الأحد، 27 سبتمبر 2026

«كِلاكُما مُحْسِن»… حين يعلّمنا النبي ﷺ كيف نختلف دون أن نتخاصم

 



«كِلاكُما مُحْسِن»…

حين يعلّمنا النبي ﷺ كيف نختلف دون أن نتخاصم

ليس كلُّ اختلافٍ دليلًا على الضلال، وليس كلُّ من خالفك في اجتهادٍ أو فهمٍ قد تنكّر للحق، كما أن اختلاف الآراء لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين متعصّبٌ لهواه، أو أن الآخر وحده يحتكر الصواب.

ومن أعظم ما يعلّمنا أدب الاختلاف في الإسلام، ذلك الموقف النبوي العظيم الذي قال فيه رسول الله ﷺ:

«كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ».

كلماتٌ قليلة، لكنها تحمل معاني واسعة في فقه الاختلاف، وحسن التعامل مع المخالف، ومعرفة حدود ما يجوز أن نختلف فيه، وكيف ينبغي أن تبقى القلوب متآلفةً رغم تعدد الآراء والاجتهادات.

فما أعظم أن يتعلم المسلم كيف يطلب الحق، دون أن يتحول طلبه إلى خصومة، وكيف يدافع عن رأيه، دون أن يجعل مخالفه عدوًّا، وكيف يعتز بما يراه صوابًا، دون أن يظن أن كل من خالفه قد ضلّ الطريق!

أولًا: «كلاكما محسن»… موقف نبوي يستحق التأمل

روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، في سياق الحديث عن اختلاف الصحابة في القراءة، أن النبي ﷺ قال:

«كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ».

وقد ورد هذا المعنى في سياق اختلاف رجلين في قراءة القرآن، فاحتكما إلى النبي ﷺ، فبيّن لهما أن كليهما محسن.

وليس المقصود من هذا الحديث أن كل رأيين متعارضين صحيحان بالضرورة، أو أن الحق يتعدد في كل مسألة، أو أن الإنسان لا ينبغي له أن يبحث عن القول الراجح.

وإنما موضع العبرة أن الاختلاف قد يقع بين أهل الإيمان والعلم والحرص على الحق، دون أن يكون أحد الطرفين متعمدًا للباطل أو مستحقًّا للذم لمجرد مخالفته صاحبه.

فقد يختلف الناس في الفهم، وتتعدد وجوه الاجتهاد، ويصل كل واحدٍ منهم إلى ما يراه صوابًا بناءً على ما بلغه من العلم والدليل.

وهنا تظهر الحاجة إلى العلم والإنصاف، وإلى التمييز بين الاختلاف الذي له وجهٌ معتبر، والخلاف الذي لا يقوم على حجة.

إن النبي ﷺ لم يجعل مجرد وقوع الاختلاف سببًا للطعن في أحد الرجلين، بل بيّن لهما وجه الإحسان في هذا المقام.

وما أحوجنا إلى أن نتأمل هذا الهدي النبوي، ونحن نرى بعض الناس يجعلون من كل اختلافٍ معركة، ومن كل مخالفٍ خصمًا، ومن كل رأيٍ آخر دليلًا على الانحراف!

ثانيًا: ليس كل مخالفٍ معاندًا للحق

من أخطر الآفات التي تصيب طالب العلم أن يظن أن ما انتهى إليه اجتهاده هو الحق الذي لا يحتمل غيره، وأن كل من خالفه إنما خالفه عن جهلٍ أو هوى أو تعصب.

فإذا رجّح قولًا في مسألةٍ فقهية، ظن أن مخالفه قد ترك الدليل.

وإذا اختار فهمًا لنصٍّ شرعي، اعتقد أن من فهمه على وجهٍ آخر قد أعرض عن مراد الله ورسوله.

وإذا تبنّى اجتهادًا في قضيةٍ خلافية، جعل ذلك الاجتهاد معيارًا يزن به علم الآخرين ودينهم.

وهذا مسلكٌ يحتاج إلى مراجعة؛ لأن الناس لا يختلفون دائمًا لأن بعضهم يريد الحق وبعضهم يريد الباطل، بل قد يختلفون لأنهم اختلفوا في فهم الدليل، أو في ثبوته، أو في دلالته، أو في وجه الجمع بين النصوص.

وقد يكون أحد القولين أرجح من الآخر، لكن هذا لا يعني أن صاحبه وحده محسنٌ في كل شيء، أو أن المخالف له لا نصيب له من العلم أو الاجتهاد.

والعالم الذي يخالفك قد يكون قد وقف على دليلٍ لم تقف عليه، أو فهم من النص ما لم تفهمه، أو سلك في الترجيح طريقًا يختلف عن طريقك.

فلماذا نُحسن الظن بأنفسنا إلى هذا الحد، ونسيء الظن بغيرنا لمجرد اختلافٍ في الرأي؟

ولماذا نجعل من اجتهادنا ميزانًا نحاكم إليه الناس، بدلًا من أن نجعل الدليل هو الميزان الذي نحتكم إليه جميعًا؟

ثالثًا: بين طلب الحق والتعصب للرأي

إن طلب الحق واجب، والبحث عن القول الراجح من أعظم مقاصد العلم.

وليس من الإنصاف أن نقول إن جميع الأقوال صحيحة، أو إن كل خلافٍ سائغ، أو إن على المسلم أن يتخلى عن قناعته لمجرد أن غيره يخالفه.

بل الواجب أن ينظر في الأدلة، وأن يتعلم، وأن يرجّح ما ظهر له أنه أقرب إلى الحق.

لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل الإنسان من ترجيح قوله إلى تقديس اجتهاده، ومن مناقشة الدليل إلى الطعن في المخالف، ومن الدفاع عن الحق إلى الانتصار للنفس.

فثمة فرقٌ كبير بين من يقول:

«هذا هو الراجح عندي، وهذه أدلتي، وأرى أن القول الآخر مرجوح».

وبين من يقول:

«هذا هو الحق الذي لا يحتمل الخلاف، وكل من خالفني جاهلٌ أو مبتدعٌ أو صاحب هوى».

الأول يتحدث بلغة العلم، ويترك المجال للمناقشة والنظر.

أما الثاني، فقد جعل من قناعته الشخصية حكمًا نهائيًّا على عقول الناس ونياتهم.

وكم من مسألةٍ كان يمكن أن تكون مجالًا للتعلم والتباحث، فتحولت بسبب التعصب إلى خصومةٍ وتدابر!

وكم من أخوّةٍ أفسدها إنسانٌ ظن أن التنازل عن حدّة عبارته تنازلٌ عن الحق، وأن الرفق بالمخالف ضعفٌ في الاتباع!

إن قوة الحجة لا تحتاج إلى قسوة العبارة، والثبات على المبدأ لا يستلزم احتقار المخالف.

رابعًا: إذا كان الاختلاف بين العلماء، فكيف يكون بين عامة المسلمين؟

لقد اختلف العلماء والفقهاء في مسائل كثيرة، ودوّنوا خلافاتهم في كتبهم، وناقشوا الأدلة، وردّ بعضهم على بعض.

ومع ذلك، فإن مجرد اختلافهم في مسألةٍ اجتهادية لا يبيح لنا أن نجعل كل مخالفٍ مبتدعًا أو ضالًّا.

فإذا كان العالم قد بذل وسعه في طلب الحق، واجتهد في فهم النصوص، فليس من العدل أن نختزل علمه ودينه في مسألةٍ خالف فيها غيره.

وإذا كان أهل العلم قد اختلفوا في بعض هيئات الصلاة، أو في تفاصيل عددٍ من الأحكام الفقهية، فكيف يسوغ لبعض الناس أن يحوّل هذه المسائل إلى معايير لتصنيف المسلمين، وتحديد من يستحق الاحترام ومن يستحق الإقصاء؟

إن الخلاف الفقهي لا يعني أن جميع الأقوال متساوية، لكنه يعني أن الحكم على الأقوال ينبغي أن يكون بالدليل، وأن الحكم على الأشخاص يحتاج إلى علمٍ وعدلٍ وتثبت.

فليس كل خطأٍ بدعة، وليس كل قولٍ مرجوحٍ ضلالة، وليس كل من خالفك متبعًا لهواه.

ومن لم يتعلم أدب الاختلاف، فقد يحوّل علمه إلى سببٍ للفرقة، بدلًا من أن يكون وسيلةً للهداية والإصلاح.

خامسًا: لا تجعل خلافك مع أخيك أكبر من اتفاقك معه

كم من مسلمين يجمعهم الإيمان بالله، ومحبة رسوله ﷺ، والحرص على الصلاة والعبادة، والرغبة في الخير، ثم تفرّق بينهم مسألةٌ فرعية أو اجتهادٌ فقهي!

وكم من أناسٍ يتفقون على أصولٍ عظيمة، ويتعاونون على البر والتقوى، ثم ينسون كل ذلك حين يختلفون في جزئيةٍ من الجزئيات!

إن من فقه الأخوة أن نعرف ما يجمعنا، وألا نسمح لكل خلافٍ أن يهدم ما بيننا من مودةٍ وتعاون.

ولا يعني ذلك إلغاء الخلاف، أو السكوت عن الخطأ، أو ترك النصيحة؛ بل يعني أن نضع الخلاف في حجمه الصحيح، وأن نناقش المسائل بقدرها، دون أن نحملها ما لا تحتمل.

فإذا اختلفت مع أخيك في مسألةٍ اجتهادية، فناقشه بالدليل، وبيّن له ما ترجّح عندك، واستمع إلى حجته، فإن ظهر لك صواب قوله فارجع إلى الحق، وإن بقي الخلاف فاحفظ له حق الأخوة.

ليس من شروط الأخوة أن تتطابق آراؤنا في كل مسألة، وإنما من مقتضياتها أن نختلف دون ظلم، ونتناقش دون تجريح، وننصح دون تعالٍ.

سادسًا: «كلاكما محسن» ليست دعوةً إلى ترك الترجيح

قد يقول قائل: إذا كان المطلوب أن نحسن التعامل مع المخالف، فلماذا نبحث عن الراجح؟ ولماذا نناقش الأدلة؟ ولماذا نردّ على الأقوال التي نراها خطأ؟

والجواب: لأن حسن التعامل مع المخالف لا يعني التنازل عن البحث العلمي، كما أن التمسك بالدليل لا يبرر سوء الخلق.

إن عبارة «كلاكما محسن» وردت في سياقٍ مخصوص، ولا يصح تعميمها على كل خلافٍ أو جعلها دليلًا على تصويب جميع الأقوال المتعارضة.

لكنها تفتح أمامنا بابًا مهمًّا في فهم طبيعة الاختلاف، وهو أن المخالفة لا تكفي وحدها للحكم على صاحبها بالذم، وأن الإنصاف يقتضي النظر في الدليل والسياق ووجه الاجتهاد.

فقد يكون أحد القولين أرجح، ويكون الآخر خطأً، لكن الخطأ لا يستلزم دائمًا الإثم، ولا سيما حين يصدر عن اجتهادٍ معتبر.

وقد يكون المخالف معذورًا فيما ذهب إليه، وإن لم يكن قوله هو الراجح.

ومن هنا كان واجبنا أن نفرّق بين الحكم على القول، والحكم على قائله، وبين بيان الخطأ، والتشنيع على المخطئ.

إن العلم لا يكتمل بمجرد معرفة الراجح، بل يحتاج صاحبه أيضًا إلى معرفة كيف يتعامل مع من لم يوافقه في الترجيح.

سابعًا: ما أحوجنا إلى أخلاق العلماء!

إن العالم الراسخ لا يكتفي بمعرفة المسألة، بل يعرف أيضًا قدرها، وأسباب الخلاف فيها، وحدود الإنكار على المخالف.

ولا يجعل كل خلافٍ فتنة، ولا كل مناقشةٍ خصومة، ولا كل رأيٍ آخر تهديدًا لمكانته أو انتقاصًا من علمه.

بل يتسع صدره للنقاش، ويقبل مراجعة قوله إذا ظهر له الدليل، ويعرف أن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن الاعتراف بالخطأ خيرٌ من الإصرار عليه.

أما التعصب، فيجعل صاحبه أسيرًا لرأيه، لا يرى إلا ما يوافقه، ولا يسمع إلا ما يؤيده، ويعامل المخالف وكأنه ينازعه في الدين كله.

وهكذا يتحول العلم من وسيلةٍ لمعرفة الحق إلى أداةٍ للانتصار للنفس، وتتحول الدعوة من بابٍ للهداية إلى ميدانٍ للتصنيف والتنازع.

وما أحوجنا إلى أن نتعلم من العلماء أدبهم مع المخالف، كما نتعلم منهم أحكام المسائل وأدلتها.

فالعلم الذي لا يثمر تواضعًا وإنصافًا، ولا يمنع صاحبه من ظلم الناس، يحتاج صاحبه إلى مراجعة نفسه قبل أن يكثر من محاكمة الآخرين.

الخاتمة: اختلفوا… ولكن لا تتخاصموا!

إن عبارة «كلاكما محسن» ليست شعارًا نرفعه لتصويب كل خلاف، ولا ذريعةً لترك البحث عن الحق، وإنما هي تذكيرٌ بأن الاختلاف يحتاج إلى علمٍ وإنصاف، وأن المخالف لا يُحكم عليه لمجرد مخالفته.

فلنطلب الحق، ولنرجّح بالدليل، ولنردّ الخطأ بالحجة، ولكن لنحذر أن يتحول ذلك كله إلى تعصبٍ للرأي، أو طعنٍ في النيات، أو تبديعٍ بغير حق.

ولنتذكر أن من حقك أن ترى قولك صوابًا، لكن ليس من حقك أن تجعل كل مخالفٍ لك عدوًّا للسنة.

ومن حقك أن تناقش الدليل، لكن ليس من حقك أن تنتقص من شأن المخالف لمجرد أنه لم يقتنع بترجيحك.

ومن حقك أن تدعو إلى ما تراه حقًّا، لكن عليك أن تفعل ذلك بالعلم والحكمة والعدل.

فليس كل اختلافٍ افتراقًا، وليس كل مخالفةٍ انحرافًا، وليس كل من خالفك قد خالف الحق عن عمد.

وإذا كان الاختلاف لا بد أن يقع بين الناس، فلتكن أخلاقنا أوسع من خلافاتنا، وليكن إنصافنا أكبر من تعصبنا، وليكن حرصنا على الحق أعظم من حرصنا على الانتصار لأنفسنا.

فلنختلف بأدب، ونتحاور بعلم، ونتناصح بمحبة، ولنترك للحق أن يقودنا جميعًا، بدلًا من أن نجعل آراءنا قضاةً على الناس.

«كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ»… كلمةٌ نتأمل معناها، ونتعلم منها أن طلب الحق لا يقتضي الخصومة، وأن الاختلاف لا يبرر الظلم، وأن العلم الحق يجمع بين قوة الدليل، وسعة الصدر، وحسن الخلق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق