السلفية ليست طعنًا في العلماء ولا تبديعًا لهم
فتوى اللجنة الدائمة تحسم المسألة
كثيرًا ما نسمع من يكثر من الحديث عن «السلفية» و«المنهج السلفي»، ثم يكون شغله الشاغل تتبع أخطاء العلماء، والطعن فيهم، ورميهم بالبدعة والفسق، والتحذير منهم، وكأن حفظ المنهج لا يكون إلا بإسقاط العلماء.
لكن السؤال هنا ليس: ماذا يقول هؤلاء عن أنفسهم؟
بل السؤال الأهم:
هل هذا هو فعلًا منهج السلف الصالح؟
الجواب نجده في فتوى صريحة للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، برقم (16873) وتاريخ 12/2/1415هـ، وقد كان من ضمن الموقعين عليها عدد من كبار العلماء.
السؤال الذي عُرض على اللجنة
جاء في السؤال:
«نسمع ونجد أناسًا يدعون أنهم من السلفية، وشغلهم الشاغل هو الطعن في العلماء واتهامهم بالابتداع، وكأن ألسنتهم ما خُلقت إلا لهذا، ويقولون: نحن سلفية، والسؤال: ما هو مفهوم السلفية الصحيح، وما موقفها من الطوائف الإسلامية المعاصرة؟»
فجاء جواب اللجنة واضحًا في بيان أن الطعن في العلماء والتوسع في تبديعهم ليس من طريقة السلف الصالح.
الطعن في العلماء ليس من منهج السلف
قالت اللجنة الدائمة:
«إذا كان الحال كما ذكر فإن الطعن في العلماء ورميهم بالابتداع واتهامهم مسلكٌ مُردٍ، ليس من طريقة سلف هذه الأمة وخيارها.»
وهذه العبارة جديرة بالتأمل.
فاللجنة لا تعتبر كثرة الطعن والتبديع علامة على قوة المنهج، ولا تجعل الاشتغال بإسقاط العلماء عنوانًا للسلفية، بل تصفه بأنه:
«مسلك مردٍ»
وتصرح بأنه:
ليس من طريقة سلف هذه الأمة وخيارها.
فما هي جادة السلف الصالح؟
تجيب اللجنة بوضوح:
«إن جادة السلف الصالح هي الدعوة إلى الكتاب والسنة، وإلى ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان، بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.»
أي أن المنهج ليس مجرد شعارات ترفع، ولا تصنيفات تُوزع، ولا قوائم تحذير تُنشر، وإنما هو:
كتاب وسنة، وحكمة، وموعظة حسنة، وجدال بالتي هي أحسن، وعمل بما يدعو إليه الإنسان.
ومن أهم معالم هذا المنهج: جمع كلمة المسلمين
وتؤكد اللجنة أن من الأمور المعلومة من دين الإسلام:
«الدعوة إلى الاجتماع والتعاون على الخير، وجمع كلمة المسلمين على الحق، والبعد عن الفرقة وأسبابها من التشاحن والتباغض والتحاسد.»
ثم تحذر من الوقوع في أعراض المسلمين، ورميهم بالظنون الكاذبة، لأن هذه الأمور من الأسباب التي تؤدي إلى:
افتراق المسلمين، وجعلهم شيعًا وأحزابًا.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح:
كيف يمكن أن يكون منهج الإنسان قائمًا على كثرة الخصومات، والتصنيف، والتبديع، وإسقاط الأشخاص، ثم يقدمه للناس على أنه هو «منهج السلف»؟
حرمة الوقوع في أعراض العلماء أشد
وتنتقل الفتوى إلى نقطة أكثر أهمية، فتقرر أن حماية أعراض المسلمين وصيانتها من الضروريات المعلومة من دين الإسلام، وأن الحرمة تشتد عندما يكون الوقوع في العلماء.
وتقول اللجنة:
«وتشتد الحرمة حينما يكون الوقوع في العلماء، ومَن عَظُم نفعه للمسلمين منهم.»
لأن العلماء يحملون علم الشرع، ونفعهم يتعدى إلى الناس.
ولهذا لا ينبغي أن تتحول أخطاؤهم إلى ذريعة لإهدار مكانتهم العلمية، ولا أن يصبح كل خلاف علمي سببًا للطعن في الدين والعلماء.
إسقاط العلماء يضر بالعلم نفسه
ومن أقوى ما ورد في الفتوى قول اللجنة:
«والوقوع في العلماء بغير حق تبديعًا وتفسيقًا وتنقصًا، وتزهيدًا فيهم كل هذا من أعظم الظلم والإثم، وهو من أسباب الفتن، وصد المسلمين عن تلقي علمهم النافع وما يحملونه من الخير والهدى.»
ثم تقول عبارة بالغة الدلالة:
«لأنه إذا جُرح حملته أثر على المحمول.»
أي أن الطعن في حملة العلم لا يقف أثره عند الأشخاص، بل قد يؤدي إلى صد الناس عن العلم الذي يحملونه.
وهذه قضية خطيرة؛ لأن تحويل العلماء إلى أهداف دائمة للطعن يجعل الناس يفقدون الثقة بأهل العلم، ويصبح كل طالب علم أسيرًا لمن يملك صوتًا أعلى أو حضورًا أكبر في وسائل التواصل.
لكن ماذا لو أخطأ العالم؟
وهنا تأتي نقطة مهمة جدًا في الفتوى.
فاللجنة لا تقول إن العلماء معصومون من الخطأ، بل تقرر بوضوح:
«ولكن إذا حصل خطأ من العالم فلا يقضي خطؤه على ما عنده من العلم.»
وهذه قاعدة في غاية الأهمية:
خطأ العالم لا يعني سقوط علمه كله.
ووجود خطأ في مسألة لا يحول العالم إلى مبتدع في كل شيء، ولا يجعل كل علمه باطلًا، ولا يبرر إسقاطه والطعن فيه.
بل الواجب – كما تقول اللجنة – أن يُعرف الخطأ بالرجوع إلى:
«من يشار إليهم من أهل العلم في العلم والدين وصحة الاعتقاد.»
ثم تحذر من التسليم لكل من يتصدر للكلام في العلماء:
«وأن لا يسلم المرء نفسه لكل من هب ودب فيقوده إلى المهالك من حيث لا يشعر.»
رسالة إلى من جعلوا الطعن في العلماء منهجًا
إذا كنت تقول إنك تنتسب إلى السلفية، فهذه الفتوى تدعوك إلى سؤال نفسك:
هل السلفية هي كثرة التحذير من العلماء؟
هل هي تتبع الزلات؟
هل هي توزيع أحكام التبديع والتفسيق؟
هل هي إسقاط العلماء المخالفين لك في بعض المسائل؟
أم أن السلفية – كما قررت اللجنة الدائمة – هي:
الدعوة إلى الكتاب والسنة، والحكمة والموعظة الحسنة، وجمع كلمة المسلمين، والبعد عن الفرقة، والكف عن أعراض المسلمين، واحترام أهل العلم، وعدم إسقاط العالم بسبب خطأ وقع فيه؟
إن الانتساب إلى السلف لا يكون بمجرد الاسم.
فالمنهج يُعرف بالأخلاق والعدل والإنصاف، كما يُعرف بالعلم والدليل.
ومن أراد أن يدافع عن السنة، فليدافع عنها بالسنة.
ومن أراد أن ينتصر للحق، فلا يجعل طريقه إلى الحق الظلم والطعن في أعراض العلماء.
ومن أخطأ عالمًا، فليبين خطأه بالعلم والعدل والأدب، دون أن يحول الخطأ إلى مبرر لإسقاط العالم كله.
نص الفتوى في ميزان واحد
إن من المهم أن نتأمل هذه الكلمات الصادرة عن اللجنة الدائمة:
«الطعن في العلماء ورميهم بالابتداع… ليس من طريقة سلف هذه الأمة وخيارها.»
«الدعوة إلى الاجتماع والتعاون على الخير، وجمع كلمة المسلمين على الحق.»
«الكف عن الوقوع في أعراض المسلمين.»
«وتشتد الحرمة حينما يكون الوقوع في العلماء.»
«والوقوع في العلماء بغير حق تبديعًا وتفسيقًا وتنقصًا… من أعظم الظلم والإثم.»
«إذا حصل خطأ من العالم فلا يقضي خطؤه على ما عنده من العلم.»
«وأن لا يسلم المرء نفسه لكل من هب ودب.»
فهل بعد هذه العبارات الصريحة يبقى من الصواب أن يُجعل الطعن في العلماء والتوسع في تبديعهم عنوانًا للسلفية؟
بل السلفية الحقيقية – كما تقرر هذه الفتوى – دعوة إلى الكتاب والسنة، مقرونة بالحكمة والعدل وحفظ الأعراض وجمع الكلمة والإنصاف مع أهل العلم.
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
رقم الفتوى: (16873)
التاريخ: 12/2/1415هـ
رئيس اللجنة:
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أعضاء اللجنة:
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
بكر بن عبد الله أبو زيد
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
صالح بن فوزان الفوزان
رحم الله من مات منهم، وحفظ الله من بقي، وجزاهم عن العلم وأهله خيرًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق