المرأة والجامعة والعمل
هل التعليم يعني بالضرورة التخلي عن الأسرة؟
من القضايا التي ارتبطت طويلًا بمفهوم «تحرير المرأة»: التعليم، والجامعة، والعمل.
وقد تحولت هذه المجالات في بعض الخطابات إلى معيار أساسي للحكم على مدى تحرر المرأة.
فكلما دخلت الجامعة، وخرجت إلى سوق العمل، وازدادت مشاركتها في الحياة العامة، عُدَّ ذلك تقدمًا.
وكلما بقيت قريبة من أسرتها، أو اختارت التفرغ للبيت، عُدَّ ذلك أحيانًا تراجعًا.
لكن…
هل هذه المعادلة صحيحة دائمًا؟
أولًا: لا تعارض بين المرأة والعلم
لا يمكن بناء نهضة حقيقية بمجتمع يجعل نصف أفراده بعيدين عن العلم.
والإسلام لم يجعل طلب المعرفة حكرًا على الرجال.
وقد عرفت الحضارة الإسلامية نساءً عالمات، ومحدثات، وفقيهات، وكان لهن حضور في ميادين العلم والتعليم.
ولهذا فإن حرمان المرأة من التعليم لمجرد كونها امرأة لا يمكن الدفاع عنه باسم الدين.
بل ينبغي التفريق بين:
الإسلام الذي يحث على العلم،
وبين:
بعض العادات الاجتماعية التي ضيقت على المرأة في بعض البيئات والأزمنة.
وهذا التفريق ضروري حتى لا نحمل الدين أخطاء المجتمعات.
لكن السؤال: ماذا نريد من التعليم؟
ليس كل تعليم يؤدي بالضرورة إلى النتيجة نفسها.
فالتعليم يمكن أن يصنع إنسانًا أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التفكير، وأكثر نفعًا لمجتمعه.
لكن يمكن أيضًا أن يتحول التعليم إلى مجرد شهادة، أو وسيلة للحصول على وظيفة، أو أداة لإعادة إنتاج أفكار المجتمع السائدة دون تفكير نقدي.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال:
هل تتعلم المرأة أم لا؟
فهذا السؤال حُسم من حيث الأصل.
السؤال الأهم:
ماذا تتعلم؟ ولماذا؟ وكيف تستخدم علمها؟
فالعلم الذي يزيد الإنسان وعيًا ومسؤولية يختلف عن المعرفة التي تتحول إلى مجرد لقب اجتماعي.
الجامعة ليست مرادفًا للتحرر
من الخطأ أن نجعل دخول الجامعة دليلًا تلقائيًا على تحرر المرأة.
فالجامعة مؤسسة للعلم.
قيمتها الحقيقية في المعرفة والبحث والتخصص وبناء القدرات.
أما تحويلها إلى ميدان لإثبات أن المرأة أصبحت «أكثر تحررًا»، فهذا يحمّل التعليم وظيفة ليست من صميمه.
فالمرأة يمكن أن تدخل الجامعة وتتعلم وتتخصص، وهي متمسكة بدينها وقيمها.
كما يمكن لشخص أن يحمل أعلى الشهادات دون أن يمتلك وعيًا حقيقيًا.
الشهادة لا تساوي النضج، والجهل ليس نتيجة حتمية للتدين.
والعمل ليس المقياس الوحيد لقيمة المرأة
كذلك لا ينبغي اختزال قيمة المرأة في قدرتها على العمل خارج المنزل.
العمل الشريف النافع قيمة، ولا ينبغي منع المرأة من كل مشاركة مهنية لمجرد كونها امرأة.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز أن يتحول العمل إلى المعيار الوحيد الذي تُقاس به قيمة الإنسان.
فالمرأة ليست أقل قيمة لأنها اختارت أن تتفرغ لتربية أبنائها.
كما أن المرأة العاملة ليست بالضرورة مقصرة في أسرتها.
المشكلة ليست في العمل نفسه، وإنما في الطريقة التي تُدار بها الأولويات والمسؤوليات.
الأمومة ليست وظيفة هامشية
في بعض التصورات الحديثة، أصبحت الأمومة تُعرض أحيانًا وكأنها عقبة أمام تحقيق الذات.
وكأن المرأة لا تستطيع أن تكون ناجحة إلا إذا تجاوزت دورها الأسري.
وهذا تصور يحتاج إلى مراجعة.
فالأمومة ليست فراغًا، وتربية الأطفال ليست عملًا بلا قيمة.
إن صناعة جيل متوازن، ورعاية الأسرة، وبناء شخصية الطفل، مسؤوليات عظيمة.
لكن الاعتراف بقيمة الأمومة لا يعني إجبار كل امرأة على البقاء في المنزل.
كما أن احترام العمل لا يعني احتقار الأسرة.
والتوازن هو أن نترك مساحة للاختلاف في الظروف والقدرات والاختيارات.
لا ينبغي أن تصبح المرأة ضحية لمعادلة زائفة
من أكثر المعادلات ظلمًا للمرأة أن يقال لها:
إما أن تكوني مستقلة وإما أن تكوني زوجة.
إما أن تنجحي في عملك وإما أن تنجحي في أسرتك.
إما أن تتقدمي علميًا وإما أن تتمسكي بقيمك.
لماذا؟
أليست الحياة أكثر تعقيدًا من هذه الثنائيات؟
يمكن للمرأة أن تتعلم، وأن تعمل، وأن تتزوج، وأن تربي أبناءها، وأن تشارك في مجتمعها، مع اختلاف الظروف من امرأة إلى أخرى.
ولا ينبغي تحويل نموذج واحد إلى قانون على الجميع.
الأسرة ليست عدوًا للمرأة
ربما تكون الأسرة من أكثر المؤسسات التي تعرضت لإعادة تعريف في العصر الحديث.
لكن الأسرة في التصور السليم ليست قيدًا بالضرورة.
إنها علاقة تقوم على المودة والرحمة والمسؤولية.
قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
فالأسرة ليست مشروعًا لإلغاء شخصية المرأة، كما أنها ليست مؤسسة لخدمة الرجل وحده.
بل هي مسؤولية مشتركة.
وإذا تحولت الأسرة إلى ظلم أو استبداد أو إهانة، فالمشكلة ليست في فكرة الأسرة نفسها، وإنما في الانحراف عن مقاصدها.
ولا يجوز استخدام الأسرة لتبرير الظلم
وهنا ينبغي أن يكون الكلام واضحًا.
ليس كل ما يسمى «عادات أسرية» مقدسًا.
إجبار الفتاة على الزواج، وحرمانها من حقها المشروع، وإهانتها، ومنعها من التعليم دون سبب معتبر، أو التعامل معها كأنها بلا إرادة؛ ليست أمورًا ينبغي الدفاع عنها لمجرد أنها ممارسات قديمة.
القديم ليس صحيحًا لمجرد أنه قديم.
كما أن الجديد ليس صحيحًا لمجرد أنه جديد.
المعيار هو الحق والعدل والمصلحة المشروعة.
العمل حين يصبح استغلالًا
ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن استقلال المرأة اقتصاديًا يحتاج إلى نظرة أكثر واقعية.
فالعمل قد يكون مصدرًا للكرامة والاستقرار، لكنه قد يكون أيضًا مصدرًا للضغط والاستغلال إذا غابت الحماية والحقوق.
ولهذا لا يكفي أن نقول للمرأة:
«اخرجي إلى سوق العمل وستصبحين حرة».
فالسؤال الحقيقي هو:
هل تملك حقوقها؟
هل تحصل على أجر عادل؟
هل تُعامل بكرامة؟
هل تستطيع الموازنة بين مسؤولياتها؟
هل توجد بيئة عمل تحفظ إنسانيتها؟
فالحرية لا تتحقق بمجرد الانتقال من البيت إلى مكان العمل.
ومن الظلم تحميل المرأة وحدها مسؤولية الأسرة
إذا كانت الأسرة مسؤولية، فهي ليست مسؤولية المرأة وحدها.
ولا يصح أن يقال للمرأة:
اعملي، وادرسي، وكوني مستقلة، واهتمي بأطفالك، وأديري بيتك، وتحملّي كل شيء وحدك.
ثم يسمى ذلك تحريرًا.
الأسرة مسؤولية مشتركة، والرجل أيضًا مسؤول عن أسرته، كما أن للمرأة حقوقًا وعليها مسؤوليات.
ولهذا فإن أي حديث جاد عن المرأة ينبغي أن يتناول مسؤولية الرجل والأسرة والمجتمع والمؤسسات، لا أن يضع العبء كله على المرأة.
التعليم والعمل… نعم، ولكن بلا إلغاء للأسرة
القضية إذن ليست:
هل نريد للمرأة أن تتعلم؟
نعم.
وليست:
هل يمكن للمرأة أن تعمل؟
يمكنها أن تعمل في المجالات المشروعة، وفق الضوابط والظروف المناسبة.
وليست:
هل الأسرة مهمة؟
نعم، وهي من أهم مؤسسات المجتمع.
القضية الأعمق هي:
كيف نبني نموذجًا يسمح للمرأة أن تتعلم وتعمل وتشارك، دون أن تتحول الأسرة إلى ضحية، ودون أن يتحول الدين إلى عائق مصطنع، ودون أن تصبح المرأة نفسها مجرد أداة في سوق العمل أو الصراع الثقافي؟
الإصلاح لا يحتاج إلى هدم كل شيء
المجتمع الذي يريد إصلاح وضع المرأة لا يحتاج إلى هدم الأسرة.
كما أنه لا يحتاج إلى إعادة المرأة إلى الجهل.
ولا يحتاج إلى استيراد نموذج اجتماعي كامل من مجتمع آخر.
بل يحتاج إلى مراجعة هادئة:
ما الذي جاء به الدين؟
ما الذي أضافته العادات؟
أين وقع الظلم؟
ما الحقوق التي حُرمت منها المرأة؟
وما التغييرات التي تحقق العدل دون أن تصنع مشكلات جديدة؟
الخلاصة
ليس التعليم عدوًا للأسرة.
وليس العمل عدوًا للأمومة.
وليس التدين عدوًا للعلم.
وليست الأسرة سجنًا بالضرورة.
كما أن الجامعة ليست دليلًا تلقائيًا على التحرر.
وسوق العمل ليس ضمانًا تلقائيًا للكرامة.
المرأة تحتاج إلى العلم، والكرامة، والاختيار المسؤول، والحماية من الظلم، والأسرة التي تقوم على المودة والرحمة.
وتحتاج قبل ذلك كله إلى مجتمع لا يضعها أمام خيار مستحيل:
إما أن تكون امرأة ناجحة، وإما أن تكون امرأة صالحة.
فالنجاح الحقيقي ليس في أن تنتصر المرأة على أسرتها، ولا في أن تنتصر الأسرة عليها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق