حين يتحول السلفية من طلب العلم إلى انشغال بالتصنيف والطعن في العلماء
من أخطر الظواهر التي يمكن أن تصيب البيئة العلمية والدعوية أن يتحول طلب العلم من وسيلة لبناء الإنسان وإصلاحه إلى وسيلة للحكم على الناس وتصنيفهم والطعن فيهم.
فبدلاً من أن ينشغل طالب العلم بحفظ القرآن، وفهم السنة، ومعرفة الفقه، وتزكية النفس، ومجاهدة الهوى، وإصلاح الأخلاق؛ يصبح شغله الشاغل:
من هو المبتدع؟
ومن هو السلفي؟
ومن الذي يُحذَّر منه؟
ومن الذي يُؤخذ عنه؟
ومن الذي خرج من دائرة أهل السنة؟
ثم تتحول هذه الأسئلة من مسائل علمية تُناقش بضوابطها إلى قضية ولاء وبراء، ومحبة وبغض، وقبول وردّ.
وهنا تكمن الخطورة.
طالب العلم أولى ببناء نفسه من إسقاط غيره
من المؤسف أن تجد شاباً قضى سنوات في متابعة الخلافات حول الأشخاص، يحفظ أسماء المختلف فيهم أكثر مما يحفظ من القرآن، ويعرف أقوال الناس في العلماء أكثر مما يعرف كلام العلماء أنفسهم.
وقد يكون قد استهلك سنوات من عمره في السؤال:
ما رأيك في فلان؟
ثم فلان؟
ثم فلان؟
ثم فلان؟
ولو سأل نفسه بصدق:
ماذا أضفت إلى علمي خلال هذه السنوات؟
كم جزءاً حفظت من القرآن؟
كم حديثاً فهمت؟
كم مسألة فقهية أتقنت؟
كم خلقاً أصلحت؟
كم مرة جاهدت نفسك؟
وكم أثراً ترك العلم في سلوكك وعبادتك؟
لربما اكتشف أن مساحة كبيرة من عمره قد استُهلكت في قضايا الأشخاص أكثر مما استُهلكت في بناء النفس.
والعلم الذي لا يزيد صاحبه تواضعاً، ولا خشيةً، ولا إنصافاً، ولا حسن خلق، يحتاج صاحبه إلى أن يراجع علاقته بالعلم.
ليست قضية الأشخاص هي معيار الدين كله
ومن الأخطاء الكبيرة أن تتحول قضية العالم أو الداعية إلى محور الدين كله.
فقد يصبح بعض الشباب لا يعرف من الإسلام إلا:
ماذا قال فلان في فلان؟
وماذا قال فلان في الجماعة الفلانية؟
وهل فلان مبتدع أم لا؟
وهل يجوز الاستماع إلى فلان؟
ومن الذي ينبغي أن نحبه؟
ومن الذي ينبغي أن نحذّر منه؟
حتى يصبح الميزان الذي تُقاس به الأشياء هو موقف الأشخاص من الأشخاص، بدلاً من أن يكون الميزان هو العلم والدليل والعدل والإنصاف.
والأصل أن نتعلم الدين أولاً، ثم نتعلم كيف نزن الأقوال والآراء والأشخاص بميزان العلم.
لا أن نجعل الأشخاص هم الدين، أو نجعل الخلاف حول الأشخاص هو القضية المركزية في حياة طالب العلم.
سيد قطب نموذجاً لخطورة تحويل الخلاف إلى ولاء وبراء
ومن الأمثلة التي تكشف خطورة هذه الظاهرة ما وقع من اختلاف شديد حول سيد قطب رحمه الله.
فالناس تجاهه لم يكونوا على موقف واحد.
هناك من بالغ فيه، فجعله إماماً لا يخطئ، وقبل كلامه كله بلا نقد ولا تمحيص.
وهذا غلو لا يصح في حق أحد من البشر.
وفي المقابل، هناك من بالغ في الجهة الأخرى، فأسقط الرجل بالكلية، ووسمه بأشد الأوصاف، ووصل الأمر عند بعضهم إلى تكفيره.
وبين الإفراط والتفريط يوجد موقف ثالث، وهو موقف الإنصاف العلمي.
فيُقال:
له ما أصاب فيه، وله ما أخطأ فيه.
يُقبل الحق الذي وافق فيه الدليل، ويُرد الخطأ الذي خالف فيه الحق، ولا يُجعل الرجل معصوماً، كما لا يُجعل تاريخُه كله خطأً بسبب بعض الأخطاء.
وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن نتعلمه في التعامل مع العلماء والدعاة والمفكرين جميعاً.
العلماء ليسوا معصومين
وهذه قاعدة لا ينبغي أن تغيب عن طالب العلم:
العصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ.
فالعالم قد يصيب وقد يخطئ.
وقد يكون واسع العلم في باب، وله اجتهاد غير موفق في باب آخر.
وقد ينتفع الناس بعلمه مع مخالفته في بعض المسائل.
والإنصاف لا يعني أن نوافق العالم في كل شيء، كما أن نقد خطئه لا يعني إسقاطه وإهدار جميع حسناته.
وهذه المسافة بين التعظيم والتقديس، وبين النقد والإسقاط، هي التي تضيع أحياناً في أجواء الخصومات العلمية.
من أعطى نفسه حق الوقوف على أبواب السلفية؟
ومن أخطر مظاهر ظاهرة التصنيف أن يتعامل بعض الناس مع أنفسهم وكأنهم أصبحوا حراساً على أبواب الإسلام أو السلفية.
هذا يدخل، وهذا يُخرج.
هذا سلفي.
وهذا مبتدع.
هذا يُسمع له.
وهذا يُحذر منه.
هذا من أهل السنة.
وهذا خرج منها.
ثم يتحول التصنيف إلى سلطة يمارسها أشخاص لم يبلغوا من العلم ما يؤهلهم للحكم في القضايا الكبرى.
وهنا ينبغي أن نسأل:
من أعطى طالب العلم المبتدئ حق إسقاط العلماء والدعاة وتصنيفهم وإخراجهم من دائرة أهل السنة؟
إن التواضع العلمي يقتضي أن يعرف الإنسان قدره.
فليس كل من حفظ بعض المتون أو قرأ بعض الكتب أو تابع بعض المشايخ يصبح مؤهلاً للحكم على العلماء الكبار، فضلاً عن إصدار الأحكام النهائية في حقهم.
لا تجعلوا الشباب أسرى للخلافات
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تتوقف عند العلماء، وإنما تنتقل سريعاً إلى الشباب.
فالشاب الذي كان يستمع إلى عدد من المشايخ وينتفع بعلمهم، قد يجد نفسه فجأة أمام قائمة طويلة من الأسماء التي يُطلب منه أن يحب بعضها ويبغض بعضها، ويقبل بعضها ويرفض بعضها، ويحذر من بعضها.
ثم يصبح السؤال الذي يشغله:
من أتبع؟ ومن أترك؟ ومن أصدق؟
وقد يعيش سنوات في هذه الحيرة، بينما يفوته الأهم:
أن يتعلم القرآن.
وأن يفهم السنة.
وأن يتفقه في دينه.
وأن يزكي نفسه.
وأن يحسن عبادته.
وأن يتعلم أدب الاختلاف.
إن تحويل الشباب إلى جمهور يتابع الخصومات العلمية بدلاً من أن يكونوا طلاب علم وبناء وإصلاح، خسارة كبيرة لا ينبغي الاستهانة بها.
الاختلاف لا يعني إسقاط الجميع
ومن المهم أن نفهم أن وجود الخلاف بين العلماء والدعاة أمر لا يمكن إلغاؤه.
فالعلماء اختلفوا في مسائل كثيرة، وكان بينهم اجتهاد ونقاش ورد وتعقيب.
لكن الفرق كبير بين:
الخلاف العلمي
وبين:
تحويل الخلاف إلى خصومة شخصية.
وبين:
تحويل الخصومة إلى تصنيف وتبديع وإسقاط.
فليس كل اختلاف بدعة.
وليس كل خطأ انحرافاً في المنهج.
وليس كل اجتهاد غير موفق موجباً لإسقاط صاحبه.
كما أن القول بأن للعالم أخطاء لا يعني إلغاء علمه، كما أن الاعتراف بفضله لا يعني قبول كل ما قال.
الوحدة لا تعني إلغاء الحق
ومن الخطأ أيضاً أن نفهم الدعوة إلى وحدة الصف على أنها دعوة إلى جمع المتناقضات دون ضوابط.
فالوحدة الحقيقية لا تعني أن نتخلى عن الحق، ولا أن نتنازل عن الدليل، ولا أن نسكت عن الخطأ.
ولكنها تعني أن نعرف كيف نختلف، وكيف ننصح، وكيف نرد، وكيف نحفظ للآخر قدره، وكيف نميز بين الخطأ وصاحبه.
قد نختلف مع شخص في مسائل كثيرة، ومع ذلك لا نتحول إلى خصوم، ولا نطعن في نيته، ولا ننسى حسناته، ولا نختصر تاريخه كله في خطأ أو اجتهاد.
وهذا هو أدب الاختلاف الذي تحتاجه الأمة اليوم بشدة.
أخطر ما في التصنيف أنه يقتل روح الإنصاف
حين يستقر التصنيف في النفوس، يصبح الإنسان يبحث عن الخطأ فيمن لا يحبه، وعن الدليل على إسقاطه.
فإذا وجد له كلمة صواب قال: لا بد أن وراءها شيء.
وإذا وجد له خطأ قال: ها هو الدليل!
أما من يحبه، فقد يفعل العكس تماماً؛ فيتغاضى عن أخطائه، ويلتمس له الأعذار، ويبالغ في الدفاع عنه.
وهنا لا يعود الإنسان يحاكم الأقوال بالعدل، وإنما يحاكمها بحسب موقفه المسبق من صاحبها.
وهذه آفة خطيرة؛ لأن العدل يقتضي أن يكون الحق أحب إلينا من الأشخاص.
نقبل الحق ممن جاء به، ونرد الخطأ ممن صدر منه، مع حفظ قدر الإنسان وعدم ظلمه.
لا تجعلوا طلب العلم بوابة للخصومات
يا طالب العلم...
لا تجعل سنوات طلبك للعلم سنوات من البحث عن أخطاء الآخرين.
لا تجعل دفاترك مليئة بأسماء الأشخاص وأحكامهم، بينما يقل فيها نصيب القرآن والحديث والفقه والتزكية.
ولا تجعل نجاحك في العلم يقاس بعدد الأشخاص الذين استطعت أن تصنفهم أو تجرحهم.
فالعلم أوسع من ذلك بكثير.
العلم أن تعرف ربك.
وأن تفهم كتابه.
وأن تعرف سنة نبيه ﷺ.
وأن تتفقه في دينك.
وأن تزكي قلبك.
وأن تحسن عبادتك.
وأن تتعلم الإنصاف.
وأن تعرف متى تتكلم، ومتى تسكت، ومتى تقول: لا أعلم.
الكلمة الأخيرة
لسنا بحاجة إلى جيل يحفظ قوائم طويلة من أسماء المختلف فيهم بقدر حاجتنا إلى جيل يحفظ القرآن، ويفهم السنة، ويعرف الفقه، ويملك أخلاق العلم، ويتقن أدب الاختلاف.
ولسنا بحاجة إلى شباب مهمتهم إسقاط الرموز، وإنما إلى شباب يعرفون كيف ينتفعون من العلماء، وكيف يميزون بين الصواب والخطأ، دون غلو ولا جفاء.
فالعالم ليس معصوماً.
والداعية ليس معصوماً.
وطالب العلم ليس حارساً على أبواب الجنة والنار.
والناس لا يُقاسون بمجرد ما يُقال عنهم، وإنما تُوزن الأقوال والأفعال بالدليل والعلم والعدل والإنصاف.
وأجمل ما يمكن أن يُقال لطالب العلم:
اشتغل ببناء نفسك قبل أن تنشغل بإسقاط غيرك، واشتغل بإصلاح قلبك قبل أن تجعل مهمتك إصلاح أخطاء العلماء، وتعلم العلم الذي يقودك إلى الله، لا الجدل الذي يجعلك أسيراً للخلاف حول عباد الله.
فإذا خرج طالب العلم من سنوات طلبه للعلم أكثر علماً، وأقل غروراً، وأشد إنصافاً، وأحسن خلقاً، وأخوف لله؛ فقد أصاب ثمرة العلم.
أما إذا خرج منها وهو لا يكاد يعرف إلا:
من هو المبتدع؟
ومن هو الضال؟
ومن هو الذي يُحذَّر منه؟
ومن الذي ينبغي إسقاطه؟
فليتوقف قليلاً، وليراجع الطريق...
فلعل القضية لم تعد قضية طلب علم، وإنما أصبحت قضية تصنيف للناس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق