل اتفاق بين العلماء على الصورة التي تريدها.
ثم إن سؤال «أين؟» في لغة البشر سؤال عن المكان، بينما الأشاعرة أصلًا ينزهون الله عن أن يحويه مكان أو يحده زمان؛ فلا يلزم من ترك هذا السؤال إنكار الحديث.
3️⃣ «الأشعري يقول إن الله لا يتكلم»
هذه من أكثر العبارات التي تحتاج إلى تصحيح.
الأشاعرة يثبتون صفة الكلام لله تعالى، وإنما وقع الخلاف في حقيقة الكلام الإلهي، وهل الكلام القائم بذات الله تعالى هو الكلام النفسي، وكيف يتعلق بالألفاظ والحروف المسموعة.
فعبارة «الأشعري يقول إن الله لا يتكلم» عبارة غير علمية؛ لأن الأشعري نفسه يثبت الكلام لله، وإنما الخلاف في حقيقة صفة الكلام وكيفية تعلقها بالألفاظ.
4️⃣ «القرآن ليس كلام الله حقيقة»
هذه أيضًا تحتاج إلى تحرير شديد.
الأشاعرة يقولون إن القرآن كلام الله، ويثبتون الكلام الإلهي حقيقة، لكنهم يفرقون بين الكلام القائم بذات الله وبين الألفاظ والأصوات التي نقرؤها ونسمعها.
فإن أردت نقد هذا المذهب، فانقل عبارتهم من كتبهم وناقشها، ولا تستبدلها بعبارة: «يقولون إن القرآن ليس كلام الله».
5️⃣ «الأشعري لا يثبت السمع والبصر»
هذا خطأ واضح في إطلاقه.
الأشاعرة يثبتون لله تعالى السمع والبصر، ويثبتون أنه سميع بصير، وإنما الخلاف في كيفية تعلق هذه الصفات بالمسموعات والمبصرات، وهل تعلقها حادث أو قديم.
فلا يصح الانتقال من خلاف في التعلقات إلى اتهامهم بإنكار السمع والبصر.
6️⃣ «الأشاعرة لا يثبتون المحبة والرضا والغضب»
الأشاعرة يثبتون ما ورد في النصوص من المحبة والرضا والغضب، لكنهم يختلفون في تفسير هذه الصفات بما يليق بالله تعالى، وينفون عنها الانفعالات والتغيرات التي تلحق المخلوق.
وهذا هو أصل النزاع:
هل تُحمل هذه الألفاظ على معنى يليق بالله، أم يُقال: نثبتها بلا كيف ولا تفسير؟
فلا تجعل الخلاف في تفسير الصفة خلافًا في أصل الإيمان بالله.
7️⃣ «الأشاعرة يقولون إن الملك هو الذي ينزل»
المسألة مرتبطة بحديث النزول، وقد اختلف أهل السنة في طريقة فهمه: فمنهم من أثبته على الوجه اللائق بالله مع نفي الكيفية، ومنهم من أوّله أو فوض كيفيته.
لكن نسبة التأويل إلى جميع الأشاعرة بالطريقة نفسها غير دقيقة، فضلًا عن أن التأويل لا يعني بالضرورة «تكذيب الحديث».
8️⃣ «لا يثبتون خلق آدم بيديه، ولا تكليم موسى، ولا الخُلّة»
الأشاعرة لا ينكرون أن الله تعالى كلّم موسى تكليمًا، ولا ينكرون ما جاء به القرآن من تكريم آدم عليه السلام، ولا ينكرون خُلّة إبراهيم عليه السلام.
وإنما الخلاف في ألفاظ الصفات وكيفية حملها على ما يليق بجلال الله.
فهل من الإنصاف أن نقول عن شخص: «ينكر تكليم الله لموسى»، وهو يقرأ قوله تعالى:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾؟
هذه مغالطة لا تصح.
9️⃣ «الأشاعرة ينكرون رؤية الله يوم القيامة»
وهذا من أوضح ما يمكن الرد عليه.
الأشاعرة يثبتون رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة، وهي من المسائل المشهورة في كتب العقيدة الأشعرية.
لكنهم يقولون إن الرؤية لا تستلزم أن يكون الله في جهة أو مكان؛ لأن الرؤية عندهم لا يلزم منها المقابلة والمكان كما في رؤية الأجسام.
فكيف يُقال: «الأشاعرة ينكرون الرؤية»؟!
هذا ببساطة غير صحيح.
🔟 «الأشاعرة لا يحتجون بأحاديث الآحاد في العقيدة»
هنا أيضًا توجد مسألة أصولية دقيقة، وهي أن بعض المتكلمين يقررون أن خبر الواحد يفيد الظن من حيث الأصل، ولا يكفي وحده لإثبات بعض مسائل الاعتقاد التي يشترطون فيها اليقين.
لكن هذا لا يعني إطلاقًا أنهم يقولون:
«أحاديث الصحيحين مكذوبة»!
وهذا يحتاج إلى نقل صريح موثق عن العالم الذي نُسب إليه هذا الكلام، مع بيان السياق والمراد.
أما أن تنسب إلى الأشاعرة جميعًا تكذيب أحاديث الصحيحين، فهذا افتراء على المذهب وليس نقدًا علميًا له.
أما قولك: «العقل مقدم على النقل عند الأشاعرة»
فهذه العبارة أيضًا تحتاج إلى تحرير.
الأشاعرة لا يقولون: نترك القرآن والسنة ونتبع العقل.
وإنما بنوا منهجهم على أن الأدلة العقلية القطعية لا يمكن أن تتعارض حقيقةً مع النص الصحيح الصريح، فإذا بدا التعارض بحثوا في دلالة النص أو في ثبوته أو في المراد منه.
وقد تختلف معهم في هذه القاعدة أو في تطبيقاتها، وهذا حقك، لكن لا يصح تحويلها إلى:
«الأشاعرة يقدمون العقل على القرآن والسنة»
ثم بناء بقية الاتهامات عليها.
والأهم من كل ذلك: هل فهم السلف نصوص الصفات على طريقة واحدة؟
هذه دعوى تحتاج إلى إثبات، لا إلى تكرار.
فالتراث الإسلامي مليء بأقوال منسوبة إلى السلف في الإمرار والتفويض والتنزيه ونفي التشبيه، كما أن العلماء بعد ذلك اختلفوا في التفويض والتأويل والإثبات.
ومن الخطأ التاريخي والمنهجي أن تُصوَّر المسألة وكأن جميع الصحابة والتابعين كانوا على صياغة كلامية واحدة، ثم جاء الأشاعرة بعد قرون ليخالفوهم في كل شيء.
الخلاصة
إذا أردت نقد الأشاعرة، فأنا معك في أن يكون النقاش مفتوحًا.
لكن فلنلتزم بثلاثة أشياء:
📌 أولًا: انقل النص من كتاب العالم الأشعري، ولا تنقل وصف خصمه لمذهبه.
📌 ثانيًا: فرّق بين الأشاعرة؛ فالمتقدمون ليسوا بالضرورة كالمتأخرين، وأبو الحسن الأشعري نفسه مرّ بمراحل فكرية.
📌 ثالثًا: فرّق بين «أنكر الصفة» و«أوّل الصفة» و«فوّض الكيفية»؛ فهذه عبارات مختلفة وليست شيئًا واحدًا.
وأخيرًا:
ليس كل من خالفك في تفسير نص من نصوص الصفات قد كذّب النص، وليس كل من نزّه الله عن المكان والجهة قد عطّل الله، وليس كل من أثبت الكلام الإلهي على طريقة تختلف عن طريقتك قد أنكر كلام الله.
الخلاف العلمي يُناقش بالنقول الموثقة، والتحرير، وفهم كلام العلماء في سياقه، لا بقائمة طويلة من الاتهامات تبدأ بـ«الأشعري يعتقد...» وتنتهي بالحكم على مذهب كامل بأنه «تكذيب للنقل».
إن كان عندك نص موثق من كتاب إمام أشعري يقول فيه صراحةً ما نسبتَه إليه، فاذكره بالنص والصفحة، ثم نناقشه علميًا نقطةً نقطة.
أما التعميم، فلا يصنع حجة، بل يصنع صورةً غير دقيقة عن المخالف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق