«السلفية» أم «التلفية»؟
حين يتحول اتباع السلف إلى خصومة وتصنيف وطعن في العلماء والدعاة
مقدمة: سلفية تُصلح أم «تلفية» تُخاصم؟
السلفية في أصل معناها ليست اسمًا لمعركة مع المسلمين، ولا مشروعًا لتتبع العلماء والدعاة، ولا قائمة طويلة من الأسماء التي يجب التحذير منها.
السلفية ـ كما يُفترض في شعارها ـ تعني الرجوع إلى الكتاب والسنة، وفهمهما على منهج السلف، وتعظيم الدليل، والعدل، والتقوى، وحسن الاتباع.
لكن ماذا يحدث عندما يتحول هذا الشعار عند بعض المنتسبين إليه إلى ممارسة مختلفة؟
حين يصبح الشاب مشغولًا بمن نرد عليه أكثر من انشغاله بما يتعلمه؟
وحين يعرف أسماء من يُحذَّر منهم أكثر مما يعرف كتب العلم؟
وحين يصبح تصنيف الدعاة أهم من فهم أقوالهم؟
وحين تتحول المسائل الخلافية إلى معارك دائمة؟
وحين يصبح تتبع الزلات والبحث عن العثرات طريقًا لإسقاط العلماء والدعاة؟
هنا يحق لنا أن نسأل ـ من باب النقد والمراجعة ـ:
هل ما نراه امتداد حقيقي لمنهج السلف، أم أننا أمام صورة أخرى يمكن أن نسميها ـ على سبيل النقد ـ «تلفية»؛ لأنها بدل أن تبني العلم والأخلاق والأخوة، تُتلفها بالخصومة والتصنيف والطعن؟
أولًا: السلفية التي نعرفها من السلف... ماذا كانت تصنع؟
إذا تحدثنا عن اتباع السلف، فلا ينبغي أن نختزل السلف في قوائم الأشخاص والتحذيرات.
السلف كانوا أهل علم وعبادة وتقوى، وكانوا يختلفون في مسائل كثيرة، ومع ذلك لم يكن كل اختلاف بينهم سببًا لإلغاء الأخوة أو إسقاط المخالف.
كان العلم عندهم مسؤولية.
وكان الكلام في الناس أمرًا خطيرًا.
وكانت العدالة والورع وحفظ اللسان من أخلاق طالب العلم.
ولهذا فإن الانتساب إلى السلف لا ينبغي أن يكون مجرد شعار، بل ينبغي أن يظهر أثره في:
العلم، والعدل، والتواضع، والإنصاف، وحسن الخلق، والرحمة بالمسلمين.
فإذا غابت هذه المعاني، وبقيت أسماء السلف وشعاراتهم فقط، فالمشكلة ليست في الاسم، وإنما في الفجوة بين الشعار والممارسة.
ثانيًا: حين يصبح طالب العلم مشروعَ مُصنِّف
طالب العلم في بداية طريقه يحتاج إلى أن يتعلم:
القرآن، والحديث، والفقه، وأصول الاستدلال، واللغة، ومناهج العلماء، وآداب الاختلاف.
لكن بعض الخطابات المعاصرة تدفع بالشاب سريعًا إلى عالم آخر:
من المبتدع؟
من الحزبي؟
من المميع؟
من الخارجي؟
من الذي لا يُسمع له؟
ومن الذي يجب التحذير منه؟
فيتحول الشاب من طالب علم إلى مراقب للأشخاص.
ويصبح جزء كبير من اهتمامه:
من معنا؟ ومن علينا؟ ومن تكلم فيمن؟ ومن رد على من؟ ومن أثنى على من؟
وهنا تبدأ المشكلة.
فبدل أن يكون السؤال:
«ماذا قال؟ وما دليله؟»
يصبح:
«إلى أي قائمة ينتمي؟»
ثالثًا: من مناقشة الأقوال إلى محاكمة الأشخاص
المنهج العلمي يبدأ من الفكرة:
هذا القول صحيح أو خطأ، وهذه أدلته، وهذا وجه الصواب فيه.
أما ثقافة الخصومة فتبدأ من الشخص:
هذا فلان، إذن نعرف مسبقًا ماذا سنقول عنه.
وهنا يصبح اسم الشخص مؤثرًا في الحكم على كلامه.
فإن كان من الموافقين، حُملت عبارته على أحسن المحامل.
وإن كان من المخالفين، بدأ البحث عن الزلات والقرائن والتهم.
ثم تتراكم الأمور:
عبارة محتملة → خطأ → انحراف → تصنيف → تحذير → إسقاط.
وهذه ليست دائمًا نتيجة لازمة للنقد العلمي، وإنما قد تكون نتيجة ثقافة تصنيف لا تعرف متى تتوقف.
رابعًا: المسائل الخلافية... من العلم إلى الوقود
لا مشكلة في أن يناقش المسلمون مسائلهم الخلافية.
فالمولد، والأناشيد، وبعض مسائل الفقه، وقضايا العمل الجماعي وغيرها، كلها يمكن أن تكون محل بحث ونقاش.
لكن المشكلة حين تصبح هذه القضايا وقودًا دائمًا للخصومة.
فبدل أن يقول طالب العلم:
هذه مسألة اختلف فيها العلماء، وهذه أدلة كل فريق، وهذا ما أراه راجحًا.
يُدفع به إلى:
هذا مبتدع!
هذا مميع!
هذا منحرف!
احذر منه!
لا تستمع إليه!
فتتحول المسألة من بحث علمي إلى معركة هوية.
وهنا لا يعود الخلاف وسيلة لفهم العلم، وإنما يصبح وسيلة لتقسيم الناس.
خامسًا: «التحذير» الذي لا ينتهي
من أكثر الكلمات تداولًا في بعض البيئات المدخلية:
التحذير.
والتحذير في نفسه قد يكون مشروعًا إذا استند إلى العلم والعدل والحاجة.
لكن ماذا يحدث عندما يتحول التحذير إلى مشروع دائم؟
تحذير من داعية.
ثم تحذير من داعية آخر.
ثم تحذير من طالب علم.
ثم تحذير من كتاب.
ثم تحذير ممن أثنى على ذلك الداعية.
ثم تحذير ممن لم يوافق على التحذير.
حتى يجد الشاب نفسه وسط شبكة لا تنتهي من:
«احذر من فلان» و«لا تسمع لفلان» و«لا تجلس مع فلان».
وهنا يجب أن نسأل:
إذا كان مشروعنا الديني قائمًا بصورة أساسية على التحذير من المسلمين، فأين مساحة البناء؟
سادسًا: تربية الشباب على تتبع الزلات
الشاب الذي يُربى على العلم يتعلم كيف يبحث عن الحق.
أما الشاب الذي يُربى على الخصومة فقد يتعلم كيف يبحث عن الزلة.
مقطع قديم.
عبارة مجتزأة.
فتوى مختلفة.
خطأ في تعبير.
موقف لم يعجبهم.
ثم تبدأ عملية التداول:
انظروا ماذا قال!
ثم يتحول الخطأ إلى مادة للتشهير، وربما إلى سبب للحكم على الرجل كله.
وهذا خلل في ميزان النقد.
فالإنصاف لا يعني السكوت عن الخطأ، وإنما يعني وضع الخطأ في حجمه الحقيقي.
فليس كل زلة انحرافًا، وليس كل اجتهاد مخالف بدعة، وليس كل خطأ في عبارة سببًا لإسقاط صاحبه.
سابعًا: حين يُربى الشاب على سوء الظن
إذا ظل الشاب يسمع باستمرار:
احذر من فلان، ولا تثق بفلان، ولا تجلس مع فلان، وانتبه لمن يمدح فلانًا...
فإن النتيجة الطبيعية قد تكون تكوين عقلية شديدة الارتياب.
كل كلمة تصبح علامة.
وكل علاقة تصبح تهمة.
وكل ثناء يصبح قرينة.
وكل اختلاف يصبح دليلًا على الانحراف.
وهنا يتحول طالب العلم إلى شخص يرى النيات خلف الكلمات، ويقرأ المقاصد من غير بينة.
وهذه ليست قوة في المنهج، وإنما قد تكون صورة من صور سوء الظن الذي يفسد العلاقات العلمية والدعوية.
ثامنًا: من الخلاف العلمي إلى الحقد والغل
الخلاف إذا خرج من دائرة العلم ودخل دائرة النفس، تغيّر كل شيء.
لم يعد الهدف تصحيح الخطأ، بل الانتصار على الشخص.
لم يعد المقصود بيان الحق، بل التشفي بالمخالف.
لم يعد السؤال: كيف نصحح؟
بل: كيف نسقطه؟
وهنا يتحول الاختلاف إلى مشاعر من:
الحقد، والغل، والبغضاء، والتشفي.
وهذه أخطر مرحلة؛ لأن الخصومة لم تعد خلافًا بين عقول، بل أصبحت عداوة في القلوب.
تاسعًا: الاستعلاء على الناس باسم «الحق»
من أخطر ثمار هذه التربية أن يشعر بعض الأتباع بأنهم يملكون الحقيقة كاملة، وأن من خالفهم إنما هو:
جاهل، أو مميع، أو مبتدع، أو متأثر، أو صاحب هوى.
وهكذا يصبح الخلاف سببًا للاستعلاء.
لكن العلم الحقيقي ينبغي أن يزيد صاحبه تواضعًا.
فكلما ازداد الإنسان علمًا، عرف اتساع دائرة المسائل، وتنوع اجتهادات العلماء، وصعوبة إصدار الأحكام على الناس.
أما أن يتحول العلم إلى وسيلة لاحتقار المخالف، فهذه ليست ثمرة تربوية سليمة.
عاشرًا: ماذا يتعلم الشاب من هذه البيئة؟
يتعلم أن:
الاختلاف خطر.
وأن:
المخالف يجب الحذر منه.
وأن:
الخطأ قد يسقط صاحبه.
وأن:
العالم الذي لا يوافقنا لا ينبغي الاستماع إليه.
وأن:
معرفة الأشخاص أهم من معرفة المسائل.
ثم يكبر الشاب وهو يحمل في ذهنه خريطة للخصوم أكثر مما يحمل مشروعًا للعلم والدعوة.
وهنا تظهر المفارقة:
بدل أن نربيه ليكون عالمًا أو داعية أو مصلحًا، نربيه ليكون مفتشًا عن أخطاء الآخرين.
الحادي عشر: أين البناء؟
السؤال البسيط الذي ينبغي طرحه:
ماذا بنى هذا الخطاب في الشباب؟
هل جعلهم أكثر علمًا؟
هل جعلهم أكثر عبادة؟
هل جعلهم أكثر أخلاقًا؟
هل جعلهم أكثر رحمة بالمسلمين؟
هل دفعهم إلى خدمة مجتمعهم؟
هل علمهم كيف يختلفون دون أن يتباغضوا؟
أم جعلهم يعرفون عشرات الأسماء التي يجب التحذير منها، وعشرات العبارات التي يجب الرد عليها؟
إن الدعوة التي لا تنتج علمًا وأخلاقًا وعملًا تحتاج إلى مراجعة.
الثاني عشر: السلفية أم «التلفية»؟
وهنا نصل إلى جوهر العنوان.
إذا كانت السلفية تعني:
اتباع الكتاب والسنة، وتعظيم الدليل، والاقتداء بالسلف، والعدل، والورع، وحسن الخلق، وحفظ اللسان، والرحمة بالمسلمين؛
فإننا لا نستطيع أن نعتبر كل ممارسة تحمل اسم السلفية امتدادًا تلقائيًا لهذا المعنى.
فحين يتحول الخطاب إلى:
تصنيف دائم،
وطعن مستمر،
وتصيد للزلات،
وسوء ظن،
وتحريض على الهجر،
واستعلاء على المخالف،
وتحويل المسائل الخلافية إلى معارك،
فمن حقنا أن نسأل نقديًا:
هل ما زلنا أمام «سلفية» في معناها التربوي، أم أمام «تلفية» تُتلف الأخوة، وتُتلف أدب الخلاف، وتُتلف صورة الدعوة، وتُتلف طاقات الشباب في معارك لا تنتهي؟
إنها ليست مجرد لعبة لفظية.
إنها محاولة لوصف الفجوة بين الاسم والممارسة.
الثالث عشر: النقد ليس المشكلة... ولكن ماذا عن منهج النقد؟
نحن لا نقول:
لا تنتقدوا.
ولا نقول:
لا تحذروا.
ولا نقول:
اتركوا الأخطاء بلا بيان.
بل نقول:
انتقدوا بعلم.
وحذروا بعدل.
وانقلوا بأمانة.
وفرقوا بين الخطأ والانحراف.
وفرقوا بين الاجتهاد والبدعة.
وفرقوا بين نقد القول وإسقاط قائله.
وفرقوا بين النصيحة والتشهير.
فليس كل مخالف مبتدعًا، وليس كل مخطئ ساقطًا، وليس كل اختلاف دليلًا على فساد المنهج.
الخاتمة: أي جيل نريد؟
المشكلة ليست أن يختلف المسلم مع المسلم.
المشكلة أن نربي جيلًا لا يعرف كيف يختلف إلا بالخصومة.
المشكلة ليست أن نرد على عالم أو داعية.
المشكلة أن نجعل الرد على العلماء والدعاة مشروعًا دائمًا يطغى على العلم والبناء.
المشكلة ليست أن نناقش المسائل الخلافية.
المشكلة أن نجعلها معيارًا للحب والبغض، والقبول والرفض، والموالاة والهجر.
والمشكلة ليست في الانتساب إلى السلف.
وإنما في أن يصبح اسم السلفية غطاءً لممارسات لا تشبه في آثارها ما نبحث عنه من علم وعدل ورحمة وإنصاف.
ولهذا فإن السؤال سيبقى مفتوحًا:
«السلفية» أم «التلفية»؟
هل نريد جيلًا يتعلم كيف يبني نفسه ويخدم دينه وأمته؟
أم جيلًا يتعلم كيف يراقب الدعاة، ويصنف العلماء، ويتتبع الزلات، ويبحث عن الخصوم؟
إن اتباع السلف لا يكون بكثرة الشعارات، ولا بكثرة التصنيفات، ولا بكثرة التحذيرات.
وإنما يظهر حين يتحول العلم إلى عدل، والدين إلى أخلاق، والخلاف إلى أدب، والنصيحة إلى رحمة، والدعوة إلى بناء.
فإذا أُتلفت هذه المعاني باسم السلفية، فليس السؤال عن الاسم وحده، وإنما عن حقيقة المنهج الذي يقدمه الاسم للناس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق