السبت، 26 سبتمبر 2026

وقفات مع ردّ رسلان على أبي الحسن المأربي

 

صراع المداخلة: الرد للدين أم الانتصار للنفس؟


وقفات مع ردّ رسلان على أبي الحسن المأربي

قال رسلان في معرض رده على الشيخ أبي الحسن المأربي، بمعنى كلامه:

لولا أن اسمك ذُكر صراحة، لما التفتُّ إلى الكلام.

ثم قال:

لما ذُكر الاسم وجب الرد، لا للنفس بل للدين.

وهنا يبرز السؤال:

إذا كان الرد للدين، فلماذا كان ذكر الاسم هو السبب في وقوع الرد؟

إذا كان الكلام يتضمن خطأً علميًا، فهل يتغير حكمه لمجرد أن اسم شخص معين لم يُذكر؟

الحق لا يتغير بالأسماء، والباطل لا يصبح حقًا لأن قائله لم يسمِّ أحدًا.


أولًا: هل ذُكر اسم رسلان أصلًا؟

من أساس القضية أن رسلان اعتبر أن الشيخ أبا الحسن المأربي عيّنه وذكره باسمه.

لكن عند الرجوع إلى الحلقة الأولى من سلسلة «إلى غلاة التجريح» يبرز سؤال بسيط:

أين ذكر الشيخ المأربي رسلان باسمه؟

فبحسب المادة التي بين أيدينا، الذي ذكر اسم رسلان في الاتصال هو أحد المتصلين، حين قال للمأربي ما معناه: أنت تقصد رسلان بكلامك.

وهنا الفرق كبير بين أن يذكر المتحدث شخصًا باسمه، وبين أن يفهم المستمع أن الكلام ينطبق عليه.

ولذلك فالقضية تحتاج إلى نص واضح، لا إلى مجرد استنتاج.


ثانيًا: هل معيار الغيبة واحد للجميع؟

إذا كانت مجالس الشيخ المأربي تُوصف بأنها «غيبة وفجور» لمجرد تناول أخطاء بعض الأشخاص ومناهجهم، فالسؤال:

هل يطبق هذا المعيار على الجميع؟

فقد نُقلت عن رسلان في بعض ردوده عبارات تضمنت سخرية من أشكال بعض الأشخاص، والطعن في هيئاتهم، بل وتفسير بعض تصرفاتهم بنوايا داخلية.

وهنا لا نريد الدخول في إعادة نشر الألفاظ الجارحة.

السؤال أبسط:

لماذا يكون تناول المخالفين بأسمائهم «جرحًا وتعديلًا» عندما يصدر منا، ثم يصبح «غيبة وطعنًا» عندما يصدر من غيرنا؟

إن كان النقد جائزًا بضوابطه، فهو جائز للجميع.

وإن كان محرمًا، فليكن محرمًا على الجميع.

المشكلة ليست في وجود الرد… بل في ازدواجية المعيار.


ثالثًا: هل يجوز الحكم على نيات الناس؟

ومن الأمثلة المنقولة عن رسلان تفسير وضع أحد الأشخاص للنظارة بأنه يريد بها الوقار.

وهنا سؤال مهم:

كيف عُرفت نيته؟

قد يضع الإنسان النظارة لحاجة بصرية، أو لسبب صحي، أو لأسباب أخرى لا علاقة لها بالرياء أو طلب الوقار.

لذلك فالأصل أن نحاكم الإنسان إلى ما ظهر من قوله وفعله، لا إلى ما نتخيله في قلبه.

وهذا مبدأ ينبغي أن نلتزم به مع الموافق والمخالف على السواء.


رابعًا: وماذا عن «حط عليك ونزل دارك»؟

من العبارات التي ركز عليها رسلان حديثه عن كون المأربي جاء إلى بلده وتحدث فيها.

لكن السؤال:

ما علاقة البلد بصحة الكلام من بطلانه؟

إن كان الكلام صحيحًا فهو صحيح في اليمن ومصر وغيرهما.

وإن كان باطلًا فهو باطل في كل مكان.

الحق لا يحمل جنسية، والعلم لا يقاس بالبلد الذي جاء منه صاحبه.

ولا ينبغي أن يتحول الخلاف العلمي إلى تعصب للبلدان والجنسيات.


خامسًا: أبو الحسن المأربي ومكانته العلمية

من المهم أيضًا ألا نتعامل مع أبي الحسن المأربي وكأنه كان دائمًا بلا مكانة علمية.

فقد وردت عن الشيخ ربيع المدخلي في مراحل سابقة عبارات ثناء على علم أبي الحسن، كما نُقلت عن الشيخ الألباني رحمه الله عبارات تقدير واستفادة منه.

وهذا لا يعني أن المأربي معصوم من الخطأ.

فلا أحد بعد رسول الله ﷺ معصوم.

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول:

له ما له من العلم، وعليه ما عليه من الخطأ.

ولا يصح أن تتحول الخلافات العلمية إلى محوٍ للتاريخ العلمي السابق.


وأخيرًا…

يقول البعض:

من أنت حتى ترد على رسلان؟

والجواب:

السؤال الصحيح ليس: من هو الذي رد؟

بل:

ماذا قال؟ وما دليله؟

فالحق لا يعرف بالرجال.

وإذا كان من حق رسلان أن يرد على أبي الحسن المأربي، فمن حق غيره أيضًا أن يناقش رد رسلان.

المعيار واحد:

الدليل بالدليل، والحجة بالحجة، والخطأ يُبيَّن أينما كان.


الخلاصة

لا نقول إن المأربي معصوم، ولا إن رسلان معصوم.

لكننا نسأل عن المعيار:

إذا كان الرد فعلًا للدين، فلماذا كان ذكر الاسم سببًا رئيسيًا في الالتفات إلى الكلام والرد عليه؟

وإذا كان الكلام باطلًا، فلماذا لا يُرد عليه سواء ذُكر الاسم أم لم يُذكر؟

وإذا كان نقد الأشخاص غيبة، فلماذا يُستثنى منه بعض الناس؟

وإذا كان النقد والرد جائزين بضوابطهما، فلماذا يصبحان غيبة عندما يصدران من المخالف؟

فلنجعل ميزاننا واحدًا:

لا ننتصر لشخص لأنه منا، ولا نرد شخصًا لأنه خالفنا.

ننظر في الكلام، ثم نزنُه بالدليل.

فإن كان حقًا أخذناه، وإن كان باطلًا رددناه.

فالحق لا يُعرف بالأسماء… وإنما تُعرف الأسماء بالحق.

صراع المداخلة: الرد للدين أم الانتصار للنفس؟ وقفات مع ردّ رسلان على أبي الحسن المأربي

 

صراع المداخلة: الرد للدين أم الانتصار للنفس؟

وقفات مع ردّ رسلان على أبي الحسن المأربي

ليس المقصود من هذا المقال فتح خصومة شخصية مع أحد، ولا الدخول في سجال لا ينتهي حول الأشخاص، وإنما المقصود فحص معيار الرد نفسه:

هل يكون الرد على الخطأ لأن الخطأ يحتاج إلى بيان؟

أم أن الرد لا يتحرك إلا عندما يشعر الشخص أن الكلام قد مسّه هو، أو ذُكر اسمه، أو وُجّه إليه بصورة مباشرة؟

هذه الأسئلة تكتسب أهميتها عند قراءة كلام الشيخ محمد سعيد رسلان في رده على الشيخ أبي الحسن المأربي، حيث نجد عبارتين تحتاجان إلى وقفة وتأمل.

فمن جهة يقول رسلان، بمعنى كلامه:

لولا أن اسمك ذُكر صراحة، بحيث يعتقد من يسمع الكلام أنه يقصدك، لما التفتُّ إليه.

ثم يقول من جهة أخرى:

لما ذكرك بالاسم وجب الرد، لا للنفس، بل للدين.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:

إذا كان الرد للدين، فلماذا كان ذكر الاسم هو العامل الحاسم في وقوع الرد أصلًا؟

إن كان الكلام باطلًا ويحتاج إلى بيان، فالباطل باطل سواء ذُكر اسم الشخص أم لم يُذكر.

وإن كان الكلام حقًا أو يحتمل الحق، فلا يتحول إلى باطل لمجرد أن السامع ظن أن المقصود به فلان.

أما إذا كان معيار الرد هو مجرد ذكر الاسم، فهنا يصبح من المشروع أن نسأل:

هل كان الدافع هو مضمون الكلام، أم صلة الكلام بالشخص المخاطَب؟

وهذه ليست قراءة للنيات، وإنما هي محاولة لفهم التلازم بين العبارتين كما وردتا في الكلام المنقول.


أولًا: هل ذُكر اسم رسلان أصلًا في الحلقات محل النزاع؟

من النقاط الأساسية في القضية اتهام الشيخ أبي الحسن المأربي بأنه كان يقصد رسلان، بل وأنه ذكره باسمه في حلقاته.

والواقع أن هذه النقطة تحتاج إلى دليل مباشر، لا إلى مجرد استنتاج أو فهم شخصي.

فالحلقات المعروفة بعنوان:

«إلى غلاة التجريح»

تحتاج إلى مراجعة نصية دقيقة:

أين ورد اسم رسلان صراحة في الحلقة الأولى التي صدر بعدها الرد؟

فالقول بأن المتكلم قصد شخصًا معينًا لا يساوي القول بأنه ذكر اسمه.

وهناك فرق كبير بين:

«هذا الكلام ينطبق على فلان»

وبين:

«فلان هو المقصود، وقد ذكره المتحدث باسمه».

والفرق بين الأمرين مهم جدًا في قضية بُني عليها الرد.

وقد ورد في المادة الأصلية أن الذي ذكر اسم رسلان في أثناء الاتصال بالقناة كان أحد المتصلين، حين قال للشيخ المأربي ما معناه: أنت تتحدث وتقصد رسلان.

وهذا، إن ثبت بمراجعة التسجيل، يعني أن ذكر الاسم صدر من المتصل، لا من الشيخ المأربي نفسه.

ومن هنا يكون السؤال:

هل يصح أن تُنسب إلى المتحدث عبارة لم يقلها لمجرد أن مستمعًا فسّر كلامه على أنها مقصودة لشخص معين؟


ثانيًا: هل الرد العلمي غيبة لمجرد أنه يتناول أخطاء أشخاص؟

هنا نصل إلى نقطة أكثر أهمية.

الشيخ المأربي، بحسب ما يُنسب إلى تلك الحلقات، كان يتناول قضايا تتعلق بمنهج التجريح والتعامل مع المخالفين، دون أن يجعل الحلقة قائمة على سب الأشخاص أو السخرية من أشكالهم وصورهم.

ومع ذلك وُصفت تلك المجالس بأنها:

«جلسات غيبة وفجور».

وهنا لا بد من وضع معيار واحد للجميع.

فإذا كان ذكر أخطاء الأشخاص والتحذير من مناهجهم يدخل في الغيبة المحرمة مطلقًا، فلابد أن يطبق هذا المعيار على الجميع.

وإذا كان الرد على الأخطاء والتحذير من المخالفات العلمية والمنهجية يمكن أن يكون من باب النصيحة والبيان، فليس من العدل أن يسمى غيبة عند فريق، ثم يتحول إلى «جرح وتعديل» أو «نصرة للدين» عند فريق آخر.

المشكلة ليست في الرد… وإنما في ازدواجية المعيار.


ثالثًا: هل المعيار واحد عندما نذكر الأشخاص بأسمائهم؟

لنترك العموميات جانبًا، ولننظر إلى بعض الأمثلة المنسوبة إلى الشيخ رسلان في ردوده على مخالفين.

فقد ورد عنه في إحدى خطبه كلام تناول فيه شخصًا اسمه نادر بكار، ولم يقتصر الكلام على مناقشة آرائه أو مواقفه، بل تضمن أوصافًا متعلقة بشكله وهيئته وخلقته.

وهنا لسنا بصدد إعادة نشر العبارات الجارحة، وإنما السؤال الأخلاقي والعلمي هو:

هل نقد الإنسان يكون بنقد فكرته وعلمه وموقفه، أم يتحول إلى التعليق على خلقته وصورته؟

فالإنسان لا يختار طوله ولا ملامحه ولا شكل رأسه ولا اتساع فمه ولا شكل عينيه.

ومن ثم فإن تحويل الخلاف العلمي إلى سخرية من الخِلقة يفتح بابًا آخر لا علاقة له بقوة الدليل.

والقرآن يقرر أصلًا عظيمًا:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.

فالخلاف في الفكر لا يبرر السخرية من الخِلقة.

والنقد العلمي لا يحتاج إلى إهانة الشكل.


رابعًا: ماذا عن الطعن في النيات؟

ومن الأمثلة التي تستحق الوقوف عندها ما نُقل من تفسير وضع شخص للنظارة بأنه يفعل ذلك ليمنح نفسه وقارًا.

وهنا تظهر مشكلة أخرى:

من أين عُرفت النية؟

قد يلبس الإنسان النظارة لأنه ضعيف البصر.

وقد يلبسها لعلاج مشكلة في عينيه.

وقد يلبسها لأسباب أخرى لا علاقة لها بالوقار ولا بالرياء.

ولذلك فإن نسبة المقاصد إلى الناس دون بينة ليست من الإنصاف.

فالقاعدة التي ينبغي أن تسود في النقد:

نناقش ما ظهر من القول والفعل، ولا ندّعي علم ما في القلوب.

وإذا كان هذا المبدأ صحيحًا في حق المخالفين، فهو صحيح في حق الجميع.


خامسًا: هل يجوز أن يسمى الرد العلمي غيبة، بينما تُستثنى العبارات الشخصية؟

ومن الأمثلة الأخرى التي وردت في المادة الأصلية ما نُسب إلى رسلان من إطلاق أوصاف شديدة على الشيخ الطيباوي، ومنها وصفه بألفاظ مهينة.

وهنا لا أريد أن أجعل المقال دفترًا لجمع الشتائم من هذا الطرف أو ذاك.

فالمقصود أعمق من ذلك.

نريد معيارًا واحدًا فقط.

إذا كان تناول الأشخاص بأسمائهم غيبة، فليكن كذلك على الجميع.

وإذا كان ذكر الأشخاص في سياق الرد والتحذير والنقد العلمي جائزًا بضوابطه، فلا يصح أن نحرّمه على الخصوم ونبيحه لأنفسنا.

أما أن يكون:

ذكر المخالف = غيبة

و:

ذكرنا للمخالف = جرح وتعديل ونصرة للسنة

فهذه ليست قاعدة علمية، وإنما ازدواج في تطبيق القاعدة.


سادسًا: إذا كان الرد للدين، فلماذا يتوقف على ذكر الاسم؟

هذه هي النقطة المركزية في المقال كله.

لنضع كلام رسلان أمام الاحتمالات المنطقية:

الاحتمال الأول:

يقول: رددت لأن اسمي ذُكر.

فنقول:

إذن فالرد ارتبط بصورة مباشرة بكون الكلام متعلقًا بشخصه.

وهذا يختلف عن القول:

«رددت لأن هناك خطأً علميًا يجب بيانه».

الاحتمال الثاني:

يقول: رددت لله ولبيان الحق.

فنقول:

جميل.

لكن إذا كان المقصود بيان الحق، فلماذا قلت إنك لو لم يُذكر اسمك صراحة لما التفت إلى الكلام؟

فالحق لا يتغير بتغير الاسم.

والباطل لا يصبح حقًا لأن قائله لم يذكر شخصًا بعينه.

والسؤال هنا ليس عن النية، وإنما عن المنهج:

إذا وجدت خطأً علميًا يضر الناس، فلماذا لا ترد عليه إلا بعد أن يذكر صاحبه اسمك؟

أليس من مقتضى النصح أن يُبيَّن الخطأ سواء تعلق بك أم بغيرك؟

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل:

إذا كان المعيار هو الحق، فالأصل أن يكون الحق هو محل الرد، لا اسم الشخص الذي قيل عنه الكلام.


سابعًا: وماذا لو كان الكلام عن رسلان دون أن يُذكر اسمه؟

هنا يمكن اختبار القاعدة نفسها.

لو قال شخص كلامًا يراه رسلان باطلًا، ولكنه لم يذكر اسم رسلان مطلقًا، فهل يظل الكلام باطلًا؟

إن كان الجواب:

نعم، هو باطل ويجب الرد عليه.

فلماذا كان عدم ذكر الاسم سببًا لعدم الالتفات إليه؟

وإن كان الجواب:

لا، لا أرد عليه ما دام لم يذكرني.

فهذا يجعل القضية أقرب إلى الدفاع عن الشخص منها إلى مجرد بيان الحق.

أما إن قيل:

الرد لا يكون إلا إذا تأكدنا أن الكلام موجه إلينا.

فهذا يفتح سؤالًا آخر:

هل أصبحت سلامة المنهج مرتبطة بمن ذُكر اسمه، أم بمضمون الكلام نفسه؟


ثامنًا: وما علاقة البلد والمكان بالمسألة؟

ومن العبارات التي ركز عليها رسلان، بحسب المادة المنقولة، حديثه عن أن رجلًا:

«حط عليك ونزل دارك»

وأنه جاء إلى بلد أو مكان معين ثم تحدث فيه.

وهنا أيضًا يحتاج الأمر إلى وقفة.

هل الحجة في المكان أم في الكلام؟

لو كان الكلام صحيحًا، فهو صحيح في اليمن ومصر والسعودية وغيرها.

ولو كان باطلًا، فهو باطل في أي بلد.

والحق لا يتغير بتغير الجغرافيا.

كما أن العلم لا يُوزن بجواز السفر.

ولا ينبغي أن يتحول الخلاف العلمي إلى منافسة بين:

يمني ومصري، أو هذا البلد وذاك البلد.

والنبي ﷺ حذر من العصبيات الجاهلية بقوله:

«دعوها فإنها منتنة».

فالمعيار الصحيح هو:

ماذا قال الرجل؟ وهل قوله حق أم باطل؟

لا:

من أي بلد جاء؟ وأين تكلم؟


تاسعًا: أبو الحسن المأربي لم يكن دائمًا في الصورة التي يقدمها بعض خصومه اليوم

ومن المهم هنا أن نتذكر أن صورة الشيخ أبي الحسن المأربي في الخطاب المدخلي المعاصر لم تكن دائمًا بالصورة نفسها.

فقد وردت عن الشيخ ربيع المدخلي نفسه، في مراحل سابقة، عبارات ثناء على أبي الحسن المأربي، منها وصفه بأنه من علماء السنة المعاصرين، والإشارة إليه باعتباره متخصصًا في الجرح والتعديل.

كما نُقلت عن الشيخ ربيع عبارات في بعض المواضع تثني على علمه ومكانته.

والغرض من استحضار هذه النصوص ليس إثبات عصمة المأربي.

فلا عصمة لعالم بعد رسول الله ﷺ.

وإنما الغرض هو بيان أن إطلاق الأحكام على العلماء ينبغي أن يكون منضبطًا بالعلم والعدل والتوثيق، لا أن تتحول العلاقة العلمية إلى ثنائية:

عالم ما دام موافقًا لنا، ثم جاهل عندما يخالفنا.

فالاختلاف لا يمحو التاريخ العلمي، كما أن الخطأ لا يمحو كل صواب.


عاشرًا: وماذا عن شهادة الشيخ الألباني؟

كما وردت عن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله عبارات ثناء وتقدير للشيخ أبي الحسن المأربي، بل نُقل عنه في بعض التسجيلات ما يدل على استفادته منه وترحيبه به.

وهذا لا يعني أن الألباني أو غيره معصوم من الخطأ في تقييم الأشخاص.

لكن المقصود هو شيء أبسط من ذلك:

هل يصح أن نتعامل مع العالم وكأنه لم يكن له وزن علمي إلا بعد أن خالفنا؟

إذا كان عالم من كبار أهل العلم قد عرف شخصًا وأثنى عليه واستفاد منه، ثم وقع بينهما أو بينه وبين غيره خلاف، فلا يصح أن تُمحى المرحلة السابقة وكأنها لم تكن.

الإنصاف يقتضي أن نقول:

له ما له من العلم، وعليه ما عليه من الخطأ.

وهذا هو الميزان الذي يحفظ للعلماء حقوقهم، وللحق هيبته.


الحادي عشر: وهل يحتاج الرد إلى أن يكون صاحبه مساويًا للمردود عليه؟

من الاعتراضات التي تتكرر في مثل هذه النقاشات:

«من أنت حتى ترد على فلان؟»

وهذا السؤال في ذاته يحتاج إلى تصحيح.

فالحق لا يُعرف بأسماء الرجال.

وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

«اعرف الحق تعرف أهله».

فليس المطلوب ممن يناقش قولًا أن يكون أعلم من صاحبه في كل شيء.

المطلوب:

هل عنده دليل؟

هل فهم النص فهمًا صحيحًا؟

هل نقله بأمانة؟

هل استدلاله مستقيم؟

فإذا وافق قوله الحق، أُخذ منه.

وإذا خالف الحق، رُد قوله.

ولا يصبح الباطل حقًا لأن قائله مشهور، ولا يصبح الحق باطلًا لأن قائله أقل شهرة.


الثاني عشر: لكن هذا المبدأ يجب أن يطبق على الجميع

وهنا نصل إلى نقطة مهمة جدًا:

إذا كان أتباع رسلان يقولون:

من حق الشيخ رسلان أن يرد على أبي الحسن المأربي.

فنحن نقول:

ومن حق غيره أن يناقش رد رسلان أيضًا.

وإذا كان المعيار هو:

الدليل.

فليكن الدليل هو الفيصل في الاتجاهين.

لا يجوز أن يكون:

رد رسلان = دفاع عن السنة.

ثم:

الرد على رسلان = تطاول وقلة أدب وغيبة.

بل ينبغي أن يكون الميزان واحدًا:

الدليل يُناقش بالدليل، والحجة بالحجة، والخطأ يُبيَّن أينما كان.


الثالث عشر: المشكلة ليست في الرد… بل في تحول الرد إلى معيار انتقائي

الرد على المخالف ليس عيبًا في ذاته.

والنقد العلمي ليس مذمومًا.

والتحذير من الخطأ قد يكون واجبًا في بعض الأحوال.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هناك ميزانان:

ميزان للذات والأتباع، وميزان آخر للمخالفين.

فعندما يرد أحدنا على خصمه يقول:

نحن ندافع عن السنة.

وعندما يرد الخصم عليه يقول:

إنه يغتاب ويطعن ويفتري.

ثم إذا استخدم الخصم الأسلوب نفسه قيل:

هذا جرح وتعديل.

هنا يجب أن نتوقف جميعًا.

ونسأل:

هل المعيار هو الفعل نفسه، أم الشخص الذي قام به؟


الرابع عشر: ليس كل نقد غيبة، وليس كل رد نصرة للدين

وهذه قاعدة مهمة.

ليس كل كلام عن شخص غيبة محرمة؛ فقد جاءت في الشريعة مواضع يُذكر فيها الإنسان بما يكره لمصلحة معتبرة، كالنصيحة والتحذير والشهادة ونحو ذلك، وفق ضوابطها.

وفي المقابل، ليس كل من رفع شعار:

«الرد على المخالف»

يكون بالضرورة قد أحسن الرد.

فقد يتحول الرد إلى:

  • سخرية من الشكل.

  • طعن في النيات.

  • إهانة شخصية.

  • مبالغة في الوصف.

  • تشهير لا حاجة إليه.

  • أو تحويل القضية العلمية إلى خصومة شخصية.

ولهذا فإن رفع شعار نصرة الدين لا يعفي صاحبه من الالتزام بأخلاق الدين.


الخامس عشر: السؤال الذي يبقى مفتوحًا

بعد كل ما سبق، يبقى السؤال المركزي:

إذا كان رسلان يقول إن رده على أبي الحسن المأربي كان «للدين»، فلماذا جعل ذكر اسمه صراحة هو السبب الذي جعله يلتفت إلى الكلام ويرد عليه؟

إن كان الخطأ خطأً، فليُرد عليه ولو لم يُذكر الاسم.

وإن كان الكلام حقًا، فلا يصبح باطلًا لأن أحدًا ظن أن المقصود به فلان.

وإن كان المأربي قد أخطأ، فليُبيَّن خطؤه بالدليل.

وإن كان رسلان قد أخطأ، فمن حق غيره أن يبين خطأه بالدليل.

هذه هي العدالة التي نطالب بها للجميع.


الخلاصة

ليس المقصود من هذه الوقفات تبرئة شخص من كل خطأ، ولا إدانة شخص في كل ما قال.

فالشيخ أبو الحسن المأربي ليس معصومًا.

والشيخ رسلان ليس معصومًا.

ولا ربيع المدخلي، ولا الألباني، ولا ابن باز، ولا ابن عثيمين، ولا غيرهم من العلماء.

العصمة إنما هي لرسول الله ﷺ فيما يبلغه عن ربه.

أما العلماء، فيؤخذ من كلامهم ويُرد.

لكن الذي نرفضه هو أن يتحول الرد العلمي إلى خصومة شخصية، وأن يتحول ذكر الأشخاص إلى معيار انتقائي، وأن يكون ما نعدّه «نصرة للدين» عندما يصدر منا، «غيبة وطعنًا» عندما يصدر من غيرنا.

فالحق لا يعرف بالأسماء.

والباطل لا يصبح حقًا لأن قائله شيخ.

والنقد لا يصبح جرحًا علميًا لمجرد أن صاحبه رفع هذا الشعار.

والرد لا يصبح غيبة لمجرد أنه صدر من مخالف.

وإذا كنا نرفع راية الجرح والتعديل، فأول ما نحتاج إليه هو:

العدل.

وإذا كنا نزعم أن ردودنا للدين، فأولى بنا أن يكون ميزاننا هو الدين نفسه:

لا ننصر شخصًا لأنه منا، ولا نرد شخصًا لأنه خالفنا، ولا نقيس الحق بأسماء الرجال.

بل نقول للجميع:

هاتوا الدليل… ثم ليكن الحكم للحق.

وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به:

صراع المداخلة: الرد للدين أم الانتصار للنفس؟

ليس المطلوب أن نجيب عن هذا السؤال بالظنون، وإنما أن نقرأ الكلام، ونقارن الأقوال، ونزن المواقف بميزان واحد.

فإن كان الرد للدين، فليكن معيار الرد هو الحق.

وإن كان معيار الرد هو الشخص وذكر الاسم، فهنا يحق للقارئ أن يسأل: أين انتهى الدفاع عن الحق، وأين بدأت الخصومة الشخصية؟


تنبيه توثيقي: الروابط والتسجيلات والاقتباسات المنسوبة في المادة الأصلية ينبغي مراجعتها من مصادرها الأصلية قبل النشر النهائي، خصوصًا النصوص المنقولة عن رسلان وربيع المدخلي والألباني؛ لأن قوة المقال تزداد كثيرًا عندما يكون كل اقتباس منسوبًا إلى تسجيل أو كتاب محدد مع موضعه بدقة.

شتّان بين فهم السلف… و«فهم الخلف» الذي شوّه منهج السلف!

 

شتّان بين فهم السلف…

و«فهم الخلف» الذي شوّه منهج السلف!

كثيرًا ما تُرفع عبارة:

«نحن على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح».

وهي عبارة صحيحة في أصلها؛ ففهم الصحابة والتابعين وأئمة الهدى للنصوص الشرعية له مكانته الكبرى في فهم الدين.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه العبارة من منهج للاستفادة من تراث السلف إلى شعار لاحتكار السنة، وإقصاء المخالف، وتصنيف العلماء، وتضييق دائرة الإسلام الواسعة.

فالسلف الصالح لم يكونوا جماعة معاصرة، ولم يكونوا حزبًا فكريًا، ولم يتركوا للأمة منهجًا يقوم على احتكار الحقيقة في قراءة واحدة.

ومن هنا ينبغي أن نسأل:

هل ما يُقدَّم اليوم باسم «فهم السلف» هو فعلًا منهج السلف؟ أم أنه في بعض صوره قراءة معاصرة أُلبست ثوب السلف، ثم جُعلت معيارًا للحكم على الناس والعلماء؟

وهنا تظهر الفروق.


أولًا | في العقيدة والتوحيد

① تحويل مسائل التنزيه والصفات إلى معيار وحيد للسنة

حين يُختزل فهم السلف في قراءة عقدية واحدة، يصبح المخالف في بعض مسائل الصفات متهمًا بأنه خالف السلف، ولو كان من أهل العلم المعروفين بالانتساب إلى السنة.

والمنهج المنصف يقتضي التفريق بين إثبات النصوص وبين تحميلها معاني التشبيه والتجسيم، وبين الخلاف في طرائق التعبير عن العقيدة وبين أصول الإيمان نفسها.

فالقرآن يقول:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

والجمع بين الإثبات والتنزيه أصل لا ينبغي أن يتحول إلى معركة تصنيف.

② جعل «الحد» وأمثاله ميزانًا لإخراج المخالف

من صور الاختزال أن تتحول بعض المصطلحات الكلامية والعقدية إلى اختبار للسنة والبدعة، وكأن الأمة لا تكون على السنة إلا إذا تبنت اصطلاحًا محددًا في مسألة خلافية.

بينما المصطلحات تحتاج إلى فهم مقصود أصحابها وسياقها، ولا يصح أن تتحول وحدها إلى سيف مسلط على العلماء.

③ تحويل مسائل الأفعال والصفات إلى معركة تشبيه وتنزيه

توجد مسائل دقيقة في الصفات والأفعال الإلهية اختلف العلماء في طريقة تقريرها وشرحها.

لكن المشكلة حين يُقدَّم أحد الأوجه الاجتهادية وكأنه الإجماع الوحيد الذي لا يجوز مخالفته، ثم تُرمى بقية المدارس الإسلامية بالتجسيم أو التعطيل بلا تفصيل ولا إنصاف.

④ جعل التنزيه مساويًا للتعطيل

ليس كل من شدد في تنزيه الله تعالى يكون معطلًا.

كما أن إثبات النصوص لا يعني إثبات خصائص الأجسام.

والمنهج العلمي يقتضي أن تُفهم أقوال العلماء في سياقها، وأن يُفرَّق بين الخلاف في العبارة والمنهج وبين حقيقة الاعتقاد الذي يقصده صاحبه.

⑤ صناعة صورة حسية عن الإله في الذهن

الخطر الحقيقي ليس في استعمال لفظ دون آخر، وإنما في أن يتحول الحديث عن الصفات إلى تصور حسي أو تجسيمي يناقض أصل التنزيه.

فالله سبحانه:

ليس كمثله شيء.

ولهذا فإن تنقية الخطاب العقدي من أوهام التشبيه ليست خروجًا عن السلف، بل هي من صميم تعظيم الله تعالى.


ثانيًا | في التعامل مع الأمة والعلماء

⑥ جعل جمهور الأمة وكأنه كان على خطأ قرونًا طويلة

من أخطر نتائج القراءة الإقصائية أن يُقال ضمنًا:

إن جمهور علماء المسلمين ومدارسهم لم يفهموا السنة كما ينبغي، وأن التصحيح الحقيقي لم يظهر إلا في قراءة معاصرة محددة.

وهذا تصور يحتاج إلى مراجعة علمية هادئة.

فالأمة لم تكن بلا علماء، ولم تكن كتبها خالية من التحقيق، ولم يكن علماء القرون الماضية عاجزين عن فهم السنة.

⑦ إسقاط كبار العلماء من دائرة السنة

من المؤلم أن يتحول الاختلاف مع عالم كبير إلى سبب لإخراجه من السنة، أو التقليل من قدره، أو إسقاط علمه كله بسبب مسائل اجتهادية.

والنووي وابن حجر وغيرهما من أعلام الإسلام مثال واضح على حجم التراث العلمي الذي لا يجوز اختزاله في خلافات جزئية.

مخالفة العالم في مسألة لا تعني إسقاطه في العلم كله.

⑧ حصر النجاة في جماعة محدودة

منهج السلف لم يكن قائمًا على أن النجاة لا تكون إلا بالانضمام إلى جماعة معاصرة محددة.

فالنجاة ليست بطاقة عضوية في تيار.

والسنة ليست اسمًا تنظيميًا.

والمسلم لا يصبح على الحق لمجرد انتسابه إلى جماعة، ولا يخرج من الحق لمجرد عدم انتسابه إليها.

⑨ إسقاط المؤسسات العلمية العريقة جملةً واحدة

لا يصح التعامل مع مؤسسات علمية كالأزهر والزيتونة والقرويين وغيرها باعتبارها مجرد أسماء لا قيمة لها، ولا يجوز كذلك منح العصمة لأي مؤسسة.

فالميزان هو العلم والدليل والتحقيق، لا الانتماء المؤسسي وحده.

لكن اختزال قرون من التعليم والعلم في صورة سلبية واحدة ليس إنصافًا.

⑩ تقديم أقوال الشيوخ المعاصرين على التراث العلمي للأمة

حين يصبح قول الشيخ المعاصر هو المرجع النهائي، ويُتعامل مع كتب المذاهب وأقوال العلماء السابقين وكأنها لا وزن لها، فنحن أمام مشكلة منهجية.

فالعالم المعاصر يُحترم ويُستفاد منه، لكنه ليس معصومًا.

والاجتهاد المعاصر لا يلغي اجتهادات الأمة.


ثالثًا | في الفقه والأصول

⑪ هدم المذاهب بدل فهمها

المذاهب الفقهية ليست جدرانًا تفصل المسلمين عن السنة، بل هي مدارس علمية قامت على أصول وقواعد واجتهادات تراكمت عبر القرون.

والخطأ ليس في وجود المذاهب، وإنما في التعصب لها إذا خالف الدليل.

لكن علاج التعصب المذهبي لا يكون بهدم التراث الفقهي كله.

⑫ الجمود على ظاهر النص وإهمال مقاصده

النص الشرعي لا يُفهم بمعزل عن:

اللغة، والسياق، والجمع بين الأدلة، وقواعد الأصول، والمقاصد الشرعية.

فالفقه ليس مجرد التقاط نص ثم إصدار حكم.

والسلف أنفسهم كانوا أهل فقه وفهم وترجيح ونظر في مآلات الأحكام.

⑬ تحويل التوسل والتبرك إلى باب واحد من أبواب الشرك

هذه مسائل وقع فيها خلاف وتفصيل بين العلماء، ولا يصح جمع صورها المختلفة تحت حكم واحد دون بيان.

فالواجب التفريق بين:

التوحيد والشرك، وبين السنة والبدعة، وبين الخطأ الفقهي والخطأ العقدي.

والتكفير أو إخراج المسلم من الملة ليس أمرًا يُبنى على مجرد الخلاف في صورة من صور التوسل أو التبرك.

⑭ تضييق دائرة المباح

من مظاهر التشدد أن تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة طويلة من المحرمات والبدع، حتى يصبح الأصل هو المنع، ويصبح الناس بحاجة إلى دليل على كل عادة جديدة.

مع أن من القواعد المقررة عند أهل العلم:

الأصل في العادات الإباحة، ما لم يرد دليل يمنع.

والدين لم يأت ليحوّل حياة الناس إلى حقل ألغام من المحرمات.

⑮ تحويل المولد النبوي إلى قضية عقدية كبرى

الاحتفال بالمولد من المسائل التي وقع فيها خلاف بين العلماء، وليس من الإنصاف تحويل الخلاف فيها إلى معيار وحيد للحكم على إسلام الناس أو انتسابهم إلى السنة.

ومن يرى عدم مشروعيته فله أن يستدل، ومن يرى جوازه بضوابطه فله أدلته.

أما تحويل المسألة إلى معركة ولاء وبراء، فذلك يتجاوز حجم المسألة الفقهية نفسها.


رابعًا | في السلوك والأخلاق

⑯ محاربة التصوف السني وإلغاء مقام الإحسان

التزكية والإحسان والزهد ومجاهدة النفس معانٍ أصيلة في الإسلام.

والنقد العلمي لبعض الممارسات الصوفية لا يعني إلغاء التصوف كله، كما أن الدفاع عن التصوف لا يعني قبول كل ممارسة نُسبت إليه.

والعدل أن نفرق بين:

التصوف المنحرف، والتصوف الأخلاقي والتربوي الذي جعل غايته تزكية النفس والإحسان.

⑰ جعل الغلظة دليلًا على الغيرة على الدين

ليس كل شديدٍ في عبارته قويًا في الحق.

وليس كل لينٍ في الخطاب متنازلًا عن الدين.

قال تعالى:

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

فالرفق ليس ضعفًا، وحسن الخلق ليس تنازلًا عن الثوابت.

⑱ الانشغال بجرح الأحياء وترك إصلاح النفس

حين تصبح صفحات الدعوة ممتلئة بأسماء الأشخاص والتحذير منهم وتصنيفهم، بينما تقل العناية بإصلاح النفس والقلوب، فهناك خلل في الأولويات.

ليس العلم أن تعرف أخطاء الناس فقط.

بل العلم أيضًا أن تعرف عيوب نفسك وكيف تصلحها.

⑲ تربية الأتباع على الاستعلاء على المخالف

منهج الدعوة لا يقوم على صناعة شعور دائم بأن:

«نحن الفرقة الواعية، والآخرون ضائعون».

فالحق لا يحتاج إلى احتقار الناس لكي يكون حقًا.

والدعوة إلى الله تحتاج إلى:

الحكمة، والرحمة، والعدل، وحسن البيان.

⑳ تقديم المظهر على جوهر التقوى

المظهر له أحكامه وآدابه، لكن التقوى ليست ثوبًا أو هيئة فقط.

إنما التقوى أيضًا:

صدق، وأمانة، ورحمة، وتواضع، وعدل، وكف للأذى، وحسن معاملة.

وإذا تحول التدين إلى قشور بلا أخلاق، فقدنا جانبًا عظيمًا من مقاصد الشريعة.


خامسًا | العقل والعلم والواقع

㉑ معاداة العقل والمنطق

العقل ليس عدوًا للوحي.

والمشكلة ليست في اتباع النص، وإنما في تحويل كل استعمال للعقل إلى تهمة.

وقد استخدم علماء الإسلام الاستدلال العقلي في تقرير العقائد والأحكام، ولم يروا في العقل الصحيح خصمًا للشرع الصحيح.

㉒ مصادمة حقائق العلم

لا ينبغي أن يتحول فهم بشري لنص شرعي إلى خصومة مع حقيقة علمية ثابتة.

فإذا كان التعارض بين حقيقة علمية قطعية وبين تفسير بشري محتمل للنص، فالأولى مراجعة التفسير، لا اتهام العلم.

㉓ معاداة الفنون والجمال بإطلاق

الجمال ليس عدوًا للدين.

والفن ليس حكمه واحدًا في كل صوره.

فالميزان هو المحتوى والغاية والوسيلة والآثار.

وقد جاء الإسلام ليهذب الذوق والجمال، لا ليجعل كل مظاهر الجمال موضع ريبة.

㉔ تقديم الإسلام بصورة منفرة

حين تُختزل رسالة الإسلام في:

التحذير، والتبديع، والتحريم، والتشديد، والخصومة،

فإن صورة الإسلام التي تصل إلى الناس تصبح مختلفة عن الصورة التي تقوم على:

الرحمة، والحكمة، والعدل، والإحسان.

والنبي ﷺ قال:

«إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».

㉕ تغييب فقه الواقع

العالم لا يعيش خارج التاريخ.

والفتوى لا تنزل في فراغ.

بل تحتاج إلى معرفة:

الزمان، والمكان، والناس، والظروف، والمآلات.

ولهذا كان فقه الواقع جزءًا مهمًا من حسن تنزيل الأحكام على الحياة.


سادسًا | في المجتمع والسياسة

㉖ تحويل الولاء والبراء إلى أداة لتفتيت المجتمع

الولاء والبراء أصل شرعي، لكن سوء استعماله قد يحوله من مبدأ عقدي إلى وسيلة لتقسيم المجتمع إلى جماعات متناحرة.

ليس كل اختلاف في الرأي أو الموقف أو الاجتهاد سببًا للعداوة والهجر.

ولا ينبغي أن تتحول العلاقات الاجتماعية إلى اختبارات مستمرة في الولاءات والانتماءات.

㉗ تحويل المساجد إلى ساحات صراع فكري

المسجد مكان للعبادة والتعليم والإصلاح.

وحين يتحول إلى ساحة للتصنيف والتشهير والخصومات، يخسر المسجد رسالته الأساسية.

فالخلاف العلمي يمكن أن يناقش في مجالس العلم، لكن تحويل بيوت الله إلى ساحات صراع دائم ليس من مقاصد الشريعة.

㉘ إضعاف الأمة بالصراعات الفرعية والهجر

الأمة تواجه تحديات كبرى، ومع ذلك قد تُستنزف طاقاتها في:

هل فلان مبتدع؟ هل فلان يُهجر؟ هل هذه الجماعة منحرفة؟ هل قال الشيخ في فلان كذا؟

حتى تصبح القضايا الصغيرة أكبر من قضايا الأمة الكبرى.

والحكمة تقتضي ترتيب الأولويات.

㉙ صناعة أجيال ناقدة أكثر من كونها بانية

من المهم أن يتعلم المسلم النقد والتمييز.

لكن النقد إذا لم يصاحبه بناء يتحول إلى هدم.

نحتاج إلى جيل:

يفكر، ويبني، ويتعلم، ويبدع، ويصلح، ويناقش بأدب،

لا جيلٍ يقضي معظم وقته في مراقبة الناس وتصنيفهم والبحث عن أخطائهم.

㉚ تحويل الدين من رحمة إلى غربة

الإسلام جاء رحمة للعالمين.

قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

فإذا أصبح الخطاب الديني يجعل الناس يرون الدين سلسلة متواصلة من:

التحريم، والتبديع، والتخوين، والهجر، والخصومة،

فعلينا أن نتوقف ونسأل:

هل هذه هي روح المنهج الذي جاء به النبي ﷺ؟


🟨 الخلاصة الكبرى

المشكلة ليست في السلف الصالح.

وليست في الدعوة إلى العودة إلى الكتاب والسنة.

وليست في الاستفادة من فهم الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام.

بل المشكلة تبدأ عندما يتحول:

«اتباع السلف»

إلى:

«احتكار فهم السلف».

وعندما تتحول عبارة:

«بفهم السلف»

إلى معنى عملي يقول:

«بفهم جماعتنا للسلف، ومن خالفنا فقد خالف السلف».

هنا يصبح الاجتهاد البشري وكأنه وحي، ويصبح الاختلاف العلمي انحرافًا، ويصبح العالم المخالف مبتدعًا، ويصبح التراث الواسع للأمة محصورًا في قراءة واحدة.

وهذا هو الفارق الكبير بين:

منهج السلف… و«فهم الخلف».

فمنهج السلف كان:

علمًا لا تعصبًا،
ودليلًا لا شعارات،
وفقهًا لا جمودًا،
وتزكيةً لا تشهيرًا،
ورحمةً لا غلظة،
واجتهادًا لا احتكارًا،
وأدبًا مع المخالف،
وإنصافًا للعلماء،
وبناءً للأمة لا تفتيتًا لها.

أما حين تُختزل هذه المعاني في التصنيف والتبديع والهجر، وحين يصبح الانتماء إلى قراءة معاصرة هو المعيار الذي تُوزن به الأمة كلها، فإننا بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا بصدق:

هل نحن أمام اتباع حقيقي للسلف… أم أمام فهمٍ معاصر للسلف يُقدَّم وكأنه السلف أنفسهم؟

شتّان بين الأمرين.

السلف منهجٌ يُقتدى به…
وليس اسمًا يُحتكر، ولا رايةً تُقصى بها الأمة.

«بفهم السلف» أم بفهمهم هم؟ حين يتحول الشعار إلى احتكار للسنة

 

«بفهم السلف» أم بفهمهم هم؟

حين يتحول شعار اتباع السلف إلى احتكارٍ للسنة وإقصاءٍ للمخالف

كثيرًا ما نسمع عبارة:

«نحن على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح».

ولا خلاف في أن فهم السلف الصالح له مكانته وأهميته، وأن المسلم لا يستغني عن فهم الصحابة والتابعين وأئمة العلم للنصوص.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو:

هل المقصود بـ«فهم السلف» هو مجموع تراث السلف ومدارسهم واجتهاداتهم المتنوعة؟

أم أن العبارة تحولت عند بعض التيارات إلى معنى آخر، خلاصته:

«فهم السلف هو فهمنا نحن، ومن خالف فهمنا فقد خالف السلف»؟!

وهنا تبدأ المشكلة.

فليس من حق أحد أن يجعل اجتهاده الخاص، أو اجتهاد مدرسته، ميزانًا وحيدًا للسنة والجماعة، ثم ينسب كل مخالف له إلى البدعة أو الضلال، وكأن تاريخ الأمة العلمي لم يعرف إلا قراءة واحدة وفهمًا واحدًا.


🔹 أولًا: في العقيدة والتوحيد

حين يتحول «فهم السلف» إلى شعار حصري، يصبح المطلوب من المسلم أحيانًا أن يتبنى تفاصيل عقدية دقيقة باعتبارها المعيار الوحيد للسنة، مع أن مسائل الصفات والتنزيه عرفت عبر تاريخ الأمة نقاشًا علميًا واسعًا بين علماء ومدارس متعددة.

فيصبح الخلاف في بعض مسائل الصفات سببًا للحكم على طوائف واسعة من علماء الأمة، بدل أن يُناقش الخلاف بميزان العلم والإنصاف.

وهنا ينبغي أن نتذكر أصلًا عظيمًا:

تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه ليس تعطيلًا، وإثبات النصوص لا يعني حملها بالضرورة على أوهام التجسيم والتشبيه.

قال تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

فالواجب أن نجمع بين إثبات ما أثبته الله لنفسه وبين تنزيهه سبحانه عن مشابهة خلقه، لا أن نجعل طريقة مدرسة واحدة هي الحد الفاصل بين الإيمان والسنة والضلال.


🔹 ثانيًا: حين يصبح أكثر علماء الأمة خارج «السنة»!

من أخطر نتائج الفهم الإقصائي أن يتحول تاريخ الأمة العلمي كله إلى ساحة تصنيف.

فيقال عن علماء كبار:

هذا مبتدع، وهذا ليس على السنة، وهذا ضال، وهذا متأول، وهذا لا يُعتد بكلامه...

ثم نجد أن قائمة طويلة من أعلام الأمة تُدفع خارج دائرة الاعتبار بسبب مسائل اجتهادية أو تأويلات أو اختلافات عقدية ومنهجية.

وهنا يبرز سؤال مهم:

هل يُعقل أن تكون أمة الإسلام طوال قرون قد أخطأت في فهم السنة، ثم جاء المتأخرون ليكتشفوا أن النجاة لا تكون إلا في إطار جماعتهم هم؟

وهل يعقل أن يُختزل تاريخ أهل السنة في مجموعة محدودة من المعاصرين، بينما يُهمَّش تراث مئات العلماء من مختلف الأمصار والمدارس؟

إن احترام العلماء لا يعني عصمتهم، كما أن مخالفة العالم في مسألة لا تعني إسقاطه من دائرة العلم.


🔹 ثالثًا: من «فهم السلف» إلى «فهم الشيخ»!

المشكلة تظهر بصورة أوضح عندما يتحول شعار:

«الكتاب والسنة بفهم السلف»

عمليًا إلى:

«الكتاب والسنة بفهم الشيخ الذي نتبعه».

فإذا وافق الدليل قول الشيخ، قيل:

هذا هو فهم السلف.

وإذا خالفه عالم آخر من علماء الأمة، قيل:

إنه ليس على منهج السلف!

وبذلك يتحول الاجتهاد البشري إلى معيار للحق، ويصبح الاختلاف مع الأشخاص اختلافًا مع السلف أنفسهم.

وهذا خطر على العلم؛ لأن السلف الصالح ليسوا شخصًا واحدًا، ولا شيخًا واحدًا، ولا مدرسة معاصرة واحدة.


🔹 رابعًا: في الفقه والأصول

من آثار القراءة الأحادية أيضًا التعامل مع النصوص بمعزل عن:

قواعد الأصول، والمقاصد، ودلالات اللغة، وتراكم الاجتهاد الفقهي.

فيصبح ظاهر النص في بعض القضايا هو نهاية البحث، ويُنظر أحيانًا إلى المذاهب الفقهية وكأنها عائق أمام اتباع السنة، مع أن المذاهب الأربعة قامت على جهود علمية ضخمة في فهم النصوص والجمع بينها وترجيح بعضها على بعض.

والعامي ليس مطالبًا بأن يتحول إلى مجتهد بمجرد قراءة حديث أو آية.

فالعلم له أدوات، والاجتهاد له شروط، والنظر في النصوص ليس عملًا عشوائيًا.

كما أن اختلاف الفقهاء في المسائل الاجتهادية لا يعني أن أحد الطرفين ترك السنة بالضرورة.


🔹 خامسًا: تضييق دائرة المباح

ومن المشكلات التي تظهر في بعض القراءات المتشددة:

توسيع دائرة التحريم، وتضييق دائرة المباح.

فتتحول مسائل عرفية أو خلافية أو اجتهادية إلى قضايا عقدية ومنهجية كبرى.

ويدخل في ذلك مسائل مثل:

التوسل، والتبرك، والاحتفال بالمولد النبوي، وبعض صور زيارة الصالحين، وغيرها من المسائل التي وقع فيها خلاف بين العلماء.

والمنهج العلمي يقتضي التفريق بين:

ما هو شرك صريح، وما هو بدعة، وما هو مكروه، وما هو محل خلاف، وما هو مباح.

فليس كل خلاف فقهي يتحول تلقائيًا إلى قضية إيمان وكفر أو سنة وبدعة.


🔹 سادسًا: حين يتحول «الجرح والتعديل» إلى شغل شاغل

من المؤسف أن ينشغل بعض المنتسبين إلى السنة بتتبع الأشخاص:

من أخطأ؟ من حُذِّر منه؟ من هُجر؟ من بُدِّع؟ من رد على فلان؟ ومن لم يرد عليه؟

حتى تصبح المجالس والصفحات الدينية ساحات لتصنيف المسلمين، بينما تقل العناية بأمراض النفس:

الكِبر، والعجب، والرياء، والحسد، وسوء الظن، والظلم، والغيبة.

فإذا كان علم الجرح والتعديل وسيلة لحماية الدين، فلا ينبغي أن يتحول إلى مشروع دائم لتصفية الحسابات بين المسلمين.

والسؤال الأهم:

ماذا أصلحتَ في نفسك قبل أن تنشغل بإسقاط غيرك؟


🔹 سابعًا: أين الأخلاق؟

النبي ﷺ لم يبعث ليعلم الناس الخلاف فقط، وإنما قال:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

فليس من كمال اتباع السنة أن نحفظ أسماء المخالفين وننسى أخلاق النبي ﷺ معهم.

وليس من الغيرة على الدين:

رفع الصوت، وسوء الأدب، واحتقار المسلمين، والتشهير بالعلماء والدعاة، وتحويل الخلاف العلمي إلى عداوة شخصية.

فالحق لا يحتاج إلى ظلم المخالف لكي يكون حقًا.


🔹 ثامنًا: العقل والعلم والواقع

السلف الصالح لم يكونوا أعداء للعقل، ولا كانوا يجهلون الواقع، ولا كانوا يكررون كلام من سبقهم دون نظر.

بل كانوا أهل علم ونظر واجتهاد، يراعون:

النص، واللغة، والعقل، والمصلحة، والواقع، ومآلات الأحكام.

ومن الخطأ أن يتحول شعار اتباع السلف إلى رفض كل جديد، أو التعامل مع العلوم والمعارف الحديثة باعتبارها خصمًا للدين.

الدين لا يخاف من العلم الصحيح، والعقل الصحيح لا يناقض الوحي الصحيح.

والمشكلة ليست في التمسك بالنص، وإنما في القراءة الضيقة للنص التي تجعل كل ما لم يألفه القارئ باطلًا.


🔹 تاسعًا: السلف لم يكونوا مشروع تفريق

السلف الصالح كانوا أمة علم واجتهاد، ولم يكن اختلافهم في كل مسألة سببًا لتقسيم المسلمين إلى:

فرقة ناجية هنا، وهالكين هناك.

ولم يكن كل اختلاف بينهم يؤدي إلى التبديع والهجر والتشهير.

أما حين يصبح كل خلاف سببًا للخصومة، وكل اجتهاد مخالف سببًا للإقصاء، وكل عالم لا يوافق مدرسة معينة خارج دائرة السنة، فإننا لم نعد أمام مجرد اتباع للسلف، وإنما أمام قراءة معاصرة خاصة للسلف.

وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:

اتباع السلف

وهو الاستفادة من علمهم، وفهمهم للنصوص، واقتداءهم بالوحي، ومعرفة قواعدهم في العلم والعبادة والأخلاق.

واحتكار فهم السلف

وهو أن تدعي جماعة أن فهمها هي هو «فهم السلف»، ثم تجعل مخالفتها مخالفة للسلف، ومخالفة السلف مخالفة للسنة، ومخالفة السنة ضلالًا.

وهذا انتقال من الاقتداء بالسلف إلى احتكار السلف.


🔹 عاشرًا: الدين أوسع من مدرسة واحدة

السنة ليست ملكًا لتيار.

والعلم ليس حكرًا على جماعة.

والأمة لم تبدأ بعلماء عصرنا، ولن تنتهي عندهم.

ففي تاريخ الإسلام مدارس علمية متعددة، ومذاهب فقهية معتبرة، واجتهادات متنوعة، وعلماء كبار اختلفوا في مسائل كثيرة، ومع ذلك بقيت بينهم مساحة واسعة من الاجتماع على أصول الإسلام.

ولهذا فإن من أخطر الأخطاء أن نختزل الأمة كلها في قراءة واحدة، ثم نضع عليها ختم:

«هذا هو فهم السلف»

وكأن من خالفها لم يعرف السلف، ولم يفهم السنة، ولم يكن له نصيب من العلم.


🟨 الخلاصة

ليس الاعتراض على عبارة:

«بفهم السلف الصالح».

فهي عبارة صحيحة في أصلها.

وإنما الاعتراض على تحويلها إلى شعار احتكاري، بحيث يصبح المقصود عمليًا:

«بفهمنا نحن للسلف، ومن خالفنا فقد خالف السلف».

وهنا تتحول العبارة من وسيلة لفهم النصوص إلى أداة لإقصاء المخالف وتصنيف العلماء والجماعات.

والمنهج الأعدل أن نقول:

نحترم فهم السلف، ونستفيد من تراثهم، ونزن الأقوال بالدليل، ونعرف قدر العلماء، ونفرق بين القطعي والاجتهادي، ولا نجعل خلافًا علميًا سببًا لتفريق الأمة وتبديعها وهجرها.

فالسلف الصالح ليسوا راية حزبية، ولا اسمًا لجماعة معاصرة، ولا ملكية فكرية لتيار دون آخر.

بل هم جزء من تراث هذه الأمة، نقرأه بعلم، ونستفيد منه بإنصاف، ونحترم اختلافات علمائه، ولا نحول اجتهادات المتأخرين إلى دينٍ جديد يُقاس به الناس جميعًا.

فاتباع السلف شيء، واحتكار فهم السلف شيء آخر.

والفرق بينهما كبير.