المداخلة تحت المجهر
لماذا لم يعد الصمت عن المنهج المدخلي مجديًا؟
قد يتساءل بعض القراء:
لماذا يزداد الحديث عن التيار المدخلي في هذه المرحلة بالذات؟
ولماذا عادت المقالات والنقاشات النقدية حول هذا التيار إلى الواجهة، بعد سنوات كان كثير من المخالفين فيها يفضّلون الصمت أو تجنّب الدخول في هذا الصراع؟
الجواب في نظري لا يرتبط برغبة في الخصومة مع أشخاص بعينهم، ولا يعني أن كل ما يُقال عن المداخلة صحيح، وإنما يرتبط بضرورة مراجعة تجربة دعوية وفكرية امتدت سنوات، وتركَت آثارًا تستحق الدراسة والنقد.
فالصمت قد يكون حكمة في بعض المراحل، لكنه قد يتحول في مراحل أخرى إلى سبب في استمرار المشكلة.
أولًا: لأن التجربة أصبحت أطول من أن تُعالج بالصمت
عندما ظهر هذا التيار وانتشرت أطروحاته، كان من الممكن أن يقول بعض الناس:
لعل الأمر مجرد اختلاف في الاجتهاد، وستكشف الأيام مواضع الصواب والخطأ.
لكن مرور السنوات يجعل المراجعة أكثر إلحاحًا.
فقد أصبح لدينا تراكم كبير من التجارب والمواقف والخطابات والخصومات والتصنيفات، وأصبح من المشروع أن نسأل:
ماذا أنتج هذا المنهج بعد كل هذه السنوات؟
وهل ساهم فعلًا في توسيع دائرة الدعوة، وتقوية حضورها، وجمع أهل السنة، أم ساهم في توسيع دائرة الخصومة والتصنيف؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي أن تُعدّ مجرد عداء للسلفية.
ثانيًا: لأن الخلاف لم يعد مجرد خلاف علمي
المشكلة الأساسية ليست في وجود خلاف بين العلماء والدعاة.
فالاختلاف قديم، والعلماء اختلفوا في مسائل كثيرة، ولم يكن كل اختلاف سببًا للتبديع والهجر والإقصاء.
لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الخلاف من:
"أنت أخطأت في هذه المسألة"
إلى:
"أنت لست من أهل السنة أصلًا."
ثم يصبح الانتماء إلى شيخ معين، أو الموقف من شخص معين، معيارًا للحكم على الشخص الآخر.
وهنا يتحول الخلاف العلمي إلى منظومة تصنيف.
ومن الطبيعي أن تثير هذه الظاهرة سؤالًا كبيرًا:
هل أصبحت السلفية عند بعض أتباع هذا الاتجاه مجموعة أسماء ومواقف وولاءات، بدل أن تكون منهجًا في فهم الكتاب والسنة والتعامل مع المخالف؟
ثالثًا: لأن ظاهرة "امتحان الناس" أصبحت محل سؤال
من أكثر الأمور التي تحتاج إلى مراجعة ظاهرة امتحان الناس بالأسماء:
من شيخك؟
ما موقفك من فلان؟
هل تبدّع فلانًا؟
هل توافق الشيخ الفلاني؟
هل تقبل كلام الشيخ الفلاني؟
ثم بناء أحكام واسعة على الإجابة.
وهذا يفتح بابًا خطيرًا:
هل صار معيار السلفية هو الأشخاص، أم الدليل والمنهج؟
فإذا كان الرجل يؤمن بالكتاب والسنة، ويعظم العلماء، ويقبل الحق بالدليل، فلماذا يتحول موقفه من شخصية معينة إلى معيار لإخراجه من دائرة السلفية؟
إن جعل الأشخاص معيارًا دائمًا للحق يفتح بابًا لا ينتهي من الخصومات.
رابعًا: لأن الناس بدأوا يفرّقون بين السلفية والمدخلية
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فقد يرفض شخصٌ ما يُسمّى بالمنهج المدخلي، لكنه لا يرفض السلفية ولا الكتاب والسنة ولا منهج السلف.
بل قد يكون اعتراضه تحديدًا على:
التوسع في التبديع.
المبالغة في التصنيف.
تحويل الخلافات الجزئية إلى قضايا ولاء وبراء.
ربط الحق بأشخاص معينين.
تضييق دائرة أهل السنة.
التعامل مع المخالف بمنطق الإقصاء المستمر.
ولهذا أصبح من الضروري أن نقول بوضوح:
نقد المدخلية ليس بالضرورة نقدًا للسلفية.
بل قد يكون جزءًا من محاولة حماية مفهوم السلفية من أن يُختزل في تجربة جماعة أو مدرسة أو مجموعة من الأسماء.
خامسًا: لأن التجربة الدعوية تكشف نتائج المناهج
المنهج لا يُقاس بالشعارات التي يرفعها فقط، وإنما يُنظر أيضًا إلى آثاره.
فإذا كان خطاب معين يؤدي باستمرار إلى:
زيادة الخصومات، واتساع دائرة التبديع، وتفكك الصف، وانشغال الدعاة ببعضهم عن مواجهة المشكلات الفكرية والتربوية الحقيقية،
فمن حق الناس أن يسألوا:
هل هناك خلل في التطبيق فقط؟
أم أن المشكلة أعمق وتتعلق ببعض أصول المنهج نفسه؟
وهذا السؤال لا ينبغي أن يُقابل بالغضب، وإنما بالنقاش العلمي.
سادسًا: لأن الصمت لا يعني دائمًا الحكمة
كان بعض المخالفين للمدخلية يتجنبون الحديث عنهم بحجة عدم فتح باب الفرقة أمام العامة.
وهذه الحجة قد تكون مفهومة في بعض الظروف.
لكن عندما يصبح الخطاب معروفًا، وتصل أفكاره إلى الشباب، وتؤثر في تصورهم للعلماء والدعاة والجماعات، يصبح السكوت بحاجة إلى إعادة نظر.
فليس من الحكمة أن نترك شابًا يظن أن:
كل من خالف شيخًا معينًا مبتدع، وكل من لم يوافق على تبديع شخص معين أصبح مشبوهًا، وكل من خالف تصنيفًا معينًا خرج من دائرة أهل السنة.
هنا تصبح المراجعة ضرورة تربوية، لا مجرد معركة إعلامية.
سابعًا: لأن كثيرًا من الشباب لم يدخلوا السلفية عن طريق هذا التيار أصلًا
وهذه ملاحظة تستحق الدراسة.
فقد عرف كثير من الشباب الدعوة الإسلامية والسلفية من خلال الدروس والمحاضرات والكتب والمواعظ التي قدمها عدد كبير من الدعاة، وليس بالضرورة عن طريق المدرسة المدخلية.
وهذا يعني أن اختزال العمل السلفي في تيار واحد أو مجموعة محددة من المشايخ لا يعكس الواقع التاريخي للحركة السلفية المعاصرة.
بل إن حصر الساحة في أسماء محددة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية:
أن يظن الشاب أن السلفية هي هؤلاء الأشخاص فقط.
وهذا اختزال لا يخدم السلفية نفسها.
ثامنًا: لأن التجربة أثبتت أن بعض الشباب يحتاجون إلى خطاب علمي لا إلى خطاب تصنيفي
هناك شباب يدخلون في هذه التيارات بسبب بحثهم عن اليقين.
يجد الشاب عالمًا يتحدث بثقة، ويقدم له العالم بصورة مبسطة:
هذا سلفي.
وهذا مبتدع.
وهذا حزبي.
وهذا منحرف.
وهذا يؤخذ عنه.
وهذا لا يؤخذ عنه.
وهكذا يشعر الشاب أنه حصل على خريطة كاملة للعالم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يكتشف لاحقًا أن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الخريطة.
فيجد عالمًا من العلماء أثنى على شخص، ثم اختلف معه لاحقًا.
ويجد عالمًا آخر يختلف مع هذا التصنيف.
ويجد مسائل كان يظنها محسومة، فإذا بها محل اجتهاد ونقاش.
عندها قد ينتقل بعض الشباب من التشدد في التصنيف إلى رفض كل خطاب ديني.
وهنا تظهر مسؤولية الخطاب الدعوي المتزن.
تاسعًا: لأن الخلاف مع المداخلة لا ينبغي أن يتحول إلى نسخة أخرى من الإقصاء
وهذه نقطة مهمة جدًا.
إذا انتقدنا المداخلة بسبب التوسع في الإقصاء والتصنيف، فلا يجوز أن نقع نحن في الخطأ نفسه.
فليس المطلوب أن نستبدل:
"من ليس معنا فهو مبتدع"
بـ:
"من هو مدخلي فهو سيئ في كل شيء."
فالعدل مطلوب مع الموافق والمخالف.
وقد يكون في خطاب الشخص خطأ وصواب، وفي منهجه جوانب صحيحة وأخرى محل نقد.
والنقد العلمي لا يحتاج إلى تحويل الخصم إلى شيطان.
عاشرًا: لأننا بحاجة إلى تحرير مفهوم السلفية من الأشخاص
السلفية ليست اسم شيخ.
وليست حزبًا.
وليست مجموعة مغلقة.
وليست امتحانًا دائمًا في المواقف من الأشخاص.
السلفية، في أصل معناها، نسبة إلى اتباع السلف الصالح في فهم الكتاب والسنة والاعتقاد والعمل.
أما التجارب البشرية التي جاءت بعد ذلك فهي اجتهادات بشرية تُقبل منها مواضع الصواب، ويُرد منها الخطأ.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:
هل أنت مع الشيخ فلان أم ضده؟
بل:
ما الدليل؟ وما وجه الاستدلال؟ وما مدى موافقة هذا القول للكتاب والسنة وفهم أهل العلم؟
الحادي عشر: لماذا الآن؟
لأن الزمن نفسه يفرض علينا إعادة النظر.
لقد تغيرت وسائل التواصل.
وتغيرت طريقة وصول الأفكار إلى الشباب.
وأصبحت المعلومة تنتشر في دقائق.
وأصبح الشاب قادرًا على الوصول إلى عشرات العلماء والدعاة والكتب والمحاضرات من مختلف الاتجاهات.
وفي مثل هذا الواقع، لا يمكن أن تبقى العلاقة مع العلم قائمة على:
اسمع لهذا، ولا تسمع لذاك.
بل نحن بحاجة إلى جيل يستطيع أن:
يقرأ، ويفهم، ويقارن، ويتثبت، ويسأل عن الدليل، ويعرف قدر العلماء، دون أن يحولهم إلى معايير مطلقة للحق والباطل.
وأخيرًا: ما الذي نريده من نقد المداخلة؟
لسنا بحاجة إلى معركة جديدة بين المسلمين.
ولا نريد استبدال خصومة بخصومة.
ولا نريد أن يتحول نقد المدخلية إلى مدخلية مضادة.
المطلوب أبسط وأعمق من ذلك:
أن نراجع الأفكار.
أن نفصل بين السلفية والمدرسة المدخلية.
أن نميز بين الخطأ والصواب.
أن نعيد الاعتبار للدليل بدل الأشخاص.
أن نرفض التبديع بغير حق كما نرفض التمييع بغير حق.
وأن نعلّم أبناءنا أن العالم يُحترم، لكن لا يُعصم.
فليس من العدل أن يكون الاختلاف مع شيخ سببًا لإسقاط الرجل كله، كما أنه ليس من العدل أن يكون الانتساب إلى شيخ سببًا لمنحه صك الحقيقة المطلقة.
لقد آن الأوان أن نخرج من عبودية التصنيف إلى حرية البحث عن الحق.
وأن نعيد للسلفية معناها الأوسع:
اتباع الدليل، وتعظيم السنة، واحترام العلماء، والعدل مع المخالف، والبعد عن الغلو في الأشخاص والجماعات.
فإذا كان النقد صادقًا، فليكن نقدًا للأفكار والمناهج والممارسات، لا تشفّيًا في الأشخاص.
وإذا كان الدفاع عن السلفية صادقًا، فليكن دفاعًا عن منهجها ودليلها وأصولها، لا دفاعًا عن كل تجربة بشرية حملت اسمها.
فالحق أكبر من الأشخاص، والسنة أوسع من جماعة، والعلم أعمق من التصنيف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق