العزّة ليست كِبرًا… فالعزيز يرفع نفسه بالحق، والمتكبّر يرفعها على الناس
ليست كلُّ قوةٍ كِبرًا، وليست كلُّ رفعةٍ تعاليًا.
فقد يَظهر الإنسان قويًّا، ثابتًا، عزيز النفس، لا يقبل الهوان ولا يرضى بالظلم؛ فيظن بعض الناس أن ذلك من الكِبر، مع أن بين العزّة والكِبر فرقًا دقيقًا وعميقًا.
إنهما قد يلتقيان في الصورة الظاهرة؛ فكلاهما قد يبدو قوةً ورفعةً وثباتًا، لكنهما يختلفان اختلافًا كبيرًا في الدافع والحقيقة والنتيجة.
العزّة قوةٌ بلا استعلاء
العزّة أن يعرف الإنسان قدر نفسه، فلا يبيع كرامته، ولا يقبل الظلم، ولا يذلّ نفسه لغير الله، مع بقائه متواضعًا للحق، رحيمًا بالخلق، عادلًا في معاملته.
أما الكِبر فهو أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره، فيحتقر الناس، ويرفض الحق، ويتعالى على الخلق.
ولهذا يمكن أن نقول:
العزيز يرفع نفسه بالحق، والمتكبّر يرفع نفسه على الناس.
العزّة تحفظ للإنسان كرامته، أما الكِبر فيدفعه إلى احتقار الآخرين.
العزّة تمنح صاحبها قوةً في مواجهة الباطل، أما الكِبر فيجعله لا يرى إلا نفسه.
العزّة مقرونة بالإيمان والعدل والرحمة، أما الكِبر فمقرون بالعُجب والتعالي والغرور.
العبرة ليست في القوة… وإنما في سببها
وهنا يظهر الفرق الأهم.
فقد يكون الإنسان قويّ الشخصية، ثابت الموقف، واضح الكلمة، لا يخاف في الحق لومة لائم؛ وليس ذلك من الكِبر في شيء.
السؤال الحقيقي هو:
لماذا يفعل ذلك؟
فإن كان دافعه حفظ الكرامة، والتمسك بالحق، وطلب مرضاة الله، فهذه عزّة.
وإن كان دافعه احتقار الآخرين، وإثبات أنه أفضل منهم، وإشباع شعور التفوق في نفسه، فهنا يبدأ الكِبر.
ولهذا فليس كل من رفع رأسه متكبرًا، وليس كل من خفض رأسه متواضعًا.
فقد تكون هيئة الإنسان متواضعة، وقلبه ممتلئًا بالعُجب.
وقد يكون الإنسان قويًّا في موقفه، وقلبه ممتلئًا بالإيمان والتواضع.
العزّة مقرونة بالتواضع
قال تعالى:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾
فالإنسان مهما بلغ من العلم أو القوة أو المال أو المكانة، يبقى عبدًا لله، ولا يملك أن يجعل ما أُوتيه سببًا لاحتقار الآخرين.
ولهذا كان التواضع من أعظم ما يحفظ العزّة من أن تنقلب إلى كِبر.
وقد أشار الرازي إلى دقة هذا المعنى، فبيّن أن العزّة تشبه الكِبر من حيث الصورة، لكنها تختلف عنه من حيث الحقيقة؛ فالعزّة المحمودة هي التي تقف عند حدّها، فلا تنحرف إلى التعالي والكبر.
وهذا من أدق المعاني في تربية النفس:
أن تكون عزيزًا من غير أن تكون متكبرًا، ومتواضعًا من غير أن تكون ذليلًا.
فالعزّة وسطٌ بين الكِبر والضَّعة
كما أن التواضع ليس هو الضعف، كذلك العزّة ليست هي الكِبر.
فالضَّعة أن يهين الإنسان نفسه ويقبل المهانة فيما لا ينبغي.
والكِبر أن يتعالى على الناس ويرفض الحق.
أما العزّة فهي أن يحفظ الإنسان كرامته، ويعرف قدره، ويتمسك بالحق، دون أن يحتقر أحدًا.
ولهذا فإن الطريق الصحيح ليس أن تهدم نفسك حتى لا تقع في الكِبر، ولا أن ترفع نفسك فوق الناس حتى تشعر بالعزّة.
بل الطريق هو:
كرامةٌ بلا غرور، وقوةٌ بلا ظلم، وثباتٌ بلا تعالٍ، وتواضعٌ بلا مهانة.
الكِبر يبدأ من توهُّم الكمال
من أخطر أبواب الكِبر أن يرى الإنسان في نفسه من أسباب الفضل ما يجعله يظن أنه أفضل من غيره.
وقد أشار ابن خلدون إلى أن التكبر والترفع ينشآن من توهُّم الكمال؛ فقد يكون الإنسان عالمًا أو كاتبًا أو صاحب مهارة، فيرى أن الناس محتاجون إلى ما عنده، فينشأ في نفسه شعور بالتفوق عليهم.
وهنا تتحول النعمة إلى فتنة.
فالعلم نعمة، لكن إذا أورث صاحبه احتقار الجاهل صار العلم سببًا للكبر.
والمال نعمة، لكن إذا أورث صاحبه احتقار الفقير صار المال فتنة.
والمنصب نعمة، لكن إذا جعل صاحبه يرى نفسه فوق الناس صار المنصب بابًا من أبواب الغرور.
المشكلة ليست فيما تملك، وإنما فيما يصنعه ما تملك بقلبك.
كيف نعرف أن الكِبر بدأ يتسلل إلى القلب؟
من علامات ذلك أن يجد الإنسان في نفسه ثقلًا عن الاعتراف بالحق إذا جاءه ممن هو أصغر منه أو أقل منه منزلة.
وأن يستثقل الاعتذار.
وأن يفرح بظهور خطأ الآخرين.
وأن يحب أن يُمدح دائمًا.
وأن ينزعج إذا تقدّم عليه غيره.
وأن يرى أخطاء الناس كبيرة، وأخطاءه صغيرة.
وأن يتعامل مع من هو أقل منه مالًا أو علمًا أو مكانةً بطريقة مختلفة.
وهنا يحتاج الإنسان إلى أن يتوقف مع نفسه وقفة صدق.
فالكِبر لا يبدأ دائمًا بصوتٍ مرتفع أو تصرفٍ متعجرف؛ بل قد يبدأ بفكرة صغيرة في القلب: "أنا أفضل منه".
والعلاج يبدأ من الداخل
من أجمل وسائل مقاومة الكِبر أن يتعلم الإنسان مخالفة ما تميل إليه النفس من التعالي.
ولهذا جاءت الشريعة بجملة من الأعمال التي تُربي النفس على التواضع والرحمة والمشاركة.
قال تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
فالكلمة الطيبة ليست مجرد أسلوب اجتماعي، بل تربية للنفس على احترام الآخرين.
وجاء في الحديث:
«أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ».
فإفشاء السلام يعلّم الإنسان ألا ينتظر أن يبدأه الآخرون، وإطعام الطعام يربيه على البذل والمشاركة، وقيام الليل يربطه بالله في الخفاء، بعيدًا عن أعين الناس ومدحهم.
وهذه الأعمال جميعًا تُسهم في تهذيب النفس، وإبعادها عن العُجب والرياء والتعالي.
اهتم بقلبك كما تهتم بوجهك
من أعظم ما ينبغي أن يتذكره الإنسان أن الناس ينظرون إلى صورته، أما الله فيعلم ما في قلبه.
ولهذا قيل:
عجيبٌ أمر من يعتني بوجهه الذي يراه الناس، فيغسله ويزيّنه ويزيل عنه ما يشينه، ثم لا يعتني بقلبه الذي يعلم الله خفاياه.
قد يحرص الإنسان على ألا يرى الناس في مظهره عيبًا، لكنه يترك في قلبه عُجبًا أو حسدًا أو كِبرًا أو احتقارًا للآخرين.
والقلب أولى بالتطهير من الوجه.
لأن الوجه يراه الناس، أما القلب فيراه رب العالمين.
العزيز والمتكبر… إلى أين؟
العزّة الحقيقية تجعل صاحبها محبوبًا؛ لأنه قوي من غير ظلم، ثابت من غير تعالٍ، متواضع من غير ضعف.
أما المتكبر فإنه ينفّر الناس منه؛ لأن النفس البشرية تنفر ممن يحتقرها ويشعرها بالدونية.
وفي الآخرة يختلف المآل كذلك؛ فالعزّة المحمودة خلقٌ يوافق الإيمان والكرامة والطاعة، أما الكِبر فخلق مذموم حذّرت منه النصوص، وعدّه العلماء من الذنوب العظيمة.
وقد قيل:
الكِبرُ ذُلٌّ، والتواضعُ رِفعةٌ
والحرصُ فقرٌ، والقناعةُ عِزّةُ
الخلاصة
لا تكن ذليلًا حتى تظن أنك متواضع.
ولا تكن متكبرًا حتى تظن أنك عزيز.
بل كن:
عزيزًا بالحق، متواضعًا للحق، رحيمًا بالخلق، ثابتًا عند المواقف، لينًا في المعاملة.
واعلم أن العزّة الحقيقية لا تحتاج إلى احتقار أحد.
وأن الإنسان لا يصبح كبيرًا عندما يصغّر الآخرين، بل يصبح كبيرًا عندما يستطيع أن يكون قويًّا دون أن يظلم، وعزيزًا دون أن يتكبر، ومتواضعًا دون أن يذل نفسه.
فالعزّة أن تحفظ كرامتك… والكِبر أن تهدم كرامة غيرك.
وبينهما قلبٌ يعرف قدر نفسه، ويعرف قدر الناس، ويعرف قبل ذلك كلّه قدر ربّه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق