الأحد، 4 أكتوبر 2026

بصائر ورسائل فقهية : اليقين لا يزول بالشك

 


🔴 اليقين لا يزول بالشك
📝 السُّؤَالُ:
ما هي قاعدة (اليقين لا يزول بالشك)؟ وما معناها؟ وما أدلتها من القرآن والسنة؟ وكيف تُطَبَّق في أبواب الفقه المختلفة: من الطهارة والصلاة والصيام والزواج والمعاملات؟ وما المستثنيات منها؟ وكيف تُعالج هذه القاعدة وساوس الشيطان التي تفسد على المسلم عبادته وحياته؟
📜الجواب 📜
▪️ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمَّا بعدُ:
فإن الشريعة الإسلامية جاءت لترفع الحرج عن الناس، وتدفع عنهم الحيرة والوساوس التي تفسد عليهم عباداتهم ومعاملاتهم، ولتحقيق هذا الاستقرار النفسي والفقهي قعَّد العلماء قاعدة عظيمة تُعدُّ نصف الفقه، وهي قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك). وسنتناول هذا الموضوع من خلال العناصر التالية:
⚫ العنصر الأول: تعريف القاعدة ومعناها
● أولاً: شرح المعاني
• (اليقين) لغةً: الاستقرار، مأخوذ من قولهم: يقن الماء في الحوض، إذا استقر.
واصطلاحًا: طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه، أو هو: الاعتقاد الجازم. وهو العلم الذي لا تردد معه.
• (الشك) لغةً: التداخل؛ وذلك لأن الشاكَّ يتداخل عليه أمران، لا يستطيع الترجيح بينهما. واصطلاحًا: التردد بين وقوع الشيء وعدمه، وهو استواء الطرفين المتقابلين، اللذين لم يترجح أحدهما على الآخر، لوجود أمارتين متكافئتين في الطرفين، أو لعدم الأمارة فيهما.
● ثانيًا: المعنى الإجمالي للقاعدة
• المراد بالقاعدة: أن الشك إذا ورد على الإنسان، وكان عنده يقين سابق، فإنه لا يلتفت إلى الشك، بل يرجع في الحكم إلى اليقين السابق عليه.
• وقال الرافعي: (لا نعني بقولنا: "اليقين لا يُرفعُ ولا يُترَكُ بالشك" يقينًا حاضرًا؛ فإن الطهارة والحدث نقيضان، ومهما شككنا في أحد النقيضين فمحال أن نتيقن الآخر، ولكن المراد: أن اليقين الذي كان لا يُترك حكمه بالشك، بل يُستصحب؛ لأن الأصل في الشيء الدوام والاستمرار، فهو في الحقيقة عمل بالظن، وطرح للشك). <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
• والصيغة المشهورة المتداولة للقاعدة عند الفقهاء: "اليقين لا يزول بالشك". ولهم تعبيرات أخرى قريبة من هذه الصيغة، كقول الزركشي: (اشتهر من قواعد الفقهاء أنَّ: اليقين لا يُرفعُ بالشك). و"لا يُدفَعُ اليقينُ إلَّا بيقينٍ"، و"ما ثَبَتَ بيقينٍ لا يَرتَفِعُ إلَّا بيقينٍ". <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
• وقال الإمام السيوطي: "الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ... وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَدْخُلُ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ". <السيوطي، الأشباه والنظائر، ص50>
• وقال الزركشي: (يمكن رجوع غالب مسائل الفقه إلى هذه القاعدة، إما بنفسها، أو بدليلها). <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
• ومعنى الشك: هو استواء الطرفين المتقابلين، واليقين لا يزول إلا بيقين مثله، فلا يزول بالشك، ولا بالظن.
⚫ العنصر الثاني: الأدلة الشرعية على القاعدة
● أولاً: من القرآن الكريم
• قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس، رقم: ٣٦].
وجه الدلالة: الآية تقرر قاعدة عامة بأن الظن والشك لا يمكن أن يعارضا الحق الثابت واليقين، فاليقين هو الأصل الذي يُبنى عليه ولا يُترك لأجل شك طارئ.
وبيَّن الله تعالى في هذه الآية أن الشك لا يُغني من اليقين شيئًا، ولا يقوم مقامه، ولا يُنتفع به في شيء يحتاج إلى اليقين.
• قال سبحانه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد، رقم: ١٧].
وجه الدلالة: أن هذا مثل ضربه الله تعالى لليقين والشك -على أحد الأقوال في معنى الآية-، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، فكما يُجعل الحليُّ في النار، فيُؤخذ خالصه، ويُترك خبثه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين، ويترك الشك. <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
● ثانيًا: من السنة النبوية
• عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أنَّه شَكا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الرَّجُلَ الذي يُخَيَّلُ إليه أنَّه يَجِدُ الشَّيءَ في الصَّلاةِ، فقال: «لا يَنفَتِلُ -أو لا يَنصَرِفُ- حتَّى يَسمَعَ صَوتًا أو يَجِدَ ريحًا». <أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن 1/64: (137)، ومسلم في كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (1/267) (361)>
وجه الدلالة: الحديث نص صريح في القاعدة، حيث اعتبر النبي ﷺ الطهارة السابقة (يقينًا)، والحدث الطارئ (شكًا)، وأمر بطرح الشك والبقاء على اليقين حتى يثبت العكس بدليل قاطع. وقال ابن القيم: (لما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمته أمر الشاكَّ أن يبني على اليقين، ويطرح الشك). <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
• وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إذا شَكَّ أحَدُكُم في صَلاتِه، فلم يَدرِ كَم صَلَّى ثَلاثًا أم أربَعًا، فليَطرَحِ الشَّكَّ وليَبنِ على ما استَيقَنَ...». <أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له (1/455) (571)>
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر من شك في عدد الركعات بالبناء على اليقين بأن يأخذ بالأقل. وقال السرخسي: (التمسك باليقين وترك المشكوك فيه أصل في الشرع؛ فإن النبي عليه السلام أمر الشاك في الحدث بأن لا ينصرف من صلاته حتى يستيقن بالحدث؛ لأنه على يقين من الطهارة، وهو في شك من الحدث، وكذلك أمر الشاك في الصلاة بأن يأخذ بالأقل؛ لكونه متيقنًا به). <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
• وروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر: واحدة صلى، أم اثنتين؟ فليبن على واحدة، فإن لم يتيقن: صلى اثنتين، أم ثلاثا؟ فليبن على اثنتين، فإن لم يدر: أثلاثا صلى أم أربعا؟ فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم». <أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يشك في صلاته (2/229) (398)>
● ثالثًا: من الإجماع
• حكى الإجماع على إعمال القاعدة عدد من الفقهاء والأصوليين، منهم: إمام الحرمين، وابن عبد البر، والسمعاني، والقرافي، وابن القيم. <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
⚫ العنصر الثالث: شروط إعمال القاعدة
● يُشترط لإعمال هذه القاعدة ما يلي:
• 1- اتحاد القضيتين المتقيَّنة والمشكوك فيها في المتعلَّق، والمقصود بذلك أن يكون ما تعلَّق به اليقين هو ما تعلَّق به الشك. ووجه اشتراط هذا في القاعدة أنه عند اختلاف المتعلَّق لا يكون الشك شكًّا في البقاء، بل في حدوث قضية جديدة، فلا يكون هناك نقض لليقين بالشك.
• 2- اختلاف زماني حدوث اليقين والشك في زمن واحد، ويكون ذلك بتقدُّم زمن اليقين على زمن الشك؛ ليصدق عدم نقض اليقين بالشك؛ لأنه من المستحيل اجتماع زمان اليقين والشك، مع كون المتقيَّن هو المشكوك فيه نفسه؛ لما في ذلك من الجمع بين النقيضين، وهو محال.
• 3- اجتماع اليقين والشك في زمن واحد، والمقصود أن يتفق حصول اليقين والشك في آن واحد، لا بمعنى أن مبدأ حدوثهما يكون في زمان واحد؛ لأن ذلك من المحال.
• 4- اتصال زمان الشك بزمان اليقين، والمقصود بذلك أن لا يوجد فاصل بينهما يتخلله يقين آخر؛ لأن دخول اليقين على اليقين ينقضه، فتخرج المسألة من نطاق القاعدة. <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
⚫ العنصر الرابع: تطبيقات القاعدة في أبواب الفقه المختلفة
تدخل هذه القاعدة في مئات المسائل، ومن أبرز تطبيقاتها:
● أولاً: في باب الطهارة (الشك في الحدث)
• من تيقن أنه توضأ، ثم شك هل أحدث أم لا؟ فهو طاهر؛ لأن الطهارة يقين والحدث شك.
• قال الإمام النووي: "مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ حُكِمَ بِبَقَاءِ الطَّهَارَةِ". <النووي، المجموع شرح المهذب، ج1، ص215>
• ومن فروع الشك في الحدث أن يشك هل نام أو نعس؟ أو ما رآه رؤيا، أو حديث نفس؟ أو لمس محرمًا أو غيره؟ أو رجلًا أو امرأة؟ أو بشرًا أو شعرًا؟ أو هل نام متمكنًا أو لا؟ أو زالت إحدى إليتيه، وشك: هل كان قبل اليقظة أو بعدها؟ <السيوطي، الأشباه والنظائر>
● ثانيًا: في باب الطهارة (الشك في الوضوء)
• عكس المسألة السابقة: من تيقن أنه أحدث، ثم شك هل توضأ أم لا؟ فهو محدث ويجب عليه الوضوء؛ لأن الحدث هنا هو اليقين، والوضوء هو الشك. "فاليقين لا يزول بالظن، لا يزول اليقين إلا باليقين". <ابن عثيمين، لقاء الباب المفتوح>
● ثالثًا: في باب الصلاة (الشك في عدد الركعات)
• إذا شك المصلي هل صلى ثلاث ركعات أم أربعًا؟ فإنه يبني على اليقين وهو الأقل (ثلاث ركعات)، ويأتي بركعة رابعة ثم يسجد للسهو.
• قال الإمام ابن قدامة: "إذَا شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ الْأَقَلُّ". <ابن قدامة، المغني، ج2، ص23>
• وقال الشيخ عبدالرحمن بن فهد الودعان: "من شك في إحدى الصلوات: هل صلاها أو لا؟ وجب عليه أن يصليها؛ لأن الصلاة مشكوك في فعلها، والأصل أنه لم يُصلِّ، فلا تبرأ ذمته منها حتى يعلم أنه صلاها. يستثنى من ذلك المبتلى بالوسوسة فلا يلتفت إلى الشك". <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك، شبكة الألوكة>
● رابعًا: في باب الصيام (الشك في طلوع الفجر)
• إذا استيقظ الصائم ليلًا وأراد أن يتسحر، فشك هل طلع الفجر أم لا؟ جاز له أن يأكل؛ لأن بقاء الليل يقين، وطلوع الفجر شك، واليقين لا يزول بالشك.
• قال الشيخ عبدالرحمن بن فهد الودعان: "من أراد الصوم وأكل شاكًّا في طلوع الفجر، ثم لم يتبين له أنه طلع، فصيامه صحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل". <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك، شبكة الألوكة>
• وقال أ.د/ شوقي إبراهيم علام: "المختار للفتوى أن من أكل شاكًّا في طلوع الفجر ثم تبين خطؤه: فصومه صحيح ولا يلزمه القضاء... حال الشك في طلوع الفجر هو استصحاب لأصل الليل والإباحة". <دار الإفتاء المصرية، حكم صيام من أكل بعد طلوع الفجر ظانًّا بقاء الليل، 2021-09-09>
• وذهب جمهور الفقهاء (الحنفية، الشافعية، الحنابلة) إلى عدم وجوب القضاء على من أكل شاكًّا في طلوع الفجر ثم تبين أن الفجر كان قد طلع؛ لأن الشارع أباح الأكل حتى يتبين الفجر. <دار الإفتاء المصرية>
● خامسًا: في باب الصيام (الشك في غروب الشمس)
• إذا أفطر الصائم وهو شاك في غروب الشمس لزمه القضاء ما دام لم يترجح عنده غروبها؛ لأن الأصل بقاء النهار.
• قال أ.د/ شوقي إبراهيم علام: "من أفطر وهو شاك في غروب الشمس لزمه القضاء ما دام لم يترجح عنده غروبها، فإذا اجتهد حتى غلب على ظنه غروبها فأفطر ثم تبين خطؤه: فلا قضاء عليه؛ لأن الظن الغالب كالمتيقن والخطأ بعد الاجتهاد مرفوع عن المكلف". <دار الإفتاء المصرية، حكم صيام من أكل بعد طلوع الفجر ظانًّا بقاء الليل، 2021-09-09>
● سادسًا: في باب الزواج والطلاق (الشك في وقوع الطلاق)
• إذا غضب الرجل وتلفظ بكلمات، ثم شك هل صرح بالطلاق أم لا؟ فالزواج باقٍ ولا يقع الطلاق؛ لأن عقد النكاح ثبت بيقين، فلا يرتفع بشك.
• قال الإمام الكاساني: "النِّكَاحُ الثَّابِتُ بِيَقِينٍ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ". <الكاساني، بدائع الصنائع، ج3، ص102>
"ومن علق طلاق امرأته على شيء، وشك هل حصل هذا الشيء أم لم يحصل، فلا طلاق عليه، حتى لو غلب على ظنه أنه حصل، فلا طلاق عليه". <ابن عثيمين، لقاء الباب المفتوح>
● سابعًا: في باب المعاملات (الشك في سداد الدين)
• إذا استدان شخص مبلغًا من آخر (وهذا يقين)، ثم اختلفا، فقال المدين: سددتك، وقال الدائن: لم تسددني، ولا بينة لأحدهما. فالقول قول الدائن مع يمينه؛ لأن بقاء الدين يقين، والسداد شك.
• قال الشيخ عبدالرحمن بن فهد الودعان: "من ادعى على شخص دينًا وليس عنده بينة به، فلا يلزم المدعى عليه بالدين؛ لأن الأصل براءة ذمته". <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك، شبكة الألوكة>
● ثامنًا: في باب الصيد (الشك في سبب الموت)
• إذا رمى الصائد طائرًا بسهم، فوقع الطائر في الماء فمات، وشك الصائد: هل مات بالسهم أم بالغرق؟ حَرُم أكله؛ لأن اليقين أنه كان حيًّا، والشك وقع في المبيح (وهو القتل بالسهم)، فلا يحل بالشك.
• "ومن رأى في سراويله منيًا ولا يذكر احتلامًا، وجب عليه إعادة الصلوات من آخر نومة نامها فقط، إضافة للاحتلام الحادث إلى أقرب أوقاته؛ لأن الأصل عدمه قبل ذلك الوقت". <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك، شبكة الألوكة>
● تاسعًا: في باب الطهارة (الشك في طهارة البقعة)
• من شك في طهارة بقعة يُصلى عليها فالأصل فيها الطهارة، حتى نعلم أنها قد انتقلت عن هذا الأصل إلى النجاسة، وذلك بالعلم بوقوع النجاسة على هذه البقعة. <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك، شبكة الألوكة>
● عاشرًا: في باب الوضوء (الشك في وجود حائل)
• من رأى في يده شيئًا يمنع وصول الماء إلى البشرة، مثل: الصبغ، أو الطامس (المزيل) أو الصَّمغ، وجب عليه الوضوء بعد إزالته. هذا إذا كانت الأعضاء قد جفت، أو مضى زمن طويل على الوضوء، أما إذا لم تجف الأعضاء أو لم يمض زمن طويل؛ فإنه يزيل الحائل ويغسل موضعه من العضو الذي كان عليه، ثم يتم الوضوء بغسل ما بعده إلى آخره. <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك، شبكة الألوكة>
⚫ العنصر الخامس: المستثنيات من القاعدة
تُستثنى من هذه القاعدة بعض المسائل التي يُلغى فيها الشك تمامًا ولا يُبنى على اليقين (الأقل)، ومنها:
● أولاً: الشك بعد الفراغ من العبادة
• إذا أنهى المسلم صلاته أو طوافه، ثم طرأ عليه شك هل نقص منها شيئًا؟ فهذا الشك يُلغى تمامًا ولا يُلتفت إليه، وتُعتبر العبادة صحيحة؛ سدًّا لباب الوسواس.
• قال الإمام الشربيني: "الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعِبَادَةِ لَا يُؤَثِّرُ". <الشربيني، مغني المحتاج، ج1، ص205>
● ثانيًا: استثناءات ذكرها الفقهاء
• قال أهل العلم: "استثنى الفقهاء من هذه القاعدة بعض المسائل، وهذا ليس قضاءً بالمرجوح مع وجود الراجح، بل هو عمل بأرجح الظنين". <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
• 1- إذا شك ماسح الخف هل انقضت المدة، لم يجز له المسح، ويُحكم بانقضاء المدة وإن كان الأصل بقاءها.
• 2- إذا شك المسافر هل مسح وهو مقيم أو بعد السفر، يأخذ بأنه مسح في الحضر، ويُحكم بانقضاء المدة وإن كان الأصل بقاءها.
• 3- إذا أحرم المسافر بنية القصر خلف من لا يدري أمسافر هو أو مقيم، لم يجز القصر -على قول-.
• 4- المستحاضة المتحيرة يلزمها الغسل عند كل صلاة تشك في انقطاع الدم قبلها.
• 5- من أصابته نجاسة في بدنه أو ثوبه، وجهل موضعها، يلزمه غسله كله. <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
⚫ العنصر السادس: القواعد الفقهية المتفرعة عن القاعدة
● القاعدة الفرعية الأولى: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»
• وهي تطبيق مباشر للقاعدة، فما ثبت في الماضي يُحكم ببقائه في الحاضر حتى يثبت زواله.
• من أمثلة ذلك: من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فهو متطهر. أو تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فهو محدث. <السيوطي، الأشباه والنظائر>
• ومن شك هل توضأ بعد الحدث؟ فهو محدث؛ لأن الأصل بقاء الحدث. <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك>
● القاعدة الفرعية الثانية: «الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته»
• من رأى في سراويله منيًا ولا يذكر احتلامًا، وجب عليه إعادة الصلوات من آخر نومة نامها فقط، إضافة للاحتلام الحادث إلى أقرب أوقاته؛ لأن الأصل عدمه قبل ذلك الوقت. <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك>
● القاعدة الفرعية الثالثة: «الأصل في الأشياء الطهارة»
• من ادعى نجاسة كل حيوان غير مأكول إذا كان أكبر من الهرة، فإنه يُطالب بالدليل الذي يصح أن ينقلنا عن الأصل الذي هو طهارة جميع الحيوانات إلا ما دل الدليل على نجاسته منها، فإن ذكر دليلًا يصح التمسك به في تنجيس ما ذكر، وإلا تمسكنا بأصل الطهارة. <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك>
● القاعدة الفرعية الرابعة: «الأصل براءة الذمة»
• فالإنسان يولد وذمته بريئة من الديون والحقوق، فلا تُشغل ذمته بادعاء شخص آخر إلا ببينة قاطعة تنقلنا من اليقين (البراءة) إلى يقين آخر (انشغال الذمة).
• صلاة الوتر غير واجبة على المكلف لعدم وجود دليل قوي على وجوبها، والأصل براءة الذمة من وجوبها. <الودعان، شرح قاعدة اليقين لا يزول بالشك> خلافا للأحناف
⚫ العنصر السابع: تنبيه دعوي وتصحيح لخطأ شائع
● يقع بعض الصالحين فريسة لمرض (الوسواس القهري)، فيعيدون الوضوء والصلاة مرارًا بحجة الاحتياط للدين، ويظنون أن هذا من الورع.
● وهذا خطأ جسيم ومخالفة للسنة؛ فالورع الحقيقي هو امتثال أمر النبي ﷺ بطرح الشك والبناء على اليقين. الاسترسال مع الوساوس ليس دينًا، بل هو طاعة للشيطان الذي يريد إفساد حياة المسلم وتكريهه في العبادة.
● قال أ.د/ نصر فريد واصل لسائلة : "على السائلة أن تطرح الشك جانبًا؛ فتتم صلاتها بناءً على عدد الركعات الأقل المتيقن، ثم تسجد للسهو في آخر الصلاة. والأصل أنها باقية على ما هي عليه من الطهارة ما لم تتيقن من انتقاض وضوئها، وعليها ألا تلتفت للوسوسة فإنها من فعل الشيطان الذي يريد أن يفسد عليها عبادتها ويبعدها عن طريق الخير". <دار الإفتاء المصرية، حكم الشك في صحة الوضوء والصلاة، 1996-12-22>
● وقال أيضًا: "وأما شكُّها من ناحية الوضوء وشعورها بخروج شيء من السبيلين وكان ذلك على سبيل القطع واليقين وجب عليها أن تعيد وضوءها، ولا تصلي إلا إذا توضأت، أما إن كانت تشك فإن الأصل في الأشياء الإباحة والحل، والشك طارئ وعارض، ولا يزول الأصل بالطارئ". <دار الإفتاء المصرية، حكم الشك في صحة الوضوء والصلاة، 1996-12-22>
• وقد صدق الله إذ يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة، رقم: ٢٦٨].
• وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف، رقم: ٢٠١].
• وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ۝ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون، رقم: ٩٧-٩٨].
• ويجب على المسلم أن يصحح علاقته بالله ويقويها بقراءة القرآن والاستغفار والتضرع إلى الله عز وجل أن يصرف عنه وساوس الشيطان ونزعاته وهمزاته. <دار الإفتاء المصرية، حكم الشك في صحة الوضوء والصلاة، 1996-12-22>
⚫ العنصر الثامن: أقسام الشك عند الفقهاء
● ذكر بعض الفقهاء أن الشك على ثلاثة أقسام:
• 1- شك طرأ على أصل حرام، كشاة مذبوحة في بلد فيه مسلمون ومجوس، ولا يغلب أحدهما الآخر: فإنها لا تحل للأكل حتى يُعلم أنَّها ذكاة مسلم؛ لأن أصلها حرام، وشككنا في الذكاة المبيحة، فلو كان الغالب في البلدة المسلمون جاز الأكل؛ عملًا بالغالب المفيد للظهور.
• 2- شك طرأ على أصل مباح، كما لو وجد ماءً متغيرًا، واحتمل أن يكون تغيره بنجاسة أو بطاهر، كطول المكث: فإنه يحل استعماله مع الشك، ويجوز التطهير به؛ عملًا بأصل الطهارة. وكذلك الشك في الطلاق والعتاق ونحوهما.
• 3- شك لا يُعرف أصله، كمعاملة من أكثر ماله حرام، فلا يحرم؛ لإمكان الحلال، ولكن يُكره؛ لخوف الوقوع في الحرام، وهذا إذا لم يتحقق أن المأخوذ من ماله عين الحرام. <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
● فائدة: إذا طرأ الشك وأمكن الاجتهاد
• إذا طرأ الشك وأمكن الاجتهاد لم يخلُ المشكوك فيه من ثلاثة أحوال:
• 1- أن يرتبط بعلامة بيِّنة في محل الظنون، فما كان كذلك فالاجتهاد فيه هو المتَّبع، ولا التفات إلى ما تقدَّم.
• 2- أن يثبت بعلامة خفيَّة، فإن دعت الضرورة إلى الاجتهاد وجب التمسك به.
• 3- إن تقدَّم يقين وطرأ شك، وليس لما فيه الشك علامة جليَّة ولا خفيَّة، فعند ذلك يُستصحب اليقين. <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
⚫ العنصر التاسع: أمثلة معاصرة للقاعدة
● موت جذع المخ: هل يُعتبر موتًا حقيقيًّا؟
• جذع المخ هو أهم أجزاء المخ، وفيه المراكز الأساسية للحياة، مثل مراكز التنفس، والتحكم في القلب والدورة الدموية.
والغالب أن موت جذع المخ هو الذي يكون علامة على الوفاة عند أكثر الأطباء.
ولموت جذع المخ علامات؛ منها: الإغماء الكامل، وعدم الحركة، وعدم التنفس وانقطاعه؛ ولهذا يحتاج إلى أجهزة الإنعاش.
وأهمها مع عدم التنفس عدم وجود أي نشاط كهربائي في رسم المخ بطريقة معروفة عند الأطباء.
• ولما ظهرت هذه العلامات للوفاة -وهي موت جذع المخ- اختلف الفقهاء فيها، هل هي دليل على موت الإنسان، أو أنه لم يمت؟
• والراجح: أن موت جذع المخ لا يعني الموت، فلا يُعتبر الإنسان ميتًا حتى تتوقف معه حركة القلب والنفس، مع ظهور الأمارات الأخرى الدالة على موته، وهو قول أكثر الفقهاء المعاصرين، وبذلك صدر قرار هيئة كبار العلماء في السعودية في دورته الخامسة والأربعين، كما صدر بذلك قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ولجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية، واختاره ابن باز، وابن عثيمين، وبكر أبو زيد، وجمع من أهل العلم، فلا نحكم بأن هذا الشخص قد مات، ولا تترتب عليه أحكام الموت المعروفة من التوارث، والإحداد، وانتقال الملكية، وما يتعلق بالوصايا...إلخ.
• واستدلوا على ذلك بأدلة؛ منها: قاعدة: اليقين لا يزول بالشك: فاليقين أن هذا الإنسان حي، وموته مشكوك فيه، وذلك أن حياة المريض متيقنة؛ لأن قلبه ما زال ينبض، والشك إنما هو في موته باعتبار أن دماغه ميت، فوجب علينا اعتبار اليقين الموجب للحكم بحياته، فقد كان بالأمس صاحب حياة مستمرة أو مستقرة، فيبقى ما كان على ما كان حتى يثبت باليقين موته، وهو ممتنع مع خفقان قلبه، فإذا شُكَّ في موت إنسان لم يكن لأحد أن يبادِر بإنهائها باجتهاده؛ فالإقدام على نزع الأعضاء من إنسان لا زال به رمق، أو شك في وفاته: نوع من القتل المتعمد، قد وُجدت وقائع يُقرَّر فيها موت الدماغ، ثم بعد ذلك تستمر الحياة.
ويترتب على هذا الترجيح: أنه لا تعتد زوجته منه، ولا يورث ماله، ولا تبطل وكالته، ولا يُبدأ في تنفيذ وصاياه.
• وقيل: إذا أثبت الأطباء أن جذع المخ قد مات بالعلامات التي تقدَّم ذكرها فإنه يُحكم على هذا الشخص بأنه مات. وبهذا قال بعض المعاصرين. <الدرر السنية، موسوعة القواعد الفقهية>
⚫ الخلاصة
● قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) هي صمام الأمان الذي يحمي المسلم من الحيرة والاضطراب.
● بها تستقر المعاملات، وتُحفظ الحقوق، وتُصان عقود الزواج من العبث.
● متى ما طرأ عليك شك في عبادة أو معاملة، فارجع فورًا إلى الحالة اليقينية الأولى وابنِ عليها، وامضِ في طريقك مطمئنًّا.
● واليقين لا يزول إلا بيقين مثله، فلا يزول بالشك، ولا بالظن.
● وهذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر.
والحمد لله رب العالمين.
🤲 اللهم يا مالك الملك، يا من لا يزول ملكه، ثبِّت قلوبنا على اليقين، واصرف عنا وساوس الشيطان ونزعاته وهمزاته، واجعلنا من عبادك المخلصين الذين لا يلتفتون إلى الشك بعد اليقين، وارزقنا الطمأنينة في عبادتنا ومعاملاتنا، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق