صراع المداخلة: الرد للدين أم الانتصار للنفس؟
وقفات مع ردّ رسلان على أبي الحسن المأربي
قال رسلان في معرض رده على الشيخ أبي الحسن المأربي، بمعنى كلامه:
لولا أن اسمك ذُكر صراحة، لما التفتُّ إلى الكلام.
ثم قال:
لما ذُكر الاسم وجب الرد، لا للنفس بل للدين.
وهنا يبرز السؤال:
إذا كان الرد للدين، فلماذا كان ذكر الاسم هو السبب في وقوع الرد؟
إذا كان الكلام يتضمن خطأً علميًا، فهل يتغير حكمه لمجرد أن اسم شخص معين لم يُذكر؟
الحق لا يتغير بالأسماء، والباطل لا يصبح حقًا لأن قائله لم يسمِّ أحدًا.
أولًا: هل ذُكر اسم رسلان أصلًا؟
من أساس القضية أن رسلان اعتبر أن الشيخ أبا الحسن المأربي عيّنه وذكره باسمه.
لكن عند الرجوع إلى الحلقة الأولى من سلسلة «إلى غلاة التجريح» يبرز سؤال بسيط:
أين ذكر الشيخ المأربي رسلان باسمه؟
فبحسب المادة التي بين أيدينا، الذي ذكر اسم رسلان في الاتصال هو أحد المتصلين، حين قال للمأربي ما معناه: أنت تقصد رسلان بكلامك.
وهنا الفرق كبير بين أن يذكر المتحدث شخصًا باسمه، وبين أن يفهم المستمع أن الكلام ينطبق عليه.
ولذلك فالقضية تحتاج إلى نص واضح، لا إلى مجرد استنتاج.
ثانيًا: هل معيار الغيبة واحد للجميع؟
إذا كانت مجالس الشيخ المأربي تُوصف بأنها «غيبة وفجور» لمجرد تناول أخطاء بعض الأشخاص ومناهجهم، فالسؤال:
هل يطبق هذا المعيار على الجميع؟
فقد نُقلت عن رسلان في بعض ردوده عبارات تضمنت سخرية من أشكال بعض الأشخاص، والطعن في هيئاتهم، بل وتفسير بعض تصرفاتهم بنوايا داخلية.
وهنا لا نريد الدخول في إعادة نشر الألفاظ الجارحة.
السؤال أبسط:
لماذا يكون تناول المخالفين بأسمائهم «جرحًا وتعديلًا» عندما يصدر منا، ثم يصبح «غيبة وطعنًا» عندما يصدر من غيرنا؟
إن كان النقد جائزًا بضوابطه، فهو جائز للجميع.
وإن كان محرمًا، فليكن محرمًا على الجميع.
المشكلة ليست في وجود الرد… بل في ازدواجية المعيار.
ثالثًا: هل يجوز الحكم على نيات الناس؟
ومن الأمثلة المنقولة عن رسلان تفسير وضع أحد الأشخاص للنظارة بأنه يريد بها الوقار.
وهنا سؤال مهم:
كيف عُرفت نيته؟
قد يضع الإنسان النظارة لحاجة بصرية، أو لسبب صحي، أو لأسباب أخرى لا علاقة لها بالرياء أو طلب الوقار.
لذلك فالأصل أن نحاكم الإنسان إلى ما ظهر من قوله وفعله، لا إلى ما نتخيله في قلبه.
وهذا مبدأ ينبغي أن نلتزم به مع الموافق والمخالف على السواء.
رابعًا: وماذا عن «حط عليك ونزل دارك»؟
من العبارات التي ركز عليها رسلان حديثه عن كون المأربي جاء إلى بلده وتحدث فيها.
لكن السؤال:
ما علاقة البلد بصحة الكلام من بطلانه؟
إن كان الكلام صحيحًا فهو صحيح في اليمن ومصر وغيرهما.
وإن كان باطلًا فهو باطل في كل مكان.
الحق لا يحمل جنسية، والعلم لا يقاس بالبلد الذي جاء منه صاحبه.
ولا ينبغي أن يتحول الخلاف العلمي إلى تعصب للبلدان والجنسيات.
خامسًا: أبو الحسن المأربي ومكانته العلمية
من المهم أيضًا ألا نتعامل مع أبي الحسن المأربي وكأنه كان دائمًا بلا مكانة علمية.
فقد وردت عن الشيخ ربيع المدخلي في مراحل سابقة عبارات ثناء على علم أبي الحسن، كما نُقلت عن الشيخ الألباني رحمه الله عبارات تقدير واستفادة منه.
وهذا لا يعني أن المأربي معصوم من الخطأ.
فلا أحد بعد رسول الله ﷺ معصوم.
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول:
له ما له من العلم، وعليه ما عليه من الخطأ.
ولا يصح أن تتحول الخلافات العلمية إلى محوٍ للتاريخ العلمي السابق.
وأخيرًا…
يقول البعض:
من أنت حتى ترد على رسلان؟
والجواب:
السؤال الصحيح ليس: من هو الذي رد؟
بل:
ماذا قال؟ وما دليله؟
فالحق لا يعرف بالرجال.
وإذا كان من حق رسلان أن يرد على أبي الحسن المأربي، فمن حق غيره أيضًا أن يناقش رد رسلان.
المعيار واحد:
الدليل بالدليل، والحجة بالحجة، والخطأ يُبيَّن أينما كان.
الخلاصة
لا نقول إن المأربي معصوم، ولا إن رسلان معصوم.
لكننا نسأل عن المعيار:
إذا كان الرد فعلًا للدين، فلماذا كان ذكر الاسم سببًا رئيسيًا في الالتفات إلى الكلام والرد عليه؟
وإذا كان الكلام باطلًا، فلماذا لا يُرد عليه سواء ذُكر الاسم أم لم يُذكر؟
وإذا كان نقد الأشخاص غيبة، فلماذا يُستثنى منه بعض الناس؟
وإذا كان النقد والرد جائزين بضوابطهما، فلماذا يصبحان غيبة عندما يصدران من المخالف؟
فلنجعل ميزاننا واحدًا:
لا ننتصر لشخص لأنه منا، ولا نرد شخصًا لأنه خالفنا.
ننظر في الكلام، ثم نزنُه بالدليل.
فإن كان حقًا أخذناه، وإن كان باطلًا رددناه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق