الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

إذا ألغيتَ العقل… فكيف ستدعو غير المسلم الذي لا يؤمن بالكتاب والسنة إلى الإسلام؟

 

إذا ألغيتَ العقل… فكيف ستدعو غير المسلم الذي لا يؤمن بالكتاب والسنة إلى الإسلام؟

من أغرب ما سمعته في بعض النقاشات أن يقول لك أحدهم:

«نرجع إلى السلف، وإذا تعارض العقل مع النقل قدّمنا النقل ورددنا العقل، ولا نحتاج إلى الأدلة العقلية؛ يكفينا الوحي، وما قاله الأولون نعتقده ولا نجادل فيه.»

فقلت له:

حسنًا… لنفترض أنني لست مسلمًا أصلًا. بل لنفترض أنني وثني أعبد ما وجد عليه آبائي، ولا أؤمن بالقرآن ولا بالسنة ولا برسالة محمد ﷺ.
حاول الآن أن تقنعني بالإسلام.

فقال:

لا أحب الجدال، وأراك مولعًا به!

قلت:

أنا لا أطلب جدالًا عقيمًا، وإنما أطلب منك أن تفعل شيئًا تقوم به الدعوة نفسها: أن تقنع المخالف بالحق. فهل تستطيع؟

قال:

حسنًا، سأناقشك.

قلت:

تفضل.


① ابدأ من حيث يفترض أن تبدأ الدعوة

قال:

أدعوك إلى الإسلام، وأطلب منك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

قلت:

لكن لماذا؟

أنا لا أؤمن أصلًا بأن محمدًا رسول الله، ولا أؤمن بالقرآن، ولا أرى أن الإسلام هو الدين الحق.

بل أستطيع أن أقول لك:

لقد وجدتُ آبائي على دين معين، وعندي كتب مقدسة، وعندي علماء وأسلاف يفسرون تلك الكتب، فلماذا أترك ما وجدت عليه آبائي وأتبعك أنت؟

فماذا ستقول لي؟


② قال: الشرك باطل، وهذا ما دل عليه الوحي والعقل

قال:

أنتم تشركون بالله، والشرك ظلم عظيم، وكيف تعبدون مع الله إلهًا آخر؟ وما دليلكم على ألوهية تلك الآلهة؟

قلت:

هذه نقطة جيدة.

لكنني سأجيبك بالطريقة نفسها التي طلبتَ مني أن أقبلها:

لدينا كتبنا، ولدينا أسلافنا، ولدينا علماؤنا، وهم يقررون صحة ما نعتقده.

وإذا جئتني بدليل عقلي يخالف ما وجدته في ديني، فسأقول لك:

أنا أقدّم النقل الذي عندي على عقلك!

فأنت تقول إن نقلك حق، وأنا أقول إن نقلي حق.

أنت تستدل بسلفك، وأنا أستدل بسلفي.

أنت تحتج بكتابك، وأنا أحتج بكتابي.

فما الذي سيلزمني بنقلك أنت؟


③ هنا تظهر المشكلة الحقيقية

قال:

لكن النقل عند المسلمين حق، وليس كل نقل حقًا.

قلت:

وهنا وصلنا إلى السؤال الذي أحاول الوصول إليه.

كيف أثبتُّ لك أصلًا أن نقلك حق؟

أنا المخالف لا أؤمن بكتابك الذي تستدل به.

فإذا قلتَ لي:

قال الله تعالى…

قلت لك:

أنا لا أؤمن بعدُ بأن هذا كتاب الله.

وإذا قلت:

قال رسول الله ﷺ…

قلت لك:

أنا لا أؤمن بعدُ بأن محمدًا رسول الله.

وإذا قلت:

قال السلف…

قلت لك:

وهؤلاء ليسوا سلفي أصلًا، ولم يثبت عندي أنهم على الحق.

فإذا أغلقتَ باب العقل والاستدلال المشترك، ثم طلبتَ مني أن أقبل نقلك الذي لا أؤمن بحجيته أصلًا…

فكيف ستبدأ معي؟


④ لا يمكنك إثبات النتيجة بالدليل الذي لم يثبت عند الخصم

وهنا تتضح مسألة في غاية الأهمية:

الدليل الذي تقيم به الحجة على نفسك ليس بالضرورة هو الدليل الذي تلزم به مخالفك.

فالقرآن حجة على من ثبت عنده أنه كلام الله.

والسنة حجة على من ثبت عنده صدق النبي ﷺ وحجية سنته.

لكن عندما تحاور شخصًا لا يؤمن أصلًا بالقرآن ولا بالنبوة، فإن أول ما تحتاج إليه هو أن تنتقل معه إلى أرضية مشتركة يمكن من خلالها إثبات الأصول الكبرى.

وهنا تظهر قيمة العقل والاستدلال.

تسأله:

هل لهذا الكون خالق؟

هل يمكن أن يوجد الشيء من غير سبب؟

هل لهذا العالم غاية وحكمة؟

هل يستوي الصدق والكذب؟

هل يمكن أن يبعث الله رسولًا إلى خلقه؟

ما المعايير التي يمكن بها التمييز بين النبي الصادق والمتنبئ الكاذب؟

ثم تنتقل معه خطوة بعد خطوة…

حتى تصل به إلى الإيمان بالله، ثم النبوة، ثم صدق محمد ﷺ، ثم القرآن، ثم حجية السنة.

هذه هي وظيفة الاستدلال العقلي في الدعوة.


⑤ العقل ليس خصمًا للوحي

المشكلة ليست في أن نقول:

الوحي هو الأصل.

فهذه قضية يمكن مناقشتها.

ولكن المشكلة أن يتحول ذلك إلى تصور مفاده أن العقل لا قيمة له في إثبات الأصول، ولا حاجة إليه في مخاطبة المخالف، ولا يجوز استعماله في الاستدلال.

فكيف نثبت بالعقل أصلًا صدق الوحي؟

وكيف نثبت بالعقل صدق النبي؟

وكيف نثبت للمخالف أن القرآن وحي من الله؟

وكيف نفرّق بين النبي الصادق ومن يدعي النبوة؟

بل كيف نرد على الملحد الذي يقول:

أنا لا أؤمن أصلًا بوجود الله؟

هل ستقول له:

قال الله تعالى؟

سيقول لك:

أنا لا أؤمن بالله أصلًا حتى أقبل قول الله!

هل ستقول له:

قال رسول الله ﷺ؟

سيقول:

أنا لا أؤمن أصلًا بأنه رسول الله!

فإذا كان جوابك الوحيد هو النقل الذي ينكره، فقد بدأت معه من النتيجة قبل أن تثبت له المقدمات.


⑥ تخيل أنك أنت الوثني

قلت لمحاوري:

تخيل أنك أنت الذي تجلس أمام وثني أو ملحد أو أتباع دين آخر.

وهو يقول لك:

«أنا متمسك بما وجدته عند آبائي، وعندي كتاب مقدس، وعندي علماء وسلف، ولا أقبل العقل إذا خالف ما عندي.»

ثم طلبتَ منه أن يقبل دينك.

هل ستعتبر جوابه مقنعًا؟

بالطبع لا.

ستقول له:

هات دليلك.

وسيقول لك:

هذا ما قاله آباؤنا.

فتقول:

لكن آباءكم ليسوا حجة عليّ.

فيقول:

هذا ما يقوله كتابنا.

فتقول:

لكن كتابكم ليس حجة عليّ حتى تثبت لي أنه وحي من الله.

وهنا ستكتشف بنفسك أن مجرد الاحتجاج بالمصدر الذي يؤمن به الإنسان لا يكفي لإلزام من لا يؤمن بذلك المصدر.


⑦ إذًا… ما الذي بقي؟

قلت له:

إذا كان نقلك لا يلزمني، ونقلي لا يلزمك، وسلفك ليس سلفي، وسلفي ليس سلفك… فبماذا ستقنعني؟

هنا لا بد أن نبحث عن أدلة مشتركة، ونستعمل العقل الذي أودعه الله في الإنسان للوصول إلى الحق.

والعجيب أن بعض الناس يتعاملون مع العقل وكأنه خصم للوحي، مع أن القضية في حقيقتها ليست:

العقل أم الوحي؟

بل:

كيف نستخدم العقل للوصول إلى إثبات الوحي، ثم كيف نفهم الوحي فهمًا صحيحًا؟

فالعقل السليم لا ينافس الوحي الصحيح، وإنما يعين الإنسان على معرفة صدق الوحي، ويميز له بين الحجة والشبهة، وبين البرهان والدعوى.


⑧ لا تجعل «قال السلف» جوابًا عن كل سؤال

ليس المقصود من هذا الكلام إلغاء السلف، ولا التقليل من شأن العلماء، ولا تقديم العقل البشري على الوحي.

وإنما المقصود أن نضع كل دليل في موضعه.

فإذا سألتني:

لماذا تؤمن بالله؟

فلا يصح أن يكون جوابي الوحيد:

لأن السلف قالوا.

لأنك ستسألني:

ولماذا أصدق السلف؟

وإذا سألتني:

لماذا تؤمن بأن محمدًا ﷺ رسول الله؟

فلا يكفي أن أقول:

لأن المسلمين قالوا ذلك.

لأنك ستسأل:

ولماذا أصدق المسلمين؟

بل لا بد أن تكون لديّ حجج أستطيع بها أن أبين لك لماذا أؤمن بالله، ولماذا أؤمن بالنبوة، ولماذا أؤمن بأن محمدًا ﷺ رسول الله، ولماذا أؤمن بأن القرآن وحي من الله.

وبعد ثبوت ذلك، يصبح الاحتجاج بالكتاب والسنة احتجاجًا في موضعه.


⑨ والمفارقة أن هذا هو ما تحتاج إليه في أصعب المواقف

قال لي:

أخشى أن يقودك هذا التفكير إلى الإلحاد!

فقلت له:

بل قد تحتاج أنت يومًا إلى هذا النوع من التفكير أكثر مني.

تخيل أن يأتيك شخص تحبه، ابنًا كان أو قريبًا أو صديقًا، ويقول لك:

أنا لا أؤمن بالله.

ماذا ستفعل؟

هل ستقول له:

قال الله؟

سيقول:

أنا لا أؤمن بالله.

هل ستقول:

قال الرسول ﷺ؟

سيقول:

أنا لا أؤمن بأنه رسول.

فهل ستتوقف؟

أم ستبحث معه عن الأدلة التي يمكن أن توصله إلى معرفة الله وصدق الرسالة؟

هنا ستعرف قيمة العقل والاستدلال.


⑩ الخلاصة

إن الدعوة إلى الإسلام لا تكون بأن تطلب من المخالف أن يبدأ من النقطة التي وصلتَ أنت إليها.

بل عليك أن تسير معه من النقطة التي يقف عندها، وتبني معه الحجة خطوة خطوة.

فإذا كان يؤمن بالله ولا يؤمن بالنبوة، ناقشته في النبوة.

وإذا كان يؤمن بالنبوة ولا يؤمن بمحمد ﷺ، ناقشته في دلائل نبوته.

وإذا كان يؤمن بمحمد ﷺ ولا يؤمن بالقرآن، ناقشته في القرآن.

وهكذا…

كل قضية لها مقدماتها، وكل نتيجة تحتاج إلى دليلها.

ولهذا فإن إلغاء العقل من ميدان الحوار لا يقوّي الدعوة، وإنما قد يجعل صاحبها عاجزًا عن مخاطبة من لا يشترك معه في مقدماته الإيمانية.

فالقول:

«قال الله»

عظيم عند المؤمن بالله.

والقول:

«قال رسول الله ﷺ»

عظيم عند المؤمن برسالته.

لكن عندما تقف أمام إنسان لم يصل بعد إلى الإيمان بالله ولا بالرسول ولا بالوحي، فإن السؤال الأول ليس:

ماذا قال الكتاب والسنة؟

بل:

كيف نثبت له صدق الكتاب والسنة؟

وهنا…

لا بد أن تتكلم معه بلغة يفهمها، وأن تستعمل من الحجج ما يمكنه أن يفحصه ويناقشه، وفي مقدمتها الاستدلال العقلي.

فالعقل ليس بديلًا عن الوحي…

لكنه من أهم الأدوات التي نعرف بها صدق الوحي ونقيم بها الحجة على من لم يؤمن به بعد.

فإذا ألغيتَ العقل… فكيف ستدعو غير المسلم الذي لا يؤمن بالكتاب والسنة إلى الإسلام؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق