شتّان بين فهم السلف…
و«فهم الخلف» الذي شوّه منهج السلف!
كثيرًا ما تُرفع عبارة:
«نحن على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح».
وهي عبارة صحيحة في أصلها؛ ففهم الصحابة والتابعين وأئمة الهدى للنصوص الشرعية له مكانته الكبرى في فهم الدين.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه العبارة من منهج للاستفادة من تراث السلف إلى شعار لاحتكار السنة، وإقصاء المخالف، وتصنيف العلماء، وتضييق دائرة الإسلام الواسعة.
فالسلف الصالح لم يكونوا جماعة معاصرة، ولم يكونوا حزبًا فكريًا، ولم يتركوا للأمة منهجًا يقوم على احتكار الحقيقة في قراءة واحدة.
ومن هنا ينبغي أن نسأل:
هل ما يُقدَّم اليوم باسم «فهم السلف» هو فعلًا منهج السلف؟ أم أنه في بعض صوره قراءة معاصرة أُلبست ثوب السلف، ثم جُعلت معيارًا للحكم على الناس والعلماء؟
وهنا تظهر الفروق.
أولًا | في العقيدة والتوحيد
① تحويل مسائل التنزيه والصفات إلى معيار وحيد للسنة
حين يُختزل فهم السلف في قراءة عقدية واحدة، يصبح المخالف في بعض مسائل الصفات متهمًا بأنه خالف السلف، ولو كان من أهل العلم المعروفين بالانتساب إلى السنة.
والمنهج المنصف يقتضي التفريق بين إثبات النصوص وبين تحميلها معاني التشبيه والتجسيم، وبين الخلاف في طرائق التعبير عن العقيدة وبين أصول الإيمان نفسها.
فالقرآن يقول:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
والجمع بين الإثبات والتنزيه أصل لا ينبغي أن يتحول إلى معركة تصنيف.
② جعل «الحد» وأمثاله ميزانًا لإخراج المخالف
من صور الاختزال أن تتحول بعض المصطلحات الكلامية والعقدية إلى اختبار للسنة والبدعة، وكأن الأمة لا تكون على السنة إلا إذا تبنت اصطلاحًا محددًا في مسألة خلافية.
بينما المصطلحات تحتاج إلى فهم مقصود أصحابها وسياقها، ولا يصح أن تتحول وحدها إلى سيف مسلط على العلماء.
③ تحويل مسائل الأفعال والصفات إلى معركة تشبيه وتنزيه
توجد مسائل دقيقة في الصفات والأفعال الإلهية اختلف العلماء في طريقة تقريرها وشرحها.
لكن المشكلة حين يُقدَّم أحد الأوجه الاجتهادية وكأنه الإجماع الوحيد الذي لا يجوز مخالفته، ثم تُرمى بقية المدارس الإسلامية بالتجسيم أو التعطيل بلا تفصيل ولا إنصاف.
④ جعل التنزيه مساويًا للتعطيل
ليس كل من شدد في تنزيه الله تعالى يكون معطلًا.
كما أن إثبات النصوص لا يعني إثبات خصائص الأجسام.
والمنهج العلمي يقتضي أن تُفهم أقوال العلماء في سياقها، وأن يُفرَّق بين الخلاف في العبارة والمنهج وبين حقيقة الاعتقاد الذي يقصده صاحبه.
⑤ صناعة صورة حسية عن الإله في الذهن
الخطر الحقيقي ليس في استعمال لفظ دون آخر، وإنما في أن يتحول الحديث عن الصفات إلى تصور حسي أو تجسيمي يناقض أصل التنزيه.
فالله سبحانه:
ليس كمثله شيء.
ولهذا فإن تنقية الخطاب العقدي من أوهام التشبيه ليست خروجًا عن السلف، بل هي من صميم تعظيم الله تعالى.
ثانيًا | في التعامل مع الأمة والعلماء
⑥ جعل جمهور الأمة وكأنه كان على خطأ قرونًا طويلة
من أخطر نتائج القراءة الإقصائية أن يُقال ضمنًا:
إن جمهور علماء المسلمين ومدارسهم لم يفهموا السنة كما ينبغي، وأن التصحيح الحقيقي لم يظهر إلا في قراءة معاصرة محددة.
وهذا تصور يحتاج إلى مراجعة علمية هادئة.
فالأمة لم تكن بلا علماء، ولم تكن كتبها خالية من التحقيق، ولم يكن علماء القرون الماضية عاجزين عن فهم السنة.
⑦ إسقاط كبار العلماء من دائرة السنة
من المؤلم أن يتحول الاختلاف مع عالم كبير إلى سبب لإخراجه من السنة، أو التقليل من قدره، أو إسقاط علمه كله بسبب مسائل اجتهادية.
والنووي وابن حجر وغيرهما من أعلام الإسلام مثال واضح على حجم التراث العلمي الذي لا يجوز اختزاله في خلافات جزئية.
مخالفة العالم في مسألة لا تعني إسقاطه في العلم كله.
⑧ حصر النجاة في جماعة محدودة
منهج السلف لم يكن قائمًا على أن النجاة لا تكون إلا بالانضمام إلى جماعة معاصرة محددة.
فالنجاة ليست بطاقة عضوية في تيار.
والسنة ليست اسمًا تنظيميًا.
والمسلم لا يصبح على الحق لمجرد انتسابه إلى جماعة، ولا يخرج من الحق لمجرد عدم انتسابه إليها.
⑨ إسقاط المؤسسات العلمية العريقة جملةً واحدة
لا يصح التعامل مع مؤسسات علمية كالأزهر والزيتونة والقرويين وغيرها باعتبارها مجرد أسماء لا قيمة لها، ولا يجوز كذلك منح العصمة لأي مؤسسة.
فالميزان هو العلم والدليل والتحقيق، لا الانتماء المؤسسي وحده.
لكن اختزال قرون من التعليم والعلم في صورة سلبية واحدة ليس إنصافًا.
⑩ تقديم أقوال الشيوخ المعاصرين على التراث العلمي للأمة
حين يصبح قول الشيخ المعاصر هو المرجع النهائي، ويُتعامل مع كتب المذاهب وأقوال العلماء السابقين وكأنها لا وزن لها، فنحن أمام مشكلة منهجية.
فالعالم المعاصر يُحترم ويُستفاد منه، لكنه ليس معصومًا.
والاجتهاد المعاصر لا يلغي اجتهادات الأمة.
ثالثًا | في الفقه والأصول
⑪ هدم المذاهب بدل فهمها
المذاهب الفقهية ليست جدرانًا تفصل المسلمين عن السنة، بل هي مدارس علمية قامت على أصول وقواعد واجتهادات تراكمت عبر القرون.
والخطأ ليس في وجود المذاهب، وإنما في التعصب لها إذا خالف الدليل.
لكن علاج التعصب المذهبي لا يكون بهدم التراث الفقهي كله.
⑫ الجمود على ظاهر النص وإهمال مقاصده
النص الشرعي لا يُفهم بمعزل عن:
اللغة، والسياق، والجمع بين الأدلة، وقواعد الأصول، والمقاصد الشرعية.
فالفقه ليس مجرد التقاط نص ثم إصدار حكم.
والسلف أنفسهم كانوا أهل فقه وفهم وترجيح ونظر في مآلات الأحكام.
⑬ تحويل التوسل والتبرك إلى باب واحد من أبواب الشرك
هذه مسائل وقع فيها خلاف وتفصيل بين العلماء، ولا يصح جمع صورها المختلفة تحت حكم واحد دون بيان.
فالواجب التفريق بين:
التوحيد والشرك، وبين السنة والبدعة، وبين الخطأ الفقهي والخطأ العقدي.
والتكفير أو إخراج المسلم من الملة ليس أمرًا يُبنى على مجرد الخلاف في صورة من صور التوسل أو التبرك.
⑭ تضييق دائرة المباح
من مظاهر التشدد أن تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة طويلة من المحرمات والبدع، حتى يصبح الأصل هو المنع، ويصبح الناس بحاجة إلى دليل على كل عادة جديدة.
مع أن من القواعد المقررة عند أهل العلم:
الأصل في العادات الإباحة، ما لم يرد دليل يمنع.
والدين لم يأت ليحوّل حياة الناس إلى حقل ألغام من المحرمات.
⑮ تحويل المولد النبوي إلى قضية عقدية كبرى
الاحتفال بالمولد من المسائل التي وقع فيها خلاف بين العلماء، وليس من الإنصاف تحويل الخلاف فيها إلى معيار وحيد للحكم على إسلام الناس أو انتسابهم إلى السنة.
ومن يرى عدم مشروعيته فله أن يستدل، ومن يرى جوازه بضوابطه فله أدلته.
أما تحويل المسألة إلى معركة ولاء وبراء، فذلك يتجاوز حجم المسألة الفقهية نفسها.
رابعًا | في السلوك والأخلاق
⑯ محاربة التصوف السني وإلغاء مقام الإحسان
التزكية والإحسان والزهد ومجاهدة النفس معانٍ أصيلة في الإسلام.
والنقد العلمي لبعض الممارسات الصوفية لا يعني إلغاء التصوف كله، كما أن الدفاع عن التصوف لا يعني قبول كل ممارسة نُسبت إليه.
والعدل أن نفرق بين:
التصوف المنحرف، والتصوف الأخلاقي والتربوي الذي جعل غايته تزكية النفس والإحسان.
⑰ جعل الغلظة دليلًا على الغيرة على الدين
ليس كل شديدٍ في عبارته قويًا في الحق.
وليس كل لينٍ في الخطاب متنازلًا عن الدين.
قال تعالى:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
فالرفق ليس ضعفًا، وحسن الخلق ليس تنازلًا عن الثوابت.
⑱ الانشغال بجرح الأحياء وترك إصلاح النفس
حين تصبح صفحات الدعوة ممتلئة بأسماء الأشخاص والتحذير منهم وتصنيفهم، بينما تقل العناية بإصلاح النفس والقلوب، فهناك خلل في الأولويات.
ليس العلم أن تعرف أخطاء الناس فقط.
بل العلم أيضًا أن تعرف عيوب نفسك وكيف تصلحها.
⑲ تربية الأتباع على الاستعلاء على المخالف
منهج الدعوة لا يقوم على صناعة شعور دائم بأن:
«نحن الفرقة الواعية، والآخرون ضائعون».
فالحق لا يحتاج إلى احتقار الناس لكي يكون حقًا.
والدعوة إلى الله تحتاج إلى:
الحكمة، والرحمة، والعدل، وحسن البيان.
⑳ تقديم المظهر على جوهر التقوى
المظهر له أحكامه وآدابه، لكن التقوى ليست ثوبًا أو هيئة فقط.
إنما التقوى أيضًا:
صدق، وأمانة، ورحمة، وتواضع، وعدل، وكف للأذى، وحسن معاملة.
وإذا تحول التدين إلى قشور بلا أخلاق، فقدنا جانبًا عظيمًا من مقاصد الشريعة.
خامسًا | العقل والعلم والواقع
㉑ معاداة العقل والمنطق
العقل ليس عدوًا للوحي.
والمشكلة ليست في اتباع النص، وإنما في تحويل كل استعمال للعقل إلى تهمة.
وقد استخدم علماء الإسلام الاستدلال العقلي في تقرير العقائد والأحكام، ولم يروا في العقل الصحيح خصمًا للشرع الصحيح.
㉒ مصادمة حقائق العلم
لا ينبغي أن يتحول فهم بشري لنص شرعي إلى خصومة مع حقيقة علمية ثابتة.
فإذا كان التعارض بين حقيقة علمية قطعية وبين تفسير بشري محتمل للنص، فالأولى مراجعة التفسير، لا اتهام العلم.
㉓ معاداة الفنون والجمال بإطلاق
الجمال ليس عدوًا للدين.
والفن ليس حكمه واحدًا في كل صوره.
فالميزان هو المحتوى والغاية والوسيلة والآثار.
وقد جاء الإسلام ليهذب الذوق والجمال، لا ليجعل كل مظاهر الجمال موضع ريبة.
㉔ تقديم الإسلام بصورة منفرة
حين تُختزل رسالة الإسلام في:
التحذير، والتبديع، والتحريم، والتشديد، والخصومة،
فإن صورة الإسلام التي تصل إلى الناس تصبح مختلفة عن الصورة التي تقوم على:
الرحمة، والحكمة، والعدل، والإحسان.
والنبي ﷺ قال:
«إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».
㉕ تغييب فقه الواقع
العالم لا يعيش خارج التاريخ.
والفتوى لا تنزل في فراغ.
بل تحتاج إلى معرفة:
الزمان، والمكان، والناس، والظروف، والمآلات.
ولهذا كان فقه الواقع جزءًا مهمًا من حسن تنزيل الأحكام على الحياة.
سادسًا | في المجتمع والسياسة
㉖ تحويل الولاء والبراء إلى أداة لتفتيت المجتمع
الولاء والبراء أصل شرعي، لكن سوء استعماله قد يحوله من مبدأ عقدي إلى وسيلة لتقسيم المجتمع إلى جماعات متناحرة.
ليس كل اختلاف في الرأي أو الموقف أو الاجتهاد سببًا للعداوة والهجر.
ولا ينبغي أن تتحول العلاقات الاجتماعية إلى اختبارات مستمرة في الولاءات والانتماءات.
㉗ تحويل المساجد إلى ساحات صراع فكري
المسجد مكان للعبادة والتعليم والإصلاح.
وحين يتحول إلى ساحة للتصنيف والتشهير والخصومات، يخسر المسجد رسالته الأساسية.
فالخلاف العلمي يمكن أن يناقش في مجالس العلم، لكن تحويل بيوت الله إلى ساحات صراع دائم ليس من مقاصد الشريعة.
㉘ إضعاف الأمة بالصراعات الفرعية والهجر
الأمة تواجه تحديات كبرى، ومع ذلك قد تُستنزف طاقاتها في:
هل فلان مبتدع؟ هل فلان يُهجر؟ هل هذه الجماعة منحرفة؟ هل قال الشيخ في فلان كذا؟
حتى تصبح القضايا الصغيرة أكبر من قضايا الأمة الكبرى.
والحكمة تقتضي ترتيب الأولويات.
㉙ صناعة أجيال ناقدة أكثر من كونها بانية
من المهم أن يتعلم المسلم النقد والتمييز.
لكن النقد إذا لم يصاحبه بناء يتحول إلى هدم.
نحتاج إلى جيل:
يفكر، ويبني، ويتعلم، ويبدع، ويصلح، ويناقش بأدب،
لا جيلٍ يقضي معظم وقته في مراقبة الناس وتصنيفهم والبحث عن أخطائهم.
㉚ تحويل الدين من رحمة إلى غربة
الإسلام جاء رحمة للعالمين.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
فإذا أصبح الخطاب الديني يجعل الناس يرون الدين سلسلة متواصلة من:
التحريم، والتبديع، والتخوين، والهجر، والخصومة،
فعلينا أن نتوقف ونسأل:
هل هذه هي روح المنهج الذي جاء به النبي ﷺ؟
🟨 الخلاصة الكبرى
المشكلة ليست في السلف الصالح.
وليست في الدعوة إلى العودة إلى الكتاب والسنة.
وليست في الاستفادة من فهم الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام.
بل المشكلة تبدأ عندما يتحول:
«اتباع السلف»
إلى:
«احتكار فهم السلف».
وعندما تتحول عبارة:
«بفهم السلف»
إلى معنى عملي يقول:
«بفهم جماعتنا للسلف، ومن خالفنا فقد خالف السلف».
هنا يصبح الاجتهاد البشري وكأنه وحي، ويصبح الاختلاف العلمي انحرافًا، ويصبح العالم المخالف مبتدعًا، ويصبح التراث الواسع للأمة محصورًا في قراءة واحدة.
وهذا هو الفارق الكبير بين:
منهج السلف… و«فهم الخلف».
فمنهج السلف كان:
علمًا لا تعصبًا،
ودليلًا لا شعارات،
وفقهًا لا جمودًا،
وتزكيةً لا تشهيرًا،
ورحمةً لا غلظة،
واجتهادًا لا احتكارًا،
وأدبًا مع المخالف،
وإنصافًا للعلماء،
وبناءً للأمة لا تفتيتًا لها.
أما حين تُختزل هذه المعاني في التصنيف والتبديع والهجر، وحين يصبح الانتماء إلى قراءة معاصرة هو المعيار الذي تُوزن به الأمة كلها، فإننا بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل نحن أمام اتباع حقيقي للسلف… أم أمام فهمٍ معاصر للسلف يُقدَّم وكأنه السلف أنفسهم؟
شتّان بين الأمرين.
السلف منهجٌ يُقتدى به…
وليس اسمًا يُحتكر، ولا رايةً تُقصى بها الأمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق