الجمعة، 25 سبتمبر 2026

حين تتحول «السلفية» إلى ثقافة خصومة

 

حين تتحول «السلفية» إلى ثقافة خصومة

تربية الشباب على الطعن والتصنيف والحقد على الدعاة

مقدمة

ليست المشكلة في أن يختلف العلماء، ولا في أن يُناقش الخطأ، ولا في أن يُرد على قول يخالف الدليل.

فالنقد العلمي، والمناقشة، والرد، وبيان الخطأ؛ كلها أمور عرفها العلماء عبر تاريخ الأمة.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الأدوات العلمية إلى ثقافة دائمة للخصومة، وحين يصبح همُّ الشاب الذي يتربى في بعض الأوساط المدخلية ليس كيف يتعلم ويعمل ويبني، وإنما:

من نرد عليه؟
ومن نحذر منه؟
ومن نصنفه؟
ومن نهجره؟
ومن نُسقطه من أعين الناس؟

وحين يصبح الحديث عن الدعاة والعلماء، وتتبع أخطائهم وزلاتهم، وإثارة الخلافات حولهم، مساحة أكبر من الحديث عن العلم والعبادة والأخلاق والعمل والإصلاح؛ فهنا لا بد أن نتوقف ونسأل:

أي تربية هذه؟ وأي جيل نريد أن نصنع؟


أولًا: من تربية الشباب على العلم إلى تربيته على الخصومة

طالب العلم في بداية طريقه يحتاج إلى أن يتعلم:

القرآن، والحديث، والفقه، وأصول الاستدلال، وآداب الاختلاف، ومناهج العلماء، وأخلاق طالب العلم.

لكنه في بعض البيئات التي يغلب عليها الخطاب المدخلي قد يجد نفسه أمام عالم آخر من الأسئلة:

من المبتدع؟
من المميع؟
من الحزبي؟
من الخارجي؟
من الذي لا يُسمع له؟
من الذي يجب التحذير منه؟
من الذي لا يجوز حضور دروسه؟

وهكذا ينتقل الشاب تدريجيًا من مرحلة بناء العلم إلى مرحلة مراقبة الناس.

ويصبح نجاحه لا يُقاس بما حفظه وفهمه من العلم، وإنما بقدرته على معرفة قوائم الأشخاص:

هذا يُؤخذ عنه، وهذا لا يُؤخذ عنه، وهذا يُحذَّر منه، وهذا متهم، وهذا تغير، وهذا عنده انحراف.

فتتحول الساحة العلمية في ذهن الشاب إلى خريطة من الأسماء والتصنيفات بدل أن تكون ميدانًا للعلم والدعوة والإصلاح.


ثانيًا: إثارة الخلافات حتى تصبح هي مادة الدعوة

من أكثر ما يلفت النظر في هذا الخطاب أن بعض المسائل الخلافية تُعاد باستمرار، وكأن مستقبل الدين متوقف عليها.

فتُفتح ملفات:

المولد، والأناشيد، وبعض مسائل اللباس، وبعض صور العمل الجماعي، ومسائل فرعية في العبادة، وأخطاء الدعاة، ومواقف العلماء من بعضهم...

ثم تستمر المعارك حولها سنوات طويلة.

ولا نقول إن هذه المسائل لا تُناقش.

بل تُناقش، ويُعرف فيها قول العلماء وأدلتهم.

لكن السؤال:

هل يعقل أن يتحول الخلاف في المسائل الاجتهادية أو الفرعية إلى وسيلة لتمزيق الصف، وتصنيف المسلمين، وإسقاط الدعاة؟

إن الأمة التي تواجه الجهل والفقر والفساد والتخلف ومشكلات الشباب والأسرة والتعليم تحتاج إلى أكثر من أن يعيش شبابها في معارك لا تنتهي حول الجزئيات.


ثالثًا: من نقد الفكرة إلى إسقاط صاحبها

وهنا تكمن مشكلة أكبر.

فبدل أن يكون السؤال:

هل هذا القول صحيح أم خطأ؟

يتحول السؤال إلى:

من قاله؟

فإذا كان قائله من «الموافقين» حُملت عبارته على أحسن المحامل.

وإذا كان من «المخالفين» بدأت عملية البحث والتنقيب:

من أين أخذها؟
من يجالس؟
من يمدح؟
من أثنى عليه؟
من حضر عنده؟
ماذا قال قبل عشر سنوات؟
هل له عبارة يمكن تفسيرها على وجه آخر؟

ثم تُجمع هذه الجزئيات لتكوين ملف كامل عن الرجل.

وهكذا يصبح تصنيف الشخص أهم من مناقشة كلامه.

وهذا ليس علمًا، بل هو في كثير من الأحيان ثقافة خصومة.


رابعًا: الطعن في العلماء والدعاة تحت عنوان «التحذير»

لقد أصبح لفظ «التحذير» في بعض الخطابات المدخلية عنوانًا واسعًا جدًا.

تحذير من عالم.

تحذير من داعية.

تحذير من طالب علم.

تحذير من جماعة.

تحذير من كتاب.

تحذير من محاضرة.

تحذير من حضور مجلس.

تحذير من الاستماع إلى فلان.

حتى أصبحت بعض البيئات الدينية وكأنها تعيش في حالة إنذار دائم.

والسؤال هنا ليس: هل التحذير جائز؟

فالتحذير من الخطأ قد يكون مشروعًا بل واجبًا في بعض الحالات.

لكن السؤال:

هل كل من خالفكم يجب التحذير منه؟

وهل كل خطأ يوجب إسقاط صاحبه؟

وهل كل اجتهاد مختلف فيه يجعل صاحبه أهلًا للهجر والتبديع؟

وهل أصبحت حماية الشباب تعني عزلهم عن معظم العلماء والدعاة الذين لا يوافقونكم؟

هنا ينبغي أن تكون المراجعة جادة.


خامسًا: تربية الشباب على تتبع العثرات

من أخطر ما يمكن أن يتربى عليه طالب العلم أن يجد لذة في اكتشاف أخطاء الآخرين.

مقطع قديم.

عبارة محتملة.

فتوى مختلفة.

اجتهاد خالف فيه صاحبه جمهور العلماء.

ثم تبدأ الاحتفالات:

وجدنا له خطأ!
انظروا ماذا قال!
لقد انكشف أمره!
احذروا منه!

وكأن العثور على زلة عالم أو داعية أصبح انتصارًا شخصيًا.

لكن أين التربية على قول الله تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؟

أين التربية على الإنصاف؟

أين حسن الظن؟

أين معرفة أن العالم بشر يخطئ ويصيب؟

وأين التفريق بين الخطأ الذي يُصحح وبين الخطأ الذي يتحول إلى أداة للتشهير؟


سادسًا: تحويل الاختلاف إلى عداوة

الاختلاف العلمي لا يعني بالضرورة العداوة.

وقد اختلف كبار العلماء في مسائل كثيرة، وبقي بينهم الاحترام والتقدير.

لكن ثقافة التصنيف تجعل الاختلاف أحيانًا يتحول إلى:

هجر، وقطيعة، وتحذير، وتشويه، وإسقاط، واتهام.

فإذا خالف الشاب شيخه أو مجموعته في مسألة، قيل له:

أنت متأثر بفلان.

وإذا أثنى على عالم مختلف معهم:

لقد ضللت الطريق.

وإذا استمع إلى داعية لا يوافقون عليه:

احذر! لا تسمع له!

وهكذا لا يعود الشاب يتعلم كيف يفكر، بل يتعلم ممن يفكر.

وهذه كارثة تربوية.


سابعًا: صناعة الاستعلاء على بقية المسلمين

من أخطر نتائج هذه التربية أن يشعر بعض الأتباع أنهم يمثلون الطائفة الناجية وحدها، وأن الآخرين جميعًا بحاجة إلى أن يُمتحنوا أمام معاييرهم.

فتصبح لغة الخطاب:

نحن نعرف السنة، وأنتم لا تعرفونها.

نحن نعرف أهل البدع، وأنتم مخدوعون بهم.

نحن نعرف العلماء، وأنتم لا تعرفون من تأخذون عنه.

وهنا تتحول السلفية من مفهوم يُفترض أن يدل على اتباع السلف في العلم والعبادة والأخلاق إلى هوية اجتماعية يشعر صاحبها من خلالها بأنه أعلى من الآخرين.

وهذا يناقض جوهر التربية الإيمانية؛ لأن العلم إذا لم يثمر تواضعًا وعدلًا ورحمة، فما الذي أثمره؟


ثامنًا: الحقد والغل بدل الأخوة

حين يتكرر أمام الشاب يوميًا الحديث عن:

فلان مبتدع،
فلان مميع،
فلان منحرف،
فلان حزبي،
فلان متلون،
فلان لا يُؤخذ عنه،
فلان يجب التحذير منه،

فمن الطبيعي أن تتكون لديه صورة ذهنية عن المجتمع الإسلامي باعتباره مجموعة من الخصوم.

ويكبر الشاب وهو يحمل في قلبه سوء الظن والريبة بدل المحبة والرحمة.

وكلما وجد شخصًا مختلفًا عنه، بحث عن التهمة التي يمكن أن يلصقها به.

وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد خلاف علمي؛ إنها مشكلة في تربية القلب.


تاسعًا: حين يصبح «التحذير» هو المشروع

الداعية الحقيقي ينبغي أن يكون لديه مشروع:

تعليم، وإصلاح، وتربية، ودعوة، وخدمة للمجتمع، وبناء للشباب.

أما أن يصبح المشروع كله:

فلان رد عليه فلان، وفلان حذر من فلان، وفلان بدع فلانًا، ونحن نرد على الجميع...

فهذا يستهلك طاقة الشباب في معارك لا تنتهي.

وتصبح الحركة كثيرة، لكن البناء قليل.

والضجيج مرتفع، لكن الثمرة محدودة.

والشباب يعرفون أسماء عشرات المختلفين، لكنهم لا يعرفون من العلم إلا القليل.


عاشرًا: إهمال البناء والانشغال بهدم الآخرين

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على كل خطاب ديني:

ماذا تبني؟

فإذا كان الخطاب يعلّم الشباب القرآن، والفقه، والأخلاق، والصدق، والصبر، والعمل، وخدمة الناس، وحسن التعامل، فهذا بناء.

أما إذا كان معظم وقته يعلّمهم:

من نطعن فيه، ومن نحذر منه، ومن نصنفه، ومن نهجره، ومن نسقطه،

فإننا أمام خطاب يستهلك طاقة الشباب في هدم الآخرين بدل بناء أنفسهم.

والأمة لا تُبنى بهذه الطريقة.


الحادي عشر: التعصب للأشخاص تحت شعار «اتباع السلف»

المفارقة أن الخطاب المدخلي يكثر من الحديث عن:

اتباع الدليل، وترك التقليد، والرجوع إلى الكتاب والسنة.

لكن التطبيق العملي عند بعض الأتباع قد ينتهي إلى شيء مختلف:

إذا قال الشيخ الذي نتبعه قبلنا.

وإذا تكلم الشيخ الذي نحبه صدقناه.

وإذا تكلم العالم الذي نختلف معه بحثنا عن مداخل للرد عليه.

فتصبح المشكلة في النهاية ليست:

اتباع الدليل.

بل:

من الذي يملك حق تفسير الدليل؟

وهنا تظهر خطورة تحويل بعض الأشخاص إلى مراجع نهائية لا تقبل المراجعة.


الثاني عشر: أليس من حق العلماء والدعاة أن يخطئوا؟

العالم ليس معصومًا.

والداعية ليس معصومًا.

وطالب العلم ليس معصومًا.

والخطأ لا يحتاج إلى تحويل صاحبه إلى عدو.

يمكن أن نقول:

أخطأ فلان في هذه المسألة.

ونذكر الدليل.

ونبين وجه الخطأ.

ثم ننتهي.

لكن ثقافة الخصومة لا تكتفي بذلك.

بل تبدأ من الخطأ الصغير ثم تتوسع:

أخطأ → منحرف → مميع → مبتدع → يُحذر منه → لا يُسمع له → يجب إسقاطه.

وهذه السلسلة تحتاج إلى مراجعة جادة؛ لأن الانتقال من نقد القول إلى إسقاط الشخص ليس أمرًا بسيطًا.


الثالث عشر: من يربي الشباب على هذا الخطاب؟

إذا أردنا إصلاح واقع الدعوة، فعلينا أن نراجع الخطاب الذي نقدمه للشباب.

هل نعلمهم أن المسلم المخالف لنا قد يكون عنده علم لا نملكه؟

هل نعلمهم أن العالم قد يصيب ويخطئ؟

هل نعلمهم أدب الخلاف؟

هل نعلمهم التفريق بين البدعة والخطأ، وبين الخطأ والاجتهاد، وبين المخالفة العلمية والانحراف العقدي؟

أم نعلمهم فقط:

«خذ هذا الاسم، واحذر هذا الاسم»؟

إذا كانت التربية قائمة على القوائم والتصنيفات، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما ينشأ جيل يجيد التصنيف أكثر مما يجيد العلم.


الخلاصة

إن أخطر ما في ثقافة الخصومة أنها لا تكتفي بخلاف العلماء، بل تُحوِّل الخلاف إلى تربية.

تربي الشاب على أن يرى المخالف خصمًا.

وتربيه على أن يبحث عن الزلة.

وتربيه على أن يفرح بسقوط الداعية.

وتربيه على أن يثق بقائمته أكثر من ثقته بالدليل.

وتربيه على أن يظن أن النجاة في معرفة «من نحذر منه» أكثر من معرفته بما يجب أن يتعلمه ويعمل به.

وهنا نقول بوضوح:

لسنا ضد النقد، ولسنا ضد الرد على الأخطاء، ولسنا ضد التحذير حين تدعو إليه الحاجة.

لكننا ضد أن تتحول هذه الأمور إلى منهج تربية كامل.

ضد أن يُختزل الدين في الخصومات.

وضد أن يصبح تصنيف المسلمين مشروعًا دائمًا.

وضد أن يتحول الشباب إلى جنود في معارك لا تنتهي.

وضد أن يُربى الشاب على أن قيمة العالم تُقاس بمدى قربه من جماعتنا، لا بعلمه وعدله وتقواه.

وضد أن يصبح الطعن في الدعاة والعلماء العاملين للإسلام وسيلة لإثبات «السلفية».

فالسلفية التي تُنسب إلى السلف ينبغي أن تُقاس أولًا بما ظهر فيهم من:

علم، وتقوى، وعدل، ورحمة، وتواضع، وإنصاف، وحسن أدب.

أما أن نربي جيلًا يعرف كيف يطعن أكثر مما يعرف كيف يتعلم، وكيف يصنف أكثر مما يعرف كيف يفهم، وكيف يهدم أكثر مما يعرف كيف يبني، فهذه ليست أزمة مخالفين فحسب؛ بل أزمة تربية ومنهج.

ولذلك يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه هذا الخطاب بصدق:

هل نريد شبابًا يحملون رسالة الإسلام، أم شبابًا يحملون قوائم الخصوم؟

هل نريد جيلًا يبني الأمة، أم جيلًا ينشغل بإسقاط أبنائها؟

وهل تكون الدعوة إلى السنة سببًا في زيادة العلم والأخوة والرحمة، أم تتحول إلى بوابة للخصومة والتصنيف والطعن؟

إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي جماعة دينية ليس أن تخطئ في مسألة، وإنما أن تربي جيلًا يرى أخاه المسلم خصمًا قبل أن يراه أخًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق