الأربعاء، 12 أغسطس 2026

قالوا: المولد بدعة... فقلنا: وهل تُلام القلوب إذا فرحت بالحبيب ﷺ؟

 


قالوا: المولد بدعة...

فقلنا: وهل تُلام القلوب إذا فرحت بالحبيب ﷺ؟

المولد بين المحبة والاتباع، وبين الدليل والاجتهاد

حين تضيق العبارة عن وصف المحبة، تتكلم الأرواح...

وحين تعجز الكلمات عن حمل الشوق، يفيض القلب بذكر الحبيب ﷺ.

وفي ربيع الأول، لا تأتي ذكرى مولد سيدنا محمد ﷺ إلى القلوب كموعد عابر في صفحات التاريخ، وإنما تأتي فرصةً لاستحضار سيرته، وتجديد محبته، وتعريف الأجيال به؛ فهو النبي الذي أرسله الله رحمةً للعالمين.

قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

والحديث عن سيدنا محمد ﷺ حديث عن قلب الأمة وروحها، وعن الهداية والرحمة والأخلاق.

فما أعجب شأن المحبة المحمدية!

لا يحصرها زمان، ولا تنتهي بانتهاء مجلس؛ إنها محبة إذا استقرت في القلب غيّرته، فجعلت من الصلاة على النبي ﷺ أنسًا، ومن سيرته زادًا، ومن سنته طريقًا، ومن أخلاقه مرآةً يرى فيها المؤمن جمال الإيمان.


قالوا: المولد بدعة!

فقلنا: مهلاً...

فالمسألة ليست مجرد ليلة تنتهي بانتهائها، ولا مظاهر احتفال منفصلة عن الدين؛ وإنما الكلام عن اجتماعٍ يقصد فيه بعض المسلمين ذكر الله، والصلاة على النبي ﷺ، وقراءة القرآن، ومدارسة سيرته وشمائله، وإطعام الطعام، وإظهار الفرح بنعمة بعثته.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل المحبة بدعة؟

هل الصلاة على النبي ﷺ بدعة؟

هل قراءة سيرته وشمائله بدعة؟

هل تعليم الأطفال من هو رسول الله ﷺ بدعة؟

إن الخلاف الحقيقي ليس في أصل المحبة، وإنما في الصورة التي يُعبَّر بها عنها وحكم بعض صور الاجتماع لذلك.

ومن هنا كان الإنصاف يقتضي أن نتعامل مع المسألة باعتبارها من مسائل الاجتهاد التي وقع فيها خلاف بين العلماء، لا أن نجعلها سببًا للتبديع والتباغض والخصومة.


قالوا: لكن النبي ﷺ قال: «كل بدعة ضلالة»!

نعم، الحديث ثابت، وهو حديث عظيم، ولا يجوز تجاهله.

لكن فهم النصوص الشرعية لا يكون بعزل بعضها عن بعض، ولا بإغفال استعمالات اللغة العربية.

ولهذا فرّق العلماء بين البدعة الشرعية المذمومة وبين ما استُعمل فيه لفظ البدعة بمعناه اللغوي، أو ما كان له أصل معتبر في الشرع.

ومن أشهر الأمثلة قول سيدنا عمر رضي الله عنه في جمع الناس على صلاة التراويح:

«نعمت البدعة هذه».

فالمراد هنا ليس إحداث عبادة لم يشرعها النبي ﷺ؛ إذ إن أصل صلاة التراويح مشروع، وإنما كان الجديد هو جمع الناس عليها بصورة منتظمة.

ومن هنا يتبين أن لفظ «البدعة» لا يكفي وحده للحكم على أي عمل، بل لا بد من النظر في حقيقته، وأصله، ومقصده، وما يشتمل عليه من أعمال.


قالوا: لا يوجد دليل على جواز الاحتفال بالمولد!

والجواب:

من يرى مشروعية المولد لا يقول إن هناك حديثًا صريحًا يقول: «احتفلوا بالمولد».

وإنما يقول إن أصل الاجتماع على أعمال مشروعة، كقراءة القرآن، والذكر، والصلاة على النبي ﷺ، ومدارسة سيرته، وإطعام الطعام، وإظهار الفرح بنعمة الله، داخل في أصول شرعية متعددة.

ومن أقوى ما يُستأنس به في هذا الباب حديث صيام النبي ﷺ يوم الاثنين.

فلما سُئل عن صيامه قال:

«ذلك يوم وُلدت فيه، وفيه أُنزِل عليَّ».

فالنبي ﷺ ربط صيام يوم الاثنين بكونه يوم مولده وبداية نزول الوحي عليه.

وهذا يدل على أصل مهم:

وهو مشروعية تعظيم نعمة المولد وشكر الله عليها بعمل صالح.

فإذا كان النبي ﷺ قد عبّر عن شكر الله على نعمة مولده بالصيام، فلا يستبعد عند من يرى مشروعية المولد أن يعبّر المسلمون عن شكرهم بوسائل مشروعة أخرى؛ كقراءة القرآن، والصلاة عليه ﷺ، ومدارسة سيرته، وإطعام الطعام.

وهنا ينبغي التنبيه:

ليس المقصود أن حديث صيام الاثنين نصٌّ مباشر في الاحتفال السنوي بالمولد، وإنما هو أصل يُستأنس به في مشروعية شكر الله على نعمة المولد بعمل صالح.

وهذا أدق وأقوى في الاستدلال.


قالوا: لكن النبي ﷺ لم يفعله!

فنقول:

عدم الفعل ليس هو النهي.

فكون النبي ﷺ لم يفعل أمرًا على صورة معينة لا يعني بمجرده أنه حرام، ما لم يقترن ذلك بدليل يدل على المنع.

فكم من أمور لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ بالصورة التي ظهرت بها بعد ذلك، ثم نظر فيها المسلمون إلى أصول الشريعة وحاجاتهم ومصالحهم.

وجمع القرآن في مصحف واحد مثال واضح على ذلك؛ فقد ظهرت الحاجة إليه بعد وفاة النبي ﷺ، فجمعه الصحابة رضي الله عنهم حفظًا لكتاب الله.

وكذلك نشأت علوم كثيرة لخدمة القرآن والسنة، كعلم النحو وأصول الفقه ومصطلح الحديث، ولم تكن موجودة في عهد النبوة بالصورة الاصطلاحية التي عُرفت بها بعد ذلك.

فالعبرة ليست بمجرد السؤال:

«هل فعل النبي ﷺ هذا بعينه؟»

بل ينبغي أن يُسأل أيضًا:

هل هذا العمل مشروع في نفسه؟ وهل يندرج تحت أصل شرعي؟ وهل يشتمل على مخالفة؟

وهنا يكون الاجتهاد.


قالوا: لو كان في المولد خير لسبقنا إليه الصحابة!

هذا الاستدلال يحتاج إلى تأمل.

فليس كل عمل ظهر بعد عصر النبوة يكون مذمومًا لمجرد أنه لم يقع بالصورة نفسها عند الصحابة.

فجمع القرآن في مصحف واحد لم يقع في حياة النبي ﷺ بهذه الصورة، وإنما وقع بعده لحاجة ظهرت.

وتنقيط المصحف وتشكيله لم يكن على الصورة المعروفة اليوم، ثم ظهرت الحاجة إليه.

وكذلك تدوين العلوم الشرعية وتصنيف الكتب والمعاجم والموسوعات.

إذن:

ليس كل خير يشترط أن يقع بالصورة نفسها في عهد النبي ﷺ.

وإنما ينظر في العمل: هل له أصل شرعي؟ هل يحقق مقصدًا صحيحًا؟ وهل يشتمل على محظور؟

فإذا اجتمعت أعمال مشروعة في مناسبة معينة، فالحكم لا ينبغي أن يكون على مجرد اسم المناسبة، بل على حقيقة ما يُفعل فيها.


قالوا: لا حاجة إلى المولد!

بل لعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء السيرة والمحبة النبوية.

كم من إنسان يعرف أخبار المشاهير واللاعبين والفنانين، لكنه لا يعرف شيئًا عن شمائل سيدنا محمد ﷺ!

وكم من شاب يعرف تفاصيل حياة شخصيات بعيدة عنه، ولا يعرف كيف كان النبي ﷺ يتعامل مع الفقير، واليتيم، والجار، والطفل، والزوجة، وحتى من خالفه!

إن المشكلة ليست في كثرة الحديث عن النبي ﷺ، بل في أن يعيش المسلم بعيدًا عن سيرته وأخلاقه.

ولهذا فإن أي مناسبة تجعل الناس يفتحون كتب السيرة، ويصلون على النبي ﷺ، ويتعلمون أخلاقه، ويعرّفون أبناءهم به، ويجتمعون على الخير؛ يمكن أن تكون وسيلة تربوية وإيمانية نافعة، ما دامت منضبطة بالشرع وخالية من المحرمات.


قالوا: الاحتفال بالمولد تشبه بالنصارى!

والجواب:

نحن أولى بتعظيم أنبياء الله جميعًا.

وقد قال النبي ﷺ عن سيدنا موسى عليه السلام:

«نحن أولى بموسى منكم».

فمحبة الأنبياء وتعظيمهم ليست حكرًا على أمة.

وإذا كانت أمة أخرى قد فعلت أمرًا معينًا يتعلق بنبي من أنبياء الله، فلا يعني ذلك تلقائيًا أن كل تعظيم لذلك النبي أو كل صورة من صور الفرح به تصبح محرمة على المسلمين.

العبرة أن يكون المسلم ملتزمًا بعقيدته وشريعته، وألا يقلد عقائد الآخرين أو شعائرهم الدينية الخاصة بهم.


قالوا: ولماذا تحتفلون بالمولد ولا تحتفلون بالممات؟

لأن المقامين مختلفان.

الميلاد مناسبة يُستحضر فيها معنى النعمة والفرح بوجود رسول الله ﷺ وبعثته ورسالته.

أما الوفاة فمقامها الصبر والاحتساب والرضا بقضاء الله.

ولا يعني هذا أن المسلم لا يحزن على وفاة النبي ﷺ؛ بل إن محبته تجعل القلب يتألم لفراقه، ولكن الحزن لا يتحول إلى نياحة أو جزع أو اعتراض على قضاء الله.

فالميلاد يُستحضر فيه معنى النعمة، والوفاة يُستحضر فيها معنى الصبر والاحتساب.


ولكن... هل المولد يعني مجرد الاحتفال؟

هنا تأتي النقطة الأهم.

لا ينبغي أن يتحول المولد إلى مجرد مظاهر.

فالمحبة ليست كلمات تُقال، ولا أناشيد تُردد، ولا موسمًا ينتهي بانتهاء ربيع الأول.

المحبة الحقيقية هي أن يظهر أثرها في السلوك.

قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

فالمحبة الصادقة تقود إلى الاتباع.

ومن أحب النبي ﷺ أحب صدقه، ورحمته، وتواضعه، وأمانته، وحلمه، وعفوه، وأحب سنته وأخلاقه.

ولهذا ينبغي أن يكون المولد ـ عند من يرى مشروعيته ـ بدايةً للمحبة والاتباع، لا نهايةً للاحتفال.

نقرأ فيه سيرته.

ونتعلم أخلاقه.

ونكثر من الصلاة عليه.

ونطعم الطعام.

ونصل الأرحام.

ونعلّم أبناءنا الرحمة والصدق والأمانة.

ثم نحمل هذه المعاني معنا إلى بقية أيام السنة.


وأما الحبيب ﷺ... فله في القلوب مقام آخر

يا حبيب الله ﷺ...

ما عرفناك كما ينبغي، وما أدينا حقك كما ينبغي، ولكننا نرجو رحمة الله بمحبتك.

نرجو أن يكون لنا في موكب المحبين موضع، وفي زمرة المشتاقين مقام.

فمحبة الحبيب ليست دعوى، بل أثر.

إن صدقت المحبة، صار ذكره حياةً للروح، والصلاة عليه أنسًا للقلب، والاقتداء بأخلاقه جمالًا للسلوك.

والمحب الصادق لا يسأل فقط:

كيف أكثر من الحديث عن الحبيب؟

بل يسأل:

كيف أجعل الحبيب حاضرًا في خُلقي، ورحمتي، وصدقي، وتواضعي، ومعاملتي للخلق؟

فالحب الذي لا يغيّر صاحبه يحتاج إلى مراجعة.

والمحبة التي لا تقود إلى الاتباع تبقى دعوى.

أما المحبة الصادقة، فهي التي تجعل صاحبها يرحم كما رحم، ويعفو كما عفا، ويصدق كما صدق، ويتواضع كما تواضع.


يا أهل المحبة...

اجعلوا ربيع الأول ربيعًا للقلوب، لا موسمًا للخصومات.

افتحوا أبواب السيرة.

وأحيوا مجالس الصلاة على النبي ﷺ.

وعلّموا أبناءكم من هو محمد ﷺ.

فالقلب إذا عرف الحبيب اشتاق إليه، وإذا اشتاق إليه أكثر من ذكره، وإذا أكثر من ذكره رقّ، وإذا رقّ اتبع، وإذا اتبع أحب، وإذا أحب صدق.

وما أجمل أن يكون المولد بداية محبة لا نهاية احتفال؛ وأن يكون ذكر النبي ﷺ في ربيع الأول بدايةً لذكره في كل أيام العمر.

أما من لم ير مشروعية الاحتفال، فله اجتهاده، وله أن يتركه؛ لكن لا ينبغي أن تتحول المسألة الخلافية إلى سبب للخصومة والتباغض والتفسيق والتبديع.

فالذي يجمعنا أعظم من الذي يفرقنا.

يجمعنا التوحيد.

والقرآن.

والقبلة.

ومحبة رسول الله ﷺ.

اللهم ارزقنا صدق محبة سيدنا محمد ﷺ، وحسن الأدب معه، ودوام الصلاة والسلام عليه، وحسن اتباع سنته.

اللهم اجعل سيرته إمامنا، وسنته طريقنا، وأخلاقه زادنا.

اللهم اجعل سيدنا محمد ﷺ أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا وأموالنا، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من حوضه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌿 الخلاصة

المولد ليس بديلًا عن السنة، ولا المحبة بديلًا عن الاتباع.

بل المحبة الصادقة تقود إلى الاتباع، والاحتفال ـ عند من يرى مشروعيته ـ ليس غايةً في ذاته، وإنما يمكن أن يكون وسيلةً لتجديد المحبة، وإحياء السيرة، وتعليم الأبناء، والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، والاجتماع على الخير.

فلا تجعلوا ربيع الأول موسمًا للنزاع...

اجعلوه ربيعًا للقلوب بمحبة الحبيب ﷺ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق