الاثنين، 5 أكتوبر 2026

هل كان الصحابة مبتدعة؟

 

هل كان الصحابة مبتدعة؟

أم أن النبي ﷺ أقرَّ المحدثات الموافقة للشرع؟

من أكثر المسائل التي يقع فيها الخلط عند الحديث عن البدعة: اعتبار كل فعل لم يفعله النبي ﷺ، أو لم يفعله الصحابة على الصورة نفسها، بدعةً محرمةً وضلالة.

لكن هذه القاعدة — إذا أُطلقت بهذا الشكل — تثير سؤالًا مهمًا:

ماذا نفعل بالأعمال التي أحدثها بعض الصحابة، ثم أقرَّها النبي ﷺ أو أقرَّ أصلها، أو أقرَّها الخلفاء والصحابة من بعده؟

وهنا ينبغي أن نفرّق بين أمرين:

🔹 إحداث شيء يخالف أصلًا من أصول الشريعة.
وهذا هو الابتداع المذموم.

🔹 إحداث صورة أو طريقة أو هيئة في أمر مشروع، بحيث لا تخالف أصلًا شرعيًا، بل تندرج تحت عموم النصوص ومقاصد الشريعة.

وهذا هو محل الكلام في البدعة الحسنة أو المحدثات الموافقة للشرع.


أولًا: بلال رضي الله عنه… عمل لم يكن النبي ﷺ يعلمه

ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال لبلال رضي الله عنه:

«يا بلال، حدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة».

فذكر بلال رضي الله عنه أنه كان كلما تطهّر في ساعة من ليل أو نهار صلى بذلك الطهور ما كتب الله له أن يصلي.

واللافت هنا أن النبي ﷺ لم يكن قد أمر بلالًا بهذا الفعل بعينه، وإنما كان بلال قد اختار لنفسه هذا العمل الصالح، فوافق أصلًا مشروعًا هو الصلاة والطهارة.

فماذا فعل النبي ﷺ؟

لم يقل له:

أنت مبتدع لأنك فعلت شيئًا لم أفعله.

ولم يقل:

هذا ضلال لأنني لم آمرك بهذه الصورة.

بل أقرّه على عمله، وأخبره بفضله.

وهنا تظهر قاعدة مهمة:

ليس كل عمل جديد في صورته يكون بدعة مذمومة؛ وإنما العبرة بموافقته للشرع أو مخالفته له.


ثانيًا: خبيب رضي الله عنه وصلاة الركعتين قبل القتل

ومن ذلك ما جاء في قصة خبيب بن عدي رضي الله عنه، حين أرادت قريش قتله، فصلى ركعتين قبل أن يُقتل.

فأصبحت هذه الصورة من العمل الصالح مرتبطة بهذه الحادثة، ولم يأتِ عن النبي ﷺ إنكار لها.

والمقصود هنا ليس أن الصحابي اخترع عبادة مناقضة للشرع، وإنما أنه اختار صورةً من العبادة في ظرف لم يسبق أن عُرفت فيه هذه الصورة بهذا السياق.

وهذا هو الفارق الذي ينبغي الانتباه إليه:

الجديد في الصورة لا يعني بالضرورة أنه جديد في أصل العبادة.


ثالثًا: الصحابي الذي قال: «ربنا ولك الحمد»

لما قال النبي ﷺ في الصلاة:

«سمع الله لمن حمده»

قال أحد الصحابة:

«ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»

فأقره النبي ﷺ، وأثنى على قوله.

فهل كان هذا الذكر بهذه الصيغة قد صدر من النبي ﷺ قبل أن يقوله ذلك الصحابي؟

لم يكن كذلك.

ومع ذلك لم يكن مجرد كونه ذكرًا جديدًا في صيغته سببًا لرفضه؛ لأنه داخل في أصل مشروع، وهو حمد الله تعالى في الصلاة.

وهذا يؤكد أن باب الأذكار والأدعية لا يُفهم بمجرد قاعدة:

«لم يفعله النبي ﷺ بهذه الصيغة، إذن هو بدعة محرمة».


رابعًا: ذكرٌ أحدثه أحد الصحابة ففتحت له أبواب السماء

وجاء في صحيح مسلم أن رجلًا جاء إلى الصلاة، فقال:

«الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا».

فأخبر النبي ﷺ أن أبواب السماء قد فتحت لهذا الذكر.

فهذا ذكرٌ قاله الصحابي من عند نفسه، ولم يكن النبي ﷺ قد لقنه إياه قبل ذلك، ومع ذلك أقره النبي ﷺ وأخبر بفضله.

والعبرة هنا ليست بمجرد كون اللفظ جديدًا، وإنما بكونه:

ذكرًا صحيح المعنى، داخلًا في أصل مشروع، غير مخالف للشرع.


خامسًا: الاجتماع على الذكر

وجاء في صحيح مسلم أن قومًا جلسوا يذكرون الله ويحمدونه على أن هداهم للإسلام، وعلى ما منَّ به عليهم، فأخبرهم النبي ﷺ أن جبريل جاءه وأخبره أن الله يباهي بهم الملائكة.

وهذا يبين أن الاجتماع على الخير والذكر ليس ممنوعًا لمجرد أن صورته أو وقته لم يردا على هيئة واحدة لازمة في كل مرة.

فالعبادة المشروعة قد تتنوع صور أدائها ما دامت لا تصادم نصًا ولا تخرج عن أصل شرعي معتبر.


سادسًا: عمرو بن العاص رضي الله عنه والتيمم من شدة البرد

ومن أشهر الأمثلة قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه حين أصابته جنابة في ليلة شديدة البرد، فتيمم وصلى بأصحابه، ثم أخبر النبي ﷺ بما فعل.

فلم ينكر عليه النبي ﷺ، بل ضحك وأقره.

وهنا نرى صحابيًا اجتهد في تنزيل النص الشرعي على واقعة جديدة، فلم يكن ينتظر أن يجد لكل صورة تفصيلًا سابقًا بالنص، وإنما نظر في أصول الشريعة ومقاصدها، وعمل بما رآه موافقًا لها.

وهذا أصل عظيم في فهم الفقه:

النصوص الشرعية لا تلغي الاجتهاد، وإنما تضبطه.


إذن… هل كل جديد بدعة؟

هنا أصل المسألة.

لو قلنا:

كل ما لم يفعله النبي ﷺ فهو بدعة محرمة.

فإننا سنجد أنفسنا أمام إشكالات كثيرة في أفعال الصحابة والتابعين، بل وفي صور متعددة من الاجتهاد التي نشأت بعد عصر النبوة.

ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله في المحدثات — كما نُقل عنه — إن منها ما يخالف الكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع، فهذه بدعة ضلالة، ومنها ما أُحدث من الخير ولا يخالف شيئًا من ذلك، فهذه محدثة غير مذمومة.

وهذا التفريق هو جوهر المسألة:

ليس السؤال: هل هذا الفعل جديد؟

بل السؤال:

هل هذا الجديد يخالف الشرع، أم يندرج تحت أصل من أصوله؟


«نعمت البدعة هذه»… كلمة عمر رضي الله عنه

ومن أقوى ما يُستدل به في هذه المسألة قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جمع الناس على صلاة التراويح:

«نعمت البدعة هذه».

والسؤال هنا:

إذا كان كل ما لم يفعله النبي ﷺ على هذه الصورة بدعة ضلالة، فكيف وصف عمر رضي الله عنه هذا الاجتماع بأنه:

«نعمت البدعة»؟

نعم، يمكن مناقشة اصطلاح «البدعة» وتقسيمها إلى لغوية وشرعية، لكن يبقى أصل المسألة قائمًا:

هل مجرد عدم فعل النبي ﷺ للفعل على الصورة نفسها يكفي للحكم عليه بالتحريم؟

والجواب الذي تؤيده هذه الوقائع: لا.

فالترك النبوي وحده لا يكفي لإثبات التحريم في كل صورة.


وماذا عن عثمان رضي الله عنه؟

ومن المعلوم أن عثمان رضي الله عنه زاد النداء يوم الجمعة عندما اتسعت المدينة وكثر الناس، فكان ذلك اجتهادًا من خليفة راشد في تنظيم أمر مشروع وتحقيق مصلحة معتبرة.

ولهذا كان الاستدلال بسنن الخلفاء الراشدين حاضرًا في كلام أهل العلم، ومن ذلك حديث:

«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».

فالمسألة ليست أن الصحابة كانوا يشرّعون من عند أنفسهم، حاشاهم.

وإنما المسألة أنهم كانوا:

يجتهدون في تنزيل أصول الشريعة على الوقائع والصور الجديدة، ما دام ذلك لا يخالف نصًا ولا أصلًا شرعيًا.


ولهذا قال العلماء بالبدعة الحسنة

لم يكن القول بالتفريق بين البدعة الحسنة والبدعة المذمومة قولًا شاذًا عند علماء المسلمين.

فقد نُقل هذا التفريق عن جماعة من كبار الأئمة، ومنهم الشافعي، والغزالي، والعز بن عبد السلام، والنووي، والسيوطي، والعيني، والكرماني، وغيرهم.
بل قرر أبو شامة أن المحدثات منها ما يوافق السنة فيكون مستحسنًا، ومنها ما يخالفها فيكون مستهجنًا.

وهذا يعني أن المعيار ليس مجرد السبق الزمني.

فالقول:

«لم يفعله النبي ﷺ»

ليس نهاية البحث.

بل ينبغي أن نسأل:

هل نهى عنه؟ هل يخالف نصًا؟ هل يصادم أصلًا شرعيًا؟ أم أنه داخل تحت أصل عام مشروع؟


«من سن سنة حسنة»… ماذا يعني؟

قال النبي ﷺ:

«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده…»

وقد حمل العلماء «السنة الحسنة» على الطريقة الموافقة لأصول الشرع.

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى نقطة مهمة:

السنة الحسنة ليست دينًا جديدًا، ولا تشريعًا مستقلًا خارج الوحي.

وإنما هي طريقة حسنة في فعل الخير، أو صورة جديدة لعمل مشروع، أو إحياء لمعنى شرعي في ظرف جديد، بحيث يكون ذلك كله منسجمًا مع أصول الشريعة.

ولهذا جاء في الحديث الآخر:

«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

لاحظوا التعبير النبوي:

«ما ليس منه».

فالمردود هو ما كان ليس من الشرع، لا مجرد كل صورة جديدة لم تكن موجودة في عصر النبوة.

وهذه النقطة هي التي بنى عليها القائلون بالبدعة الحسنة جانبًا مهمًا من استدلالهم.


المشكلة إذن ليست في «الجِدّة» وحدها

يمكن أن يكون الشيء:

جديدًا في صورته، قديمًا في أصله الشرعي.

ويمكن أن يكون:

جديدًا في صورته وأصله، مخالفًا للشريعة.

والأول ليس كالثاني.

فلو ابتكر الناس وسيلة جديدة لتعليم القرآن، أو جمعوا الناس على طريقة تنظيمية لم تكن معروفة قديمًا، أو خصصوا وقتًا مناسبًا لتعليم العلم، فمجرد كون هذه الصورة لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ لا يجعلها محرمة.

والعبرة دائمًا:

بالمضمون، والأصل الشرعي، والمقصد، وعدم المخالفة.


وحتى لفظ «البدعة» عند السلف يحتاج إلى فهم

من المهم أيضًا ألا نتعامل مع كلمة «البدعة» وكأنها كانت دائمًا تستعمل عند جميع السلف بمعنى واحد لا يتغير.

فقد استعملها بعضهم في الذم، واستعملها آخرون في معنى المحدث، ثم وصفوا منه ما كان محمودًا أو مذمومًا بحسب موافقته للشرع.

ومن الأمثلة المشهورة قول عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن صلاة الضحى:

«بدعة، ونعمت البدعة».

وقد أوردت المصادر التي بين أيدينا آثارًا في هذا الباب، وربطت بينها وبين التفريق بين المحدث الموافق للشرع والمحدث المخالف له.

ولهذا فالمشكلة ليست في اللفظ وحده، وإنما في المعنى الذي يراد به.


الخلاصة

ليس من الدقة أن نقول:

كل ما لم يفعله النبي ﷺ فهو بدعة محرمة.

كما أنه ليس من الصواب أن نقول:

كل ما استحسنه الناس فهو سنة مشروعة.

بل الميزان أدق من ذلك:

ما وافق أصول الشريعة ولم يخالف نصًا ولا قاعدة شرعية، وكان داخلًا تحت أصل معتبر من أصول الدين، فليس كالمحدث الذي يصادم الشرع ويعارض نصوصه.

ولهذا فرّق العلماء بين البدعة المذمومة والمحدث الموافق للشرع، ونقلوا في ذلك أقوالًا كثيرة عن أئمة كبار.

والصحابة أنفسهم يقدمون لنا نماذج واضحة على الاجتهاد في صور جديدة من الأعمال، مع بقاء أصلها داخلًا في الشريعة.

فالمعيار ليس:

«هل فعلها النبي ﷺ بهذه الصورة؟»

فقط.

بل المعيار الأهم:

«هل هذا الفعل مخالف للشرع، أم أنه داخل تحت أصل شرعي معتبر؟»

ومن هنا نفهم لماذا قال عمر رضي الله عنه:

«نعمت البدعة هذه»

ولم يقل:

«كل جديد ضلالة».

ونفهم كذلك لماذا قال النبي ﷺ:

«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

فالقيد النبوي هنا جدير بالتأمل:

«ما ليس منه».

وهنا يبقى السؤال الذي ينبغي أن يُناقش بالدليل، لا بمجرد الشعارات:

هل العبرة في الحكم على المحدثات بمجرد عدم فعل النبي ﷺ لها، أم بموافقتها للشرع وأصوله ومقاصده؟

هذه هي نقطة الخلاف الحقيقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق