الإسلام والزكاة: هل يبني مجتمعًا يعيش على الصدقات؟
من الشبهات التي تُثار حول النظام الاجتماعي في الإسلام:
إذا كان الإسلام يأخذ من الأغنياء ويعطي الفقراء، فهل هذه هي العدالة الاجتماعية؟ وهل يريد الإسلام مجتمعًا يعيش فيه المحتاجون على صدقات الأغنياء؟
قد يبدو السؤال مقنعًا لأول وهلة، لكنه يقوم على خلط أساسي بين الزكاة والصدقة، وبين الإعانة المؤقتة وبناء المجتمع القادر على العمل والكسب.
والإسلام حين شرع الزكاة لم يؤسس مجتمعًا يقوم على التسول، وإنما وضع نظامًا متكاملًا للتكافل الاجتماعي وحماية المحتاجين وحفظ كرامتهم.
أولًا: الزكاة ليست صدقةً تطوعية
أكبر خطأ في هذه الشبهة هو التعامل مع الزكاة باعتبارها مجرد إحسان يتفضل به الغني على الفقير.
فالصدقة التطوعية باب من أبواب الإحسان، يخرجها الإنسان ابتغاء الأجر، وقد يعطي منها من شاء.
أما الزكاة فهي فريضة شرعية، لها أحكامها وأنصبتها ومقاديرها ومصارفها.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾
[التوبة: 60]
ولهذا فإن ما يصل إلى المستحق من الزكاة ليس مِنّةً شخصية من غني على فقير، وإنما هو حق شرعي قرره الله وجعل له مصارف محددة.
وهذا فرق جوهري.
فالفقير حين يستحق الزكاة لا ينبغي أن يشعر أنه يتلقى معروفًا شخصيًا من أحد، بل يأخذ حقًا شرعه الله له ضمن نظام التكافل.
ثانيًا: الإسلام لا يريد أن يبقى الفقير فقيرًا
وهنا نصل إلى نقطة أهم.
هل يريد الإسلام أن يستمر الإنسان في أخذ المال من الآخرين طوال حياته؟
لا.
الأصل أن يكون الإنسان قادرًا على العمل والكسب والاستقلال عن الناس.
ولهذا لم يجعل الإسلام معالجة الفقر مقتصرة على إعطاء المحتاج مالًا يستهلكه ثم يعود في اليوم التالي طالبًا للمزيد.
بل وجّه إلى العمل والإنتاج والكسب.
ومن أشهر الأمثلة أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يسأله، فبدل أن يجعله معتمدًا على السؤال، أعانه على وسيلة للكسب، ووجّهه إلى العمل بيده.
فالرسالة هنا واضحة:
ساعد الإنسان حتى يستطيع أن يعيش بعمله، ولا تجعله أسيرًا للحاجة ما دام قادرًا على الكسب.
ثالثًا: العمل يحفظ كرامة الإنسان
العمل في التصور الإسلامي ليس مجرد وسيلة لجمع المال.
إنه أيضًا وسيلة لحفظ كرامة الإنسان واستقلاله.
ولهذا جاءت النصوص الكثيرة في الحث على الكسب والعمل والاستغناء عن سؤال الناس.
قال النبي ﷺ:
«لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه».
فالإسلام لا يريد أن تتحول الحاجة إلى أسلوب حياة.
ولا يريد أن يصبح الفقير تابعًا للغني.
ولا يريد أن تكون علاقة الإنسان بالمجتمع قائمة على مد اليد وانتظار العطاء.
بل يريد مجتمعًا تتوافر فيه أسباب العمل، ويُعان فيه العاجز، ويُحفظ فيه المحتاج.
رابعًا: وماذا عن العاجز عن العمل؟
ليس كل فقير قادرًا على العمل.
هناك الطفل، والشيخ الكبير، والمريض، وذو العجز، ومن أصابته ظروف قاهرة منعته من الكسب.
فهل يُقال له:
اذهب واعمل؟
بالطبع لا.
هنا تظهر عظمة التكافل الاجتماعي في الإسلام.
فمن عجز عن الكسب، وجب أن يجد من المجتمع من يحفظ كرامته ويعينه على حاجته.
وهذا ليس تفضلًا مهينًا.
فالإنسان لا يُلام على المرض، ولا على الشيخوخة، ولا على العجز، ولا على الظروف التي خرجت عن إرادته.
ومن هنا جاءت الزكاة وسائر أبواب التكافل لتسد حاجة هؤلاء وتحفظ لهم حقهم في حياة كريمة.
خامسًا: الزكاة ليست مجرد توزيع أموال على الفقراء
ومن الخطأ اختزال الزكاة في صورة واحدة، وكأن الإسلام لا يعرف من معالجة الفقر إلا أن يعطي الفقير مبلغًا من المال وينتهي الأمر.
فالزكاة جزء من منظومة اقتصادية واجتماعية أوسع.
وفي العصر الحديث يمكن للمجتمعات المسلمة أن تستفيد من المؤسسات المنظمة في إيصال أموال الزكاة إلى مستحقيها وفق الأحكام الشرعية، ومساندتهم في التعليم والعلاج وقضاء الحاجات الأساسية، مع مراعاة مصارف الزكاة التي حددها الشرع.
والغاية ليست مجرد تخفيف ألم الفقر لحظةً واحدة، وإنما معالجة الحاجة بقدر الإمكان وفتح أبواب الاستقلال والكفاية.
سادسًا: هل إعطاء المحتاج يهدر كرامته؟
هذه الفكرة تحتاج إلى تصحيح.
الكرامة لا تُهدر عندما تساعد إنسانًا عاجزًا عن توفير حاجاته.
لو أصيب إنسان بمرض، ثم تكفل المجتمع بعلاجه، فهل أصبح مهانًا؟
ولو عجز شيخ كبير عن العمل، فتكفل المجتمع بنفقاته، فهل أصبح متسولًا؟
ولو فقد طفل والديه، فتكفل المجتمع برعايته، فهل أُهينت كرامته؟
كلا.
الذي يهدر كرامة الإنسان هو أن يُترك محتاجًا بلا عون، أو أن يُذل بسبب حاجته، أو أن تتحول مساعدته إلى وسيلة للسيطرة عليه.
أما التكافل الذي يقوم على الحق والرحمة والكرامة، فهو من أعظم صور الإنسانية.
سابعًا: الإسلام لا يريد مجتمعًا يعتمد على الإحسان وحده
وهذه نقطة جوهرية.
لو كان الإسلام يريد معالجة الفقر بالصدقات فقط، لما جعل للعمل والكسب هذه المكانة الكبيرة.
فالصدقة تعالج حاجة.
أما العمل فيعالج أصلًا من أسباب الحاجة.
والزكاة تسد الخلل.
والتكافل يحمي العاجز.
والعمل والإنتاج يبنيان المجتمع.
ولهذا لا يصح أن نقول:
إن الإسلام يريد للفقراء أن يعيشوا على أموال الأغنياء.
الأدق أن نقول:
الإسلام يريد مجتمعًا لا يُترك فيه المحتاج بلا كفاية، ولا يُحرم فيه القادر من فرصة العمل والكسب.
وهذا فرق كبير.
ثامنًا: بين العدالة والمساواة المطلقة
ليس المقصود بالعدالة أن يأخذ جميع الناس المقدار نفسه من المال مهما اختلفت حاجاتهم وظروفهم.
فالعدالة ليست دائمًا مساواة حسابية.
قد يحتاج إنسان إلى العلاج، ويحتاج آخر إلى التعليم، ويحتاج ثالث إلى رأس مال يبدأ به عملًا، بينما يحتاج رابع إلى نفقة مستمرة لأنه عاجز عن الكسب.
والعدل أن يُعطى كل إنسان ما يستحقه بحسب حاله وحاجته وحقه الشرعي.
ولهذا شرعت الزكاة، ولم تُفرض لتجعل الناس متساوين في الثروة، وإنما لتمنع أن يتحول الفقر إلى هلاك، أو أن تتحول الثروة إلى احتكار يترك الضعفاء بلا حماية.
تاسعًا: الزكاة ليست حربًا على الغني
كما أن الإسلام لا ينظر إلى الغني باعتباره مذنبًا لمجرد امتلاكه المال.
المال في ذاته ليس جريمة.
والغنى ليس عيبًا.
لكن المال أمانة، ولصاحبه فيه حقوق وعليه واجبات.
ومن أهم هذه الواجبات أداء الزكاة، والإنفاق في وجوه الخير، وعدم ظلم الناس أو أكل أموالهم بالباطل.
فالإسلام لا يقول للغني:
تخلَّ عن ثروتك.
ولا يقول للفقير:
عش دائمًا على إعانات الأغنياء.
بل يبني علاقة أكثر توازنًا:
الغني يملك ويعمل وينتج ويؤدي حق الله في ماله، والفقير يعمل إن استطاع، ويُعان إن احتاج، ويُكفل إن عجز.
عاشرًا: ماذا لو نجح المجتمع في القضاء على الفقر؟
وهنا تظهر صورة جميلة من صور التكافل.
إذا ارتفعت مستويات المعيشة، وانتشرت فرص العمل، وانخفضت الحاجة، قلّ عدد المستحقين للزكاة.
وهذا ليس فشلًا لنظام الزكاة، بل هو نجاح للغاية التي شرعت من أجلها.
فالزكاة ليست مؤسسة هدفها أن يبقى الفقراء فقراء حتى تستمر في توزيع الأموال عليهم.
بل المقصود أن تصل الأموال إلى مستحقيها، وأن تُسد حاجات الناس، وأن تتقلص دائرة الفقر والحاجة قدر الإمكان.
ولهذا وردت أخبار عن عهد عمر بن عبد العزيز تصف قلة المحتاجين في بعض الأمصار حتى عجز العاملون على الصدقات عن العثور على من يستحقها.
وسواء نظرنا إلى هذه الأخبار من زاوية المثال التاريخي أو من زاوية الهدف التشريعي، فإن المعنى واضح:
نجاح المجتمع ليس في كثرة من يأخذون الزكاة، وإنما في قلة من يحتاجون إليها.
الخلاصة: الإسلام لا يبني مجتمع الصدقات
من أكبر الأخطاء أن نختزل النظام الاجتماعي في الإسلام في صورة:
غني يعطي، وفقير يأخذ.
فهذه صورة ناقصة جدًا.
الإسلام يريد:
عملًا للقادر،
وكفايةً للعاجز،
وزكاةً للمستحق،
وتكافلًا بين أفراد المجتمع،
وحمايةً لكرامة الإنسان.
فالزكاة ليست مِنّةً من الأغنياء.
وليست بديلًا عن العمل.
وليست دعوة إلى إبقاء الفقراء في دائرة الحاجة.
إنها فريضة شرعية، ونظام للتكافل، وحق للمستحقين، ووسيلة من وسائل حماية المجتمع من الفقر المدقع والانهيار الاجتماعي.
والإسلام حين يمد يده إلى المحتاج لا يريد أن يقول له:
ابقَ فقيرًا وخذ.
بل يقول له:
إن كنت قادرًا فاعمل، وإن عجزت فلا تُترك، وإن احتجت فلك حق، وإن أغناك الله فأنت بعد ذلك قادر على أن تكون أنت المعطي.
وهكذا لا تتحول الصدقة إلى نظام دائم لإبقاء الفقر، وإنما يصبح التكافل جسرًا يعبر بالإنسان من الحاجة إلى الكفاية، ومن العجز إلى القدرة، ومن السؤال إلى الاستغناء.
تلك هي العدالة الاجتماعية التي لا تهين الفقير، ولا تجرّم الغني، ولا تجعل الحاجة قدرًا أبديًا، بل تسعى إلى بناء مجتمعٍ يستطيع فيه الإنسان أن يعيش بكرامة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق