الإسلام والمرأة: هل أجبرها الإسلام على الزواج؟ أم جعل رضاها أساسًا للعقد؟
من الشبهات المتكررة حول المرأة في الإسلام:
«إذا كان الإسلام يحفظ حقوق المرأة، فلماذا لا يجعل لها الحرية الكاملة في اختيار زوجها؟»
ويُضاف إلى ذلك أحيانًا:
«أليس للولي أن يزوجها بمن يشاء؟»
ومن هنا تُرسم صورة للمرأة وكأنها لا تملك قرارها، وأن الزواج يتم عنها، وأن الرجل هو الذي يختار وهي لا تملك إلا القبول.
لكن هذه الصورة تحتاج إلى مراجعة دقيقة.
ففي التصور الإسلامي، الزواج عقد له شروط وأحكام، والمرأة ليست مجرد موضوع لهذا العقد، بل هي طرف فيه، ولها حقوق معتبرة في القبول والرفض.
أولًا: الزواج ليس صفقة تُبرم على حساب المرأة
الزواج في القرآن لم يُعرض باعتباره مجرد انتقال للمرأة من بيت أبيها إلى سلطة زوجها.
بل قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الروم: 21]
فالمقصد المعلن هو:
السكن، والمودة، والرحمة.
وهذه المعاني لا يمكن أن تُبنى بصورة سليمة على الإكراه والإجبار.
فالزواج علاقة إنسانية وشرعية تحتاج إلى قبول حقيقي، لا مجرد نقل اسم المرأة من سجل إلى آخر.
ثانيًا: للمرأة حق القبول والرفض
من الأحاديث المشهورة في هذا الباب أن النبي ﷺ ردَّ الأمر إلى المرأة التي زُوِّجت وهي كارهة.
وجاء في الحديث:
«لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن».
فالأصل أن المرأة ليست بلا إرادة في عقد الزواج.
بل لها أن تُستأمر، ولها أن تُستأذن، بحسب حالها وأحكامها الفقهية.
وهذا ينسف التصور الذي يقول إن الإسلام يجعل المرأة مجبرة على الزواج ممن يختاره غيرها دون اعتبار لرأيها.
ثالثًا: الولاية ليست ملكية
من أهم أسباب الالتباس في هذه المسألة الخلط بين الولاية والملكية.
فالولي في الزواج ليس مالكًا للمرأة.
ولا يملك أن يتصرف فيها كما يتصرف الإنسان في ماله.
وإنما الولاية عند من يقول بها هي إطار شرعي لحماية مصلحة الزواج وتنظيم العقد، وليست تفويضًا بإلغاء إرادة المرأة.
ولهذا لا يصح أن تتحول الولاية إلى مفهوم:
«أنا وليها، إذن أقرر عنها كل شيء».
فهذا خلط بين المسؤولية وبين إلغاء الشخصية.
رابعًا: ماذا لو رفضت المرأة الزواج؟
إذا كانت المرأة لا تريد الزواج من شخص معين، فليس من المنهج الصحيح تصوير الرفض وكأنه لا قيمة له.
وقد جاءت السنة بأحكام وقصص تدل على اعتبار رضا المرأة، بل وردت نصوص في رد بعض الزيجات التي وقعت دون رضا المرأة.
وهذا يدل على أن الإكراه ليس هو الأصل في الزواج.
فالزواج الذي يقوم على القهر لا ينسجم مع مقاصد السكن والمودة والرحمة.
خامسًا: لماذا يوجد الولي إذن؟
قد يسأل البعض:
إذا كانت المرأة صاحبة إرادة، فما الحاجة إلى الولي؟
هذا سؤال مشروع، والجواب أن وجود الولي في بعض صور الزواج عند جمهور الفقهاء لا يعني إلغاء المرأة.
بل هو جزء من تنظيم عقد الزواج في الفقه الإسلامي، مع اختلاف العلماء في بعض تفاصيل الولاية وأحكامها.
فالمسألة الفقهية ليست:
«هل المرأة إنسان كامل الأهلية أم لا؟»
بل تتعلق بكيفية تنظيم عقد الزواج، ومن يباشر العقد، وما الشروط المطلوبة لصحة الزواج.
وهنا ينبغي التفريق بين الخلاف الفقهي في تفاصيل الولاية وبين القول بأن الإسلام لا يعترف بإرادة المرأة.
سادسًا: لا يجوز استعمال الولاية للإضرار بالمرأة
إذا تحولت الولاية إلى وسيلة لمنع المرأة من الزواج بمن ترضاه دون سبب معتبر، أو إلى وسيلة لإجبارها على من لا تريده، فهنا تظهر مسألة أخرى تتعلق بالظلم والتعسف.
والقرآن يقول:
﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[البقرة: 232]
فالآية تنهى عن العضل، أي منع المرأة من الزواج في الصورة التي لا يجوز فيها منعها.
وهذا دليل مهم على أن الولاية ليست رخصة مفتوحة للتحكم في حياة المرأة.
سابعًا: اختيار الزوج ليس حقًا للرجل وحده
في الزواج الإسلامي لا ينبغي أن يكون السؤال:
«من اختار الزوج؟»
وكأن المرأة لا علاقة لها بالموضوع.
بل السؤال:
هل حصل الرضا؟ وهل استوفت شروط العقد؟ وهل تحققت المصلحة وانتفت الموانع؟
فالمرأة طرف أصيل في العلاقة الزوجية، وليست مجرد شخص يجري الاتفاق نيابة عنه دون اعتبار لإرادته.
وماذا عن زواج البكر والثيب؟
توجد في الفقه الإسلامي تفاصيل تتعلق باستئذان البكر والثيب، وقد بحث العلماء دلالات النصوص المتعلقة بذلك.
لكن القاعدة الأساسية التي ينبغي عدم إغفالها هي أن السنة النبوية اعتبرت إذن المرأة ورضاها، ولم تجعل المرأة شيئًا لا إرادة له.
ولهذا فإن اختزال المسألة في عبارة:
«الإسلام يجبر المرأة على الزواج»
اختزال لا يعكس الصورة الكاملة للنصوص والفقه الإسلامي.
ثامنًا: الزواج عقد وليس امتلاكًا
وهذه نقطة مركزية في فهم العلاقة الزوجية.
فالمرأة عندما تتزوج لا تصبح ملكًا لزوجها.
والزوج عندما يتزوج لا يصبح مالكًا لشخص آخر.
وإنما ينشأ بينهما عقد شرعي تترتب عليه حقوق وواجبات.
ولهذا لا يجوز أن نفهم القوامة التي تحدثنا عنها في المقال السابق على أنها ملكية للزوجة.
كما لا يجوز أن نفهم الطاعة الزوجية على أنها إلغاء لشخصية المرأة.
فالزواج في الإسلام علاقة حقوق وواجبات، لا علاقة مالك بمملوك.
تاسعًا: الفرق بين الحماية والإكراه
قد تختلف المجتمعات في تصورها لدور الأسرة والولي.
لكن يجب أن نميز بين أمرين:
أن تكون هناك أسرة تشارك المرأة في اتخاذ قرار الزواج وتحاول التأكد من ملاءمة الشخص.
وبين:
أن تُجبر المرأة على الزواج بمن لا تريد.
الأول يمكن أن يكون من التعاون الأسري.
أما الثاني فهو صورة من صور الإكراه، ولا ينبغي أن يُقدم على أنه النموذج الإسلامي المثالي للزواج.
المرأة ليست بلا قرار… والولي ليس بلا حدود
إذا جمعنا هذه المعاني معًا تظهر الصورة بصورة أوضح:
المرأة لها إرادة.
والزواج عقد.
والرضا معتبر.
والولي له أحكامه عند من يقول بالولاية.
والولاية ليست ملكية.
ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للظلم أو الإضرار.
كما أن الرجل لا يملك زوجته بعد الزواج، وإنما تنشأ بينهما علاقة شرعية تقوم على الحقوق والواجبات.
الخلاصة
الشبهة القائلة:
«الإسلام أجبر المرأة على الزواج ولم يجعل لها حق الاختيار»
تحتاج إلى التفريق بين أحكام الولاية وبين إرادة المرأة ورضاها.
فالنصوص النبوية اعتبرت استئذان المرأة، والقرآن نهى عن عضل النساء، والزواج في أصله عقد يقوم على السكن والمودة والرحمة.
والولي ـ عند من يقول بوجوب ولايته ـ ليس مالكًا للمرأة، وإنما له دور شرعي محدد في عقد الزواج، ولا ينبغي أن يتحول هذا الدور إلى وسيلة لإلغاء إرادتها.
فالمرأة في الإسلام:
ليست ملكًا لأبيها.
وليست ملكًا لزوجها.
وليست بلا إرادة.
وإنما هي إنسانة لها كرامتها وحقوقها، تدخل الزواج بعقد تترتب عليه حقوق وواجبات متبادلة.
فالزواج في الإسلام لا يقوم على امتلاك المرأة… بل على عقدٍ يجمع بين إنسانين تحت مظلة المودة والرحمة والمسؤولية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق