الخميس، 1 أكتوبر 2026

ربيع المدخلي يحذّر من الفرقة… يأمر الناس بالبر وينسى نفسه؟

 

ربيع المدخلي يحذّر من الفرقة…

ولكن ماذا عن قواعد التجريح والتصنيف؟

من أكثر المفارقات التي تستحق التوقف في الخطاب المدخلي المعاصر أن الحديث عن الفرقة والتشتت والانقسام يزداد كلما ازداد الانقسام داخل التيار نفسه.

وفي سياق الخلافات التي وقعت بين بعض رموز التيار المدخلي في الجزائر، نُقل عن ربيع المدخلي قوله:

«نحن ما عرفنا مثل هذا التمزق والتفرق، والله الفتنة الآن تكتنف السلفية والسلفيين في العالم».

وقال أيضًا:

«ما مر مثلها؛ لأن الرؤوس كثرت، وحب الزعامات انتشر مع الأسف».

ثم قال:

«والمدسوسون بين صفوف السلفيين كثر فمزقوا السلفيين شذر مذر».

ثم دعا إلى الحذر من الفرقة والتآخي.

وهنا لا بد من التوقف قليلًا…

ليس اعتراضنا على الدعوة إلى الأخوة ونبذ الفرقة؛ فهذه دعوة صحيحة في أصلها.

لكن السؤال الأهم هو:

كيف نعالج الفرقة إذا كانت بعض قواعد التعامل مع الخلاف نفسها قابلة لإنتاجها؟


أولًا: لماذا أصبحت قضية «الفرقة» مرتبطة بالسلفيين وحدهم؟

حين يقول ربيع المدخلي:

«الفتنة الآن تكتنف السلفية والسلفيين في العالم»

فإن أول سؤال يطرح نفسه:

ماذا عن الأمة الإسلامية كلها؟

فالفرقة ليست مشكلة جماعة محددة، والوحدة ليست مشروعًا خاصًا بتيار بعينه.

وإذا كان المقصود بالسلفية جميع من ينتسب إلى منهج السلف، فإن دائرة الخلاف ينبغي أن تتسع للنقد والنقاش والاجتهاد.

أما إذا أصبح اسم «السلفية» لا يطلق إلا على من وافق مجموعة معينة في الأشخاص والمواقف والتصنيفات، فإن الأمر يتحول تدريجيًا من:

الاجتماع على منهج

إلى:

الاجتماع حول دائرة من الأشخاص.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالسؤال ليس فقط:

من هو السلفي؟

بل الأهم:

من يملك حق إخراج المسلم من هذه الدائرة؟ وبأي معيار؟


ثانيًا: هل هذه أول فتنة في تاريخ التيار المدخلي؟

يصف ربيع المدخلي الخلاف الحالي بأنه من أشد ما مر بالسلفيين.

لكن هذا الوصف يفتح بابًا آخر للسؤال:

وماذا عن الخلافات والانقسامات السابقة؟

لقد عرف التيار خلال العقود الماضية سلسلة طويلة من النزاعات، وظهرت فيه أسماء وتصنيفات متعددة:

فالح الحربي… أبو الحسن المأربي… علي الحلبي… يحيى الحجوري… ثم الصعافقة والمصعفقة… وغيرهم.

وقد تختلف الأطراف في تفسير كل قضية من هذه القضايا، وفي تحديد المسؤولية عنها.

لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها:

الانقسام ليس حادثة طارئة.

فإذا تكررت الظاهرة مرة بعد أخرى، فإن الاقتصار على البحث عن «المتسبب في الفتنة الأخيرة» لا يكفي.

بل ينبغي أن نسأل سؤالًا أعمق:

هل المشكلة في الأشخاص فقط، أم أن في طريقة إدارة الخلاف نفسها ما يسمح بإعادة إنتاج الانقسام؟


ثالثًا: «كثرة الرؤوس»… أم غياب ثقافة الاختلاف؟

يقول ربيع:

«الرؤوس كثرت، وحب الزعامات انتشر».

قد يكون حب الزعامة سببًا من أسباب النزاع في أي جماعة بشرية.

لكن هناك سؤالًا لا يقل أهمية:

هل علاج التعدد هو إلغاء التعدد؟

وهل وجود أكثر من عالم أو داعية أو طالب علم يعني بالضرورة أن الجماعة ستتفرق؟

إن الاختلاف في الفهم والاجتهاد أمر عرفته الأمة منذ عصر الصحابة والتابعين، ولم يكن كل اختلاف يؤدي إلى القطيعة والتبديع والهجر.

المشكلة تبدأ عندما يصبح وجود رأي مستقل عن رأي الشخص أو المجموعة المركزية تهديدًا للهوية بدل أن يكون اختلافًا علميًا قابلًا للنقاش.

فإذا كان كل من استقل برأيه عُدَّ «رأسًا» مذمومًا، وكل من خالف المركز عُدَّ سببًا للفرقة، فإن الوحدة تصبح في النهاية مرادفة للتبعية.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل نريد وحدةً تقوم على الدليل، أم وحدةً تقوم على الأشخاص؟


رابعًا: «المدسوسون»… هل يفسرون كل الانقسامات؟

من العبارات التي تستوقف النظر أيضًا:

«المدسوسون بين صفوف السلفيين كثر فمزقوا السلفيين شذر مذر».

قد يوجد في أي خلاف من يستغل النزاع أو يزيده اشتعالًا.

لكن هل يكفي هذا لتفسير ظاهرة الانقسام المتكرر؟

إذا وقعت المشكلة مرة، فقد يكون التدخل الخارجي تفسيرًا محتملًا.

أما إذا تكررت الخلافات عشرات المرات، وتكرر معها السيناريو نفسه:

خلاف → تجريح → تصنيف → اصطفاف → هجر → انقسام → ظهور مجموعة جديدة

فهنا يصبح من المشروع أن نراجع البنية الداخلية التي أنتجت هذا النمط.

فبدل أن نسأل دائمًا:

من دسَّ بيننا؟

ينبغي أن نسأل أيضًا:

ما القواعد التي تجعل خلافنا قابلًا للتحول إلى انقسام؟


خامسًا: هنا تكمن المشكلة… في «قواعد» التعامل مع المخالف

من أكثر القواعد إثارة للجدل في هذا الباب قاعدة:

«من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع».

وكذلك امتحان الناس بمواقفهم من أشخاص معينين، بحيث يصبح موقف الإنسان من فلان أو علان معيارًا للحكم عليه.

وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:

نقد الخطأ

وبين:

تحويل الأشخاص إلى موازين للولاء والبراء.

فالعالم قد يخطئ.

والداعية قد يخطئ.

وطالب العلم قد يخطئ.

وقد يختلف المسلم مع حكم عالم أو نقده لشخص آخر دون أن يلزم من ذلك أن يكون قد أصبح مبتدعًا أو ضالًا.

أما عندما يصبح التسلسل هكذا:

لم توافقني → إذن أنت مخطئ → لم توافق حكمي على فلان → إذن أنت منحرف → دافعت عنه → إذن أنت مبتدع → لم تتبرأ منه → فأنت مثله…

فإن دائرة الخلاف لن تتوقف عند أحد.

بل ستتوسع باستمرار.


سادسًا: لا تجعلوا الأشخاص ميزانًا للحق

المشكلة الأكبر تظهر عندما تتحول مكانة شخص معين إلى ميزان يُقاس به الناس.

فليس من أصول الإسلام أن يكون موقف الإنسان من عالم أو داعية معين هو الذي يحدد مصيره الديني.

قال الله تعالى:

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
[النجم: 32]

وقال سبحانه:

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
[البقرة: 44]

وهذه الآية الأخيرة تضع أمامنا قاعدة عظيمة في مراجعة الخطاب الديني:

قبل أن نطالب الآخرين بما نطالب به، علينا أن ننظر: هل نطبّق المعيار نفسه على أنفسنا؟

فإذا كانت الدعوة:

«لا تتفرقوا».

فالسؤال:

هل طريقة التعامل مع المخالف تساعد على الاجتماع أم تزيد الانقسام؟

وإذا كانت الدعوة:

«تآخوا».

فالسؤال:

هل قبول المخالف والنقد المتبادل جزء من هذه الأخوة، أم أن الأخوة مشروطة بالموافقة؟

وهنا تكون الآية تذكيرًا بالمبدأ، لا حكمًا على نيات الأشخاص.


سابعًا: المفارقة الكبرى: «لا تتفرقوا»… ولكن بشرط!

لنفرض أن شخصًا اختلف مع ربيع المدخلي في الحكم على عالم أو داعية.

هل يستطيع أن يبقى أخًا، مع بقاء الخلاف؟

أم يجب أن يتخذ موقفًا محددًا؟

وإذا اختار موقفًا مخالفًا، فهل يصبح:

مبتدعًا؟

أو:

ضالًا؟

أو:

خارجًا عن السلفية؟

إذا كان الأمر كذلك، فكيف نطلب بعد ذلك من الناس ألا يتفرقوا؟

إن الدعوة إلى الوحدة لا تكون مؤثرة بمجرد تكرار عبارة:

«لا تتفرقوا… تآخوا».

بل تحتاج إلى منهج يجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يتحول إلى قطيعة.

فالناس ليسوا ملزمين بأن يتطابقوا في كل مسألة.

والعلماء ليسوا معصومين.

والاختلاف العلمي لا يساوي بالضرورة الانحراف.


ثامنًا: «الفرقان» لا يعني تحويل الأمة إلى جماعات متناحرة

وقد يقول قائل:

نحن لا نفرق بين المسلمين، وإنما نفرق بين الحق والباطل، والقرآن هو الفرقان.

وهذا صحيح من حيث الأصل.

لكن ينبغي الانتباه إلى الفرق الكبير بين:

التفريق بين الحق والباطل

وبين:

التفريق بين المسلمين بسبب مسائل الخلاف والاجتهاد.

القرآن يبين الحق من الباطل.

لكن تنزيل الأحكام على الأشخاص ليس عملية آلية بمجرد العثور على خطأ أو مخالفة.

فالقول قد يكون باطلًا، ولا يلزم من ذلك أن كل من قاله يأخذ الحكم نفسه في كل حال.

والخطأ قد يقع فيه العالم، ولا يلزم من وقوعه فيه أن تُهدم مكانته كلها.

والاختلاف مع العالم لا يعني إسقاطه.

وهذه المساحات الدقيقة هي التي تضيق كلما اتسعت ثقافة التصنيف.


تاسعًا: من الذي يصنع الفرقة؟

هنا نصل إلى السؤال الأصعب:

إذا كانت كل مجموعة تلقي مسؤولية الانقسام على خصومها، فمن الذي يراجع المنهج نفسه؟

حين ينقسم أتباع التيار إلى:

هذا مع فلان… وهذا مع فلان… وهذا مع الصعافقة… وهذا مع المصعفقة…

ثم يبدأ كل فريق في إسقاط الآخر وتصنيفه؛ فإن تكرار هذه الظاهرة يستحق دراسة أعمق من مجرد اتهام الطرف الآخر.

لأن المشكلة قد لا تكون في أن:

«فلانًا خرج عن المنهج».

بل ربما يكون السؤال:

لماذا يسمح هذا المنهج بإخراج كل مخالف بسرعة من دائرته؟

ولماذا يصبح الخلاف في بعض المسائل سببًا في انهيار العلاقات العلمية والدعوية؟

ولماذا يتحول النقد من مناقشة فكرة إلى محاكمة شخص؟


عاشرًا: لا يمكن أن تعالج الفرقة بالأدوات التي صنعتها

وهنا تظهر المفارقة كاملة.

إذا كانت الأدوات المستخدمة في التعامل مع الخلاف هي:

التصنيف، والتجريح، والامتحان بالأشخاص، والهجر، والإقصاء، وربط الولاء بالمواقف من أفراد معينين…

ثم قيل بعد ذلك:

«لماذا تفرقتم؟»

فالسؤال الذي يفرض نفسه:

أليست بعض هذه الأدوات نفسها جزءًا من المشكلة؟

إن من يضع الناس دائمًا أمام خيارين:

إما أن توافقني… أو أنت ضدي

سيكتشف في النهاية أن الذين كانوا معه قد يصبحون ضده، ثم ينقسم الذين بقوا معه إلى مجموعات أصغر، وهكذا تستمر الدائرة.


الخلاصة

ليست المشكلة في أن يحذر ربيع المدخلي من الفرقة.

ولا في أن يدعو إلى الأخوة.

ولا في أن يحذر من التعصب للزعامات.

كل هذه المعاني صحيحة من حيث الأصل.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه بوضوح هو:

هل تكفي الدعوة إلى الوحدة إذا بقيت قواعد التعامل مع الخلاف على حالها؟

إذا كان المطلوب فعلًا هو جمع الكلمة، فلا بد من مراجعة:

ثقافة التصنيف.

وثقافة الامتحان بالأشخاص.

وثقافة التبديع عند الخلاف.

وثقافة الهجر والإقصاء.

وتحويل الموقف من الدعاة والعلماء إلى معيار للولاء والبراء.

فالاجتماع الحقيقي لا يعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة.

والأخوة لا تعني إلغاء الاختلاف.

والسلفية — إن أريد بها اتباع السلف — لا ينبغي أن تتحول إلى أسماء وأشخاص ودوائر مغلقة.

فإذا كنا نأمر الناس بالبر، فلنسأل أنفسنا أولًا: هل نمارس ما نأمر به؟

وإذا كنا نحذر الناس من الفرقة، فلنسأل:

هل راجعنا القواعد التي تجعل الفرقة تتكرر؟

فربما لا يكون علاج الانقسام في البحث عن «مفرّقين» جدد…

بل في مراجعة الطريقة التي نتعامل بها مع الاختلاف من أساسها.

لأن الأمة لا تجتمع بإلغاء المخالف، وإنما تجتمع بالعدل معه، والرجوع إلى الدليل، وتوسيع دائرة الأخوة، وعدم جعل الأشخاص موازين للحق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق