الحجاب والتعليم والعمل: متى يكون الإصلاح إنصافًا للمرأة ومتى يتحول إلى تغريب؟
من أكثر ما يلفت النظر في تاريخ الجدل حول المرأة المسلمة أن قضايا مختلفة جُمعت أحيانًا تحت عنوان واحد:
التعليم، والحجاب، والعمل، والخروج إلى المجتمع، والمشاركة العامة.
ثم أصبح النقاش وكأن المرأة أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما أن تبقى أسيرة الجهل والتقاليد، وإما أن تتبنى النموذج الغربي.
لكن هذه الثنائية تحتاج إلى مراجعة.
فليس كل ما ورثناه صحيحًا، وليس كل ما جاء من خارج مجتمعاتنا باطلًا.
والسؤال الحقيقي هو:
كيف ننصف المرأة دون أن نجعل إنصافها مرادفًا للتخلي عن دينها وقيمها؟
أولًا: التعليم ليس قضية خلاف مع الإسلام
ربما كان من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها بعض المجتمعات المسلمة التضييق على تعليم المرأة.
فالمرأة التي لا تتعلم لا تستطيع أن تؤدي كثيرًا من مسؤولياتها على الوجه الصحيح، سواء في بيتها أو في مجتمعها.
والإسلام لم يجعل الجهل فضيلة.
بل جعل العلم من أبواب الرفعة، وفتح أبواب المعرفة أمام الرجال والنساء.
ولهذا فإن محاربة تعليم المرأة بحجة الدين تحتاج إلى مراجعة جادة.
فإذا كانت بعض البيئات قد منعت المرأة من التعلم، فهذه ممارسة اجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى حكم على الإسلام كله.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح التعليم بوابة لإلغاء الهوية
التعليم في ذاته ليس المشكلة.
السؤال هو:
أي تعليم؟ ولأي غاية؟
يمكن للتعليم أن يرفع الإنسان، ويزيد وعيه، ويجعله أكثر قدرة على خدمة أسرته ومجتمعه.
ويمكن أن يتحول ـ إذا انفصل عن القيم ـ إلى مجرد وسيلة لإعادة تشكيل الإنسان وفق نموذج فكري معين.
ولهذا لا ينبغي أن يكون النقاش:
هل تتعلم المرأة أم لا؟
بل:
كيف نفتح أمام المرأة أبواب العلم، مع الحفاظ على حقها في هويتها وقيمها واختياراتها؟
فلا تعارض بين:
العلم والدين.
ولا بين:
التقدم والفضيلة.
ولا بين:
وعي المرأة وتمسكها بقيمها.
ثانيًا: الحجاب ليس مرادفًا للجهل
من أكثر الصور التي تحتاج إلى تصحيح أن يُربط الحجاب تلقائيًا بالتخلف.
فقد تكون المرأة متعلمة، واعية، متخصصة، مشاركة في مجتمعها، وفي الوقت نفسه ملتزمة بحجابها.
كما أن خلع الحجاب لا يجعل الإنسان تلقائيًا أكثر علمًا أو وعيًا.
فالملابس لا تمنح الإنسان وحدها عقلًا، كما أن الالتزام بالمظهر لا يغني عن بناء الشخصية.
ولهذا ينبغي ألا نحول الحجاب إلى معيار وحيد للحكم على المرأة.
الحجاب ـ لمن تراه حكمًا شرعيًا ـ جزء من منظومة دينية، لكنه ليس بديلًا عن العلم والأخلاق والعمل الصالح.
وكذلك لا ينبغي أن يتحول الحديث عنه إلى ذريعة لإلغاء شخصية المرأة أو حرمانها من حقوقها.
بين الحجاب والظلم
وهنا نصل إلى نقطة شديدة الأهمية:
ليس كل ما يُمارس باسم الحجاب جزءًا من الحجاب.
قد يستخدم شخصٌ الدين لتقييد امرأة في أمر لا يلزمها شرعًا.
وقد تُفرض عليها أعراف اجتماعية باسم الدين.
وقد تُمنع من التعليم أو العمل أو المشاركة الاجتماعية بحجة المحافظة.
وهنا يجب أن يكون الموقف واضحًا:
لا يجوز أن نخلط الحكم الشرعي بالعادات الاجتماعية.
فإذا كان العرف ظلمًا، فلا يصبح عدلًا لمجرد أنه قديم.
وإذا كان القيد لا أصل له في الشريعة، فلا ينبغي أن نضعه في مرتبة الحكم الشرعي.
ثالثًا: هل خروج المرأة من البيت هو التحرر؟
من أكثر العبارات تأثيرًا في الخطاب الحديث:
«المرأة يجب أن تخرج من البيت لكي تتحرر.»
لكن هذه العبارة تحتاج إلى سؤال:
هل البيت في ذاته سجن؟
الإجابة: لا.
كما أن المجتمع في ذاته ليس فضاءً مضمونًا للحرية.
فالمرأة يمكن أن تكون مظلومة في بيتها، ويمكن أن تكون مكرمة فيه.
ويمكن أن تعمل خارج البيت وتكون نافعة، ويمكن أن تعمل في ظروف تضر بها وبأسرتها.
إذن ليست القضية في مجرد:
خروج أو بقاء.
بل في:
الكرامة، والاختيار، والمسؤولية، والمصلحة، والظروف.
رابعًا: العمل حق أم واجب أم خيار؟
من الأخطاء أن يتحول العمل إلى معيار وحيد لنجاح المرأة.
فليست قيمة الإنسان مرتبطة فقط بوظيفة يشغلها.
كما أن العمل الشريف النافع ليس شيئًا ينبغي احتقاره إذا قامت به المرأة.
والأسرة أيضًا ليست وظيفة هامشية.
فالتربية والرعاية وبناء الأسرة مسؤوليات عظيمة، كما أن الطب والتعليم والبحث العلمي والإدارة وغيرها من مجالات النفع العام أعمال عظيمة كذلك.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر توازنًا ليس:
هل تعمل المرأة أم لا؟
بل:
كيف تختار المرأة مجالها بما يحقق لها ولأسرتها ولمجتمعها النفع، ويحفظ حقوقها وكرامتها؟
خامسًا: لا تجعلوا الأمومة عارًا
من الأفكار التي ظهرت في بعض الخطابات الحديثة تصوير الأعمال المرتبطة بالبيت والأمومة وكأنها أعمال أقل قيمة.
وهذا تصور يحتاج إلى مراجعة.
فالحمل والولادة والتربية ورعاية الأبناء ليست أعمالًا تافهة.
والأم التي تبني أبناءها وتربيهم ليست امرأة «لم تحقق ذاتها».
بل إن صناعة الإنسان نفسه من أعظم الأعمال أثرًا في المجتمع.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول هذا الكلام إلى حجة لحبس المرأة داخل البيت قسرًا أو منعها من التعلم والعمل النافع.
فالاعتراف بقيمة الأمومة لا يعني إلغاء شخصية المرأة.
كما أن الاعتراف بحقها في التعليم والعمل لا يعني احتقار الأسرة.
التوازن هو المطلوب.
سادسًا: الجامعة ليست معركة بين العلم والدين
حين دخلت المرأة الجامعة، ظهرت اعتراضات من جهات مختلفة.
بعض الاعتراضات كان مرتبطًا بالخوف على الأسرة أو القيم.
وبعضها كان نابعًا من عادات اجتماعية قديمة لا يصح أن تُنسب كلها إلى الدين.
وفي المقابل، ظهر خطاب آخر يصور الجامعة باعتبارها الطريق الحتمي إلى التحرر الكامل من الدين والتقاليد.
والحقيقة أن الجامعة في أصلها:
مكان للعلم.
فلا ينبغي أن تكون ساحة لإقصاء المرأة.
ولا ينبغي في المقابل أن تتحول إلى ساحة لإقصاء الدين.
يمكن للمرأة أن تتعلم الطب والهندسة والقانون والعلوم والآداب وغيرها، دون أن يكون نجاحها العلمي مرهونًا بالتخلي عن قيمها.
سابعًا: الاختلاط ليس هو معنى «الروح الجامعية»
ومن القضايا التي تحتاج إلى قدر كبير من الهدوء أن بعض الخطابات جعلت مجرد الاختلاط معيارًا للتقدم.
فإذا كانت الجامعة مكانًا للعلم، فالمعيار الحقيقي هو:
جودة التعليم، واحترام الإنسان، والانضباط، والبحث العلمي، والأخلاق الأكاديمية.
أما تحويل «الروح الجامعية» إلى مقدار ما تحرر فيه الطلاب والطالبات من الضوابط الاجتماعية والدينية، فهو تعريف أيديولوجي للجامعة، وليس تعريفًا علميًا لها.
وفي المقابل، لا يصح أن نجعل مجرد وجود الرجال والنساء في مؤسسة تعليمية سببًا كافيًا للحكم على التعليم كله بالفساد.
المسألة تحتاج إلى تفصيل في الأحكام والظروف والضوابط.
ثامنًا: المشكلة حين تصبح الحرية هدمًا لكل الحدود
الحرية قيمة عظيمة، لكنها ليست مرادفًا لغياب كل الحدود.
فالإنسان الحر ليس إنسانًا بلا مسؤولية.
ولا توجد أسرة مستقرة، أو مجتمع آمن، أو حياة إنسانية متوازنة دون قواعد تضبط السلوك.
وهذا ينطبق على الرجل والمرأة معًا.
فإذا قيل للمرأة:
«تحرري من كل القيود»
فالسؤال:
أي قيود؟
إذا كان المقصود:
التحرر من الجهل، فهذا خير.
والتحرر من الظلم، فهذا عدل.
والتحرر من الإكراه، فهذا إنصاف.
والتحرر من الإهانة، فهذا كرامة.
أما إذا أصبح المقصود:
التحرر من المسؤولية، ومن الأخلاق، ومن كل قيمة وضابط،
فهنا لم تعد القضية مجرد إنصاف للمرأة.
تاسعًا: لا تجعلوا الغرب معيارًا وحيدًا للتقدم
من حقنا أن نستفيد من تجارب الشعوب الأخرى.
بل من الخطأ رفض المعرفة النافعة لمجرد أنها جاءت من خارج بيئتنا.
لكن الاستفادة شيء، والاستنساخ شيء آخر.
فالمجتمع المسلم يستطيع أن يستفيد من:
العلوم الحديثة، والتقنيات، وأساليب التعليم، والخبرات الإدارية، والتجارب الاجتماعية النافعة.
وفي الوقت نفسه يستطيع أن يناقش:
الفلسفات، والقيم، والتصورات الاجتماعية، والنماذج الأسرية، والمفاهيم الأخلاقية
دون أن يفترض مسبقًا أن كل ما جاء من بيئة أخرى صالح لكل زمان ومكان.
فالاستفادة الحضارية تحتاج إلى:
اختيار لا تقليد.
عاشرًا: المرأة ليست مشروعًا اجتماعيًا بيد الآخرين
وهذه ربما أهم نقطة.
لا ينبغي أن تتحول المرأة إلى مجرد أداة في مشروع فكري:
مرة باسم المحافظة عليها.
ومرة باسم تحريرها.
ومرة باسم تحديث المجتمع.
ومرة باسم مقاومة التقاليد.
فالمرأة إنسان لها عقل وإرادة وكرامة ومسؤولية.
ولا يجوز أن تكون قضيتها مجرد وسيلة لإثبات انتصار تيار فكري على تيار آخر.
ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لإصلاح قضية المرأة يجب أن يبدأ باحترامها كإنسان، لا باعتبارها رمزًا لمعركة ثقافية.
الإصلاح الحقيقي لا يهدم الصحيح
إذا كانت هناك عادة ظالمة، فلنحارب الظلم.
وإذا كان هناك جهل، فلنفتح أبواب العلم.
وإذا كان هناك إكراه، فلنرفض الإكراه.
وإذا كانت هناك إساءة إلى المرأة باسم الدين، فلنصحح الفهم.
لكن في المقابل:
إذا كان هناك حكم شرعي ثابت، فلا ينبغي أن نرفضه لمجرد أنه لا يوافق بعض التصورات الحديثة.
وإذا كانت هناك قيمة أسرية مهمة، فلا ينبغي أن نصفها بالرجعية لمجرد أنها قديمة.
وإذا كانت الأمومة ذات قيمة، فلا ينبغي أن نجعلها عائقًا أمام المرأة.
وإذا كان للمرأة حق في العلم والعمل، فلا ينبغي أن نحرمها منه باسم المحافظة.
هكذا يكون الإصلاح: تصحيحًا لا هدمًا، وتجديدًا لا تغريبًا، وإنصافًا لا صراعًا.
الخلاصة
إن قضية المرأة لا تُحل بالشعارات.
لا يكفي أن نقول:
«حرروا المرأة».
ولا يكفي أن نقول:
«أبقوها كما هي».
بل يجب أن نسأل:
ما الذي يحتاج إلى تغيير فعلًا؟
وما الذي يجب المحافظة عليه؟
وما الذي هو من الإسلام؟
وما الذي هو من العادات؟
وما الذي يحقق مصلحة المرأة والأسرة والمجتمع؟
فإذا أردنا إنصاف المرأة، فلنفتح أمامها أبواب العلم.
وإذا أردنا كرامتها، فلنمنع عنها الظلم والإكراه.
وإذا أردنا مشاركتها في المجتمع، فلنجعل مشاركتها نافعة ومحترمة.
وإذا أردنا أسرة قوية، فلنحفظ قيمة الأمومة والأبوة والتربية.
وإذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا، فلنميز بين الدين الذي جاء بالعدل، والعادات التي قد تظلم باسم الدين، والأفكار الحديثة التي قد تصيب في جانب وتخطئ في جانب آخر.
فالمرأة لا تحتاج إلى الاختيار بين العلم والدين، ولا بين الكرامة والأسرة، ولا بين المشاركة الاجتماعية والقيم.
إنما تحتاج إلى رؤية متوازنة تجعل العلم علمًا، والحرية مسؤولية، والأسرة شراكة، والدين هداية، والكرامة حقًا لا شعارًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق